أبو حسن المير... الزمن الجميل

on16 حزيران/يونيو 2015 770 times

اقبال سابا - النداء
هو أحمد الأيوبي ابن حارة الجديدة- ميناء طرابلس، حارة الكادحين من عمال المرفأ وعمال البلدية والصيادين والمشتغلين بأكثر المهن شقاء وبؤساً.
أواسط الستينيات جئت إلى طرابلس، بل عدت إليها آتياً من كلية العلوم في الجامعة اللبنانية حيث أمضيت سنوات الدراسة في هذه الكلية- المدرسة في النضال- زمن حسن مشرفية وبديع تقي الدين ورفيق بدّورة وبارعة عادلي وجلبير عاقل ونزيه عكاري وباقة جميلة من أعلام الثقافة والعلم والنضال، لن تمحو بصماتها كل الأزمنة الصعبة التي تلت تلك المرحلة.
عدت إلى طرابلس – مدينتي- لأمارس التعليم، هذه المرة في ثانوية الحدادين (أيضاً)، وفي مدرسة البنات الوطنية للروم الأرثوذكس – الزاهرية.
عدت من كلية العلوم تلك إلى المدينة التي كانت تضج بالحراك والنضال والحيوية، زمن العروبة والتحرر ضد الاستعمار. زمن عبد الناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو... زمن الاتحاد السوفياتي الداعم القوي لحركات التحرر من كوبا كاسترو وغيفارا إلى لومومبا وكل حركات الاستقلال والتحرر في أفريقيا.
هذه المدينة التي كانت تضج بالمناضلين من نقابيين ومثقفين وكادحين، دعاة العروبة والتحرر والاشتراكية.
ذلك الزمن كان له مذاق خاص وايقاع خاص في مدينة طرابلس، هي التي كانت مركزاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً لكل أقضية الشمال وبقيت كذلك حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي.
في هذه المدينة وفي ذاك الزمن كان للحزب الشيوعي طعم خاص ووجوه جميلة وعريقة في حاراتها ومعالمها الثقافية والنقابية والتربوية.
كان أحمد المير الأيوبي جزءاً حقيقياً من هذه الصورة بل كان أفضل تعبير عن شكلها وتجلياتها وتعابيرها.
كان مع باقة من المناضلين في مجالات العمل كافة، في المدينة بدءاً من مرافقها العامة: كهرباء، مرفأ، مياه، صحة... مروراً بمؤسساتها التعليمية وصولاً إلى هيئاتها النقابية والثقافية، كانوا جميعاً عنواناً لتلك المرحلة الزاخرة والزاهية لأعرق مدينة على شاطىء المتوسط.
كان أبو حسن قائداً حقيقياً ليس فقط لمنظمة الحزب الشيوعي في الشمال، بل حقيقة لأهم مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المدينة. هذا العامل الكادح، رفيق الصيادين وزميل الكادحين ونصير المظلومين، كانت له مفاهيمه ومدرسته في العمل القيادي، يمارس قيادته بزخم الموقف الذي يتشكل لديه من خلال مشاركته الناس أوجاعها وهمومها وتطلعاتها.
لم يمارس القيادة بقوة القرار الآتي من القيادة (من الداخل)، كان الموقف – القناعة يتشكل من (الخارج) من الناس من أصحاب العلاقة، ثم يصاغ، يتبلور يأخذ صياغته وتقنيات طريقه للتنفيذ في "الداخل". أذكر دوره في تشكيل وعمل قيادة "مؤتمر الأحزاب والشخصيات الوطنية والتقدمية في الشمال". مطلع السبعينيات كان مصراً وحريصاً على أن تضم هذه القيادة كل الفعاليات الطرابلسية على اختلاف مشاربها من بعثيين وناصريين وشيوعيين وزعماء (تقليديين) ومستقلين وإسلاميين...
كان يتشكل قراره وقرارنا بعد نقاشات ودردشات تبدأ في حلقات ضيقة مع أصدقاء أو نشطاء من خلال جلسات يسعى لها تمهيداً لبلورة قرارنا الحزبي.
استعيد اليوم وبإدراك أعمق كم كان متعصباً لدور"التجمع الوطني للعمل الاجتماعي" الذي كان يضم اتحاد نقابات عمال الشمال، النقابات المهنية (مهندسون، أطباء، محامون)، نقابة معلمي المدارس الخاصة، هيئات تنسيق قطاعات التعليم في الشمال (أيضاً في ذلك الزمان كان لنا هيئة تنسيق..)، الرابطة الثقافية (الصرح الثقافي الأبرز في الشمال بل في لبنان، تلك الفترة)، جمعيات كشفية وخيرية فاعلة...
ففي الوقت الذي كانت تسعى فيه بعض الأحزاب والتنظيمات للعمل الاجتماعي والسياسي والمالي، كان إصراره على منح هذا التجمع كل الصلاحيات في ما يمكن تسميته إدارة مدنية لذاك الظرف الاستثنائي.
في المقلب الآخر لا أزال أذكر عدم حماسه للاندفاع في الحرب الأهلية، مستعيداً بعض النقاشات الحادة أحياناً التي كنت مع بعض الرفاق نشارك بها بمواجهة مواقف كان يصر عليها ويدافع عنها "أبو حسن". أذكر تلك النقاشات التي جرت قبيل مشاركتنا في معارك شكا- حامات- الكورة بداية الحرب الأهلية. كان يطالبنا بأقصى درجات الحذر والحيطة والخوف على حياتنا وحياة الرفاق، بينما كان حماس الانتصار أو الحسم أو تقدم الصفوف يطغى على سلوك عدد من المسؤولين بيننا.
أذكر كيف اشتركنا – بعض الرفاق- بحملة تهدف الى التصريح ببعض المواقف التي كان يخالفنا الرأي فيها. للأسف بعض من بقي حيّاً من هؤلاء الرفاق خرجوا من الحزب في أزماته الأخيرة.
كان مبادراً وأهلاً للمسؤولية كان يحمل نصيب الآخرين من المسؤولية، إذا شعر بوجود مخاطرة أو سلوك طريق غير مضمون، كان يتصدى بصدره لمهام من المفترض أن يتحملها آخرون.
بقدر ما هو ثابت في مواقفه وتقدمه، كما مشيته وخطواته، كان يبادر بل يخاطر في بعض المواقف، استذكر ذاك العام 1965، عام عودتي إلى طرابلس من كلية العلوم للمشاركة في الهيئة القيادية لمنظمة الحزب في الشمال، طلب مني أبو حسن أن أعمل مع "هيئة المثقفين" في الشمال التي كانت تضم وجوهاً وقامات كبيرة في المدينة والحزب، منها النقيب المهندس عبد الغني مسقاوي، ود. نزيه مظلوم، والنقيب صلاح خياط، ود. محمد علم الدين، والأستاذ هشام مطرجي، والأستاذ فارق خوري، والشخصية الاستثنائية مخائيل فرح، والأديب المهندس حسيب غالب، والشاعر كامل درويش، ومعظمهم صار في دنيا الحق وأطال الله عمر من بقي منهم على قيد الحياة، أقول عندما دعيت إلى ذلك استهولت المشاركة والانضمام الى هذه القامات الكبيرة، والمفاجأة كانت أكبر عندما قال لي "أبو حسن" انضم وأنا لم أكمل النصف الأول من العقد الثالث من العمر وسنوات خمس من عمري الحزبي.
بعدها لمست مدى مسؤولية هذا القائد من خلال المساعدة التي كان يقدمها في اللحظات الضرورية من أجل إنجاح عمل تلك الهيئة وتذليل العديد من الصعوبات التي واجهتنا.
لا أزال أذكر ذاك المساء الذي جاء فيه إلى منزلي - وكان مقرراً تلك الفترة أن ينام في أماكن مختلفة- سألته أين محمود (وهو السائق الذي قررنا أن يرافقه منذ حوالي الشهر)، أجابني أنه أوصله إلى بيته وأتى وحيداً لعندي!.
أبو حسن ذكرى جميلة لزمن جميل..
أبو حسن قائد أعطى القيادة كل حلاوتها وتخلى عن كل ما هو بشع فيها.
نستذكرك في هذا الزمن الصعب الذي يمر به وطننا وحزبنا.
شكراً للرفاق الذين منحوني متعة استذكار ذاك الزمن.

Rate this item
(0 votes)