قرار التخلّص من الضبّاط الأربعة اتّخذ قبل بدء التحقيق

on30 تموز/يوليو 2010 1407 times

عمر نشابة
بدأت رحلة نقل الاختصاص القضائي من السلطات الوطنية الى جهات دولية عبر آليات الأمم المتحدة في 24 آذار 2005، يوم قدّم رئيس بعثة تقصي الحقائق الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد تقريره الى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان. البعثة خلصت، بعد أقل من شهر من تقصي «الحقائق» (بينما استغرق عمل لجنة مماثلة شارك فيها فيتزجيرالد في قضية اغتيال الرئيسة الباكستانية بينازير بوتو نحو تسعة أشهر)، إلى «أن أجهزة الأمن اللبنانية والاستخبارات العسكرية السورية تتحمل المسؤولية الرئيسية». وأضاف تقريرها: «من أجل كشف الحقيقة، لا بد من أن يعهد بالتحقيق إلى لجنة دولية»، إضافة الى التوصية بمنح «سلطة تنفيذية» لتلك اللجنة. وذكر التقرير «إن من المشكوك فيه إلى حد بعيد أن تتمكن مثل هذه اللجنة الدولية من الاضطلاع بمهماتها على نحو مرضٍٍٍٍ، وأن تحظى بالتعاون الفعلي الضروري من السلطات المحلية، ما دامت القيادات الحالية للأجهزة الأمنية اللبنانية باقية في مناصبها». وبالتالي، يبدو أن قرار التخلّص من المدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيد والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج ومدير الاستخبارات في الجيش العميد ريمون عازار وقائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان قد اتخذ قبل صدور القرار 1595 (7 نيسان 2005) الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية المستقلة. ذلك القرار الذي كُلّف ديتليف ميليس، على ما يبدو، بإيجاد صيغة لتطبيقه عبر سجن الضبّاط، هو بمثابة إشارة انطلاق لعملية سطو تدريجي لقوى دولية على الضابطة العدلية اللبنانية.
ومن أبرز الدلائل على ذلك السطو المنهجي، ما ورد في مذكرة التفاهم التي وقّعها ميليس عن لجنة التحقيق الدولية ووزير العدل خالد قباني عن الجمهورية اللبنانية في 16 حزيران 2005. لكن قبل الدخول في مراجعة نقدية لمضمون المذكرة، لا بدّ من التذكير بأن القرار 1595 رحّب باستعداد الحكومة اللبنانية «للتعاون التام مع هذه اللجنة في إطار سيادة لبنان ونظامه القانوني»، وقرّر أن مهمة اللجنة تنحصر بـ«مساعدة السلطات اللبنانية في التحقيق الذي تجريه». لكن مثلما اختلفت شروط العمل ومعايير التطبيق بين ما نصّ عليه قرار مجلس الامن الرقم 1757 (2007 إنشاء المحكمة) وبين قواعد الإجراءات والإثبات الخاصّة بالمحكمة الدولية (2009) (كما بيّن مقال يوم أمس)، كذلك نلاحظ تناقضات بين مضمون قرار مجلس الأمن رقم 1595 (2005 إنشاء لجنة التحقيق) ومذكرة التفاهم بين لجنة التحقيق الدولية والجمهورية اللبنانية.
رغم تضمن نصّ المذكرة أنه «يعود للجنة أن تحدد أصول الإجراءات الخاصة بها على أن تأخذ في الاعتبار القانون اللبناني والإجراءات القضائية المعمول بها في لبنان»، تشير الفقرة الخامسة منها الى عدم أخذ القانون والإجراءات القضائية المعمول ﺑﻬما في لبنان بالاعتبار. فيذكر مشاركة «اللجنة في أي تحقيق له صلة بالقضية، سواء تم بناءً على طلبها أو لا» ومنحها حقّ «إعطاء التوجيهات للسلطات المختصة بشأن أي عمل يجب، أو لا يجب، القيام به خلال هذه التحقيقات ﺑﻬدف الحفاظ على الأدلة أو الحصول عليها». لا شكّ في أن ذلك مخالف للقانون ولمبدأ السيادة القضائية. لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحدّ، بل «يمكن أن يشارك قاضي التحقيق العدلي، بناءً على طلب اللجنة وفق ما تراه ضرورياً، في إجراءات التحقيق، بما في ذلك الزيارات إلى مكان الجريمة وفي عمليات التفتيش والبحث وفي استماع الشهادات التي قد تطلبها اللجنة». ماذا بقي إذاً من سلطة المحقق العدلي الذي يعدّه القانون اللبناني من أرفع مراجع التحقيق الجنائي في قضايا تمثّل خطراً على أمن الدولة وسلامتها؟ هل يجوز، بحسب الأصول القانونية والدستورية، أن تُمنح جهة أجنبية صلاحيات تتيح لها «إعطاء التوجيهات للسلطات المختصة»؟
مذكرة التفاهم تنصّ على: «تسلّم جميع ما في حيازة السلطات اللبنانية من أدلة وثائقية ومعلومات مادية أو واردة في شهادة الشهود بشأن القضية وذلك بأقرب وقت ممكن (...) كما تسلّم للجنة أي معلومات وأدلة وثائقية أو مادية أو واردة في شهادة الشهود». فالمطلوب، بمعنى آخر، تسليم كامل ملف التحقيق في ما يشبه التنازل عنه لجهة دولية، بينما يخالف ذلك القرار 1595. المذكرة تتيح كذلك للّجنة «الدخول من دون عائق إلى جميع الأماكن والمؤسسات» من دون تحديد أي استثناء. «جميع الأماكن والمؤسسات» يمكن أن تشمل رئاسة الجمهورية وديوان المحاسبة والأرشيف السرّي للمحفوظات، والمصرف المركزي، وقيادة الجيش وغيرها.

Last modified on 01 أيلول/سبتمبر 2009
Rate this item
(0 votes)