غسان ديبة - الاخبار

 

«نحن نعيش في مجتمع يزداد لاديموقراطية حيث تتحكم به قلّة من الأفراد من الذين يملكون أموالاً طائلة»برني ساندرز

بعدما وصلت شعبية الحزب الاشتراكي الأميركي الى مداها الأقصى في العقدين الأولين من القرن العشرين، وبعد انتعاش اليسار في فترة الكساد العظيم التي امتدت الى الثلاثينيات ومشاركة الحزب التقدمي في انتخابات 1948، تلاشى دور اليسار في السياسة الأميركية، وعاشت الحركة التقدمية في الولايات المتحدة الأميركية عقوداً عدة في كنف الحزب الديموقراطي، من دون أن يكون لها كيان فاعل مستقل.

أما اليوم، بعد الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 2008، والتي أصبحت تعرف في الولايات المتحدة بالركود العظيم، عادت الروح الى الحركة التقدمية عبر ما عرف بحركة الاحتلال التي رفعت شعار تمثيل الـ 99% من الشعب الأميركي ضد الأقلية الصغيرة التي تمثل الـ 1% والتي تسيطر على جزء كبير من الدخل والثروة، والتي بسيطرتها هذه لا تتحكم فقط بالاقتصاد وثماره، مانعة تطور الطبقات العاملة والوسطى، بل تتحكم بالمفاصل الأساسية للسلطة السياسية، كما أوضح الاقتصادي الأميركي جوزف ستيغليتز في كتابه «كلفة اللامساواة»، حيث أصبحت السلطة السياسية مكونة من الـ 1% وبواسطة الـ 1% ومن أجل الـ 1%.حرّكت حركة الاحتلال الشارع الأميركي في أكثر من ولاية وانتشرت على الصعيد الوطني (وهو التحدي الأساسي لأي حركة بديلة من ثنائية الحزبين الجمهوري والديموقراطي)، إلا أنها عادت وخمدت بسبب انسداد الأفق التغييري أمامها والبدء بالتحسن الاقتصادي الذي نجم عن السياسات الكينزية للدولة وللاحتياطي الفدرالي. ولكن فجأة، وتزامناً مع بدء العملية الانتخابية للرئاسة الأميركية التي ستحصل في 2016، برزت حركتان سياسيتان تعيدان لليسار الأميركي التقدمي الحيوية السياسية، بل أكثر من ذلك المشاركة بفعالية في هذه الانتخابات.

برزت حركتان سياسيتان تعيدان لليسار الأميركي التقدمي الحيوية السياسيةالحركة الأولى أعلن عنها في أبريل الماضي واسمها «شعبوية 2015: بناء حركة من أجل الشعب والكوكب»، والتي تشكلت من عدة جمعيات أهلية في سابقة فريدة من نوعها وممتازة، وربما غير متوقعة لتحوّل عملاً أهلياً الى فعل سياسي على المستوى الوطني. ولهذه الحركة طعم ورائحة حركتي سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا. هذه الحركة أصدرت بيان تشكلها في ما يعتبر بمثابة مانيفستو من 12 عنواناً يتناول مواضيع اقتصادية ــ اجتماعية، محاولة نقل الوعي الأميركي الوطني المستجد من الدوائر الضيقة مثل تأييد الحقوق المدنية وإنزال العلم الكونفدرالي الى الدائرة الواسعة للحقوق الاقتصادية لمجتمع بدأ يفقد شيئاً فشيئاً ما عرف بالحلم الأميركي، ولم تعد الحلول المطروحة من الثنائي الجمهوري ــ الديموقراطي تتناسب مع هذا الانحدار، الذي بدأ منذ 30 عاماً وتسارع بعد الأزمة في 2008. من المواضيع التي تطرحها هذه الحركة: زيادة الأجور، التغطية الصحية ووضع حد لسيطرة الرأسمال الكبير على السياسة.أما الحركة الثانية فهي ترشح برني ساندرز للرئاسة الأميركية عن الحزب الديموقراطي، وهو عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت، والوحيد في كل الكونغرس الأميركي الذي يعلن أنه اشتراكي. يقول ساندرز «بيل كلينتون ديموقراطي معتدل. بينما أنا ديموقراطي اشتراكي». ومن مواقفه التي تخيف الطبقة الحاكمة قوله «في الثلاثين سنة الماضية حصلت إعادة توزيع هائلة ــ نحن نتكلم على عدة تريليونات من الدولارات تم تحويلها من الطبقة الوسطى الى طبقة الـ 0.1% ــ وآن الأوان لإعادة توزيع هذه الأموال من هذه الطبقة الى العائلات العاملة في هذا البلد». إن هذا القول يعني أن ساندرز يعتقد أن الإصلاحات الطفيفة هنا وهناك لن تفي بالغرض، بل هناك حاجة لسياسات راديكالية من أجل تحقيق إعادة التوزيع هذه، وعلى رأسها رفع نسب الضرائب على الأرباح والمداخيل العالية والثروة بشكل كبير. إن اشتراكية ساندرز تبدو حتى الآن أمراً يجذب الأميركيين ولا ينفرهم، وهذا إنجاز كبير في بلد شنت فيه على مدى التاريخ، وخصوصاً أيام الحرب الباردة، أشرس الحملات ضد فكرة الاشتراكية وليس الشيوعية السوفياتية فقط. ففي آخر استطلاعات الرأي، بدا ساندرز يوازي قوة هيلاري كلينتون في مواجهة الجمهوريين في عدة ولايات حساسة.على الرغم من ذلك، يقول البعض إن تأييد ساندرز سيؤدي حتماً الى فوز المرشح الجمهوري، وبالتالي إن الخيار الوحيد أمام اليسار ويسار الحزب الديموقراطي أن يؤيدا ترشيح هيلاري كلينتون، التي مثلت قبل عهد بيل كلينتون وفي بدايته طموح هذا اليسار الذي سرعان ما بددته خلال الولاية الثانية لزوجها وخلال وجودها في مجلس الشيوخ ووزارة الخارجية الأميركية، والمثال الأبرز على ذلك كان تصويتها لصالح الحرب على العراق. تحاول كلينتون استمالة يسار الحزب عبر الإيحاء بالابتعاد عن «وول ستريت» وطرحها أخيراً فكرة مشاركة الموظفين في ربح الشركات واضطرارها في وجه الطروحات اليسارية الى تسويق فكرة طرح مشروع لزيادة الضريبة على الأرباح الرأسمالية على الاستثمارات القصيرة الأمد من 20% الى حوالى 40%. هذه الطروحات على أهميتها ليست إلا ذراً للرماد في العيون. فبروز اليمين الجمهوري على الساحة السياسية الوطنية من خلال حزب الشاي في السنوات الماضية ومن خلال دونالد ترامب الآن يجب أن يحفز اليسار على الإبقاء على زخمه الحالي وعدم الخضوع للوحدة الزائفة لأن الحلم الأميركي لن يبقى أو يستعاد إلا بحركة اشتراكية ديموقراطية تنتزع الولايات المتحدة ونظامها الديموقراطي من براثن أوليغارشية مالية وميروقراطية وتعيدهما وطناً ونظاماً من الشعب وبواسطة الشعب ومن أجل الشعب.

طارق الملاح، إيهاب يزبك، فراس بو زين الدين وبلال علاو. موقوفون منذ الأربعاء الماضي، لدى «فرع المعلومات»، بإشراف المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود. المتورطون بقضية حجز حرية الشبان الأربعة لا يخفون أن الهدف هو تأديبهم بحجّة التحقيق معهم. التهمة: رشق سيارة وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس ببعض من أكياس النفايات التي رشقت بها الحكومة عموم «المواطنين»

 

حسين مهدي - الاخبار

 

التحقيق مع الشاب طارق الملاح ورفاقه الثلاثة لم يتوقف منذ يومين، كما لو أنه مجرم خطير يهدد الأمن القومي للبلاد بكيس نفايات رماه على سيارة وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس خلال اعتصام «طلعت ريحتكم». الوقاحة بلغت بالمتورطين في عملية التوقيف الاعتباطي أنهم يجاهرون بأن الشبان الأربعة سيبقون قيد التحقيق طوال المدة التي يسمح بها القانون، أو بمعنى أوضح، يجاهرون بأنهم ينفذون تعليمات سياسية بحجز حرية مواطنين تعسفاً.

عملية توقيف الملاح، يوم الأربعاء الماضي، كانت الأسرع في تاريخ عمل «فرع المعلومات»، الذي اعتقل الملاح ورفاقه بعد أقل من نصف ساعة على ادعاء وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس عليه واتصاله بالمدعي العام للتمييز سمير حمود، للضغط من أجل نيل «حقه» من الملاح، وإلا « فأنا أعلم كيف آخذه»، بحسبما ما صرّح لموقع «النهار».

ما هو هذا التحقيق المستمر منذ يومين؟ عمّ يُسأل اليتيم ورفاقه بالتحديد؟ كم كيساً من النفايات رميت على السيارة؟ في هذا الوقت، سعى تيار المستقبل إلى استغلال حادثة رشق سيارة درباس بالنفايات، لخلق قضية «مظلومية» جديدة ضد «الطائفة السنية»، بهدف إعادة شدّ العصب «الطائفي» وتوظيفه في حماية مصالح سياسية ومالية، حتى ولو تطلب ذلك إطلاق كذبة فاقعة تقول إن هؤلاء الشبان مجندون لدى سرايا المقاومة للتعرض لرموز الطائفة، علماً أن المشاركين في هذه الاعتصامات، وتحديداً الذين اعتُقلوا، منخرطون في نشاطات ذات طابع حقوقي مطلبي، أو منتسبون إلى تنظيمات شبابية يسارية، وهذا أمر لا يمكن تيار المستقبل إثبات عكسه مهما أثار شائعات عبر وسائل الإعلام التابعة له وتصريحات نوابه وهيئاته الأهلية والمنتفعين منه. من جهته، وجد وزير الشؤون الاجتماعية في هذه الحادثة فرصة للانتقام من الملاح، فالأخير كان قد لجأ إلى وزير الشؤون الاجتماعية لإنصافه في قضية اغتصابه داخل دار الأيتام الإسلامية، ولحماية باقي الأطفال، إلا أن درباس أعلن صراحة تخليه عن مسؤولياته في الوصاية والإشراف على دور الرعايا، متهماً الملاح بالكذب، علماً بأن دار الأيتام الإسلامية نفسها كانت قد أقرت في وقت سابق بوقوع الحادثة، عبر بيان لفتت فيه إلى استعدادها لـ»الوقوف إلى جانب الملّاح». يضاف إلى ذلك أن درباس لم يتوان عن الذم والقدح بحق الملاح مراراً وتكراراً، إذ دعاه مرة «لستر عورته» كي لا يتعرض للاغتصاب، ومرة وصفه ورفاقه «بالفئران». تضامناً مع الملاح ورفاقه الثلاثة إيهاب يزبك، فراس بوزين الدين وبلال علاو، نفّذت جمعية المفكرة القانونية ورفاق طارق اعتصامين. الاعتصام الأول عند التاسعة صباحاً أمام مبنى قصر العدل، والثاني عند الساعة السادسة أمام مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية، ثم انتقل المعتصمون مجدداً إلى أمام قصر العدل، مطالبين المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود بالإفراج الفوري عن الموقوفين الأربعة. القاضي حمود قال في حديث مع «الأخبار» إن التحقيق مع الملاح والموقوفين الآخرين «يأخذ مجراه القانوني، وقد يمتد لستة أيام، تنتهي إما بالتوقيف وإما بإخلاء السبيل»، علماً بأن مدة التوقيف القانونية هي 48 ساعة قابلة للتجديد 48 ساعة أخرى فقط! المدير التنفيذي للمفكرة القانونية، المحامي نزار صاغية، صرّح بأنها المرة الأولى في مسيرته المهنية يُمنع من التواصل مع موكله، ويُمنع عن موكله التواصل معه، رغم مرور أكثر من 24 ساعة على التوقيف. ورأى صاغية أن لا شيء يبرر التأخر الحاصل في التحقيق، وما يمارس حالياً هو تنفيذ «عقوبة مقنعة» و»انتقام مقنع» بحق الملاح «تحت غطاء التحقيق».

وأشار صاغية إلى أنه حين تتضرر الناس من النفايات، وحين تكون صحة مليوني مواطن مهددة بفعل ذلك لا تحرك الدولة ساكناً، لكن حين تُمس هيبة وزير بفعل كيس نفايات «هيدي عندها وزنها في المنظومة القضائية الأمنية»، واضاف صاغية ساخراً: «إن وزير تهان كرامته هذا شيء لا يجب السكوت عنه، وتُحرّك كل أجهزة الدولة لأجله، وتذهب أبعد ما يمكن بالتحقيقات». واحدة من الأمور التي يعيبها صاغية على النيابة العامة التمييزية، هي عدم تمكينه من التواصل مع طارق الملاح بصفته وكيله القانوني، علماً «أننا تقدمنا بطلب لأجل ذلك في نفس اليوم الذي اعتقل فيه، وهذا يشكل انتهاكاً كبيراً للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية»، وأسف صاغية لأن يصدر مثل مخالفة كهذه عن النيابة العامة التمييزية نفسها. «المعركة» الحاصلة حاليا تذكر بـ»أهمية استقلالية القضاء» أحد الشعارات الأساسية التي رفعت خلال الاعتصامات تضامناً مع الملاح. وندد المعتصمون أمس بـ»درباس الحساس»، واتهموه بـ»حماية المغتصبين» والضغط على القضاء للانتقام من المواطنين. إضافة إلى تهديد درباس العلني لطارق الملاح، عبر «تحصيل حقه بنفسه إن لم يقم القضاء بذلك».

«الوزير صار في ملفات كبيرة عليه»، يقول صاغية. الأول هو ملف تخليه عن كل مسؤولياته في موضوع دار الأيتام الاسلامية، ودور الرعاية، بينما كل مسؤولية وزارته تنصب في هذا المضمار، 71% من موازنة وعملها الوزارة يقع على دور الأيتام، «وهذا المحل لازم يكون الشغل الشاغل للوزير، ولكن هو قرر إنو هيدول غير قابلين للمحاسبة، ويكون قد تخلى بذلك عن مسؤولياته». الملف الثاني هو القدح والذم بحق الملاح، من تاريخ فضح الملاح لملف الاغتصاب في دار الأيتام حتى اليوم، حيث استخدم الوزير كلاماً بذيئاً، وآخره أول من أمس حين وصف طارق ورفاقه بأنهم أوسخ من الزبالة. والملف الثالث الذي يحكي عنه صاغية هو التهديد المباشر للملاح. ووعد صاغية باستكمال المعركة إعلامياً وقضائياً حتى رفع الحصانة عن الوزير وتحويله إلى المجلس الأعلى لمحاسبة النواب والوزراء. وقالت المحامية نرمين سباعي من جمعية بدائل، إن هناك دعوة قضائية مرفوعة بالتعاون مع المفكرة القانونية ضد وزارة الشؤون الاجتماعية، وقد تخطى الأمر موضوع الملاح، ونطالب بالتحقيق والمسائلة وإقرار قانون مدني للرعاية البديلة، وأن تكون الوزارة العين الراقبة على هذه المؤسسات في المرحلة الحالية.

«برجا تتحدى واشنطن»، العبارة التي كتبت على شاحنات المقاول جهاد العرب المصادرة عند الأوتوستراد الساحلي، شكلت دلالة بالغة الوضوح على أن التسوية التي أعلنها الرئيس تمام سلام لنقل نفايات بيروت الى إقليم الخروب قد دفنت في مهدها. وفي وقت لم يزل فيه هذا الملف يراوح في الحلول الترقيعية، لوّح النائب وليد جنبلاط بإمكانية إعادة فتح مطمر الناعمة لفترة قصيرة في حال فشل خيار المواقع المؤقتة وشرط نجاح المناقصات

 

بسام القنطار - الاخبار

 

«الاتصالات المكثفة» التي أجراها رئيس مجلس الوزراء تمام سلام بكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري للتوصل إلى صيغة حل مرحلي فوري وموقت لمعضلة النفايات في بيروت وضاحيتها ومناطق في جبل لبنان، لم تنفع في رفع النفايات من هذه المناطق فوراً، ولم تنجح في الوصول الى المواقع المحددة من قبل وزارة البيئة.

ففي الوقت الذي لم تخرج فيه أي شاحنة من موقعي الكرنتينا والعمروسية الى أي موقع في جبل لبنان حتى مساء يوم أمس، عادت أكثر من ثلاثين شاحنة تابعة لشركة المقاول جهاد العرب أدراجها بعد أن منعها سكان منطقة إقليم الخروب من إكمال مسيرها الى موقع كسارة «CCC» في سبلين، حيث كانت تنوي تفريغ حمولاتها.

وعلمت «الأخبار» أن شركة سوكلين التي قامت برفع كمية كبيرة من النفايات من بيروت والضواحي بعد أن أفرغت جزءاً من مخزون مراكز المعالجة، أصدرت تعليمات إلى غرفة العمليات فيها بالتوقف عن الجمع في فترة بعض الظهر، بعد قطع الطريق الى مكب سبلين، لأن مراكز المعالجة امتلأت من جديد بالنفايات، في حين بقيت النفايات التي حمّلت الى شاحنات العرب متوقفة في مكانها.منذ ساعات فجر يوم أمس تجمع شبان غاضبين عند مفارق عدة على الأوتوستراد الساحلي بين الجية وبرجا استعداداً لمنع أي شاحنة من المرور، وهذا ما حدث فعلاً عند الساعة التاسعة صباحاً حيث أمكن مشاهدة ثلاث شاحنات محمّلة بالنفايات المغلفة متوقفة في منتصف الطريق عند الأوتوستراد الساحلي وقد كتب عليها عبارة «لن يمر يا ... العرب»، في إشارة بالغة الوضوح إلى غضب الاهالي من الخطوة التي كان يفترض أن تشكل مدخلاً مؤقتاً لإعادة انتظام إدارة النفايات في عدد من المناطق الخدماتية التابعة لمجموعة افيردا (سوكلين وسوكومي).

وعبّر عدد من المعتصمين الغاضبين عن نقمتهم على القرار السياسي بنقل النفايات الى الاقليم، موجهين الشتائم والعبارات النابية بحق رئيس الحكومة تمام سلام والرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط.في تصريح إلى «الأخبار» قال جنبلاط إنه بناءً على مبادرة من الرئيس تمام سلام وافق على خطوة نقل النفايات الى الاقليم كحل مرحلي ومؤقت، طالباً أن تراعى الى أقصى حدّ عملية تخزين النفايات في موقع كسارة «CCC» بطريقة لا تؤدي الى تفاقم أزمة التلوث. ولفت جنبلاط الى أن هناك مشكلة سياسية في برجا وانقساماً بين مختلف مكوّناتها، وفي علاقة البلدة مع تيار المستقل، وبين التيار وبقية المكونات من الشيوعي الى الجماعة الاسلامية. وأردف ممازحاً: «يبدو أن رحلة خالد مشعل الى السعودية اقتصرت على العمرة ولم تتوصل الى صلحة تفتح أفقاً للحل».وحول الخيارات المتاحة للخروج من الازمة الحالية، شدد جنبلاط على أنه لم يلمس حتى الساعة مسعى جدياً يمكن أن يؤدي الى نجاح مناقصة بيروت والضواحي، التي تحتاج الى مطمر خارج نطاقها، والى تقدم العارضين للمناقصة. ولم يستبعد جنبلاط أن يعاد طرح مسألة التمديد القصير جداً لمطمر الناعمة لفترة أشهر، لكنه ربط النقاش حول هذه المسألة الحساسة في حال فشل خيار الانتقال الى المواقع المؤقتة التي تقترحها وزارة البيئة، وبالتوصل الى تسوية في موضوع المناقصات، ودون ذلك فإن الطريق الى مطمر الناعمة ــ عين درافيل ستبقى مقفلة.

وحول مسألة خيار إنشاء حاجز بحري وردم الشاطئ في خلدة، أعلن جنبلاط أنه يتفهّم رفض العديد من المكونات السياسية لهذا الطرح، مشيراً الى أنه تلقى تقريراً من مصلحة الطيران المدني تفيد باستحالة إقامة منشأة للنفايات بالقرب من المطار، لأن ذلك يؤثر في سلامة الطيران بفعل تكاثر الطيور «الجامعة للنفايات» في أجواء المكب الملاصق لمدرج المطار من الجهة الغربية.ميدانياً، ومن مفرق الجية الى مفرق برجا تجمع عشرات الشبان قاطعين الطريق، ما أدى الى زحمة سير خانقة وعلقت مئات السيارات في الزحام، وأبدى المواطنين تذمرهم من قطع الطريق أمامهم، معتبرين أنهم «غير مسؤولين» عن فشل الحكومة. في المقابل، حاول بعض الشبان، ممن قطعوا الطريق، التواصل مع العالقين في سياراتهم شارحين لهم وجهات نظرهم ومخاوفهم البيئية والصحية من خطة سلام.وقال سائق شاحنة تابعة لـ«شركة العرب» لـ«الأخبار»: هجم عليّ أكثر من خمسين شاباً غاضباً وصادروا المفاتيح، وشتموا صاحب الشركة ومنعوني من إكمال طريقي. كذلك، أفرغ المعتصمون شاحنات محملة بالردميات والحجارة، كانوا قد استقدموها، وسط الاوتوستراد الساحلي في الجية على المسربين، مؤكدين استمرار الاعتصام حتى عودة الحكومة عن قرارها بنقل النفايات إلى منطقة إقليم الخروب.وأكد رئيس بلدية الجية جورج قزي لـ»الأخبار»، أثناء مشاركته في قطع الطريق، أن الاتجاه هو لقطع الطريق الدولية حتى ساعات المساء، ثم ينتقل المعتصمون الى الطرقات الفرعية منعاً لدخول أي شاحنة الى الاقليم، مجدداً رفض بلديات المنطقة بشكل قاطع أي تسوية حول الموضوع. الرفض المطلق لدخول الشاحنات عبّر عنه أيضاً رئيس بلدية بعاصير أمين القعقور الذي عبّر عن غضبه من التسوية التي يحاولون تمريرها على حساب صحة أهل الاقليم الذين دفعوا منذ ربع قرن ضريبة تلوث معمل الجية الحراري ومعمل الاسمنت في سبلين واليوم يريدون تحميلهم تلوث النفايات.

وعقد اجتماع طارئ في وزارة الداخلية، بين وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق ورؤساء اتحاد بلديات إقليم الخروب، لبحث أزمة النفايات، في حضور وزيري البيئة محمد المشنوق والزراعة اكرم شهيب والنائب علاء الدين ترو، والأمين العام لتيار «المستقبل» احمد الحريري.وقال وزير الداخلية: «كان اجتماعاً جدياً وضرورياً، ولو انه أتى متأخراً، مع رؤساء اتحاد بلديات اقليم الخروب. أكدت لهم باسم الحكومة انه لا ولن يحصل أي شيء في الاقليم بشأن المطامر أو المحارق أو أي امر له علاقة بالنفايات من دون موافقة اهل الاقليم او رضاهم، وهذا أمر محسوم ولا ينبغي لاحد ان يستغله في السياسة ويضعه على الطرقات في وجه الناس، لأن وضع هذا الأمر في وجه الناس يشكل ظلماً لهم لا يقبله أهل الاقليم ولا المظلومون ولا الحكومة».وبعد الاجتماع اعلن رئيس بلدية شحيم محمد منصور، ان مسالة نقل النفايات الى الاقليم ستبحث في جلسات لاحقة مخصصة لنقاش هذا الموضوع. بدوره أكد رئيس بلدية برجا نشأت حمية ورئيس بلدية جدرا الأب جوزيف القزي، ان وزير الداخلية «تعهد بعدم نقل أي نفايات إلى الإقليم، ما دام الأهالي يرفضون هذا الأمر».

وأعلنا ان اتحاد البلديات سيعقد اجتماعاً اليوم لمتابعة التطورات.وعلمت «الاخبار» ان المشنوق عرض ان تدفع الدولة للبلديات مبالغ مالية مقابل السماح بوصول النفايات الى سبلين.وفي جبل لبنان، ورغم المسعى الذي أعلن عنه الرئيس سلام لنقل النفايات الى عقارات حدّدها رؤساء اتحادات البلديات، ضمن تسوية شارك فيها رئيس حزب الكتائب الشيخ سامي الجميل، علمت «الأخبار» أن هذه التسوية لم تبصر النور حتى مساء أمس. وأكد الناشط البيئي بيار أبي شاهين أن شاحنات في الظلام أفرغت نفايات من المنصورية والرابية على الاوتوستراد في نطاق بلدية كفريا، ما استدعى تدخل رئيس البلدية لنقلها الى مكب كفريا. وأكد أبي شاهين أن هذا العمل اللصوصي مرفوض وسنواجهه في حال تكرر من قبل أي بلديةوفي صور، حذر رئيس اتحاد بلديات قضاء صور عبدالمحسن الحسيني من «تهريب شاحنات محملة بالنفايات آتية من بيروت الى مكب راس العين جنوب مدينة صور، في محاولة للتخلص من الازمة القائمة في بيروت وضواحيها على حساب المناطق». وهدّد «بمنع وقطع الطريق على هذه الشاحنات وحجزها».

وكانت شائعات انتشرت في النبطية تتحدث عن اقتراح لطمر كميات من النفايات في مزرعة بصفور التابعة عقارياً لبلدة أنصار. وفي اتصال «الأخبار» برئيس بلدية أنصار صلاح عاصي، نفى ما تردد، مشيراً إلى أن المزرعة ملكية خاصة تابعة للطبيب علي غندور الذي يستقبل شاحنات تفرغ سماداً عضوياً ناتجاً من إعادة تدوير النفايات لاستخدامه في الزراعة.ومن زغرتا شدد رئيس «حركة الاستقلال» ميشال معوض على أن «كل بلدات قضاء زغرتا ــ الزاوية خط أحمر».وتجمع شبان من بلدات عكارية عدة وسط ساحة حلبا الرئيسية، بشكل سلمي ومن دون ان يقطعوا الطريق، استعداداً لمنع نقل النفايات إلى عكار.وفي البقاع (أسامة القادري) إثر تصريح لوزير البيئة، تحرك أهالي بلدة برالياس والبلدية ونفذوا اعتصاماً على الطريق الدولية، رافضين تصدير النفايات اليهم، تحت عنوان أن البقاع يكفيه ما يعانيه من تفاقم في تلوث نهر الليطاني وما يعانونه من نفاياتهم وسمومها جراء احتراقها بين الحين والحين.

بعد اثني عشر شهراً على اعتقاله وخمسة وخمسين يوماً من الإضراب المتواصل عن الطعام، ثم الرضوخ لمطالب الأسير الفلسطيني المحرر «الشيخ» خضر عدنان، أطلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فجر أمس، سراح عدنان، الذي اشترط يوم وقفه الإضراب، وتحديداً في 29 حزيران الماضي، أن يفرج عنه قبيل ليلة القدر، وهي إحدى أهم الليالي بالنسبة إلى المسلمين في شهر رمضان.

 

حاولت سلطات الاحتلال تعكير الفرحة على عدنان بالإفراج عنه في ساعة مبكرة من الفجر، أي في الوقت الذي ينشغل فيه الفلسطينيون بالسحور، ثم صلاة الفجر، وبصورة مفاجئة، ولكن ذلك لم يمنع من احتشاد العشرات لاستقبال «الشيخ» والترحيب به «منتصراً» بين شعبه، بعدما تحول إلى «أيقونة» استطاعت إجبار إدارة السجون للمرة الثانية على إطلاق سراحه، كاسراً بذلك سياسة الاعتقال الإداري التي يسجن فيها الأسير من دون معرفة القضية التي يحتجز بناء عليها ولا المدة التي سيقضيها داخل الزنازين.

وفي حفل عقد مساء أمس وترافق مع مؤتمر صحافي، كان الأسير المحرر قد تمنع عن الحديث مع الصحافيين قبله، قال عدنان، إن إفراج سلطات الاحتلال عنه في الساعة الواحدة ليلاً، كان كمن «يريد تغطية الشمس بغربال... الباطل الذي كشف جبنهم وباطلهم أكثر وأكثر»، مضيفاً: «اليوم انتصر الكف على المخرز». وقال خلال الحفل، إن «المحتل حاول قضم وسرقة فرحة شعبنا وأحراره بحريتي، ولكن بحمد الله أنى له ذلك»، موجهاً التحية إلى الذين نصروه وتضامنوا معه في إضرابه عن الطعام في سجون الاحتلال. وتحدث عدنان، المنتمي إلى حركة «الجهاد الإسلامي»، عن سوء المعاملة التي كان يلقاها من مصلحة السجون: «منعوني من الصلاة إلا مقيداً، كما منعت من التحدث مع والدتي بعد تدهور حالتها الصحية». وتابع: «أحد ضباط الاحتلال قال لي بالعبرية حينما جاءني إنك لن تخرج من هنا، فقلت سأخرج بإذن الله، فأجابني: إن الله مشغول في سوريا... ها أنا أتحرر بفضل الله». في سياق متصل، أفادت مؤسسة «مهجة القدس للشهداء والأسرى» المقربة من «الجهاد الإسلامي»، أمس، بأن الأسير المضرب عن الطعام منذ 26 يوماً محمد نصر الدين علان يعاني ظروفاً صعبة في زنازين العزل الانفرادي في سجن «أيلا» في بئر السبع. وذكرت المؤسسة في بيان أن إدارة مصلحة السجون عزلت علان منذ ما يقارب 20 يوماً ضمن إجراء تعسفي للضغط عليه من أجل تعليق إضرابه. وأوضحت أن الزنزانة التي يحتجز فيها الأسير لا يوجد بها نافذة للتهوية، وكذلك فإنه لا يسمح له إلا بتناول كوب واحد من الماء يومياً. (الأخبار، الأناضول)

بعد ثلاثة عقود على مشاركته في الدورة الأولى من المهرجان، يعود الفنان اللبناني مع فرقته لتقديم أمسية موسيقية مساء الأربعاء 5 آب (أغسطس). الموعد يحمل رمزية بالنسبة إليه، فالموسيقى هي الطريقة الوحيدة لمواجهة الهجمة المتطرفة على المنطقة اليوم

محمد همدر - الاخبار

في عام 1985، انطلقت «مهرجانات بيت الدين» في عامها الأول. كانت الحرب اللبنانية قد دخلت عامها العاشر، فجاء المهرجان رسالة لاستمرار الحياة. انطلق من الجبل، تلك المنطقة التي كانت أيضاً مسرحاً لحرب ضروس. حينها، شارك مرسيل خليفة وفرقة «الميادين» في العام الأول من المهرجان الذي كان محليّاً، وتحوّل ليصبح دولياً بعد انتهاء الحرب. واليوم، يحتفل المهرجان بعيده الثلاثين في ظروف محلية وإقليمية ليست أفضل بكثير من عام الانطلاقة.

بعد إطلالته الأولى في «مهرجانات بيبلوس» العام الماضي، يشارك مرسيل خليفة وفرقة «الميادين» في الاحتفال بالعيد الثلاثين لـ «مهرجانات بيت الدين» ويعود بالذكريات الى الإطلالة الأولى عام 1985. في اتصالنا معه، يقول: «سنة 1985، افتتحت «مهرجانات بيت الدين». تحوّل قصر بيت الدين آنذاك إلى قصر الثقافة وإلى مكان فسيح لجمهور بالآلاف قدم من مناطق لبنانية عديدة.

وبدأ المهرجان باستضافة فرق عالميّة وتحوّل القصر إلى معرض تحف وكتب وايقونات». يعود خليفة إلى الحفلة التي قدمها في المهرجان، يقول: «أتذكر يوم السبت ٧ أيلول (سبتمبر) عام ١٩٨٥، قدمت و«الميادين» حفلة استثنائيّة في باحة القصر الداخليّة. الحشود خلعت الأبواب وألقت البطاقات. السطوح حول الباحة امتلأت. الكل كان هنا للفرح رغم مرارة الحرب».

مرسيل خليفة الذي تخرّج من «المعهد الوطني العالي للموسيقى» عام 1971، كان قد انطلق «صرخة ثائر» (موسيقاه وكلام محمود درويش) في صمت تلك الحقبة، حقبة الثورة والحرب والأحلام... لم تكن مشاركته الوحيدة في المهرجان الذي يقام في القصر التاريخي، لكنه يعتبر المشاركة هذا العام بداية جديدة «هذه السنة في ٥ آب (أغسطس) سنبدأ مع المهرجان من جديد رغم انني شاركت أكثر من مرّة خلال هذه السنوات. سنغني للفرح خلف أجفان العيون الخائفة والمذعورة من تلك الوحشيّة التي تغطّي منطقتنا وأعود مع «الميادين» وموسيقيين متميزّين». هو الفنان الذي حمل عوده وحمل الكلمة والرسالة في فنّه، لا يترك حدثاً إلا ويهديه نغماً، من لبنان الى فلسطين وسوريا والعراق، واليوم ومع هذه الهجمة السوداء المظلمة على المنطقة، التي لا تستثني لا البشر ولا الحجر ولا التاريخ ولا الحضارات، يقول مرسيل لـ «الأخبار»: «نتمالك أنفسنا ونعيّد ثلاثين المهرجان، ملتمعين ببريق الامل وقدرة الانبعاث بالتغيير، تغيير الانسان نحو الجمال والفرح.

نعود بيقين أقوى من الايمان بأن هذا العالم المعادي لا يواجه إلاّ بقوّة الخيال وكبرياء الابداع في عالم أفضل هنا على هذه الارض». الأمسية التي يحييها مرسيل خليفة مساء الأربعاء 5 آب (أغسطس) ضمن «مهرجانات بيت الدين الدولية» تحت عنوان «وعود من العاصفة»، سيشاركه فيها كل من رامي خليفة ( بيانو)، وبشّار خليفة (ايقاع)، واسماعيل رجب (كلارينيت)، وجوليان لابرو (أكورديون)، وحسن معتّز (تشيلو). ربما كانت هذه الهجمة المتطرفة الجاهلة على المنطقة اليوم الأكثر بشاعة والأكثر خطراً وتدميراً للقيم الإنسانية، هل يستطيع الفن الوقوف في وجهها؟ هل ما زال هناك أمل؟ يصف خليفة المواجهة الجديدة، قائلاً: «هل من مكان اليوم بعد للموسيقى، للشعر، للأغنية؟ نعم، كل المكان للموسيقى في هذا الزمان الإجرامي السافل خصوصاً، فكل موسيقى تضيء الآن هي شمس كبيرة، شمس تعيد الينا الحب والكرامة والحرّية، شمس تذكرنا بأن الجمال هو العالم. شمس تعيدنا إلى الحياة، تنقذنا. كل فن يضيء هو انتصار على الموت والحرب والوحشيّة والابادة الروحيّة والنفسيّة والجسديّة. ووسط هذا المشهد المرعب المؤلف من الجثث والاشباح والانقاض والزكام والضباع الكاسرة والغربان والعقبان، يبدو حب الموسيقى عملاً أحمق وفي منتهى الانانيّة، يبدو كذبة، فهو مستحيل، اذ من يستطيع أن يحب ويغني وهو يعيش في الموت؟ ذلك بالضبط هو الجنون، ذلك بالضبط هو الخلاص. الخلاص من حقارة الواقع وعجز الحقيقة والخلاص من فكرة الموت. وأن يقدر مهرجان على المضي حباً رغم كل شيء، فهذا هو ما يجعلنا نأتي الى بيت الدين لنقول إنّ هناك أملاً بعد».

بشير صفير - الاخبار

 

 يحمل الصيف لنا موعدين مع الموسيقي وعازف البيانو اللبناني. برنامجان مختلفان جذرياً عن برامج السنة الماضية الكثيرة، سنستمع إلى الجديد، القديم النادر أو غير المنشور، المعروف لكن غير المؤدّى من قبل، الكلاسيكيات التي يتمنّى الجميع وجودها دائماً حتى لو تكرّرت في حفلات متتالية

 

تلقّى الفنان زياد الرحباني هذا العام عدّة دعوات للمشاركة في المهرجانات اللبنانية، فلبّى منها اثنتين فقط، بخلاف السنة الماضية الاستثنائية بعدد الحفلات، من بيروت إلى قلحات وغلبون والخنشارة، وصولاً إلى الناقورة، ولاحقاً صيدا وغيرها الكثير. كان من المفترض أن يغيب الرحباني عن موسم السياحة الفنية هذا الصيف، بداعي السفر إلى ألمانيا الذي تأجَّل… لحسن الحظّ، تقول الغالبية.

 

 

أما في الحقيقة، وبتجرّد، فلسوء الحظّ أن سفر زياد تأجَّل. نعم، لسوء الحظّ عموماً، أي حظّه وحظّنا، وللبحث صلة وها هي فوراً: لبنان الذي رسمه الأخوان رحباني وفيروز هو وطنٌ مُرتجى… «لبنان الحقيقي جايي» تقول الأغنية، وكل ما هو آتٍ هو علمياً غير موجود الآن هنا. المؤسف في الأمر أن لبنان الحقيقي لم يأتِ، كما يعرف الجميع. والاستنتاج الوحيد لملامح لبنان الحالي (بما أن الحقيقي لم يأتِ)، استناداً إلى هذا التسلسل المنطقي، بات واضحاً.

 

 

 

بالتالي — والجميع يعرف أيضاً — لبنان الذي نراه في إعلانات وزارة السياحة مبالغ فيه، كما تفرض ألف باء صناعة الإعلانات في العالم. فهذا البلد، العزيز جداً على قلبنا وقلب زياد بالمناسبة، راكم منذ تأسيسه الآفات العامة الممكنة، في المجتمع والسياسة والاقتصاد، وأضاف آفاتٍ «لبنانية» لتشكِّل «ميزته» العالمية لناحية التراجع على المستويات الآنفة. أما ألمانيا، فيمكن أخذ فكرة عنها باسترجاع أسماء عمالقتها، وهي أولى في فئاتها تاريخياً، من الباء إلى الباء… من باخ إلى الـBMW وما بينهما. وهناك قاسم مشترك بين جميع الشعوب، له دلالات تؤكّد عظمة ألمانيا، وهو شعور الطمأنينة العارم الذي ينتاب المرء أمام عبارة: صنع في ألمانيا. وهذا دفعَت ثمنه ألمانيا تعباً وصدقاً، وهنا بيت القصيد. لا شيء في العالم يقدّسه زياد الرحباني أكثر من التعب والصدق، و«مآثر» مجتمعنا في هذين المجالَين مشهود لها (وبالأخص في الموسيقى!)، فكيف لا نأسف على تأخّر سفَر زياد؟! كيف لا نأسف ونحن نعرف أنّه لو أراد إقامة حفلة في برلين، سيجد موسيقيين بأعداد كبيرة ومستويات متقاربة ومحيِّرة. وأنه، في المقابل، لتحضير حفلتَيه المرتقبتَين يعاني ما لا يدركه الجمهور ولا يستوعبه العقل البشري إن لقّمناه المعطيات التي تعرفونها عن قيمة زياد الفنية ووقته الثمين الذي، كلّما ضاع، لدينا جميعاً شعور بأن لحناً عظيماً ضاع معه. كلمة أخيرة في ضرورة سفر زياد: في جميع أنحاء العالم، ينظر المجتمع إلى يدَي عازف البيانو باحترام بالغ… بعض عازفي البيانو الكبار لا يسلّمون باليد، وهذا لا يزعج أحداً.

 

 

 

بل إن بعض الناس لا يسلّمون باليد على عازف البيانو لأنهم يخشون مِن يدِهم على يدِه. يرون فيها يدَ الله على الأرض، للتشابه في الوظيفة الأساسية: خلق الجمال المبنيّ على قواعد الرياضيات المعقّدة وشيء إضافي لا تعريف له. هكذا إذاً هي الحال في ألمانيا، وعلى كوكب الأرض عموماً. لكن، في «قطعة السما» التي «عالأرض تاني ما إلها» لكونها «لوحات الله راسمها» على شكل «شطحات أحلى من الحلا»، تصاب يمنى زياد بعطبٍ من شدّة التعب (ما هو التعب؟ في قاموس أركيولوجيا اللغة: شعور بشري ناتج من عمل وجهد كبيرَين)، ويضطر إلى إلغاء حفلة، ثم يصدر بياناً صاغَ نِصفَه طبيبٌ مختصّ، فتجدون — يا ناس — من يقول: «عيب ما قام به زياد»… أما الشتائم، فتجدونها على مواقع التواصل السوقي. هذه الحادثة، التي «تِنْذَكَر ما تِنْعاد»، سبّبت إلغاء حفلته في «إهدنيات». أما في «الأعياد» (أعياد بيروت) بعدها بأسبوع، فأقيمت الحفلة المقرَّرة تفادياً لمزيد من المشاكل، بعد استعانة زياد بعازفة البيانو دارين شحادة لتكون يده اليمنى في الأمسية… تجدون تجسيداً دقيقاً لهذه الصورة في بوستر حفلته المرتقبة: حفلة إهدن!

 

إذاً، يقدّم زياد الرحباني حفلة وحيدة في «زوق مكايل» (23/7)، تليها أخرى في «إهدنيات» (30/7) تحت عنوان «العَلّ» بما تحمل هذه العبارة من معاني تفسِّر إيقاع «الجوّ حالياً» في لبنان. وكما في جولته الصيف الماضي، يشارك في الفرقة هذه السنة الموسيقي والمغنّي المصري الفائق الحساسية والبارع غناءً وعزفاً، حازم شاهين، ومواطنته المغنية الشعبية بالفطرة والنبرة الصوتية شيرين عبده. أما الموسيقيون الذين بذل الرحباني جهوداً لا تحتمل لجمعهم من أوروبا (عازف الدرامز الممتاز آرنو فون نيووِنْهويْزه) وسوريا وأرمينيا ومصر ولبنان...، فيغطّون جميع عائلات الآلات في الأوركسترا، من الوتريات إلى النحاسيات والخشبيات والإيقاع، بالإضافة إلى الآلات والإيقاعات الشرقية والكورس. أخيراً، في ما خصّ البرنامج الذين لنا عودة إليه عشية الحفلة الأولى، فأولاً، يختلف قليلاً بين الزوق وإهدن، لكنه، ثانياً، يختلف جذرياً عن برامج السنة الماضية، والأهم، أخيراً، أنه يختلف عموماً عن برامج حفلات زياد، وهذا ما سيرضي المتابعين وعابري السبيل من المغتربين الزائرين وحتى المتطلّبين جداً. ويتألف بالعموم من: الجديد، القديم النادر أو غير المنشور، المعروف لكن غير المؤدّى في حفلة من قبل، الكلاسيكيات التي يتمنّى الجميع وجودها دائماً حتى لو تكرّرت في حفلات متتالية.

رؤوف قبيسي - الاخبار

 

 

لا نخالف الحقيقة إذا قلنا في كتاب بسام أبو شريف الجديد «غسان كنفاني- القائد والمفكر السياسي» الصادر أخيراً عن منشورات «الريس»، إنه أقل من سيرة دقيقة عن الكاتب والمناضل الفلسطيني الراحل. لكننا لا نتجاوز الحقيقة أيضاً إذا قلنا إن الكتاب خليق بأن يقرأ، وإنه يكشف عن صفحات كانت مستترة من حياة غسان كنفاني وفكره نضاله. المؤلف جميل الأسلوب، دقيق الملاحظة ما في ذلك شك. لكن أهمية الكتاب وصدقيته تكمنان في حقيقة أنّ أبو شريف (1946) كان من عشراء غسان كنفاني المخلصين، واقربهم إليه وآثرهم عنده، وأنه فلسطيني مثله، وكاتب مثله، وسياسي ومناضل مثله، ومثله تعرّض للاغتيال. الفارق أن كنفاني مات بالبارود، بينما لا يزال أبو شريف في قيد الحياة، يكتب ويناضل.

 

ولد غسان كنفاني في عكا في فلسطين عام 1936 ومات في عام 1972 بعبوة انفجرت في سيارته قرب منزله في منطقة «مار تقلا» في بيروت، وكان له من العمر 36 سنة. أما المؤلف، فقد تعرض للموت بعد أسبوعين من رحيل كنفاني، عندما وصل إلى مكاتب مجلة «الهدف» في بيروت طرد باسم بسام أبو شريف، في داخله كتاب. ما أن فتحه «المرسل إليه»، حتى انفجرت في وجهه عبوة أصابته بحروق بليغة، وأفقدته شيئاً من سمعه ومن بصره، وتركت في الوجه واليدين عاهات لا تزال بادية على الرجل حتى اليوم.

 

 

 

نشأ غسان كنفاني، والصراع في فلسطين وعليها على أشده بين العرب واليهود. توفيت والدته وهو طفل صغير، فربته أخته الكبيرة فايزة. انتسب إلى معهد «الفرير» وكانت الفرنسية لغته الأولى في الكتابة. في عام 1948، وعلى أثر اشتداد المعارك، تغادر العائلة إلى لبنان، وبعد أربعين يوماً إلى حلب، ومن ثم إلى دمشق حيث استقرت، وحيث تابع الصبي دروسه الابتدائية، ثم دروسه الثانوية التي أظهر فيها تفوقاً في الأدب العربي والرسم. لم تغب السنوات الإحدى عشرة التي قضاها كنفاني في فلسطين عن باله. ظل مشدوداً إلى مسقط رأسه بأمراس خفية من الوجد والعشق والحنين، ما حمله وهو صبي يافع على دخول معترك السياسة والانخراط في حركة القوميين العرب، جاعلاً فلسطينه، الموضوع الأساس في قصصه ورواياته، بكل ما فيها من حوادث وذكريات وشخوص. عام 1955، يسافر الفتى غسان إلى الكويت للتدريس والكتابة في الصحف، وهناك يصدر أولى بواكيره الأدبية «القميص المسروق». في عام 1960، يحضر إلى بيروت للعمل في مجلة «الحرية» ويبدأ الكتابة في جريدة «المحرر» الأسبوعية البيروتية. في 1961، يسافر إلى يوغوسلافيا ليؤكد المشاركة الفلسطينية في مؤتمر طلابي، وهناك يتعرف إلى «آني»، معلمة أطفال دانمركية. تبدي الصبية اهتماماً بقضية الشاب الفلسطيني، ثم تسافر إلى بعض العواصم العربية ومنها بيروت، تلتقي غسان كنفاني مجدداً وتستشيره بأمور تتعلق بالقضية الفلسطينية، وكان يومها أحد المراجع المهمة في الموضوع. يشرح لها غسان قضية شعبه. يصطحبها إلى المخيمات، فتتأثر بما تشاهد، وترى الصورة مغايرة، لما كانت تبثه الدعاية الصهيونية في بلادها. ينمو حب بين الاثنين. وبعد عشرة أيام من وجودها في بيروت، يطلب غسان يدها للزواج. تكتب إلى أهلها في الدانمرك. يتزوجان في 1961 ويمر عام ويولد فايز، وبعده بخمس سنوات، تولد ليلى.

■ ■ ■

لم تصرف السياسة والصحافة المناضل «العتيد» عن الأدب، فتظهر روايته «عائد إلى حيفا»، وبعدها «أرض البرتقال الحزين» ثم «رجال في الشمس» وأخيراً «ما تبقى لكم» و»أم سعد»... روايات تستوحي فلسطين وصراع شعبها لاستعادة الأمل المفقود. الذين عرفوا غسان كنفاني، يقولون إنه كان مثقفاً نهماً. يقرأ كل ساعة ويكتب كل ساعة، «كانت عينه ثاقبة وحسه مرهف» كما يقول بسام أبو شريف. كتب المقالات والقصص والفصول وبعضها جمع في كتابه «الرجال والبنادق». في الكويت، كان يوقع مقالاته باسم مستعار، «ابو العز»، وكان من الأوئل الذين صوروا الحياة في الخليج بقصة «موت سرير رقم 12».

 

كان كنفاني أول من عرّف بشيء اسمه «شعر المقاومة» و»شعراء المقاومة». أصبحت كتاباته عنهم كما يقول أبو شريف «مرجعاً يقرر في الجامعات ومرجعاً للدارسين». يكتب محمود درويش عن الفترة السابقة لما كان يعرف بشعر المقاومة وشعراء المقاومة في الأرض المحتلة مقالة عنوانها «غزال يبشر ببركان»، فيقول: «الآن نقول: أدب الأرض المحتلة ونسكت! لكن الحالة كانت تختلف عامئذ. كنا مجموعة شباب دون الثلاثين، نفتقر إلى أدنى مقومات الرد العملي على الهزائم التي يعاصرها وعينا وعارنا. كنا نحاول كتابة الشعر، من دون أن نعي أنه شعر. أغلبية المواطنين كانت تسخر منا بالقول إننا مراهقون، وكان بعض المعلمين يقولون: مبتدئون لهم مستقبل. كان الشعر المقبول لدى الناس، هو الشعر المقبول خارج الأرض المحتلة، وكانت النجوم الشعرية الرائجة في العالم العربي ذاتها الرائجة لدى صحف العدو، باستثناءات قليلة. وبقينا مجهولين إلى أن قام غسان كنفاني بعمليته الفدائية الشهيرة: إعلان وجود شعر في الأرض المحتلة. انقلبت العلاقة داخل الأرض المحتلة، ومشى التطرف إلى نقيضه المتطرف: لا شعر إلا في الأرض المحتلة»!. يضيف محمود درويش في مقالته تلك، فيقول: «غسان كنفاني نقل الحبر إلى مرتبة الشرف، أعطاه قيمة الدم. يقتحمنا دائماً بقوة كلماته التي لا تموت. كم كتب الفلسطينيون وماتوا، لكن حبرهم كان يجف مع دمهم. كتابته هي النادرة التي تصلح للقراءة بعد العودة من جنازة كاتبها، وتاريخ تبلور النثر الفلسطيني لم يبدأ إلا مع غسان كنفاني». عام 1962، يبدأ الشاب المناضل العمل في مجلة «الحرية» التي كانت تصدرها حركة القوميين العرب. كان في الخامسة والعشرين. في 1965، يتسلم رئاسة تحرير صحيفة «المحرر»، صحيفة الناصريين والقوميين العرب، ويصدر عنها ملحق «فلسطين». في 1967، وبعد هزيمة حزيران، يطلب الناشر والصحافي المخضرم سعيد فريحة إلى غسان كنفاني العمل في جريدة «الأنوار»، فيظهر «ملحق الأنوار» الأسبوعي وينتشر بين الآلاف من القراء . في 1969، يؤسس غسان كنفاني مجلة «الهدف» الأسبوعية، لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ويبقى فيها يكتب ويناضل حتى اليوم الأخير من حياته. عن تلك المرحلة، يكتب أبو شريف: «تلازمنا كتوأمين، وعملنا معاً وسهرنا معاً. جبنا طرقات بيروت وتناولنا الطعام في مطاعمها معاً وجلسنا معاً في مقاهيها الشهيرة، ولم نفترق إلا عندما فرقنا استشهاده». في الكتاب «مقابلة» مع غسان كنفاني جرت عام 1969، وكان يومها رئيساً لتحرير جريدة «الهدف». في المقابلة، يتحدث عن نفسه قائلاً: «غادرت فلسطين وأنا في الحادية عشرة. كان والدي محامياً. أرسلني إلى مدرسة فرنسية تبشيرية. لم أكن متمكناً من العربية، مما سبب لي كثيراً من المتاعب. وطالما هزأ بي أصدقائي لأنني لم أكن أجيد العربية. لكن عندما هجرنا من فلسطين، أصبح أصدقائي من طبقة مختلفة، ولاحظوا فوراً أن لغتي العربية ركيكة وألجأ إلى التعابير الأجنبية في أحاديثي. انصب اهتمامي على اللغة العربية لأعالج مشكلتي هذه. كان ذلك في 1954. أذكر أنني كسرت ساقي ذلك العام، فلزمت الفراش ستة أشهر، وشرعت في المطالعة بالعربية جدياً».

 

 

 

في «المقابلة»، يذكر الراحل شيئاً عن بداية حياته السياسية وهو في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. يقول: «قابلت الدكتور جورج حبش لأول مرة. كنت أعمل يومها مصححاً في مطبعة. لا أذكر من عرّفني إلى الدكتور، لكني انخرطت على الفور في حركة القوميين العرب. هكذا ابتدأت حياتي السياسية. في 1960، طُلب مني الانتقال إلى لبنان للعمل في صحيفة «الحركة». وفي 1967، بدأت العمل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فرع فلسطيني لحركة القوميين العرب. وفي 1969، باشرت عملي في صحيفة «الهدف»». في فصل مؤثر، يحكي غسان كنفاني عن تجربته في التدريس. يقول: «عندما باشرت التدريس، واجهت مصاعب جمة مع الأطفال الذين درّستهم في المخيم. كنت أغضب دائماً لدى مشاهدتي طفلاً نائماً أثناء الصف، وببساطة اكتشف السبب. كان هؤلاء الأولاد يعملون في الليل، يبيعون الحلوى أو العلكة أو ما شابه في دور السينما وعلى الطرقات. كانوا يأتون إلى الصف وهم في غاية التعب. تبيّن لي أن نوم الطفل ليس ناجماً عن استخفافه بي أو عن كرهه بالعلم، ولم يكن للأمر علاقة بكرامتي كمعلم، بل مجرد انعكاس لمشكلة سياسية». يصف بسام أبو شريف السنوات التي قضاها برفقة غسان كنفاني بأنها الأجمل في حياته: «تعلمت منه الكثير، وكنت معجباً به، واعتبره نموذجاً للتطور والتنور. إقباله على الحياة بشغف وتفاؤل كان يبث في من حوله شعوراً عميقاً بالأمان. كان مكتبه في مجلة «الهدف» قبلة للأجانب القاصدين الشرق، بحثاً عن الحقيقة والمعرفة، وللثوريين الداعين للحرية وحق تقرير المصير للشعوب من كل أنحاء العالم. أحب غسان كنفاني شجرة الصبار لشوكها وزهرها، تتحدى الجفاف وتصارع من أجل البقاء.

عن مصرع غسان كنفاني صبيحة الثامن من تموز (يوليو) 1972، يكتب أبو شريف «ذلك اليوم دخلت إلى مكتب «الهدف» لأصعق بنبأ اغتيال غسان وتناثر جسده إرباً. انزلقت إلى شق جليدي لا قعر له. تجمدت. أطرافه المتناثرة جمعت ووضعت في نعش. لمحت حذاءه الجلدي الموشح بالورود. سارت جنازة احتشد فيها الألوف من البشر. لم يسيروا بدعوة من أحد. لا يعرفهم التنظيم، ولا يعرفهم أهل الفقيد. كانوا يعرفون من هو الشهيد». يخبرنا بسام أبو شريف الذي عمل مع الدكتور جورج حبش في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولازم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في ما بعد، وكان أحد مستشاريه، بأن المخابرات الإسرائيلية والأردنية، اغتالت غسان كنفاني. وفي فصل آخر، يقول إن غولدا مئير، رئيسة وزراء إسرائيل في حينه، هي من أمر باغتياله. أما محمود درويش، فقد اكتفى في مقالته المذكورة بالقول إن «الأعداء» اغتالوه، من دون أن يقول لنا من هم هؤلاء «الأعداء». قد يجد قارئ كتاب «غسان كنفاني- القائد والمفكر السياسي» جنوحاً في العاطفة وتكراراً لمقاطع، وسرداً كان يمكن اختصاره بعدد أقل من الفصول. لكن طراوة أسلوب المؤلف تجعلنا نغض النظر عن هذه الهنات. أما الجنوح في العاطفة، والميل إلى الاستعارات الوردية، فلهما ما يبررهما، إذا أدركنا حجم الصلة الحميمة التي كانت بين المؤلف والمناضل المغدور. هذه الصلة طبعت السرد بعنصر غالب، يشفع للمؤلف أي عيب قد يجده قارئ أو ناقد. إنه نوع من الوفاء النادر أظهره المؤلف لصديقه الراحل، ويجعلنا نقول من دون تردد، إن بسام أبو شريف كان كاتباً صادقاً، وكتابه يستحق منا كل ثناء وتقدير.

غسان ديبة - الاخبار

 

 

«من الغد سنصنع طريقاً جديداً للشعوب الأوروبية» الكسس تسيبراس

 

قرار رئيس الوزراء اليوناني بالذهاب الى الاستفتاء يوم الاحد الماضي حول الشروط التي وضعتها الترويكا المتحكمة في الاقتصاد اليوناني، لم يكن قراراً وطنياً فقط يلجأ الى حكم الشعب في مسألة مصيرية، بل عملية سياسية كشفت عن الوجه الديكتاتوري للانظمة الاوروبية في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية منذ الازمة في 2010. واليونان كانت الضحية الاكبر لهذه السياسات؛ فمنذ ذلك الوقت خضعت اليونان للتقشف، أي خفض النفقات الحكومية وخفض الاجور وزيادة الضرائب وتغيير أنظمة الضمان الاجتماعي، وخصوصاً أنظمة التقاعد.

 

ففي حالة اليونان، كانت أنظمة التقاعد المسألة الاساسية في الخلاف بينها وبين الترويكا. الأخيرة أرادت خفض معاشات التقاعد وزيادة سن التقاعد في سياسة أفقرت المتقاعدين وزادت من بؤسهم. والمفارقة أن صندوق النقد الدولي (أحد أطراف الترويكا) لديه أكثر الانظمة سخاءً لتقاعد موظفيه ذوي الاجور المرتفعة أصلاً، وهو يضع نصب عينيه بشراسة معاشات التقاعد اليونانية، وأصرّ على إلغاء العلاوات للمتقاعدين الذين يحصلون اليوم مثلاً على 500 يورو وسيخسرون 200 يورو، في إطار أكثر السياسات التي تكشف عن الحقد الطبقي لهذه المؤسسة العالمية التي حادت عن الاهداف المنشأة من أجلها في 1944. إن فرض التقشف وخفص الاجور ومعاشات التقاعد و»الاصلاحات» في ظل اليورو، التي لا يمكن للحكومة اليونانية أن تخفض من قيمته (كما كانت تستطيع مع الدراخما)، كانت السياسة المتبعة من أجل خفض التكلفة وزيادة التنافسية للسلع اليونانية ودفع الديون، ولكن هذه السياسة لم تؤدّ إلا الى المزيد من الخراب الاقتصادي، لأنها دفعت البلاد الى المزيد من الركود والبطالة التي تبلغ الآن 26% وتصل الى 60% بين الشباب! وقد حذر جون ماينارد كينز منذ زمن من خطورة هذه السياسات. إضافة الى التقشف، ترزح اليونان تحت دين كبير، وليس هناك في الافق إمكان خفض وطأته المرتفعة لعقود قادمة، خصوصاً إذا استمرت التجربة الفاشلة المفروضة. إذ على اليونانيبن أن يتحملوا كل هذا من أجل لا شيء. وعلى الرغم من ورقة داخلية صدرت عن صندوق النقد الدولي دعت الى إعفاء اليونان من 50 مليار دولار من دينها، إلا ان كريستين لاغارد، مديرة الصندوق، كانت في اليوم الذي نشر فيه هذا التقرير تطالب اليونان بأن تدفع كل مستحقاتها للصندوق البالغة 21.1 مليار دولار، علماً بأن التقرير المذكور يفترض نمواً 1.5% وفائضاً في الميزانية يصل الى 3.5% من الناتج، وما هذا إلا حلم آخر من أحلام النيوليبرالية ودعاة التقشف، إذ إن هكذا شدّ أحزمة في حالة اليونان سيؤدي الى تفاقم الركود الذي بات عميقاً فيها أصلاً؛ فقد خسرت اليونان منذ 2010 حوالى 25% من الناتج، وهي خسارة موازية للخسارة التي حصلت للولايات المتحدة والمانيا، وهما البلدان اللذان شهدا أسوأ الازمات خلال الكساد العظيم في 1929. كذلك فإن التقرير يلقي باللائمة على حكومة سيريزا في تفاقم الازمة، ولا يزال يصرّ على إخضاع اليونان للتقشف.

إن قرار المصرف المركزي الاوروبي عدم زيادة السيولة المتاحة للمصارف اليونانية، اضطر الحكومة اليونانية الى إقفال المصارف، وهذا كان مقصوداً لإخافة الشعب اليوناني وإذلاله أمام قوة المال، وهو بمثابة «إرهاب» كما قال وزير المالية اليوناني. أرادوا لليونانيين أن يقولوا «نعم»، وهي «نعم» كانت ستكون لمزيد من المعاناة والفقر والبطالة والظلم. إن النظام الاوروبي لم يرد أن يسمع رغبة الشعب اليوناني الحقيقية، ليس لأنه يختلف حول بضع نسب مئوية من هنا وهناك، لأن في مقدور الاوروبيين أن يلغوا أكثر من نصف الديون وتحويل الباقي الى سندات طويلة الامد أو أزلية من دون حاجة اليونان الى دفع أصل الدين، فهم لا يريدون ذلك لأنهم يخافون ليس من العدوى المالية بعد أن اتخذوا إجراءات لحماية الانظمة المالية الاوروبية، بل يخافون من العدوى السياسية التي ستهز أوروبا. الكثيرون يسألون اليوم: ماذا سيحصل؟ إن الطابة هي الآن في ملعب الترويكا، وقد تتراجع سياسياً أمام اليونان، ولكن الطريق الامثل أمام اليونان هو بالخروج من منطقة اليورو وتأميم المصارف كما فعلت أيسلندا والعودة الى الدراخما. فكما قال الان بلايندر، نائب حاكم الاحتياطي الفدرالي الاميركي: «لو كان لليونان عملة وطنية في صيف 2010 لكان انخفض سعر الدراخما... ولكان من المرجح أن ينتهي الركود في ذلك الوقت». كل هذا يعني الخروج كلياً من تحت وصاية الترويكا وخطط الانقاذ المالي مهما تنوعت أشكالها وشروطها. هذا سيحدث صدمة للنظام الاوروبي لتستفيق شعوبه من السحر الاسود للفكر الاقتصادي اليميني التقشفي وسياسات المصرف المركزي الاوروبي التي تخنقهم. قد لا تكون اليونان بحجمها الاقتصادي قوية كفاية لكسر هذا النظام، ولكنها ستهزّه على أمل أن تتدحرج كرة الثلج بدءاً من إسبانيا الى دول أخرى، خصوصاً في الجنوب الاوروبي، لتشكل أوروبا جديدة، أوروبا الديمقراطية وعصر التنوير والفكر العالمي والحرب ضد الفاشية. إن اليونان تعطي الشعوب الاوروبية الفرصة للعودة إلى الديمقراطية في تقرير مصيرها؛ فالبلد الذي أعطى العالم الديمقراطية الاثينية يعطي اليوم عالمنا البارد والكئيب نعمة التخلص من ديكتاتورية الرأسمال المالي والمصارف الكبرى والفكر الاقتصادي المتخلف، ليبزغ شمس الجمهوريات ويثبت كما قال السياسي والنائب العمالي البريطاني الراحل توني بن «ان الديمقراطية هي أكثر الافكار راديكالية وثورية»، وصولاً الى ما أراده ماركس أن تربح الطبقة العاملة حول العالم «معركة الديمقراطية».

اليسار الأوروبي احتفل في اليومين الماضيين كما لم يحتفل منذ سنوات، وبدا كأن الحدث اليوناني أعاد إليه الروح. في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وقف الشيوعيون والاشتراكيون والماركسيون وقالوا «شكراً اليونان»! أولئك الذين تفاءلوا بمستقبل أفضل منذ وصول رموز «سيريزا» الى السلطة في أثينا قبل أشهر، عبّروا أمس عن كسبهم الرهان على يسار تجرّأ على تطبيق ما كانوا ينادون به منذ سنوات في بلدانهم.

 

عناوين بعض الصحف اليسارية الأوروبية أظهرت بوضوح الحماسة التي غابت عن الأخبار الأوروبية، لا سيما الاقتصادية ــ الاجتماعية منها منذ سنوات، والتعليقات احتفلت من دون تجاهل خطورة ما أقدمت عليه أثينا وضرورة استكماله بخطى واثقة وقرارات سليمة. «شكراً اليونان»، «احترموا خيار اليونانيين»، «الديموقراطية الحقّة تتجلّى جنوباً»، «انتصار الديموقراطية في اليونان»، «أوروبا التوتاليتارية تتلقّى صفعة»... تلك عيّنة من عناوين بعض الافتتاحيات في بعض الصحف الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية ذات الميول اليسارية. OXI أي «لا» باليونانية تحوّلت OXygene، أي «أوكسيجين» بلعبة لغوية في بعض التحليلات، إذ رأى البعض أن رفض اليونان لسياسات الاتحاد الأوروبي المالية هو بمثابة «نافذة أمل أمام الشعوب الأوروبية» التي تعاني من تلك السياسات غير العادلة. مقال صحيفة «ليبيراسيون» من أثينا تحدّث عن الـ»لا المزعجة» بلعبه على كلمة OXI التي تحوّلت الى OXI gêne، وبيّن كيف «حاول معارضو رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بثّ الذعر في نفوس اليونانيين وتهديدهم بأن التصويت السلبي سيقودهم الى الأسوأ». الحملة التي قادها معارضو توجّه تسيبراس في اليونان كما في باقي البلدان الأوروبية تكرّرت في حملتهم الإعلامية قبل صدور نتائج التصويت بأن «النعم ستنتصر وأن الحكومة اليونانية ستستقيل ليحلّ محلّها التكنوقراط». «لم تمطر السماء ضفادع ولم تمتلئ مياه المتوسط بالدماء» علّق أحد صحافيي جريدة «لومانيتيه» الشيوعية الفرنسية، مذكّراً بالحملة التهويلية التي انتهجها معارضو مقترحات حكومة تسيبراس منذ بداية المفاوضات. «لا اليونانية تحرّر الأفق» هكذا وصفها غريغوري مارين في «لومانيتيه»، هو أفق «صراع الطبقات» الذي يستعيد معركته الأصلية بين «العاطلين من العمل الذين شهدوا تراجعاً سريعاً في مستوى حياتهم»، و»مَن كان مستفيداً من سياسات التقشّف أو من لم يتأثروا بها». في فرنسا أيضاً، وعلى الأرض، تجمّع مئات اليساريين في ساحة «الجمهورية» في باريس عقب صدور النتائج اليونانية للاحتفال بـالـ»لا التي تفتح صفحة جديدة لكلّ أوروبا». إسبانيا التي قال البعض منذ بداية الأزمة اليونانية إنها «التالية» في الخروج من الاتحاد الأوروبي للأسباب المالية ذاتها، عبّرت أيضاً بأحزابها اليسارية عن احتفالها بـ»الديموقراطية الحقيقية». في صحيفة «بوبليكو» كتب المعلّقون مقالات «شكر لليونان ولشعبها الواعي»، مشيرين الى أن «التصويت اليوناني قد يغيّر أوروبا بأكملها». في إيطاليا ركّزت بعض الصحف اليسارية على مواجهة حملة الترهيب التي يقودها البعض للتحذير من انتقال «العدوى اليونانية» إلى إيطاليا، وتناولت بعض المقالات تحليل ثلاثية «الشعوب والقواعد المفروضة عليهم ومستقبل الاتحاد الأوروبي»، مشيرين الى أنه «عاجلاً أو آجلاً سيضطر الإيطاليون الى مواجهة ما فرض عليهم من قبل البلدان الشقيقة الأخرى». (الأخبار)

 

عمر ديب - الاخبار

 

 

يحتدم النقاش والبحث في أزمة الديون اليونانية وطبيعة الحلول المطروحة لها من قبل الاتحاد الأوروبي ومن قبل الحكومة اليونانية الحالية، وكذلك من قبل المعترضين عليهما معاً، خاصة مع اتجاه اليونانيين للاستفتاء على حزمة الإصلاحات الأوروبية. في هذا الإطار لا بد لنا خلال بحث هذه الأزمة أن نعود إلى مسألة دور ووظيفة الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو في خريطة السياسة والاقتصاد العالمي، وكذلك بحث مسألة الحلول السيادية وإمكانية السير بها من داخل المؤسسات الأوروبية أو من خارجها.

 

اكتمل تأسيس الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي عام 1993، علماً بأن جذوره التاريخية تعود إلى عام 1951 حيث تشكلت نواته الأساسية من 6 دول هي: فرنسا، ألمانيا الغربية، هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ وإيطاليا التي شكلت آنذاك «المنظمة الأوروبية للحديد والفحم» كأول جسم اقتصادي أوروبي للتعاون وفتح الأسواق، ثم تلته «المجموعة الاقتصادية الاوروبية» عام 1957، واحتاج الأمر إلى الكثير من الاتفاقيات والوقت للوصول إلى الشكل النهائي عام 1993. وإذا ما نظرنا ملياً إلى هذه الدول – النواة التي أسّست الاتحاد الموسع لاحقاً، نرى أنها تتشكل فعلياً من تحالف الدول الثلاثة الأقوى في أوروبا (ألمانيا – إيطاليا – فرنسا) و3 دول تدور في فلكها، وكانت الوجهة الأولى في عملية التوسع هي باتجاه دول أوروبا الغربية الأخرى، لإحكام السيطرة الاقتصادية على هذا الجزء من أوروبا، فتوسعت باتجاه الدانمارك وإسبانيا والبرتغال واليونان وقبرص، بينما وقفت بريطانيا وحلفاؤها ضد هذا المشروع في البداية بسبب ارتباطها الأوثق بالفلك الأميركي، ثم ما لبثت أن انضمت إلى المجموعة الأوروبية في منتصف السبعينيات.

ما يراهن عليه تسيبراس الآن هو حفظ رأسه مع الأوروبيين ويضم الاتحاد الأوروبي اليوم بعد توسعه شرقاً 27 دولة عضوة. أما منطقة اليورو، التي أدخلت العملة الأوروبية المشتركة مكان العملات الوطنية، فتأسست عام 1999 وتوسعت حتى باتت تضم اليوم 19 دولة تعتمد اليورو عملةً لها. وينبغي التمييز أن الاتحاد الاوروبي ومنطقة اليورو هما شيئان مختلفان، إذ إن عدة دول أعضاء في الاتحاد ليست ضمن منطقة اليورو، منها هنغاريا وتشيكيا وبريطانيا، وغيرها. وإذا نظرنا ملياً إلى تاريخ التأسيس الفعلي في اتفاقية «ماستريخت» والتوسع الكبير الذي جرى في بنية الاتحاد الأوروبي، نرى أنه حدث في عام 1993 وما بعد، أي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتساقط دول أوروبا الشرقية التي كانت تدور في فلكه. وبالتالي كانت وظيفة هذا التوسع هي الدخول إلى أسواق هذه الدول والسيطرة الاقتصادية عليها لإحكام القبضة على القارة الأوروبية وعزل روسيا. وكانت المستفيدة الأكبر في كل هذه المرحلة هي ألمانيا، لكونها الدولة الرأسمالية الأقوى في أوروبا والتي سيطرت شركاتها ومصانعها ومصارفها على الحصة الأكبر في السوق مع دور أقل لفرنسا وإيطاليا وبريطانيا ودور هامشي لكل من إسبانيا وهولندا، فيما ظلت الدول الأخرى مهمشة في هذا الاتحاد. فقد أصبحت المؤسسات الكبرى في هذه الدول، وتحديداً الألمانية والفرنسية والإيطالية ذات امتداد متشعب في كافة دول الاتحاد، وذلك على حساب المؤسسات الوطنية فيه، ومنها على سبيل المثال المصارف وشركات الاتصالات الخلوية وشركات البناء والنقل والفنادق. وتفرض العضوية في الاتحاد الأوروبي فتح الحدود أمام انتقال السلع والأفراد ورؤوس الأموال دون أي عوائق بين الدول الأعضاء، وهو ما أدى عملياً إلى غزو منتجات الدول المتقدمة أسواق الدول الأفقر وتدمير صناعتها وزراعاتها، وهذا ما ظهر جلياً في دول زراعية مثل البرتغال التي تشهد تحركات اعتراضية واسعة نتيجة غزو المنتجات الزراعية الفرنسية والإسبانية أسواقها وتقهقر الإنتاج المحلي تحت ضغط المنافسة. وكانت الاستفادة المباشرة الوحيدة لهذه الدول هي فتح باب التنقل والهجرة أمام مواطنيها إلى الدول الأغنى، فهاجر فقراؤها وطبقتها الوسطى وتحولوا إلى عمال وأجراء وأحياناً متسولين في الدول الأغنى، كذلك استفاد الطلاب من انفتاح الجامعات الأوروبية أمامهم. أما منطقة اليورو، فهي أكثر تطلباً وأكثر سطوةً على الدول الأعضاء فيها، إذ إضافةً إلى كل الشروط السابقة، فهي تفرض عملة موحدة وسياسة نقدية موحدة وإشرافاً مركزياً على سياستها المالية من قبل المصرف المركزي الأوروبي الموجود في ألمانيا وترأسه فرنسا، فلا تملك الدول الأعضاء القدرة على اتخاذ قرارت مالية مهمة، حتى لو كانت ذات طابع سيادي ومصيري مثلما يحصل في اليونان الآن تحت طائلة الطرد من منطقة اليورو. إذ إن أموراً مثل أسعار الفوائد أو طباعة العملة أو خفض قيمتها أو دعم المنتجين المحليين أو اعتماد سياسات ضريبية مختلفة وتحديداً الضرائب على رؤوس الأموال، وهي الوسائل التي قد تلجأ إليها الدول لاجتراح بعض الحلول المالية، كلها أمور ممنوعة على الدول الأعضاء لأنها أمور مقررة سلفاً في المصرف المركزي الأوروبي وفي دوائر القرار السياسي في بروكسل. بالتالي، إن مؤسسة الاتحاد الأوروبي ومؤسسة منطقة اليورو والمصرف المركزي الأوروبي هي من ضمن المؤسسات الرأسمالية الدولية والإقليمية للسيطرة والتوسع تحت غطاء الشعارات البراقة كالتكامل والتعاون، وهي تنطلق في برنامجها ووصفاتها من المنطق الليبرالي السائد عند الطبقات الحاكمة في الدول الأوروبية الكبرى. وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن الدور الذي تقوم به هيئات اقتصادية ومالية أخرى مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي ما يخص الموضوع اليوناني تحديداً وحكومة «سيريزا» والمسائل المطروحة أمامها، فلا بد من فهم متطلبات العضوية في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو التي تنتمي إليهما اليونان حتى نفهم مدى عمق الأزمة وضيق الخيارات المتاحة أمام اليونانيين. وكنا قد أشرنا في مقالة سابقة هنا في «الأخبار» إلى التحديات المطروحة على سيريزا، والنقد الموجه إليها من قوى اليسار الأخرى مثل الحزب الشيوعي اليوناني لناحية تبنيها خطاباً يسارياً ديمقراطياً يحاول القول، منطلقاً من الوهم السائد عند الأحزاب الاشتراكية الأوروبية، إنّ بناء «أوروبا أخرى عادلة» من ضمن آليات الاتحاد الأوروبي هو الخيار المطروح الآن. كذلك قامت هذه الحكومة بالعديد من الخطوات التي لا يمكن المرور عنها بالنسبة إلى حزب يصنف نفسه في خانة اليسار ويصنفه خصومه في خانة التطرف. وأهم هذه الخطوات زيارة رئيس الحكومة تسيبراس للولايات المتحدة وطلب المساعدة من الرئيس الأميركي، معتبراً أن الديمقراطيين بقيادة أوباما أصدقاء لسيريزا واليونان، وثانيتها زيارة وزير الدفاع في الحكومة الجديدة لقواعد «الناتو» في اليونان وتأكيده انتماء اليونان إلى الحلف الذي يشكل الأداة الأساسية للحروب العدوانية كخيار أساسي لبلاده. هذه المؤشرات ترافقت مع قفزات إلى الجانب الآخر من الاصطفاف، إذ زار تسيبراس روسيا والرئيس بوتين، والتقى مسؤولين صينيين طالباً المساعدة في الأزمة. وهذا ما يشير إلى مقدار عالٍ من الانتهازية السياسية عند سيريزا، وهذه السمة من سمات الاشتراكيين الديمقراطيين في أوروبا في العقود الأخيرة. يريد تسيبراس أن يفعل كل شيء إلا وضع الإصبع على الجرح ووضع الأمور في نصابها الصحيح. يريد البقاء في اليورو ولا يريد تنفيذ الإملاءات الاوروبية، يريد الشيء ونقيضه، وهذا لا يعدو كونه مراوغة سياسية مفرطة، إذ يعلم العارفون أن البقاء في اليورو غير ممكن دون تنفيذ السياسات. يريد تسيبراس ان يراوغ، فهرب إلى استفتاء الناس حول قبولهم بالزيادات الضريبية كي يحسن شروط بقائه في اليورو ويتجنب قدراً قليلاً من الإملاءات الألمانية وكي يخرج بمظهر الزعيم الشعبوي الذي سأل الناس رأيهم في الضرائب. لكن في النهاية، لو أراد سيريزا البقاء في اليورو فستنفذ اليونان الشروط الاوروبية بطريقة أو بأخرى رغم كل المناورات. كذلك، لا ينبغي إغفال ان كل المفاوضات الدائرة اليوم ليست حول تخفيف الديون أو إلغائها، ولا حتى حول خفض فوائد القروض، بل تقتصر على إعادة جدولة الديون على فترات زمنية أطول عبر إعطاء اليونان قروضاً فورية لدفع القروض المستحقة ومن ثم استيفاء هذه الأموال بعد بضع سنوات، أي أنها تقترض لإيفاء قروض بفوائد عادية. هذه هي كل المسألة. ليست خلافاً على دور أوروبا وسياستها وليست خلافاً إيديولوجياً كما يحاول الألمان التهويل. تسيبراس يريد قروضاً دون أن يفرض الكثير من الضرائب على اليونانيين كي لا يخسر شعبيته، وأوروبا تشترط رفع الضرائب قبل إعطاء القروض لضمان استيفاء أموالها. وتشير كل المعطيات الأخيرة إلى أن سيريزا على استعداد للسير بمعظم الشروط المطلوبة مع رفض القليل منها حفظاً لماء الوجه. بالمناسبة، كل القروض التي ستأخذها اليونان في الحالتين، لن يصل منها شيء إلى الشعب اليوناني، بل ستستعمل لدفع قروض سابقة لصندوق النقد الدولي والمصرف الأوروبي والمصارف الألمانية والفرنسية، أي إن هذه الأموال ذاهبة مباشرة إلى المقرضين أنفسهم، وبالتالي لا تعدو كونها إعادة جدولة للديون الموجودة. كذلك، حتى إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود، ومضى سيريزا بتنفيذ ما وعد به لناحية عدم التزام الشروط المفروضة، فاليونان ستخرج من اليورو وليس من الاتحاد الأوروبي وهذا ما لم يطرحه سيريزا. أمام هذا الواقع الأسود، وأمام هذه السطوة الرأسمالية للمؤسسات الدولية والأوروبية، لو أرادت «سيريزا» أن تتصدى للعنجهية الألمانية فعلياً كما تقول، فالطرق واضحة ومختصرة: لا سيادة ولا قرار اقتصادياً مستقلاً داخل اليورو والاتحاد الأوروبي. مجرد البقاء داخله يعني الانصياع لسياسته. الطريق الأصوب والأسلم هو الخروج من هذه المؤسسة والعودة إلى القرار السيادي للدول الأعضاء. هناك، بعد استعادة العملة الوطنية، يمكن اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تريدها الدول، عندها يمكن الحكومة فرض الضرائب كما تشاء والتعامل مع المصارف كما تشاء. يمكنها الدخول في تحالفات مع الروس أو الصينيين أو الأميركيين إن وجدت ذلك مناسباً أو مع غيرهم لو أرادت، لكن هذه الفسحة من الاستقلالية في السياسة المالية والاقتصادية معدومة كلياً داخل الاتحاد الأوروبي. المراوغات الأخرى التي تقوم بها سيريزا هي عواصف رملية سيجري خلفها إمرار ما يريده الأوروبيون، مع إظهار أن الشعب اليوناني حقق بعض ما يريد. ما يراهن عليه تسيبراس الآن هو حفظ رأسه مع الأوروبيين وإبقاء اليونان في اليورو من جهة وأمام شعبه الغاضب من جهة أخرى، وهذه المراهنة ليست سهلة على الإطلاق. كذلك كان من الغريب أن تحافظ اليونان على ميزانية عسكرية بقيمة 4 مليارات دولار في موازنتها السنوية الأخيرة دون أي خفض. وهذه الميزانية تساوي 2% من الناتج المحلي، أي إنها أكبر من مثيلاتها في ألمانيا وفرنسا. لم تشأ سيريزا إغضاب المؤسسة العسكرية، فحافظت على ميزانية هائلة كان يمكن توفير نصفها على الأقل مع حكومة أكثر جدية وجذرية. لطالما قيل إن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية هي «عجلة احتياطية للرأسمالية»، إذ عندما يفشل اليمين في تحقيق السياسات الاقتصادية في الأوضاع الصعبة أمام شعبه، من الجيد أن يكون لديك بديل يساري ديمقراطي يحقق السياسات نفسها (ولو مع قليل من التجميل) ضمن الخطة ب البديلة لإنقاذ المؤسسة الرأسمالية من أزمتها. * ناشط يساري ــ لبنان