من «قصر العدل» إلى ساحة رياض الصلح: هتافات وشموع

on25 آب/أغسطس 2015 626 times

عماد الزغبي -السفير

غاب الصخب الذي شهدته ساحة رياض الصلح في اليومين الماضيين، وحلت العقلانية والواقعية والحراك السلمي. غابت المفرقعات النارية، وقذف زجاجات المياه الفارغة، والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وأستبدلت بهتافات مطالبة بإسقاط الطبقة السياسية، وإزالة «جدار السرايا الحكومية». غاب مثيرو الشغب، ونزلت منظمات المجتمع المدني للتعبير عن وجع وألم الشعب اللبناني.
اكتفى المعتصمون بإطلاق الصوت عالياً للمطالبة بمحاسبة المسؤولين، وإجراء تحقيق سريع بما حصل في اليومين الماضيين مع المتظاهرين، نافضين أيديهم من المندسين ومثيري الشغب الذين أشعلوا ساحة رياض الصلح ومحيطها، ليحل محلها، إضاءة الشموع تكريماَ للجرحى الذين سقطوا، والدعاء بالشفاء للجريح محمد قصير الراقد في المستشفى.
من أمام «قصر العدل»، نُفذ اعتصام عند السادسة مساء أمس، بدعوة من «اتحاد الشباب الديموقراطي» في إطار حملة «بدنا نحاسب» للمطالبة بمحاسبة المسؤولين الأمنيين والسياسيين، «بعد القمع الوحشي للمتظاهرين من قبل القوى الأمنية وبعد إصابة العشرات من المتظاهرين»، وللتأكيد أن التحرك مستمر من أجل «إسقاط الطبقة الفاسدة في كل الساحات والمناطق».
صدحت الحناجر، والتهافات «يلا يلا ع الشارع تنجيب الحق الضايع» و «إلى الأمام بدنا نحاسب النظام». وعبَّر المعتصمون عن رفضهم لما حصل من تجاوزات، وتعطيل وهج التحرك الشعبي داعين إلى محاسبة «من فرَّق بين القوى الأمنية والشعب».
لم ينس المعتصمون محمد قصير، فرفعوا صورته وهو مضرج بالدماء «كل قطرة دم سقطت من محمد قصير، سوف تكون زيت قناديل للحرية».
يؤكد أمين عام «اتحاد الشباب الديموقراطي عمر ديب لـ «السفير» أن «التحرك السريع» جاء «بعدما لمسنا تراجعاً في محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين، وتأجيل المدعي العام سمير حمود جلسة الاستماع للشهود (بدأت التحقيقات ليل أمس)».
يشدد ديب على أن تحرك «بدنا نحاسب» جمع مكونات شبابية عدة، من دون التوافق مع حملة «طلعت ريحتكم». يقول: «لم نستطع التوافق مع الحملة للمشاركة في الاعتصام، لأنهم خافوا من أي حراك معاكس»، مرجحاً أن يكون «الحراك الكبير يوم السبت المقبل، وأن تكون مسيرة أكثر من تجمع».
وألقت عضو حملة «بدنا نحاسب» حلا سليمان، بياناً طالبت فيه «بمحاسبة من أعطى الأوامر بإطلاق النار على المعتصمين وبإطلاق سراح جميع المعتقلين والتعهد بعدم ملاحقتهم لاحقاً، وبإحالة الملفات المتعلقة بالفساد والرشى التي ذكرها رئيس الحكومة تمام سلام في مؤتمره الصحافي أمس الأول، على النيابة العامة المالية، وإطلاق جميع المعتقلين، وعدم ملاحقتهم قانونياً».
وأوضح الناشط في حملة «بدنا نحاسب» جورج عازار عن «استمرار الحراك في الشارع انطلاقاً من إيماننا بحقنا في ممارسة أشكال التعبير عن مظلوميتنا»، مشدداً على دور القوى الأمنية في حماية المتظاهرين سلمياً، وليس حماية السرايا الحكومية، مستغرباً كيف أن القوى الأمنية لم تردع أصحاب السيارات والدراجات النارية من المرور وسط المعتصمين في رياض الصلح.
وقال متحدث باسم «شباب بيروت» المشارك في الاعتصام وجيه دامرجي: «لا نريد إسقاط الحكومة ولا مجلس النواب بل نريد انتخاب رئيس للبلاد». ورأى ان «على الطبقة السياسية أن تتعظ مما حصل من تجاوزات وأعمال تخريب»، لكنه شدد على «ضرورة الحفاظ على هيبة الدولة ومؤسساتها». مطالباً وزارة الداخلية «بإجراء تحقيق سريع بما حصل أمس الأول مع المتظاهرين السلميين».
بعد اكتمال التجمع أمام «قصر العدل»، قرر المنظمون الانطلاق في مسيرة، في ظل تساهل وتسهيل من قبل القوى الأمنية للمسيرة، وسط إجراءات أمنية مشددة نفذتها وحدات من الجيش اللبناني عند مداخل العاصمة من جهة رأس النبع وصولاً إلى ساحة الشهداء والجسر المؤدي إلى برج الغزال، نزولاً في اتجاه ساحة رياض الصلح، التي وصلوها بعد مسيرة ساعة، وكان في انتظارهم، ناشطون من المجتمع المدني، واعتصام لـ «اتحاد المقعدين» الذي دعا للوقوف دقيقة صمت تضامناً مع الجريح محمد قصير.
وقامت حملة «طلعت ريحتكم» بإضاءة الشموع، احتجاجاً على سقوط جرحى أمس الأول، وشارك الامين العام لـ«الحزب الشيوعي اللبناني» خالد حدادة، وعدد من الوجوه النقابية، إضافة إلى حشد من هيئات المجتمع المدني في الاعتصام، أمام «جدار السرايا»، وهتفوا رفضاً لـ «جدار العار» مؤكدين رفضهم له، وفي الوقت ذاته رفضهم إزالته، في حين عبَّر عدد من الشباب عن سخطهم من الجدار.
واستمر الاعتصام حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم شهد شارع المصارف عمليات شغب تخللها رشق القوى الأمنية بالحجارة، من دون تسجيل إصابات، فيما تم التأكيد على سلمية التظاهرة التي ستنطلق في ساحة رياض الصلح اليوم.

 

توقيفات.. والتحقيقات مستمرة
أوضحت مصادر أمنية لـ «السفير» أن «عدد الموقوفين كان حتى قبل ظهر أمس نحو 32 شخصاً، تم تُرك معظمهم بعد استماع مفوض الحكومة القاضي داني الزعني إلى أقوالهم، وبقي نحو 12 شخصاً فقط قيد التوقيف، وننتظر قرار القاضي الزعني لتحديد إذا كان سيفرج عنهم أولاً»، مشيرة إلى أن «شعبة المعلومات» والشرطة القضائية تتابعان «التحقيق في الصوَر الملتقطة للأشخاص الذين قاموا بعمليات تخريب لملاحقتهم وتوقيفهم».
وكان وزير الداخلية نهاد المشنوق قد أوضح أن المفتش العام لقوى الأمن الداخلي يقوم بإجراء «تحقيق مسلكي كامل لكل ما حصل منذ اللحظة الأولى، وهو موثق بالصوت والصورة وبشهادات العسكريين والمدنيين، وخلال 72 ساعة سيكون التقرير جاهزاً ويحدد المسؤوليات بشكل مباشر وسيتم عرضه أمام كل وسائل الإعلام، ولا أريد أن افترض مسبقاً أي نتيجة قبل صدور التحقيق».
ورداً على سؤال عما إذا كان قد تمّ توقيف مثيري الشغب من خلال الصور التي التقطت لهم، قال المشنوق: «تم توقيف البعض منهم، ونحن ندقق في الصور لإلقاء القبض على الباقين، إنما هذه مسألة تتعلق أيضاً بيننا وبين القضاء ونسعى معه لإتمام القبض عليهم للتحقيق معهم».
وفي السياق ذاته، أكد النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود أنّ التحقيقات في شأن تظاهرة رياض الصلح، أمس الأوّل، ما زالت مستمرّة «ويتمّ تحليل الأشرطة بانتظار تقرير المفتش العام، والانتهاء من الاستماع لعدد من الأشخاص الذين جرى توقيفهم بغية تكوين صورة واضحة لما جرى».
وأكد حمود لـ «السفير» إطلاق سراح «عدد من الموقوفين الذين تم الاستماع إلى إفاداتهم، وتبيّن أنّ لا علاقة لهم بالموضوع، فيما ما يزال عدد من الأشخاص قيد التوقيف لتورطهم». ونفى «وجود عناصر أمنيّة قيد الاحتجاز»، مشيراً إلى أنّ «جميع الإصابات التي وقعت خلال التظاهرة ناتجة عن رصاص مطاطي وليس رصاصاً حياً».

 

99 جريحاً
أعلنت شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، في بيان صدر أمس، أن «أعمال الشغب التي وقعت ليل الأحد في وسط بيروت أدت إلى سقوط 99 جريحاً من قوى الأمن الداخلي وإصابة عدد من المتظاهرين، وتضرر عدد كبير من المحال والمطاعم والمباني والمنشآت الطرقية وآليات عسكرية، وتوقيف 32 شخصاً من مثيري الشغب».
أضاف البيان: «إن قوى الامن الداخلي تأسف للأحداث التي رافقت التحرك في بيروت، وتؤكد أن مهمتها هي حماية حق التظاهر السلمي للمواطنين الذين لا يلجأون الى استعمال العنف ولا يعتدون على الأملاك العامة والخاصة».

Rate this item
(0 votes)