أدهم السيد - الاخبار

 

«..هل نسي البعض أن الفكر ليس في ذاته قوة مادية، بل في صيرورته وعي الجماهير؟ أما الشيوعيون فهم الذين يعلمون أن للنظرية العلمية جسداً هو جسدهم، وأعصاباً هي أعصابهم، وعاطفة هي عاطفتهم، وأنّ لها حياة هي حياة نضالهم، وحباً في عيونهم حتى الشهادة. فليبحث (المتفكرون) عنها في هذه العيون التي ترى، وفي الأيدي التي تحاول التاريخ يومياً، تدكه وتحاوله، تشق فيه درب التحرر...» النظرية في الممارسة السياسية – مهدي عامل.

 

شهد لبنان مند عام 2010 مجموعة من التحركات الشعبية، كادت أن تتحوّل إلى انتفاضات تهزّ أركان النظام القائم، من حملة «إسقاط النظام الطائفي»، إلى نضالات «هيئة التنسيق النقابية»، وصولاً إلى «الحراك» الشعبي الجاري اليوم. على امتداد هذه الاحتجاجات، وخاصّة خلال عملية تطوّرها الداخلي، دائماً ما كان يبرز سؤال عن دور الحامل الطبيعي لحراكات كهذه، وما تحمله موضوعياً من شعارات؟ ونقصد اليسار عامّة، والحزب «الشيوعي اللبناني» خاصّة. إنّ دور الحزب في هذه الحراكات يمكن فصله (للضرورة) إلى قسمين. فمن جهة هناك دور الشيوعيين كأفراد، ومن جهة ثانية دور الحزب كأداة ثورية. وهنا لا بد من الإشارة إلى الانتقادات استباقاً. إنّ حركة الحزب هي، بالدرجة الأولى، حركة أعضائه عندما يتملكون برنامجه السياسي، وينخرطون في المجتمع من أجل تحقيق أهدافه.

عندما نلقي نظرة سريعة على الحلقات الصغيرة (مركزياً)، والحلقات الواسعة (المناطق) التي تعمل على حشد، وتجييش الناس، حول شعارات الحراك، نجد أن الشيوعيين يوجدون في هذه الحلقات بشكل أساسيّ مؤثّر ومحرّك، وخاصة في الحلقات الواسعة. فهم «الماكينة» الميدانية المحرّكة، والمنظمة التي تملك صلات مع معظم المناطق، وبالتالي فهم صلة الوصل الميدانية، الوحيدة تقريباً، بين المركز والأطراف، والتي عليها يكون معظم العمل اللوجستي اليومي، تحضيراً للتحرّكات. إلا أنهم، بالرغم من الكفاحية العالية التي يتمتعون بها، لا يقدّمون أنفسهم على أنهم حزبيون، وذلك حرصاً منهم على الحراك، خاصّة في ظلّ وجود بعض أصحاب الرؤوس الحامية، ممّن يعانون «فوبيا الأحزاب»، وخاصّة اليسارية منها (وهذا الأمر ليس بجديد). وبالرغم من الاتهامات التي تكال ضدّهم، ومحاولات تشويه دورهم، إلا أنهم يزدادون يوماً بعد يوم اندفاعاً وانخراطاً وتنظيماً. وهنا لا بدّ من التفرقة بين من هم حرصاء فعلاً على الحراك، من غير الحزبيين، والذين يطالبون بعدم فرض أجندة أيّ حزب في الحراك (يتلاقى الشيوعيون مع هؤلاء لأنهم يحرصون مثلهم على إنجاح الحراك والوصول إلى أهدافه المعلنة)، وبين قلّة تستخدم نفس الشعار، وبالمقابل هي تعمل في الخفاء على فرض أجندة مموّلة من جهات مشبوهة، تعود بالنفع الشخصي المباشر على أصحابها، وبالضرر الكبير على الحراك. ومثل هؤلاء (ولضرورات الحصول على التمويل) يتحوّلون إلى نجوم الشاشات، أو «ثوّار التلفار» بسرعة فائقة (طبعاً لا نعني جميع الناطقين الإعلاميين)، وهؤلاء بالذات هم من يصطدم بهم الشيوعيون. هذا الانخراط المؤثر للشيوعيين في الحراك يدفع الحزب إلى التحرّك، والانخراط من خلال برنامجه. هذا الانخراط يجب أن يوفر للشيوعيين أداة تحركهم السياسية، والتنظيمية، أي أن يُسهم، من خلال برنامج حزبهم، في تطوير برنامج الحراك، وتحميله شعارات يمكن من خلالها دفعه نحو تحقيق هدفه النهائي، وهو تغيير النظام. بمعنى آخر، الإضافة التي يمكن أن يوفرها دخول الحزب هي رفع الحراك من مستوى العفوية، إلى مستوى الفعل المنظّم، الذي يؤدي إلى التغيير. هذا الأمر لا يمكن إحداثه إلا إذا كان الحزب نفسه يملك برنامجاً، ورؤيةً توصل إلى هذا الهدف. إنّ برنامج الحزب «الشيوعي اللبناني» هو برنامج لا يصلح لطبيعة المرحلة التي نحن فيها اليوم، فالحزب لا يزال يرفع برنامج ما قبل الحرب اللبنانية، الذي تبنّته «الحركة الوطنية» في ما عرف لاحقاً بالبرنامج المرحلي. إنّ هذا البرنامج، الذي كانت تواكبه ظروف دولية وإقليمية وداخلية مغايرة إلى أبعد الحدود، والذي كان ثمرة نضالات شعبية قادها الشيوعيون وحلفاؤهم، منذ الخمسينيات وحتّى أوائل السبعينيات، وثمرة نقاشات داخلية في الحزب استمرت لسنوات. إنّ هذا البرنامج الذي طرح الثورة الوطنية الديموقراطية، والحكم الوطني الديموقراطي، لا يصلح لظرفنا هذا. وهنا لا ضرورة للكلام عن تغير الظروف، وتراجع اليسار نتيجة أنه الخاسر الأوّل، والوحيد، في الحرب اللبنانية. فإنّ إصرار الحزب على رفع شعار قانون انتخاب يعتمد النسبية، ولبنان دائرة واحدة، وخارج القيد الطائفي مثلاً، كمدخل للتغيير يعني أن التغيير مستحيل اليوم. كان من الممكن تحقيق هذا الشعار عشية الحرب، لأنه كان يجمع حوله تأييداً شعبياً ضخماً، يمكّن الحزب وحلفاءه من فرض هذا المطلب. وبهذا المعنى فقد كان هذا الشعار ثورياً، أي ضرورياً. اليوم لا يمكن تحقيق هذا الشعار، كخطوة مرحلية على غرار السابق، وذلك لأنّه في ظلّ غياب الحاضن الشعبي تصبح إمكانية تحقيق الشعار تمرّ عبر طريق وحيدة، وهي أن يقرّه المجلس النيابي القائم، وبتعبير آخر، أن يأخذ النظام القائم قراراً بتغيير نفسه، فهل هذا ممكن؟ الجواب قطعاً لا. فهذا النظام أنتج من الحروب ما لم ينتجه أيّ نظام آخر من أجل البقاء. إنّ المطلوب اليوم، على مستوى برنامج الحزب، وبالتالي على مستوى أي حراك، هو العودة خطوة إلى الوراء (مع الاحتفاظ بالشعارات الحالية كأهداف استراتيجية... كقانون الانتخاب، وغيره)، أي العمل على بناء الحاضنة الشعبية التي خسرناها، ومن ثمّ الانطلاق بها نحو التغيير الجذري. وهنا لا نتكلم عن عملية قد تحتاج عشرات السنوات، بل على العكس، فالاستمرار بنفس النمط السائد لن يجلب التغيير أبداً. إنّ توجّه الحراك الشعبي مباشرة نحو العاصمة هو مقتل للحراك، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحزب. فالاستمرار في إقامة النشاطات المركزية (على أهميتها) لن يوسّع قواعد الحزب، ولا حضوره الشعبي («فليس بالطليعة وحدها تحقق الثورة»). إنّ التجربة الأخيرة التي قادتها المناطق اللبنانية، وبشكل رئيسي تجربة بلدة برجا، تدلّ على أنّ العمل في المناطق يهزّ أركان النظام أكثر من العمل المركزي، الذي يتحوّل سريعاً إلى مركز لإحصاء عدد المشاركين. إنّ تجربة برجا، مثلاً، كانت رائدة في مجال حشد كلّ أبناء البلدة (عددهم كبير نسبياً) من كلّ التوجّهات السياسية، في وجه النظام بكل أطرافه، وكانت هموم الناس، وغضبها على النظام، هي الموجّه، وهي سبب صلابة الموقف، والصمود في وجه السلطة، ومن ثمّ تحقيق النصر عليها، من خلال تراجعها عن قرارها. إنّ العودة إلى الناس لن تبدأ إلا من الأطراف، حيث تسهل ترجمة هموم الناس، ويكسر أقوى سلاح يحمله النظام، وهو التحريض الطائفي (في القرى عادة لا مجال لهذا التحريض) ويسهل بالتالي تعبئتهم، وقيادتهم نحو تحريرهم من هذا النظام، كما حصل عندما أسهم الحزب في تحريرهم من الاحتلال الصهيوني. إن من أولى مهمات الحزب اليوم، هي تحديث برنامجه، وكسر التناقض الذي يكبّل الشيوعيين، بين اندفاعهم الثوري من جهة، وعدم تملّكهم لبرنامج ثوري من جهة ثانية. عدم القيام بهذه المهمة يعني تخلّي الحزب عن ضرورة وجوده، إلا أننا على ثقة تامّة بأنّ هذا الحزب يضمّ في صفوفه ثوريين حقيقيين، يتمتعون «بقلب حامٍ، ورأسٍ بارد» يمكّنهم من التغيير في برنامجهم، وبلدهم. * باحث عربي

تنكبّ المجموعات المختلفة على التحضير للتحرك المركزي مساء الأربعاء في وسط بيروت. عشية هذه المحطة، المتزامنة مع عودة طاولة الحوار، بدا واضحاً أن الداعين الى التحرّك يحاولون حشد أكبر عدد ممكن من المشاركين عبر توسيع رقعة التحرّكات اليومية واستهداف المناطق بعيداً عن بيروت. اليوم وغداً، ستُستكمل التحركات الميدانية اليومية، إذ ستُننفّذ اعتصامات أمام مؤسسة الكهرباء وفي ساحة رياض الصلح، وهناك تحضيرات جارية على قدم وساق لتوسيع رقعة استهداف الأملاك العامة المحتلة باعتبارها النموذج الأكثر وقاحة للسطو على حقوق اللبنانيين

إيفا الشوفي - الاخبار

ماذا سيحصل في 9 أيلول؟ ما هو شكل التحرّك؟ وما هي شعاراته ومطالبه؟ وكيف يجري التحضير له؟ بحسب الناشطين في المجموعات المختلفة، الذين اتصلت بهم «الأخبار»، تسير التحضيرات على خطوط ثلاثة. الأول: تكثيف التحركات الميدانية في بيروت والمناطق، والتي بدأت منذ أيام وتُستكمل اليوم وغداً، ولا سيما بدعوة من مجموعة «بدنا نحاسب» للاعتصام مساء الثلاثاء في مؤسسة كهرباء لبنان، وبدعوة من مجموعة «الشعب يريد» لبدء اعتصام مفتوح في ساحة رياض الصلح اعتباراً من مساء الثلاثاء أيضاً، فيما لمّح اتحاد الشباب الديموقراطي الى أنه يحضّر لتحرّك نوعي يستهدف قضية الأملاك العامّة المسلوبة.

أمّا الخطّ الثاني للتحضيرات، فيكمن في زيادة مشاركة أبناء المناطق خارج بيروت لزيادة الحشد في تحرّك 9 أيلول المركزي، وكان عدد التحرّكات المناطقية يوم السبت الماضي لافتاً، إذ نظّمت مجموعات الحراك، ولا سيما مجموعة «بدنا نحاسب» و»اتحاد الشباب الديموقراطي» وقفات احتجاجية في النبطية وصور ومرجعيون وشتورا وبعقلين. وبحسب المعلومات، يجري التحضير لوقفات مشابهة في طرابلس وبعلبك والهرمل وجبيل. الخط الثالث للتحضيرات يتمثل بما سيجري يوم الأربعاء، بالتزامن مع انعقاد طاولة الحوار، إذ يرصد المنظمون المعلومات عن ساعة ومكان الحوار الذي دعا اليه الرئيس نبيه بري، من أجل الدعوة الى تجمّعات في المكان والزمان نفسيهما، لقرع الطبول والطناجر وتحمية الشارع من أجل استقطاب أوسع مشاركة في الاعتصام المقرر عند السادسة مساءً بالقرب من ساحة النجمة «تحت مبنى جريدة النهار»، والذي سيختتم بمسيرة الى وزارة البيئة في مبنى العازارية لتحية المضربين عن الطعام حتى استقالة الوزير محمد المشنوق. هذا من ناحية التحضيرات، أما من ناحية المطالب، فقد بدت جميع المجموعات متفقة على إبقاء خلافاتها جانباً والتوحّد مرحلياً تحت برنامج المطالب الأربعة المرفوعة، إلا أن صيغة التنسيق، التي اتفقت عليها هذه المجموعات في الأسبوع الماضي، واستبعدت حالياً تشكيل إطار تنظيمي موحّد للتنسيق وأقرّت باستقلالية كل مجموعة، ستسمح لكل مجموعة برفع سقف المطالب وفق ما تراه مناسباً، وهذا ما عكسته تصريحات الناشطين في هذه المجموعات. يوضح الأمين العام لاتحاد الشباب الديموقراطي عمر ديب أن التحرّك يوم الأربعاء ليس مقتصراً على الاعتصام مساءً، ويدعو الى المشاركة الكثيفة في التجمعات التي ستحصل نهاراً بالتزامن مع انعقاد الحوار أينما كان مكان الاجتماع. لماذا تم التراجع عن فكرة تنظيم تظاهرة من حرج بيروت الى وسط بيروت؟ يجيب ديب: «لوجستياً، فضّلنا أن نجتمع في مكان واحد، لأن المسيرة تحتاج الى تحضيرات قوية، والموعد المطروح هو منتصف الأسبوع». أول من أمس، أُطلقت الدعوة الرسمية للتحرّك المقرر يوم الأربعاء المقبل. جاءت الدعوة للناس بالنزول الى الشارع عبر ما سمّي «لجنة تنسيق الحراك» وعبر دعوات وجّهتها كل مجموعة من مجموعات الحراك على حدة. اللجنة المذكورة ليست إطاراً تنظيمياً بقدر ما هي إطار رمزي للدلالة على التزام جميع المجموعات بصيغة التنسيق المتفق عليها. بيان اللجنة، الذي تلاه الناشط في مجموعة «طلعت ريحتكم» لوسيان أبو رجيلي، أعاد التأكيد على المطالب الأربعة للحراك وهي «إعادة صلاحية البلديات في معالجة النفايات وفق خطط متوافقة مع المعايير البيئية، تحرير موارد البلديات في الصندوق البلدي المستقل ووزارة الاتصالات، ومنع تحويل أي منطقة الى مزبلة أو مكب للمناطق الأخرى. استقالة وزير البيئة ومحاسبة وزير الداخلية وإطلاق جميع المعتقلين، وإجراء انتخابات نيابية عاجلة». أعاد البيان طرح المبادئ العامة للحراك، والمتمثلة بـ»بناء دولة مدنية ديموقراطية عادلة على ركام نظام المحاصصة والفساد، دولة يكون قضاؤها مستقلاً وتضمن للمواطنين حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية، من أجور وسلسلة رتب ورواتب عادلة وخدمات من كهرباء وماء وصحة وتعليم، دولة تستعيد أملاكها العامة وتعنى بالخير العام».

 

تلعب حملة «طلعت ريحتكم» دوراً رئيسياً في التحضير لتحرك الأربعاء، يقول الناشط أسعد ذبيان إن الحملة تعمل «عبر الحشد على جبهة الإعلام من خلال المقابلات على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي». ويضيف إنه «يتم توزيع منشورات ووضع ملصقات في المناطق. الاعتماد الأساسي هذه المرة على الناشطين الذين بادروا الى تنظيم التحركات في المناطق من أجل الحشد. كما ستعقد اجتماعات تنسيقية بين مجموعات عدة خلال هذين اليومين لتوضيح شكل التحرك في 9 أيلول». من جهتها، تتخذ حملة «بدنا نحاسب» من تحرّكاتها الميدانية وسقف مطالبها الأعلى من «طلعت ريحتكم» وسائل أساسية للتحضير لتحرّك الأربعاء، وقد دعت الحملة الى اعتصام عند السادسة من مساء غد الثلاثاء أمام مؤسسة كهرباء لبنان في مار مخايل. وكانت هذه الحملة قد نجحت، الأسبوع الماضي، في الضغط على محافظ بيروت لاتخاذ قرار بتعليق تركيب «البارك ميتر» على الكورنيش البحري، كذلك نجحت في فرض إطلاق سراح ناشطيها المعتقلين بعدما تم توقيفهم من قبل عناصر أمنيين بلباس مدني عندما كانوا يحتجون على تركيب «البارك ميتر» في عين المريسة. يقول الناشط أحمد ضاهر إنّ التركيز ينصب على الحشد من المناطق، حيث كان للحملة أكثر من اعتصام، إضافة الى وسائل التواصل الاجتماعي. ويوضح ضاهر أنّ المطلب المباشر للحملة هو أزمة النفايات وتحرير أموال البلديات، إلا أن هناك هدفاً واضحاً للحملة هو تفكيك بنية النظام وذلك عبر إجراء انتخابات وفق قانون نسبي خارج القيد الطائفي والدائرة الواحدة، فتح ملفات الفساد منذ عام 1992 ومحاسبة المسؤولين عن القمع في جميع التحركات. ويركّز اتحاد الشباب الديموقراطي على الحشد الجماهيري من المناطق أيضاً، ويستعد لرفع شعارات «تناسبنا وتنسجم في الوقت نفسه مع الحملة»، كما عبّر عمر ديب، الذي أوضح أنّ «الاتحاد ملتزم بالسقف العام للحراك الذي يشمل أربعة مطالب، لكن ستتم الإضاءة أيضاً على مشاكل الكهرباء، التغطية الصحية الشاملة، الأملاك العامة… نعمل على تعبئة الناس على عناوين أوسع وليس فقط النفايات، إذ إنّ المناطق فعلياً لا تعاني من أزمة نفايات بقدر بيروت، وبالتالي يجب استقطاب الناس في المناطق عبر لمس مشاكلها وهذا ما نقوم به». يلمّح ديب الى تحرّك قد يحصل اليوم أو غداً يتعلق بالأملاك العامة. مجموعة «الشعب يريد» لن يقتصر حراكها على تظاهرة الأربعاء، بل هي بصدد إعادة تفعيل مشاركة الناس يومياً في ساحة رياض الصلح وفتح حوارات معهم، ودعت المجموعة الى بدء اعتصام مفتوح اعتباراً من يوم الثلاثاء في 8 أيلول، بدءاً من الساعة 6 مساء، في ساحة رياض الصلح، «التي استعدناها على الرغم من القمع الوحشي فصارت ساحة الشعب». وتوضح الناشطة فرح قبيسي أنّ الاعتصام سيستمر حتى اليوم التالي بهدف الحشد لتظاهرة الأربعاء. وقالت قبيسي إن المجموعة «لا تريد أن تترك الساحة خالية من الناس. وسيتخلل اعتصام الثلاثاء نقاشات عامة مع الناس يوضحون فيها لماذا ينزلون الى الشارع، إضافة الى نقاشات عن: السياسة الضريبية، أزمة السكن، الضمان الصحي والحركة النقابية… كذلك سيكون هناك موسيقى وأغانٍ». تؤكد قبيسي أنّ «المجموعة ملتزمة بالمطالب الأربعة للحراك كحد أدنى، لكننا نضيف عليها في الوقت الحالي استقالة وزير الداخلية وتحديد القانون الانتخابي الذي نريده والذي يتمثل بالنسبية، خارج القيد الطائفي والدائرة الواحدة، وستترجم هذه الأمور في الشعارات التي سنرفعها». من جهته، يعلن الناشط في مجموعة «حلّوا عنا» إبراهيم دسوقي أنّ «عمل المجموعة حالياً يتركّز على كيفية إنجاح تظاهرة الأربعاء، وذلك عبر تأمين أكبر حشد، وهو ما نقوم به عبر دعوة الناس الى أن يكونوا في الشارع منذ ساعات الصباح وعدم الانتظار حتى الساعة السادسة». يقول دسوقي «نحن جزء من هذا الحراك وملتزمون بسقف المطالب الأربعة التي حدّدت. شهدنا سابقاً على نتائج طاولة الحوار التي تعتبر تعدّياً على مؤسسات الدولة، إذ يجتمع أرباب السلطة ليقرروا مصير البلد خارج أي إطار مؤسساتي دستوري». أمّا مجموعة «شباب ضد النظام»، التي تعتبر جزءاً من حملة «بدنا نحاسب»، فتعمل حالياً على تفعيل «ماكينتها الإعلامية» وفق الناشط علي دغمان. يقول دغمان إنّ «ناشطي الحملة في المناطق مثل صور ومرجعيون والهرمل يقومون بتوزيع مناشير للدعوة الى تظاهرة الأربعاء، ويحاولون أيضاً في هذه المناطق والقرى المحيطة بها أن يدعوا في الأحياء والشوارع عبر مكبرات الصوت. كذلك تستعد المجموعة للصق بوسترات غداً في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، وخاصة أن ثقل هذه المجموعة هو في بيروت الكبرى». يوضح دغمان أنّ مجموعة «شباب ضد النظام ستحمل عدداً من المطالب في تظاهرة 9 أيلول، وهي مطالب أساسية تتعلق بالكهرباء والمياه والتغطية الصحية الشاملة ودعم الجامعة اللبنانية، وصولاً الى إجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق قانون نسبي (لبنان دائرة واحدة) خارج القيد الطائفي. من جهته، يسعى «النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت» الى التواصل مع الطلاب، وخصوصاً الذين لبّوا الدعوة وشاركوا في تحرك 29 آب. لكنّ هناك عائقاً يواجه النادي، إذ يعلن رئيس النادي عباس سعد أنّ «النوادي الطلابية تجد صعوبة في التواصل مع الطلاب داخل الجامعات، وخاصة أن العام الدراسي لم يبدأ في العديد منها». لا يعطي سعد أجوبة حاسمة حول الطريقة التي سيتم بها التحضير لتحرك 9 أيلول. أمّا عن المطالب التي سيحملونها كنادٍ، فيقول إنهم حالياً يطالبون باستقالة المشنوقين، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، واسترداد أموال البلديات وإعطاؤها كامل الصلاحيات لتدير هي ملف النفايات. أمّا على الصعيد المناطقي، فقد تكثّفت خلال اليومين الماضيين التحركات من قبل مختلف المجموعات وتعدّت المطالب ما كرّرته المجموعات في بيروت، إذ أتت المطالب محدّدة أكثر وتعكس واقع البلدات البعيدة عن «المركز». للمرة الأولى، شاركت مرجعيون ميدانياً بالتحركات الشعبية. في ساحة جديدة مرجعيون، تجمع العشرات من أبناء قرى مرجعيون وحاصبيا بدعوة من مجموعات عدّة في «تحرك 29 آب» وساروا من الساحة باتجاه مبنى السرايا. حدّد الناس في مرجعيون مطالبهم بـ»إقرار ضمان الشيخوخة وإنشاء جامعة وتعزيز المستشفيات الحكومية وفتح مستشفى شبعا وتوفير المياه والكهرباء ودعم المدرسة الرسمية والإفراج عن أموال البلديات واعتماد قانون انتخابي نسبي والقضاء على تلوث نهري الحاصباني والليطاني، وتأمين فرص عمل للمقيمين للحد من الهجرة والنزوح». كما دعا المعتصمون الأهالي الى «ضرورة المشاركة في الاعتصامات المركزية ضد الفساد، والعمل على دعم هذه النشاطات وتنظيمها بشكل مسبق». أمّا في صور، فقد نُفذت تحرّكات عدّة، أبرزها أمس بدعوة من مجموعة «بدنا نحاسب»، وقد رُفعت في الاعتصام مطالب اجتماعية وخدمية عدّة، وتخلله صرخات ضد انقطاع المياه والكهرباء. كذلك أقيم تجمّع عند دوار أبو ديب بدعوة من حملة «لهون وبس»، رافعين شعار «خبز، علم، حرية وعدالة اجتماعية». وفي النبطية، كانت باحة سرايا المدينة في الشارع الرئيسي محطة للتحرّك ضد الفساد، هذه الباحة ألفت وجوه المعتصمين الذين ازداد عددهم في اعتصام السبت الفائت، بمشاركة العديد من الأندية والجمعيات في المنطقة. العشرات تجمعوا بدعوة من لجنة المتابعة، مرددين: «ثورة ثورة». ورفعوا لافتات كتبوا عليها: «مدينة فتى الكهرباء بلا كهرباء»، «أهكذا يكافاً مجتمع المقاومة؟» و»الآبار عندنا، والنبطية عطشى». كذلك، كان للاعتصام في شتورا وقع مميز. ولبى عدد من الشباب دعوة مجموعات تحرك « 29 آب» إلى اعتصام عند دوار بعقلين ــ بيت الدين، حيث طالبوا بدولة مدنية ديموقراطية، وبقانون انتخاب نسبي ولبنان دائرة واحدة. بالإضافة إلى التطرق إلى موضوع: الكهرباء، المياه، ضمان الشيخوخة، التغطية الصحية الشاملة، استقلال القضاء، دعم التعليم الرسمي وبتّ ملف الرواتب والأجور بطريقة تضمن حياة كريمة للمواطنين. بمشاركة: آمال خليل، داني الأمين وأسامة القادري

هديل فرفور - الاخبار

 

"نمهل السلطة اللبنانية 72 ساعة لتحقيق المطالب التالية قبل إعلان خياراتنا التصعيدية: استقالة وزير البيئة محمد المشنوق، محاسبة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق وكل من اصدر الاوامر باطلاق النار، حل بيئي مستدام لملف النفايات يتضمن تحرير أموال بلديات من الصندوق البلدي المستقل وإجراء انتخابات نيابية جديدة". هذا ما ورد في الخطاب المشترك الذي أعدته مكونات حراك 22 آب، والذي أُعلن خلال تظاهرة أول من أمس.

غدا، تنتهي المهلة المحددة لتنفيذ المطالب، فيما تفيد المعطيات ان السلطة السياسية ليست بوارد تنفيذ أيّ منها بسرعة. في الواقع، ان القيمين على الحراك لا يعوّلون، ضمنيا، على تجاوب السلطة حاليا. "هو بمثابة امتحان للطبقة الحاكمة"، يقول المدير التنفيذي لـ "المفكرة القانونية" المحامي نزار صاغية، لافتا الى الكثير من "الوسائل المشروعة والمتاحة امامنا لمتابعة خطوات التحرّك". ينطلق صاغية من مبدأ تحديد هذه المطالب ليرسي فكرة ان الحراك يتجه ليكون ذا عمق وبعد واضحين، "فالحراك الذي استطاع ان يستقطب بشكله الاولي هذا العدد، عليه ان يستفيد من الغضب الشعبي الحاصل، ليستمر ويحقق الاهداف المرجوة"، فيما يقول الأمين العام لـ "اتحاد الشباب الديموقراطي" عمر ديب ان تحديد المطالب يعني "إعطاء فرصة للدولة لتتجاوب معنا، كما يعني اننا نعتمد استراتيجية للتصعيد تدريجيا". ثمة توجّس سائد من تحديد اهداف الحراك واختصارها بمطالب محددة، كحصرها بازمة النفايات وتورط القوى الامنية بقمع المتظاهرين فقط، وهو ما قد يكون محبطا لدى الكثير ممن طالبوا بتوسيع اهداف الحراك نحو ثورة على النظام بأكمله. يدحض ديب هذه الهواجس ويقول "ان السقف السياسي لن يتوقف عند ازمة النفايات، الكثير من الملفات الحياتية مطروحة في نقاشات اللجنة المشتركة: ازمة الكهرباء، سلسلة الرتب والرواتب، التغطية الصحية الشاملة"، لافتا الى "تطور الحراك شكلا ومضمونا"، ومشيرا الى "البحث في اشكال مختلفة للخطوات التصعيدية". ترفض مكونات الحراك إعلان طبيعة التصعيد الذي سيترجم عند انتهاء المهلة، وسبق للوزير الأسبق شربل نحاس أن أصرّ على أنه "لن يُعلن شكل التصعيد قبل انتهاء مدة الـ 72 ساعة". تقول بعض مكونات الحراك ان "التظاهر ليس الشكل الاوحد للاحتجاج"، دون ان تستبعد امكانية انتشار هذه التظاهرات ونقلها الى مختلف المناطق، سعيا الى "الضغط على القواعد الشعبية التي يعول عليها زعماء الاحزاب الطائفية". منذ يومين، أعلن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق ان نتائج التحقيق القضائي في قضية استخدام القوة المفرطة لقمع المتظاهرين ستكون جاهزة الاربعاء، وأنه "سوف تُعلن نتائجه، وستجري محاسبة كل مسؤول ايا كان عن الاستخدام المفرط للقوة الذي حصل ليلة السبت الماضي". هل يمثّل هذا الامر تحقيقا لمطلب "محاسبة من اطلق النار على المتظاهرين"؟ يقول صاغية "فلننتظر نتائج هذا التحقيق "وعلى ضوئه سنعلن الموقف المناسب"، لافتا الى "أن الروايات الرسمية والتلاعب بالتحقيقات لن تقنع هذه التحرّكات".

فاتن الحاج - الاخبار

 

«التحرك الشعبي وجد هويته بعد أسبوع من الجهد المشترك لقيادته المكونة من شخصيات تمتلك خبرات في أكثر من اتجاه»، هذا ما يراه رئيس التيار النقابي المستقل النقابي حنا غريب. يقول إنّ الشباب الذين يمثلون الجسم الأساسي في التحرك استطاعوا أن يحققوا قفزة إيجابية، إذ استوعبوا أولاً هجوم السلطة السياسية ونظموا صفوفهم، ليدحضوا كل الكلام المتعلق بتبعيتهم للسفارات أو الأحزاب السياسية حين أعلنوا المبادئ، وفي طليعتها بناء دولة مدنية ديموقراطية تؤمن الحقوق الاجتماعية للناس ولا سيما الكهرباء والمياه وتحسين الرواتب والأجور وتأمين التغطية الصحية الشاملة وغيرها، «فكان ذلك بمثابة رد سياسي على كل القوى التي تهجمت على التحرك».

 

إلى ذلك، فإن نقل مكان التظاهرة إلى ساحة الشهداء نجح، بحسب غريب، في رفع الغطاء والمسؤولية عن مشاركين سمّوا «مندسّين» وتم تفادي تشويه صورة التحرك. الجانب الثالث الذي يعوّل عليه غريب هو أن العدد الذي جمعته التظاهرة لم يحضر بناءً على دعوة حزبية أو بعصب طائفي أو مذهبي. ويؤكد أن المشاركة الكثيفة للشباب تشكل المناعة للتحرك وتؤسس لحالة نوعية جديدة، وهمومهم يجب أن تندرج في عناوين التحرك، ولا سيما في ما يخص فرص التعليم والعمل.

غريب يستبعد أن تحمل الساعات الـ 72 المقبلة خطوات جدية، بدليل «الثرثرة» والتصريحات التي تميّع المطالب، كأن تضغط قوى السلطة باتجاه الابتعاد عن التعميم وتسمية الفاسدين، في وقت يشارك فيه الجميع في نظام المحاصصة. «السلطة مجتمعة مسؤولة»، يقول، وإلا كيف نفسّر الكلام عن الشراكة؟ «هناك رؤوس وهناك شركاء في الفساد»، يجيب. لا طائل من «التقنيص» على التحرك يؤكد غريب، داعياً المسؤولين إلى «تحويل أموال الصندوق البلدي المستقل فوراً، فهذا لا يحتاج إلى وقت ولا إلى آلية، فكما أعطوا الإفادات في 24 ساعة يستطيعون أن يفعلوا ذلك خلال هذا الوقت، كذلك ليس من الصعوبة بمكان محاسبة كل من أمر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين السلميين ومن نفذه». بعد انتهاء المهلة، سيبدأ، بحسب غريب، نقاش آخر يتعلق بتوسيع قواعد المشاركة بشكل أفقي، «وهذا يتطلب أن تنخرط كل جهة أو هيئة في التحرك من موقعها كأن يسلم ملف البلديات لأهالي القرى، ومن كانوا في المعارضة البلدية أن يتحركوا لتأسيس «تيار بلدي مستقل» يفتح معركة دور رئيس البلدية وصلاحياته ومحاصرة رؤساء البلديات في كل قرية وتحميلهم مسؤولياتهم في ما يخص الملفات الحياتية المطروحة، ولا سيما النفايات». وفي باب آخر، يُنتظر من التحرك، كما يقول، أن يسلّم ملف الرواتب والأجور للنقابات العمالية والروابط التعليمية. ويتوقع غريب أن يقود التحرك إلى مؤتمر نقابي أهلي مدني من القوى التي انخرطت فيه يراكم لإعادة إنتاج السلطة.

نجحت تظاهرة السبت الفائت في أن تُظهر تخبّط السلطة وأربابها في مواجهة الحراك الشعبي. عشرات الآلاف نزلوا الى الشارع من دون أي دعوة من أحزابهم أو زعماء طوائفهم. نزلوا ليطالبوا بحقوقهم وباسترجاع أملاكهم العامة وأموالهم المنهوبة، ونزلوا أيضاً بنيّة المواجهة مع السلطة. بدءاً من السبت، أُعطيت الحكومة مهلة 72 ساعة لتحقيق جزء من مطالب الحراك، وإلا فسيتجه المنظمون الى التصعيد، وهو ما ينتظره الشارع بلهفة

 

إيفا الشوفي - الاخبار

 

الاحتجاجات التي وقعت الأسبوع الفائت أعادت الحياة إلى وسط بيروت. طوال الأسبوع حاصر الناس وسط المدينة المهجور حيث شُيّدت بوابات حديدية، تشبه أسوار السجون، لمنعهم من الدخول الى «جزر الأغنياء». مارست السلطة عنفها بشتى الأشكال، من خراطيم المياه الى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وبدأت حملة اعتقالات عشوائية بلغت حصيلتها في ليلة واحدة أكثر من مئة متظاهر. حُدّد موعد التظاهرة الكبرى في 29 آب، أي أوّل من أمس، والناس تدفقوا بالآلاف، خالعين عنهم طوائفهم وأحزابهم. قبل أيام من المظاهرة صبّت السلطة جهودها نحو اختراق الحراك الشعبي، فحاول كل من الفريقين السياسيين، أي 8 و14 آذار، استخدام الحراك لتحقيق أهدافهما. انطلقت حملات روّجت أنّ الحراك يستهدف حزب الله، فيما روّج آخرون أنّ الحراك يحقق أهداف التيار الوطني الحر.

في الوقت نفسه، أطلّ وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في مؤتمر صحافي حاول فيه جاهداً أن يستخدم «سلاح التخويف» من أجل حثّ الناس على عدم النزول الى ساحة الشهداء. المشهد في الشارع كان مختلفاً. الناس استعدّت «للتظاهرة الكبرى» بعناوين مختلفة. «شو، نازل السبت؟»، الجميع يسأل في شوارع بيروت ومقاهيها وسيارات الأجرة. لم يكن الناس خائفون من العنف، بل على العكس، اتضح أول من أمس أن الناس نزلوا ليواجهوا عنف السلطة، إلّا أنّ السلطة لم تقع هذه المرة في فخ الشارع.

ساحة الشهداء: 72 ساعة وإلّا...

منذ الساعة الرابعة ظهراً بدأ الناس بالوصول الى ساحة الشهداء من مختلف المناطق، فيما كان هناك تجمّعان أساسيان: التجمّع الأول انطلق عند الخامسة من أمام وزارة الداخلية وضمّ مجموعات «بدنا نحاسب»، «طلعت ريحتكم»، «حلوا عنا»، «شباب ضد النظام»، «عكار منا مزبلة»… شكّلت قوى الأمن الداخلي واجهة المظاهرة، إذ ساروا بصف واحد أمام المتظاهرين باتجاه ساحة الشهداء.

انفصل الناس عن زعمائهم من دون أن ينفصلوا عن مبادئهم الحزبية في الصفوف الأمامية لهذه المجموعات حضر رئيس التيار النقابي المستقل حنا غريب ووزير العمل السابق شربل نحاس، وآخرون شبكوا أياديهم وساروا بمجموعات مختلفة، كلّ لديه شعاراته وصوتياته الخاصة... أمّا الاتجاه فواحد: ساحة الشهداء. التجمّع الثاني كان في منطقة الجميزة وضمّ النوادي الطلابية، مثل النادي العلماني، نادي السنديانة الحمراء، الحركة الطلابية البديلة والحركة الطلابية الشعبية… في ساحة الشهداء كانت الأعداد كبيرة، وقد كان واضحاً أنّ المجموعات الداعية، التي تتكلم باسم الحراك، لم تكن هي التي تستقطب، بل كان الشارع هو الذي يستقطب فعلياً. عند السادسة وصل الجميع الى ساحة الشهداء التي امتلأت بأكثر من عشرين ألف متظاهر من مختلف الأعمار والمناطق وحتّى الأحزاب. الشعارات التي رفعها الناس عبّرت عن حجم المعاناة التي يعيشونها، وأكّدت أنّ الشارع هو من يقود التحركات وليس المنظمون. كثيرون لم يذكروا أزمة النفايات كسبب لمشاركتهم. نزلوا لأنهم يريدون فرص عمل، كهرباء، مياه، ضماناً اجتماعياً، استشفاءً مجانياً، سلسلة الرواتب، حدائق عامة، هواءً نظيفاً… نعم، الناس لم يعودوا يريدون أن «يتنفسوا باطوناً» كما كُتب على إحدى اللافتات، ويريدون «استرجاع الدالية» و»استعادة وسط بيروت»، وقد أدركوا أنّ «سوليدير دافعين حقها دم»، كما خطّ أحد المتظاهرين على الحائط. تذكّر الشارع في حراك النفايات أنّ حقوقه مسلوبة من قبل طبقة سياسية وصلت وقاحتها إلى أن تُغرقه في النفايات. وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق كان المستهدف الأول لدى المتظاهرين بسبب التعامل الهمجي لقوى الأمن واستخدام القوة المفرطة معهم خلال الأسبوع الفائت. انهالت الشتائم على المشنوق والمطالبات باستقالته. في هذه الأثناء كانت قوى الأمن ترفع لافتة كبيرة على أحد الأبنية في الساحة كُتب عليها «منكم، لكم، لحمايتكم. قوى الأمن الداخلي»، ما استفزّ الناس الذين هتفوا «شيلا»، ليرتفع خلال دقائق هتاف واحد: «دمك يا محمد قصير شعلة ثورة رح بصير»، في تذكيرٍ واضح لما ارتكبته القوى الأمنية بالشاب محمد قصير الذي لا يزال الى اليوم يرقد في المستشفى في حالة حرجة جداً.

تمكنت مظاهرة السبت من إثبات أنّ كلّ ما قيل عن هواجس من استخدامها لمصلحة فريق سياسي سقطت، فلا قوى 14 آذار ولا 8 آذار استطاعت أن تستخدم التظاهرة لتحقيق أهدافها، وهو ما ظهر من خلال الشعارات التي صوّبت على «الطبقة السياسية». جميع التحذيرات التي أُطلقت في الأيام السابقة، من استخدام صورة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله والهجوم الذي شُنّ على الحراك بشأن «تعميم الفساد»، نسفتها التظاهرة التي تمكنت من البقاء خارج عبث الصور، من دون أن تتخلّى عن موقفها بأنّ كل من يشارك في السلطة متورّط في الفساد ولا يمكن رفع المسؤولية عنه.

كذلك أثبت الحراك أنّ الذين نزلوا الى الشارع ليسوا «مستقلين» كما حاول بعض المنظمين أن يوحوا بهدف منع «تهمة السياسة» عن الحراك. بل على العكس، الإنجاز الحقيقي لهذا الحراك هو أنه تمكّن من استقطاب أناس موجودين في الأحزاب وتشجيعهم على الانتفاض ضد زعمائهم من أجل تحصيل حقوقهم. بقي أحمد، القادم من صور، حتى ساعات الليل في الساحة يتظاهر «ضد الجميع». يقول إنّ في صور «نواباً لحركة أمل وحزب الله لا نراهم سوى في مجالس العزاء»، وأصرّ على أن يوجه كلمة لرندة بري عبر التلفزيون «نحنا ولاد حركة أمل ونحنا ولاد المحرومين، المشاعات يلي أخدتيها مش نحنا أحق فيها لنعمّر بيوت ونعيش؟». يهتف أحدهم من الخلف «حركة أمل مبادئ مش أشخاص. أنا عم إتظاهر اليوم لشيلن من مراكزن كلّن، لإن السيد موسى الصدر أول من نادى ضد الظلم». لم يقتصر الحراك فقط على جذب مناصري الأحزاب، بل توسعت رقعته بحيث شارك حزبيون متخففون من العبء الحزبي من مختلف الانتماءات، مثل تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. فقد كان لافتاً الحضور العوني ضمن التظاهرة، مثل زياد عبس وأنطوان نصرالله وآخرين من رموز التيار الذين شاركوا استنكاراً لطريقة تعامل التيار الوطني الحر مع الحراك. وعند سؤالهم عن سبب مشاركتهم كان الجواب «لأننا عونيون حقيقيون».إذاً، انفصل الناس عن زعمائهم من دون أن ينفصلوا عن مبادئهم الحزبية، وهذا أمر مشجّع يجب البناء عليه عوض دعوة الناس الى الابتعاد عن السياسة.

بيان حملة «طلعت ريحتكم» تبع الشارع الذي لم يعد همّه الأساسي أزمة النفايات، فحدّد أهدافاً عاجلة تتعلّق بأزمة النفايات وأهدافاً سياسية متمثلة في «تحقيق دولة مدنية»، معلناً «أن معركتنا ما زالت في أولها ومستمرة الى أن يصبح عندنا رئيس جمهورية وقضاء مستقل، وأن يبقى شبابنا هنا، وأن تسترجع البلديات أموالها، وأن يقف الهدر والاستدانة، وأن ترجع الأملاك العامة الى العموم، وألا نموت أمام المستشفيات، وأن تعيد الدولة المخطوفين». أمهلت الحملة مهلة 72 ساعة (تنتهي غداً) لتحقيق المطالب التالية قبل الإعلان عن خيارات تصعيدية: استقالة وزير البيئة محمد المشنوق، محاسبة وزير الداخلية وكل من أصدر الاوامر بإطلاق النار، إجراء انتخابات نيابية جديدة، إيجاد حل بيئي مستدام لملف النفايات في لبنان يتضمن تحرير أموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل وإصدار نتائج تحقيق المدعي العام المالي.

ساحة رياض الصلح: الرغبة في المواجهات

في الجهة الخلفية لساحة الشهداء، أبى البعض أن يغادر ساحة رياض الصلح نظراً إلى الرمزية التي اكتسبتها في هذا الحراك. يقولون «هنا اعتقلنا وهنا رمينا بالرصاص وهنا (أي السراي الحكومي) هدفنا». جلست مجموعة صغيرة في ساحة رياض الصلح فيما كانت الأعداد الكبرى لا تزال في ساحة الشهداء. فعلياً، منذ الساعة السادسة والنصف، كان الناس يتنقلون بين ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح. عند الثامنة مساءً، أعلنت الحملة انتهاء التظاهرة، إلّا أن الناس لم يكونوا يريدون الخروج من الشارع، فانتقلوا الى «ساحتهم»، ساحة رياض الصلح، ولحقتهم المجموعات المنظمة للحراك، ما أكّد مرة أخرى أنّ الناس يقودون المنظمين. بعض منظّمي حملة «طلعت ريحتكم» حاولوا أن يقنعوا الناس بعدم البقاء في ساحة رياض الصلح عبر تحذيرهم من الاشتباكات التي قد تحصل، وعندما لم ينجحوا أصدروا بياناً أعلنوا فيه «عدم مسؤولية الحملة، أو أي من منظميها، عن تصرفات بعض الشبان في ساحة رياض الصلح».

هناك، كان الموجودون يهتفون بأنهم «مندسّون»، وقد أحضروا معهم كافة المعدات اللازمة لمواجهة عنف السلطة. مشهد الأسبوع الفائت الذي وسم الشغب بأولاد الأحياء الفقيرة، مثل الخندق الغميق، اختلف نهار السبت، إذ اتضح أنّ المندفعين للشغب هم آخرون. البعض منهم كان يرغب بصدق في المواجهات ويريد أن يشارك فيها، أما الجزء الثاني فأراد أن يرى ميدانياً عمليات الشغب. الناس في هذه الساحة كانوا يضعون أقنعة الغاز، ويرتدون أكياساً من النايلون من أجل خراطيم المياه، كذلك انتشر البصل في الحقائب للتصدي للقنابل المسيلة للدموع، عدا عن المفرقعات التي جرى رميها خلف الأسلاك الشائكة. في الواقع، العنف الذي مارسته السلطة خلال الاسبوع الفائت ساهم بشكل أساسي في استقطاب الناس عوض تخويفهم، ومن الواضح أن القوى الأمنية أدركت هذا الأمر، فخيّبت آمال المتظاهرين. اتخذت القوى الأمنية إجراءات من خلال توسيع نطاق الأسلاك الشائكة، بما يمنع أي إمكانية للمتظاهرين في سحبها والدخول الى السراي الحكومي، واختفى أي ظهور مباشر لعناصر مكافحة الشغب والقوى الأمنية والإطفائيات تفادياً لاستفزاز المتظاهرين ولعدم استدراج القوى الأمنية الى العنف. استمر المتظاهرون في رمي المفرقعات باتجاه السراي الحكومي، واقتحم عدد منهم أحد المباني في شارع المصارف بهدف تجاوز الأسلاك الشائكة. تمكنت مجموعة من المراهقين من تجاوز الخط الأول من الأسلاك، أمّا المتظاهرون في الساحة فكانوا يراقبون مداخل الساحة، منتظرين لحظة «هجوم» القوى الأمنية عليهم. عند الساعة العاشرة تقريباً وصل خبر عاجل إلى هواتف الموجودين في الساحة بضرورة إخلاء الساحة، لأن القوى الأمنية «ستعالج الأمر»، فغادر الكثيرون فيما هجمت القوى الأمنية واعتقلت 29 شخصاً على الأقل.

الاغتراب يتضامن

تضامن العديد من الجاليات اللبنانية في بلدان الاغتراب مع حملة طلعت ريحتكم، حيث نظمت عدة تجمعات واعتصامات. في الولايات المتحدة الأميركية، تظاهر مئات اللبنانيين في الساحة الكبرى في مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس، قرب نصب الكاتب جبران خليل جبران. وحمل المشاركون الأعلام اللبنانية والشعارات الوطنية الداعية إلى إنهاء الفساد، مطلقين خطابات تدعو إلى التغيير في لبنان. وأكد المتظاهرون أنهم يساندون اعتصامات الشباب في لبنان الذين يدعون الى تغيير النظام السياسي، وتحسين فرص العيش منعاً لازدياد الهجرة اللبنانية التي رمت بنخبة شباب لبنان في الخارج. وتحتضن مدينة بوسطن أكبر وأقدم عدد من اللبنانيين المهاجرين في الولايات المتحدة. كذلك نظمت تجمعات في ولاية نيويورك أمام القنصلية اللبنانية في مانهاتن، وفي ولاية ديترويت. وفي فرنسا، تظاهر اللبنانيون في ساحة تروكاديرو في العاصمة باريس، حاملين الأعلام اللبنانية، هاتفين للبنان خال من الفساد والوساطات. كذلك نظمت تجمعات في العاصمة البلجيكية بروكسل، وفي العاصمة البريطانية لندن، وفي مدينة ميونيخ الألمانية، وفي مدينة مونتريال الكندية. ودفع الحراك الشبابي في لبنان مجموعة من الناشطين في سيدني في أوستراليا، إلى الدعوة لعقد لقاء تشاوري الأسبوع المقبل لتحديد آلية دعم الحراك. وجرى حوار حول وضع آلية عمل لتطوير اللقاء وتوسيعه ليشمل أكبر عدد من أبناء الجالية بعيداً عن المنطق الطائفي.

نحو الساعة 11 من ليل أول من أمس، خرج عناصر مكافحة الشغب من خلف الأسلاك، ركضوا خلفهم من دون أي مبرر، رافعين العصي وصارخين بهمجية بابشع واقذع العبارات ومتوعدين: «بدنا نعمل ونسوّي فيكن ... يا اولاد ...»

 

إيفا الشوفي - الاخبار

 

ميدان رياض الصلح يراكم يومياً منذ الثاني والعشرين من آب، مشاهد القمع الوحشية التي تمارسها القوى الأمنية، والاستخدام المفرط للعنف في خرق فاضح للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تحد من استخدام القوة ضمن أوضاع الضرورة القصوى. وتثبت روايات الجرحى والمعتقلين، ان القوى الامنية لم تمارس ضبط النفس، ولم تتصرف بالتناسب مع جسامة المخالفة والغاية المشروعة المراد تحقيقها، لا بل انها لاحقت المتظاهرين الى منازلهم، والى وسائل النقل العام التي استخدموها للفرار. لم يستخدم حراس السلطة القنابل المسيلة للدموع ولا خراطيم المياه، فالهدف كان واضحاً: اضربوهم واعتقلوهم واسحبوهم من الشوارع وهم ينزفون. قالها أحد العناصر بوقاحة لأحد المتظاهرين وهو يبرحه ضرباً: «هذه هي حقوقك».

المشهد في الساحة كان ميليشيوياً، فشبيحة النظام «فلتوا»، والضحايا لم يتمكنوا من الهرب. وهذه روايات خمسة من الضحايا: أيمن مروة، 32 عاماً، أحد منظمي حراك «بدنا نحاسب» كان هناك مناوشات صغيرة بين بعض المتظاهرين والقوى الأمنية فأقمنا حاجزاً بينهم وتراجعت القوى الأمنية الى الخلف بعد التنسيق مع أحد الضباط. فجأة ومن دون أن يكون هناك أي شيء هجموا. الناس ركضوا من دون أن يعرفوا ما الذي يحصل. كان صراخ إحدى الفتيات يُسمع في الساحة «اتركونا»! توجهت الى هناك وكان عدد هائل من أفراد القوى الأمنية يحاصر 4 أو 5 متظاهرين ويبرحونهم بالضرب حتى فقدت الفتاة (نور عزالدين) وعيها.

بقي أيمن ينزف من الساعة الحادية عشرة حتى الواحدة ليلاً نقلناها سريعا الى سيارة الإسعاف. سمعت صراخ أحد الشباب الذين تحلّق حوله عشرات العناصر، توجهت اليهم وقلت لهم انني من المنظمين، فطلبوا مني ان اتراجع وإلا فسألقى المصير نفسه. بعد المفاوضات سمحوا لي بإخراج الشاب من الساحة، ركض الشاب خوفاً وبقيت وحيداً، فهجم أحدهم وصفعني، وفجأة أصبح هناك أكثر من 30 عنصراً حولي. أوّل 5 ضربات بالعصي كانت على رأسي فسقطت على الأرض وبدأ الركل على رأسي وضهري. استمروا على هذه الحال لمدة 5 دقائق، الى حين حضر الضابط وطلب مني أن أرحل. طلبت منه ان يمشي معي كي لا يتعرضوا لي، لكنه رفض. حالما مشيت ركض 7 عناصر من مكافحة الشغب والدرك باتجاهي وبدأوا بضربي، فحضر الضابط مجددا وطلب مني أن ارحل ومشى معي حتى جامع الأمين. كانت الدماء تغطي وجهي، إلا انّ هذا لم يردع أحد العناصر عن أن يصرخ «لوين رايح، رح تضل معنا الليلة». وضع الأصفاد في يدي، وطلبوا مني أن أرجع وحيداً من جانب مسجد الأمين الى شارع المصارف. «ما في دركي ما خبّطني. يجو يضربوني بالعصي يخلعوني كفوف، ما حكيت شي». نُقل أيمن الى فصيلة طريق الشام وهو ينزف. لم تنفع طلباته بنقله الى المستشفى. بقي ينزف من الساعة الحادية عشرة حتى الواحدة ليلاً. قال لهم إنه يشعر بدوار ولم يعد بإمكانه أن يرى جيداً، لكنهم أصروا على التحقيق معه وأخذ إفادته. دخل الصليب الأحمر بعد ساعات لتضميد جراحه وأخبروا القوى الأمنية انه يجب نقله فوراً الى المستشفى خوفاً من نزيف داخلي في رأسه، لكنهم رفضوا قبل الانتهاء من التحقيق معه! تمزّقت عضلات أيمن نتيجة الضرب، وقُطّب رأسه وجُرحت عينه.

فيديل شقير، 21 عاماً، طالب إدارة أعمال، أحد منظمي حراك بدنا نحاسب

كان هناك فتاة تصرخ على الأرض في منتصف الساحة وأحد العناصر يضربها بالعصا على قدميها. حاولت أن أساعدها فما كان من العنصر إلّا أن أدار عصاه ووجه الضربة مباشرة على عيني فوقعت أرضاً على الفور. بعد ذلك لم أعد أعرف من أين تأتي الضربات على رأسي وظهري. عندما رأوا عيني تنزف تراجعوا ونقلني المتظاهرون إلى مستشفى الجامعة الأميركية. أُجريت عملية لعين فيديل وتطلّب الأمر 3 قطب داخلية له. يحتاج إبن الواحدة والعشرون عاما إلى عشرة أيام ليلتئم جرح عينه، وليتبيّن إذا كان نظره سيعود سليماً او لا، نتيجة عنف السلطة.

محمد غبريسي: 21 عاماً، طالب سينما

كان مشهداً مهولاً. حاصرنا نحو 30 عنصراً من مكافحة الشغب والدرك وانهالوا علينا بالضرب على الرأس والقدمين. قلنا لهم أنّ هناك جريحة بيننا لكنّ ذلك لم يردعهم على الإطلاق. نقلنا الجريحة الى سيارة الإسعاف وحاولنا أن نخرج من الساحة فلحقني 15 عنصراً وانهالوا عليّ بالضرب. تمكنت من الهروب منهم وطوال المسافة من ساحة رياض الصلح حتى السينما القديمة كان العناصر يضربونني بالعصي. هناك إصابات وجروح في وجهي، إضافة الى رضّات في كل أنحاء جسدي. مشاهدات مسعفة في

ساحة رياض الصلح

شعرنا بأننا في ساحة حرب! تجمّع كل 20 عنصراً على متظاهر ومتظاهرة وضربوهم على رؤوسهم. كان هناك شاب يرتدي قميصا أبيض، ركض باتجاه سيارة الإسعاف ليهرب منهم، لكنهم تمكنوا من الإحاطة به. إمتلاً وجهه بالدماء وهو يصرخ «انا بعبدكن بس تركوني»! لم يتوقفوا عن ضربه ومنعونا من التدخل. كان الضرب يرمي الى الحاق الأذى بالمتظاهرين لا إبعادهم، لأنهم كانوا يلحقون بالذين يهربون ويحاولون أن يعتقلوا الجميع ومنعهم من الوصول الى سيارات الإسعاف. ليل السبت كانوا يطلقون رصاصاً مطاطياً عن قرب باتجاه المتظاهرين، وعندما يقعون على الأرض «يضلن يقوصوا عليهن!!». كان هناك اشخاص تلقّوا 7 رصاصات في أجسادهم. تقول المسعفة «لم يعرف المتظاهرون إلى أين يهربون، كان المشهد مرعباً. البعض اختبأ في الحفرة التي فيها آثار في ساحة الشهداء، لكنهم لحقوا بهم الى هناك».

غسان ديبة - الاخبار

 

”إن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر العوارض الرهيبة“ أنطونيو غرامشي

 

عندما دخلت الدبابات الأميركية الى بغداد في نيسان 2003، ظن الكثيرون أن الآتي الى العراق هو عهد الديموقراطية الليبرالية وأن الولايات المتحدة الأميركية ستطبق ما طبقته في اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنشأت المؤسسات السياسية والدستورية للتحول الى الديموقراطية.

 

انخدع هؤلاء بادعاءات الولايات المتحدة بأنها دولة تضع الأخلاق السامية ونشر الديموقراطية كأهداف في حروبها العسكرية الإمبريالية منذ فييتنام الى العراق. أما البعض الآخر فظن أنه احتلال أميركي طويل الأمد للاستيلاء على النفط ولبناء قاعدة عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط. خابت آمال أصحاب النظريتين، فالعراق الآن حر من الاحتلال والأميركيون لم يسرقوا النفط ولا هم أصلاً كانوا في وارد التحول الى قوة استعمارية على الطريقة القديمة.

لكن ما فعله الأميركيون كان أسوأ بكثير، فهم بدأوا منذ اللحظة الأولى في إرساء نظام يسعى الى الفيدرالية (وهو شكل لا بأس به من التنظيم السياسي للدول المتعددة الإثنيات والمذاهب)، إلا أنه رسخ الانقسامات الإثنية والمذهبية عبر إقامة نظام تحاصصي طائفي بعيد كل البعد عن الديموقراطية العلمانية الليبرالية. كل هذا حصل تحت الغطاء الأيديولوجي لمفهوم حرب الحضارات الذي تبناه المحافظون الجدد آنذاك كنظرة الى العالم. فنهاية التاريخ بالنسبة إلى الذين يؤججون الصراعات الإثنية والطائفية ليست واحدة كما نظر ماركس وفوكوياما، بل مختلفة لأنه إذا كانت الحرب أو الصراعات دينية وإثنية ومذهبية، فإن التنظيم السياسي يجب أن يأخذ نفس شكل هذه الحروب، وهذا ما أرساه الأميركيون في العراق. اليوم، ينتفض الشعب العراقي بقواه الحية والعلمانية بمشاركة قوية لليسار والحزب الشيوعي العراقي ليقول للنظام التحاصصي الفاسد إن الشعب في البلد الذي يحتوي على ثروات طبيعية هائلة وشباب متعلم وتاريخ من التطور الاقتصادي لن يقبل بأن يصبح فقيراً وضحية للصراعات المذهبية والإرهاب، بينما تتحكم قلة بالسلطة والثروة تحت غطاء التوزيع السياسي بين الطوائف والإثنيات. في لبنان، أقر اتفاق الطائف عام 1989 ليحول النظام السياسي من حكم المارونية السياسية التي انهارت في الحرب الأهلية الى حكم تحاصصي طائفي. وتزامن ذلك مع ترسيخ نظام اقتصادي يعتمد على استدانة الدولة من المصارف بدلاً من تمويل الحاجات الإعمارية والتوزيعية الطائفية من الضرائب المفروضة على الثروة والأرباح والمداخيل العالية كما يحصل دائماً في الدول بعد الحروب. انخدع اللبنانيون لفترة، وخصوصاً في التسعينيات، وظنوا أنهم دخلوا جنة العدل الطائفي وأن الراسمالية الجديدة التي نظّرت لها الماكينة السياسية والإعلامية الحريرية ستجعل الجميع يستفيدون من النمو الاقتصادي وأن اللبنانيين سيصبحون من أغنى شعوب المنطقة. بعد عقدين ونيف على الطائف، تكشفت الأكذوبة الكبرى. اليوم، النظام في أزمة كبرى. فالصراعات الطائفية التي عادت للتأجج شلّت الدولة وهي غير قادرة على إتمام أصغر المهمات من التعيينات، مروراً بالنفايات، وصولاً الى القضايا الكبرى مثل الإصلاح الدستوري وإجراء الانتخابات. والسبب في ذلك أن الطائف الذي وزع السلطة السياسية بين الطوائف ووضعها في مجلس الوزراء مجتمعاً أعطى حق «الفيتو» الفعلي وإن لم يكن القانوني للطوائف في كل شاردة وواردة في الحياة السياسية. وبسبب الترابط بين نظام الطائف واستعمال الدولة كآلة توزيع اقتصادي تحاصصي بين الطوائف، فقد تعمقت أزمة هذا النظام مع انتهاء فترة الفورة الاقتصادية في التسعينيات وتعمق الأزمة المالية للدولة، إذ فقدت الطوائف ولو جزئياً مالية الدولة التوزيعية. كما أدت عودة ممثلي المسيحيين الى الحكم عبر التيار الوطني الحر، الذي تحول من تيار يدعو الى الإصلاح والتغيير والعلمنة الى تيار شعبوي يميني يسعى الى مواقع في التحاصص الطائفي، الى صراعات أكبر داخل نظام الطائف وصلت الى حد التصارع حول الثروة النفطية المزعومة، قبل حتى أن يتم اكتشافها فعلياً. في الوقت نفسه، تجذرت الأزمة الاقتصادية واستفاق اللبنانيون ليكتشفوا بأن الرأسمالية اللبنانية ما هي إلا رأسمالية ريعية تخدم فئة قليلة من اللبنانيين. فبدلاً من أن يعيشوا في جنة اقتصادية كما وُعدوا في التسعينيات، فهم الآن يعيشون في خضم البطالة وضغط الدين العام للدولة والدين الخاص للمؤسسات والأفراد وهجرة الشباب المتعلم وعدم النمو الاقتصادي وسوء توزيع الدخل والثروة والضرائب التي تثقل كاهل الطبقات العاملة والمتوسطة ومعضلة السكن التي تطاول المستأجرين القدامى والجدد والمالكين الجدد بالدين وأسعار الخدمات العامة المرتفعة وانهيار البنى التحتية من مياه وكهرباء ومعالجة النفايات، فقرروا أن يقولوا كلّا مدوّية للواقعين الطائفي والاقتصادي اللذين تسيطر عليهما القلة التي أصبحت من الماضي، ولكن المستقبل وبشائره لم تتضح بعد. فنحن نعيش الآن مفصلاً تاريخياً كبيراً، فإما أن يتحول لبنان الى بلد الزومبي المافيوي تملأه الوحوش الطائفية الرهيبة أو أن يعمل الشعب على تغيير النظامين السياسي والاقتصادي لينتقل لبنان الى الجديد المتحرر من أشباح الرجعية والظلامية والطائفية.

تكتيكات القوى الأمنية في وصف قسم من المتظاهرين على أنه «مخرِّب» أو «مندسّ» لم ينجح بعد، ولا يبدو أنه سيردع المواطنين عن المشاركة في تحرك يوم السبت المقبل، الذي يتوقع أن يكون حاشداً، ويشارك فيه جميع المجموعات التي تنشط منذ 22 آب، ويبدو أن عنف السلطة سيكون محفّزاً للكثيرين ليكونوا جزءاً من الحراك الشعبي ضد السلطة السياسية

 

حسين مهدي - الاخبار

 

أكدت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أمس، غير مرة «احترامها الكلّي لحق المواطنين في حرية التعبير والتظاهر السلمي». هذا الاحترام ترجمته اعتقالاً لأكثر من 80 متظاهراً في وقت متأخر من ليل أول أمس، توزعوا على مخافر قوى الأمن ومركز لمخابرات الجيش، إضافة إلى عشرات الجرحى، جراء الاعتداء الهمجي والممنهج ضدهم.

«النظام يخشى أي تحرك شعبي، يخاف نزول الفقراء الذين يعانون من كل هذا الفساد الذي تمارسه السلطة، يخشى منهم فيعمل على الاعتداء عليهم». الكلام لأيمن مروة، الناشط في حملة «بدنا نحاسب» الذي تعرض أمس للاعتداء الوحشي من قبل القوى الأمنية وعناصر مكافحة الشغب، واعتُقل ثم أُفرج عنه في الليلة نفسها. جريمته أنه كان يقف حاجزاً بين القوى الأمنية والمتظاهرين لتجنب أي صدام بين الطرفين. مروة قال إن «معركتنا ليست مع القوى الأمنية، بل مع السلطة التي لا تستطيع أن توفّر الحد الأدنى من حقوق للمواطنين بكل أطيافهم وفي كل المناطق. وإن أزمة النفايات وأزمة الكهرباء وكل الأزمات الحياتية والاجتماعية لا تتعلق بفئة معينة أو منطقة معينة أو طائفة معينة». ودعا مروة «كل مواطن إلى أي حزب أو طائفة انتمى، إلى المشاركة في هذه التظاهرات»، سائلاً: «كيف يمكن جماهير الأحزاب السياسية ألّا تنزل وتشارك بموقف واحد أو كلمة واحدة، وتطالب بحقوقها، وترضى العيش بكل هذا الذل؟».

كلام مروة جاء خلال مؤتمر صحفي عقدته حملة #بدنا_نحاسب في ساحة رياض الصلح، لشرح ما حدث أول أمس من اعتداء وحشي مقصود على المتظاهرين. فبعد أن توقف أول أمس البث المباشر من قبل محطات التلفزة، طوّق عناصر من الجيش اللبناني المداخل المؤدية إلى وسط المدينة، ثم باشرت القوى الأمنية وعناصر مكافحة الشغب بالاعتداء بشكل همجي على ما بقي من متظاهرين.

وتؤكد معلومات مسربة، أن الأوامر بالضرب التي أعطيت لقوى الامن الداخلي، لم تأت على خلفية عمليات تكسير وحرق قام بها «مخربون» بحسب ما حاولت أن تشيع، خاصة أنها كانت تكتفي بتصوير هذه الحوادث كما لو أنها تنتج فيلماً وثائقياً. تحاول القوى الأمنية أن تربط بين الهمجية التي مارستها على المتظاهرين وبين أعمال الشغب، وهذا ما يشير إليه الاستهداف المباشر لمنظمي الحراك الشعبي والصحفيين والمواطنين الذين يثابرون يومياً على الحضور إلى ساحة رياض الصلح، هذا وقد أجبرت القوى الأمنية المعتقلين على إجراء فحوصات مخدرات، في محاولة فاضحة لتشويه صورة الحراك ومنظميه. وتجدر الإشارة إلى أنه أُفرج عن قسم كبير من المعتقلين في مخافر الباشورة والروشة وميناء الحصن وفصيلة الشام، أما المعتقلون لدى مخابرات الجيش، فلا أحد يعرف شيئاً عن حالهم، ومن بينهم قاصرين، يخضعون حالياً للتحقيق من قبل مكتب مكافحة الشغب لدى فرع مخابرات الجيش. أما باقي المعتقلين، فيتوقع تحويلهم إلى المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بعد ختم محاضر التحقيق معهم.

انتهاكات القوى الأمنية

حملة #بدنا_نحاسب أعلنت نيتها رفع دعاوى قضائية «على كل من تعرض لنا بالاعتداء من القوى الأمنية، لمحاسبتهم على قمع المتظاهرين»، خاصة أن الكاميرات الموجودة في المنطقة والفيديوهات التي نشرها عدد من المواطنين وثّقت هذه التجاوزات. وقد طلبت الحملة من جميع الذين تعرضوا للاعتداء توكيل المحامين الذين تطوعوا للقيام بهذه المهمة. المحامية رانيا غيث تشرح لـ»الأخبار» سلسلة من التجاوزات التي قامت بها القوى الأمنية، فتقول إن حدود تدخلها إن وجدت هناك إخلالاً أو تهديداً للنظام العام، وهذه أساساً ليست حال مساء أول أمس، لا يمكنه أن يصل إلى حد التعرض لحياة المواطنين، وهذا التجاوز الذي قامت به السلطة مقصود لترهيب الناس من جهة وجعلهم في مواجهة القوى الأمنية من جهة ثانية، وفق ما تقول غيث. التجاوزات لا تختصر بالاعتداء على المتظاهرين، بل في مرحلة اعتقالهم. فقد منع عدد من المعتقلين من التواصل مع ذويهم ومن التواصل مع أي محامٍ، كذلك جرى ابتزازهم من خلال إجراء فحص مخدرات على نفقة المعتقل نفسه، ومن رفض الخضوع لهذا الفحص، لأسباب مادية، هدد باتهامه بتعاطي المخدرات. وهناك انتهاك آخر يتمثل بتوجه القوى الأمنية إلى المستشفيات لأخذ أسماء الجرحى، والطلب من أحد الحرجى إجراء الفحص مباشرة من المستشفى، وإلا يُلقَ القبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات. مخالفة أخرى تسجل على مخابرات الجيش اللبناني، التي ترفض التصريح عن المعتقلين لديها، كذلك يفترض بها بحسب القانون إحالة هؤلاء المعتقلين مباشرة إلى أقرب مخفر للمكان الذي جرت فيه عملية الاعتقال. تجاوز آخر للقوى الأمنية تمثّل بالاكتفاء بتصوير بعض أعمال الشغب، دون أي تدخل لردعها، ولا يعني ردع هذه الأعمال استخدام العنف كوسيلة، إلا أن القوى الأمنية أصرت على التفرج على ما يحصل، رغم أن مسؤوليتها الأساسية حماية المتظاهرين. وتتحدث رانيا عن أن في كل ما حصل من تجاوزات، هناك انتهاك خطير وجسيم للحريات العامة والحق في التظاهر. ويزور اليوم وفد من المحامين المدعي العام التمييزي، لسؤاله عن سبب التأخر والمماطلة في إصدار قرارات إخلاء السبيل، إضافة إلى توجيه رسالة للقضاء بأن التظاهر هو حق، واجب على السلطة القضائية حمايته، لا أن تكون شريكة في قمعه.

مسيرة تضامنية مع محمد قصير

نظمت أمس مسيرة عند الساعة السادسة مساءً من ساحة رياض الصلح إلى مستشفى الجامعة الأميركية للتضامن مع الجريح محمد قصير، تخللته كلمة ألقتها الناشطة وفاء العريضي لفتت فيها إلى أن «البلد مقسوم اليوم إلى قسمين: الشعب وتجار السياسة»، وقالت العريضي إن الحملة لا تؤمن بالفوضى، «لكننا لا نؤمن بأنّ هناك نظاماً في الأساس»، داعياً إلى المشاركة الكثيفة في التحركات الشعبية، وبالأخص تحرك نهار السبت. وكانت هناك كلمة لأحد أفراد عائلة قصير، شكرت فيها جميع المتضامين. والجدير ذكره أن حالة قصير الصحية «حرجة جداً» إلا أنها مستقرة، وفق ما يشير مصدر طبي. كذلك قامت حملة «طلعت ريحتكم» التي غابت عن تحركات اليومين الماضيين، بمبادرة إضاءة شموع في ساحة رياض الصلح مساءً تضامناً مع الجرحى القابعين في المستشفيات. وفيما لا يزال العديد من النشطاء يسعون إلى توحيد جهود مختلف الحملات والمجموعات التي تنشط بشكل مكثف منذ تظاهرة 22 آب، يبدو واضحاً أن هناك فصلاً تاماً بين تحركات الحملتين الأبرز «طلعت ريحتكم» و «بدنا نحاسب»، لكن مصادر متابعة للجهود التنسيقية أكدت أن الجميع سيكون حاضراً في التظاهرة التي ستقام عند السادسة من يوم السبت المقبل، والتي لا يزال مسارها غير معلن لأسباب أمنية ولوجستية.

حسين مهدي - الاخبار

 

بعد أحداث اليومين الماضيين، لم تعد «طلعت ريحتكم» حملة، بل باتت حالة شعبية في أيدي الناس الذين لم يخرجوا من ساحة رياض الصلح منذ السبت. في المقابل، تسعى السلطة السياسية جاهدة لفض هذا الحراك الشعبي بأي ثمنٍ كان، واستغلت أمس غياب البث المباشر من قبل محطات التلفزة للاعتداء، بوحشية، على مواطنين وصحافيين، محاولة في الوقت عينه استغلال حسابها على موقع تويتر لتحويل نفسها الى ضحية «المخربين». تركت القوى الأمنية مساء أمس عدداً من الشبان يحرقون ويكسّرون عدداً من الممتلكات العامة والخاصة (تعود لشركة «سوليدير» التي استملكت وسط المدينة بطريقة غير شرعية) بالقرب من ساحة رياض الصلح. وعوض أن تبادر الى إيقاف ما يحصل مباشرة، وقفت متفرجة وكأنها تتفهم غضب هؤلاء الشبان. اكتفت بادئ الأمر بتصوير الحدث كأي وسيلة إعلامية أرسلت مصورها الصحافي. ولتكتمل المشهدية التي تريد قوى الأمن إظهارها للرأي العام، نشرت الصور على حساب قوى الامن الداخلي على موقع «تويتر»، مرفقة بجمل مثل «مشاهد محزنة من التخريب الذي افتعله المشاغبون في وسط بيروت»، معلنة اعتقال عدد من هؤلاء.

واللافت أن عدداً من المواقع الاخبارية، وبفعل غياب لافت ومستغرب لأي بث مباشر من قبل أي وسيلة إعلامية، تبنّت رواية قوى الأمن الداخلي، مستخدمةً مصطلح «المشاغبون» نفسه. وقد بقي حساب قوى الأمن ناشطاً يبث صور «التخريب» حتى ساعات ما بعد منتصف الليل، فما الذي كان يحصل خلال نشر هذه الصور؟ هرب الشبان الذين قاموا ببعض أعمال الشغب وتواروا عن الأنظار، بفعل تساهل القوى الامنية في التعامل معهم، ليقوم بعد ذلك العناصر الأمنيون بفض ساحة رياض الصلح من المعتصمين بطريقة «مرعبة»، حيث لاحقوا الناس العزل في الشوارع وأبرحوهم ضرباً، على ما يفيد شهود العيان، علماً بأن الشبان والشابات الذين تعرضوا للضرب هم من منظمي الحراك ممن كانوا يسعون لتهدئة الأوضاع طوال الوقت منعاً لأي اشتباك، ومن الصحافيين الذين كان وجودهم في المكان مزعجاً للعناصر الأمنيين الذين وصفوهم بـ»الخنازير». وسقط ما لا يقل عن 7 جرحى في صفوف المعتصمين، نقلوا الى المستشفيات المجاورة. الاعتقال شمل كل من أيمن مروة وسامي موسی، الناشطين في اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، علماً بأن مروة كان من الشبان الذين شكّلوا منذ صباح أمس حاجزاً بشرياً بين المعتصمين وقوى الأمن لتهدئة الشبان الغاضبين لكي لا تتطور الأمور بشكل دراماتيكي، على غرار ما حصل نهار الأحد. وقد وثّق أكثر من فيديو مصوّر اعتداء القوى الأمنية على مواطنين عزل. ويظهر في أحد هذه الفيديوات استفراد 20 عنصراً من مكافحة الشغب بمواطن!

الاعتقال شمل أيمن مروة وسامي موسی الناشطين في اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني وكتبت إحدى الصحافيات تجربتها على صفحتها على «فايسبوك»، فقالت «القوى الامنية فضّت ساحة رياض الصلح بطريقة مرعبة بعنفها. بنات أكلت خبيط ليوم الخبيط. تصرخ تقول صحافة متل إجرن. أكتر من عنصر هني وهاجمين بيصرخوا: وين المتظاهرين المنايك يا لواط. انته خرج تتظاهروا انته خرج....». أحد الصحافيين قال لهم: «أنا صحافي»، ردّو عليه: «صحافة خنازير». ما قامت به القوى الامنية لم يأت وليد اللحظة، فعند بدء توافد المواطنين بشكل كثيف ابتداءً من الساعة السادسة مساءً، لم يحتمل عناصر مكافحة الشغب اقتراب عدد من الشبان المتحمسين من المدخل المؤدي الى حديقة السراي الحكومي (من جهة شارع المصارف) حتى بادروا الى الركض ناحية المتظاهرين وضربهم بالهراوات بشكل همجي وعشوائي، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه القوى الأمنية تلعب دور الضحية عبر حسابها على «تويتر»، بالإشارة الى تعرضها للاعتداء من قبل المتظاهرين! أكثر من ذلك، اتهمت القوى الأمنية أيضاً وسائل الاعلام بتحريض المواطنين على الاعتداء عليها. ممارسات القوى الأمنية أدّت الى حال من التوتر في ساحة رياض الصلح، تخللها بعض عمليات الكر والفر بسبب إقدام عدد من الشبان على رمي عبوات ماء بلاستيكية فارغة أو «فرقيع» يصدر القليل من الصوت على عناصر مكافحة الشغب والقوى الأمنية التي يبدو أنها لا تستطيع «ضبط أعصابها»، وأزعجها هذا الفعل الذي لا يرقى الى أعمال الشغب. لكن هذا العنف المفرط في الرد على «عبوة بلاستيكية» لم يدفع المتظاهرين إلى الخروج من الشارع في وقت مبكر وفق ما يتمنى العناصر الأمنيون. بدا الناس مصرون أمس على البقاء في الساحة أكثر وقت ممكن، مقتنعين تماماً بأن ما يحصل تسبّبه القوى الأمنية نفسها بأوامر من القوى السياسية التي تحاول تشويه صورة الحراك، وإلا لمً استهدفت القوى الامنية منظمي الحراك واعتدت عليهم.

سقط جدار العار

جدار الفصل الذي بنته السلطة السياسية خوفاً من شعبها، تحوّل بعد ساعات قليلة من وضعه الى لوحة مليئة برسوم وشعارات «إسقاط النظام» و»الثورة» وغيرها من الشعارات والشتائم بحق النواب والوزراء ووزير الداخلية وغيرهم. السلطة السياسية مرتبكة وفي حال من التخبّط. يأمر وزير الداخلية بوضع سور إسمنتي محاذي للسراي الحكومي، ثم يطلب رئيس الحكومة إزالته في اليوم التالي. وزير البيئة يعلن نتيجة فضّ عروض المناقصات، لتعود الحكومة وتلغيها. كل ذلك يحصل في ظل إصرار القوى الأمنية وعناصر مكافحة الشغب على استخدام القوة المفرطة مع المواطنين لليوم الثالث على التوالي. والجدير ذكره أن مناطق لبنانية عدة، مثل النبطية وبعلبك وضهر العين (البقاع الغربي) وعكار، قد شهدت تحركات احتجاجية عند الساعة السادسة، بدعوة من مجموعة #بدنا_نحاسب.

هديل فرفور - الاخبار

 

«دمّك يا محمد قصير، شعلة ثورة رح بيصير»، لم ينفك المتظاهرون الذين تجمّعوا، أمس، أمام قصر العدل في تحرّك «بدنا نحاسب» الذي دعا اليه «اتحاد الشباب الديموقراطي» و»حركة الشعب» وقطاع الطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، ترداد هذا الشعار «نصرةً» للمتظاهر محمد قصير (21 عاماً) الذي أصيب خلال تظاهرة الاحد الماضي في رأسه، وهو في حالة حرجة.

هدف التحرّك، وفق منظّميه، هو «محاسبة من تعرّض للمتظاهرين يوم الاحد وشرّع قتلهم» فضلاً عن «إطلاق سراح الموقوفين والتعهد بعدم ملاحقتهم في ما بعد» و«التأكيد على استمرار التحرّكات». إلّا أن حشد المتظاهرين أمام قصر العدل والسير نحو ساحة رياض الصلح، استكمالاً لمسار «إسقاط النظام»، يهدف أيضاً الى التصدّي لـ»خطر» خمود التحركات الاحتجاجية التي يشهدها البلد نتيجة التخوف من «استثمار» السلطة الخلاف الحاصل بين هذه المجموعات اليسارية وحملة «طلعت ريحتكم».

يتجلّى هدف «التصدي» هذا في الشعارات التي رُفعت خلال الاعتصام، والتي تعمّد معدّوها التركيز على ضرورة «توحيد الجهود» خدمةً لـ»الثورة» المرجوة. فكان الشعار «يا منوحّد جهودنا، يا بتضيع حقوقنا»، الذي وافق عليه غالبية المشاركين. المشاركون كانوا بالمئات. اللافت في هذا التحرّك أنه نجح، في ظل التخوّف من أجواء التظاهرات، في استقطاب فئات غير محزّبة «يسارياً»، ومن مختلف الفئات العمرية، هتفوا لخوض «المعركة الطبقية، لا الطائفية». يُستدل على المشاركين غير «اليساريين» عند «استحقاق» الأغاني الثورية. يكتفي البعض بالتصفيق فيما يجهد البعض الآخر في «التقاط» وقع بعض الكلمات. من بين المشاركين أيضاً، من خَبِر الاعتصام لأول مرة، وهؤلاء يُستدل عليهم بسهولة أيضاً، إذ يبدون «مترقبين» و»مقيّدين» بعض الشيء. ليست المرة الأولى التي تختلف فيها المجموعات اليسارية وحملة «طلعت ريحتكم» حول كيفية ترجمة المطالب الموحدة. وجرت العادة على أن تتجاوز هذه «الأطراف» خلافاتها سعياً الى بلورة الهدف المشترك، وهو ما يفرضه واقع محاربة «حكم الأزعر». وفيما رُفع شعار «لا باطون ولا حديد، بتحمي دولة التمديد»، أمام قصر العدل، استنكاراً لجدار الباطون الذي رُفِع بين ساحة رياض الصلح والسراي الحكومي، كانت هناك مجموعات شبابية فردية تتجمّع في الساحة و»تتسلق» الجدران فتحوّلها الى لوحات من «الغرافيتي»، فضلاً عن «استخدامها» كـ»يافطات» كتب المشاركون شعاراتهم عليها. قرابة الساعة الثامنة من مساء أمس، وصل المشاركون في التظاهرة الى ساحة رياض الصلح وانضموا الى المجموعات الفردية، فأعادوا ترداد الشعارات الموحدة المنددة بأسلوب السلطة التي «تحتمي بجدران اسمنتية».