ماركس ضد سبنسر | «عبقرية» اليمين الاقتصادي وبؤس الاقتصاد

on23 آذار/مارس 2017 448 times

غسان ديبة - الأخبار«التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة»

كارل ماركس

خلال الأسبوع الماضي، في خضم معركة سلسلة الرتب والرواتب، لم يكتف اليمين الاقتصادي المتمثل بالهيئات الاقتصادية، وممثليهم في السلطة السياسية بنسف السلسلة، بل ذهبت الموازنة والضرائب الموجودة فيها كلّها كأضرار جانبية لهذه المعركة.

وهكذا حافظ الرأسمال على مواقعه الاقتصادية وسلطته السياسية مرة أخرى. فعند انقشاع الغيوم تبين للبنانيين أن النظام الرأسمالي-الطائفي قد أنقذ نفسه مرة أخرى، في معركة أديرت بشكل ذكي جداً، بحيث خلقت "شعبوية" يمينية ويسارية في آن ضد "الضرائب"، مترافقة بالإشاعات والأكاذيب والتهديدات بانهيار الاقتصاد في حال وضع ضرائب على الأرباح والريوع والمصارف والتجارة، فكانت أنها جميعها تتجه إلى الإلغاء سلة واحدة.
ظن الجميع أن الجميع خرجوا رابحين. لكن هل هذه هي الحقيقة؟ كلا، ففي حساب سريع ربحت القلة وخسرت الأكثرية. ربحت القلة التي تراكمت ثروتها وسلطتها الاقتصادية والسياسية منذ 1992، لأنها استطاعت أن تمنع أمرين كانا سيهدّدان مصالحها: الأول، السلسلة ليس لأنها ستزيد أجور موظفي القطاع العام والعسكريين والأساتذة. فعلى الرغم من وجود حقد طبقي ضد الموظفين من قبل بعض الرأسماليين الذين راكموا أموالهم من الخمول الريعي وامتصاص أموال الخزينة اللبنانية عبر أدوات الدين العام، وهذا الحقد يظهر يين الفينة والأخرى ويصل إلى دركه الأسفل إلى التهجم على "معاشات التقاعد"، إلا أنهم يخافون من السلسلة لأنها ستؤدي إلى كرة ثلج مطلبية عمالية ستجتاح القطاع الخاص المبنية أرباحه و"كفاءته" على الأجور المتدنيّة؛ وأيّ خلل في هذا الإطار سيكسر أحد أهم أعمدة النموذج الاقتصادي القديم، ألا وهو الأرباح العالية مقابل الأجور المتدنية. الأمر الثاني، رفع الضرائب على الأرباح والفوائد واستحداث ضريبة الربح العقاري. على الرغم من أن هذه الضرائب لو أُقرت بالكاد كانت ستحدث "صدمة خفيفة" في توزع الثروة والدخل في لبنان الذي يميل بشكل فاقع إلى صالح الرأسمال (حصة عوائد الرأسمال حوالى 60% من الناتج، مؤشر جيني للثروة 0.86، من أعلى معدلات تركز الثروة في العالم في أيدي القلة؛ لائحة مليارديريي مجلة فوربز ثروتهم تبلغ حوالى 20 بالمئة من الناتج وهذا معدل عالٍ جداً). لكن هذه الضرائب كانت ستشكل "سابقة" وليست أية سابقة بالمطلق. أي أن اليوم يختلف عن الأمس. اليوم وصل لبنان إلى مفترق طرق أسميتها "ساعة الحقيقة"، فعند بدء التفكير بالموازنة بعد 12 عاماً والذي ظن البعض بعقله المحاسباتي والمركنتيلي السخيف أنها ستكون "الحل" اكتشف اللبنانيون العكس تماماً؛ "فاكتشفوا" أن الدولة غارقة في الدين وخدمته وأن عجز الخزينة مزمن، وليس فقط ناتج عن عدم إقرار موازنة، وأن البنى التحتية تهترئ وأن الكهرباء عاجزة في دولة دخلها الفردي حوالى 13 ألف دولار، وتتشارك في انقطاع الكهرباء مع الكونغو التي يبلغ دخلها الفردي حوالى 500 دولاا (زيمبابوي أفضل من لبنان بالمناسبة)!
أمام كل هذا، ما الذي كان متاحاً لمهندسي الموازنة؟ في وجود خزان الثّروة والمداخيل التي تراكمت في أيدي القلة من الرأسماليين الماليين والمصرفيين والعقاريين، فكان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى هناك، ليس فقط من قبل "اليسار" بل من قبل أي عاقل رأسمالي، ولهذا رأينا اقتراحات الاقتطاع الضريبي من هذه المصادر. ولهذ كان الرفض مدوياً!
في المقابل خسر العمال والموظفون والطبقة الوسطى وخسرت الدولة اللبنانية، لأن "الضرائب" التي أُلغيت ومن ضمنها الـ 11% على tva كانت ثمناً ضئيلاً نسبياً إلى ما كانت هذه الفئات والدولة ستجني من خسارة الرأسمال لبعض من مواقعه. إن الفرصة، ولربما كانت لا تزال سانحة، لتشكيل تحالف واسع يشكل قوة مضادة للرأسمال ومحاولة استفراده وتسلطه. فهذه القوة المضادة، أو ما أسماها روبرت رايش وزير العمل الأميركي في عهد كلينتون "the countervailing power" كانت أساسية في الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق المكاسب للعمال الأميركيين وللطبقة المتوسطة منذ أيام "الثورة الديمقراطية الجاكسونية" في 1830s، مروراً بتفكيك الاحتكارات إلى الاتفاق الجديد (new deal) في عهد روزفلت، وصولا إلى حرب "المجتمع الكبير" على الفقر أيام ليندون جونسون في الستينيات. هكذا وحتى في أميركا انقلبت موازين القوى تاريخياً، ويجب الآن بحسب رايش أن تنقلب ضد "تمركز السلطة في أيدي النخب الشركاتية والمالية".

يجب ألا يكون هناك عودة للخطاب الاقتصادي الأحادي الاحتكاري من زمن التسعينيات

بالعودة إلى لبنان، فعلى الرغم من انتصار الرأسمال لمرة أخرى، إلا أنه لا ينام على أمجاده لأنه يعلم أن الأمور لا تزال في دائرة عدم اليقين، وأننا أمام مرحلة يمكن وصفها بالصراعية، ربما لأول مرة منذ 1992. وبالتالي انتقل الرأسمال إلى الهجوم المضاد ولم يكتف بالنصر المؤقت لأنه يريده "نصراً رأسمالياً" وليس فقط "شعبوياً"؛ فالشعبوية أداة قد تنقلب ضده في أيّ لحظة. ومن أفضل من ممثلي الرأسمال الأوائل في الحكومة والنظام، رئيس الحكومة سعد الحريري وقائد حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لقيادة هذا الهجوم المضاد؟
الرئيس الحريري يريد أن يعيدنا إلى التسعينيات ليعطي للرأسمالية اللبنانية مشروعاً و"مشروعية" فقدتها. ففي خطاب أمام مؤتمر مجلة الاقتصاد والأعمال قال إن الحكومة بصدد الإعلان عن برنامج استثماري لمدة سبع سنوات "بروحية مرحلة التسعينيات"! أي العودة إلى الفترة التي أنتجت ما نحن عليه الآن من أزمات. ولم يقل الرئيس الحريري من أين سوف تُموّل هذه الاستثمارات؛ إلا إذا كان كلامه عن ضغط الـ 2 مليون سوري وفلسطيني على البنى التحتية وتحمّل المجتمع الدولي لمسؤولياته مقدمة لإطلاق حملة "تبرعات" دولية. في هذا الإطار، لا بدّ من القول: أمام لبنان طريقتان لتمويل خطة كهذه: الضرائب أو الاستدانة (التمويل التضخمي صعب جداً في لبنان في المرحلة الحالية) فليختاروا واحدة. أما استغلال وجود السوريين والفلسطينيين للبحث عن وطلب الهبات من هنا وهناك وتحويل البرنامج إلى مباراة في طلب التمويل من الخارج، فإنه عندئذ سيكون عرضة أن يصبح، على الرغم من تذكيرنا بمآسي التسعينيات، فعلاً مهزلة.
أما جعجع، من جهته، فقد أفصح عن "عبقرية اقتصادية"، إذ اعتبر أن "التقشّف" هو الحل واضعاً حلولاً للموازنة أولها عصر النفقات. وبطريقة استسهالية للأمور قال إن الموازنة يجب أن ينخفض إنفاقها من 25 ألف مليار ليرة إلى 22 الف مليار ليرة أي 2 مليار دولار: إنها فكرة شعبوية ممتازة، وأيضاً ستنطلي على الكثيرين. لكن يجب السؤال هنا: من أين سيأتي الخفض هذا الذي يشكّل 12 بالمئة من الموازنة أو 4 بالمئة من الناتج المحلي؟ من خدمة الدين العام؟ أو من نفقات الوزارات العادية؟ أو من نفقات قطاع الكهرباء؟ فكل هذه الأبواب غير خاضعة للخفض، على الأقل في المدى القصير، الذي يتطلّبه إقرار موازنة، إلا إذا كنا نريد موازنة في عام 2022 مثلا! بالتالي يبقى أمران في الموازنة: الأجور والاستثمار العام. هنا طبعاً قد لا يكون المقصود من البند الخامس في "خطة" القوات اللبنانية (وأشدّد على قد) خفض الأجور أو طرد موظفي الدولة على الرغم من الإيحاء بهذا، حين قال إنه يجب "وقف التوظيف قطعاً في الإدارات العامة تحت أيّ تسمية من المسميات، فالمعاشات ومعاشات التقاعد تبلغ 35% من قيمة الموازنة الأمر الذي لم تعد تتحمله الدولة، إذ لديها 310 آلاف موظف بين ملاك ومتعاقدين، ولكن إنتاجيتهم لا تتلاءم وعددهم". هنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يشرح لنا أحد حتى الآن من "جيش المحاربين ضد القطاع العام" المفهوم الذي استُخدم لحساب إنتاجية الموظفين في القطاع العام، وكيف تم قياسها في لبنان بحيث وجد أنها "لا تتلاءم مع عددهم".
إذاً تسلسلياً وحسب منطق الخطة، فإن إلغاء السلسلة وخفض الاستثمار العام هما الملاذان الأخيران لخفض الـ 2 مليار دولار من الموازنة. وبهذا يتحقق هدفان: فإلغاء السلسلة يحلّ معضلة الرأسمال كما ذكرت سابقاً، وخفض الاستثمار يخدم فكرة عدم مقدرة الدولة على إعادة بناء البنى التحتية فيفتح المجال لخصخصة الكهرباء كما تريد القوات اللبنانية! بهذا تكون خطة جعجع أصابت عصفورين بحجر واحد، أصابت الاقتصاد اللبناني مقتلاً.
إن الفكر الاقتصادي اليميني الذي أنشأ النموذج الاقتصادي القديم إذاً يحاول العودة بأشكال جديدة ويريد أن يأخذ زمام المبادرة الأيديولوجية. صحيح أن القديم لم ينهَر وبالتالي لا نستطيع أن ننتظر الجديد الذي لم يولد بعد. ولكن القديم يهتزّ ويترنّح، فأزمة الرأسمالية اللبنانية وأزمة نظام الطائف، هذه الأزمة المزدوجة للنظام اللبناني لم تُحل. في الوقت نفسه إن "القوة المضادة" يجب أن تنشأ وتنشأ معها أيديولوجيا مضادة، لأنه بالنسبة لنا يجب ألا يكون هناك عودة للخطاب الاقتصادي الأحادي الاحتكاري من زمن التسعينيات، لأنه انتهى ونموذجه أصبح ليس فقط قديما بل أضحى نظاماً عتيقاً (Ancien Regime)، فكما أسقطت هذه الأنظمة في التاريخ، علينا إسقاطها في لبنان اليوم، لأن شباب لبنان وأجيال مستقبل لبنان والمجتمع كله يعتمدون على ذلك: لا أكثر ولا أقل.

Rate this item
(0 votes)