عماد الزغبي - السفير

خلص اساتذة متعاقدون في «الجامعة اللبنانية»، إلى اتخاذ قرار بعقد «مؤتمر وطني لإنقاذ الجامعة اللبنانية» يشارك فيه أساتذة وطلاب ومعنيون بإنقاذ الجامعة الوطنية، من الوضع الذي آلت إليه، مباشرة بعد اجتماع مجلس الوزراء الخميس المقبل، وفي حال فشله في إقرار ملفي التفرغ للمتعاقدين بالساعة، وتعيين مجلس عمداء أصيل، من أجل منع انقسام الأساتذة المتعاقدين، ومن أجل توحدهم تحت هدف واحد ووحيد، يمثل في الدفاع عن الجامعة الوطنية، وإبعاد التدخلات السياسية في شؤونها. هم، قبل بورصة تضخم ملف التفرغ، اساتذة متعاقدون مستثنون من التفرغ، وبعد «انتفاخ» الملف، لم يعودوا يعلمون ما هو وضعهم، فأطلقوا صرخة، احتجاجا على ما يحصل أسبوعياً بحق الجامعة وأساتذتها في مجلس الوزراء في ملفي تشكيل مجلس الجامعة والتفرغ، تقول د. وفاء نون باسم المتعاقدين: «ما يحصل يستدعي إطلاق هذه الصرخة المدوية بوجه المسؤولين الذين يرفضون تشكيل مجلس الجامعة ولا يقرون ملف التفرغ، فيضربون الاثنين معا، الجامعة وأساتذتها وعن سابق تصور وتصميم، وبشكل مهين». يرفض الأساتذة الإهانة، وما يجري مع زملاء لهم، من خلال اتصال يردهم من مكتب وزير التربية، يكتفي بطلب الاسم الثلاثي، وسنة الولادة، وسنة التخرج، والاختصاص الذي يدرسه، ليدخل إلى ملف التفرغ، تحت ستار تأمين التوازن الطائفي. ينتقد الأساتذة هذه الطريقة التي ستؤدي إلى إضعاف الجامعة، وضرب حصانتها، وإلغاء مجالسها الأكاديمية. يرى هؤلاء الأساتذة في بورصة الأسماء، وهي ترتفع صعودا، من 674 اسما، في عهد وزير التربية السابق، إلى أكثر من 1160 اسما، والأرقام قابلة للارتفاع، ما دام التدخل السياسي، و«حقيبة» وزير التربية الياس بو صعب تتسع لكم كبير من الأسماء، لا يهم في الدخول إلى حقيبة الوزير الشرط الأكاديمي، وعدد ساعات التعاقد، والأنصبة، بل المهم هو لوائح الأحزاب الاسمية، والأهم هو موافقتهم، بعد أن يرسلوا طلبا بذلك، فيه الأسماء، وممهورا بتوقيع من المسؤول الحزبي. ويعتبر الأساتذة ان الاعتراضات التي تبرز في بعض الأحيان من هذا الطرف أو ذاك، جانب منها محق، وجانب يخفي خلفه مطالب شخصية. ففي الجانب المحق يمثل في ضرورة معرفة ما يتضمنه ملف التفرغ، وكيف تم اختيار هذه الأسماء، وإن كان رئيس الجامعة مضطراً أحيانا إلى الدفاع عن ذلك، مؤكدا الحرص على الجامعة وطريقة اختيار الملفات وطرحها. عقد الأساتذة مؤتمرا صحافيا في «قصر الأونيسكو» خصص للدفاع عن كرامة الأستاذ الجامعي، وعن هيبة الجامعة ووقارها، وأعلنت نون الرفض التام «أن نصبح شهود زور على ما يجري بحق استقلالية الجامعة وكأن لا هم لنا إلا التفرغ، وهو حق مشروع لنا، إلا أنه من غير المقبول خوفا على ضرب حقنا أن نسكت على الطريقة المهينة التي تحصل، بحق الجامعة وبحقنا، والتي تمس كرامتنا جميعا، فنبدو كمن يطلب منة أو حسنة هي في الأساس حق بكل بساطة». وأكدت أن «ما من إنسان يقبل أن يتحول إلى مجرد رقم في خانة هذه الطائفة أو تلك، أو في جيب هذا التيار أو ذاك. وكل ذلك تحت عنوان إنقاذ الجامعة وإصلاحها. وهذا النهج بالذات هو الذي خرب الجامعة فكيف له أن يصلحها؟ إن الجامعة اللبنانية هي ثمرة نضال الطلاب والأساتذة معا، بفضل تحركاتهم واعتصاماتهم وإضراباتهم نشأت الجامعة الوطنية، جامعةً للوطن ولكل الوطن». وختمت: «لأننا مسؤولون يجب أن نكون صفاً واحداً بوجه مشروع خصخصة القطاع التعليمي العام ولا سيما في الجامعة». وتحدث الناشط اميل شاهين عن نضالات طلاب في وجه التدخلات السياسية في شؤونها. ود. عماد سماحة عن التحضير لعقد المؤتمر الوطني لإنقاذ الجامعة. وشدد د. حسن إسماعيل على أن الغاية هي النضال من أجل جامعة وطنية، والسعي أن يكون لدينا لجنة واحدة موحدة للمتعاقدين. عماد الزغبي

حلمي موسى - السفير

اجتمع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر أمس للبحث في الوضع المتأزم على الحدود مع قطاع غزة. ورغم أن الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية حول سبل مواجهة التسخين الحالي وقيام زعيم «إسرائيل بيتنا» وزير الخارجية افيغدور ليبرمان بإعلان فك تحالفه مع «الليكود»، إلا أن المجلس الأمني المصغر أقر استمرار سياسة «ضبط النفس» وعدم الخروج لعملية واسعة ضد القطاع. ومع ذلك فإن المجلس قرر توسيع الرد على قصف الصواريخ والاستعداد للمرحلة المقبلة بتجنيد 1500 من عناصر القوات الاحتياطية غير المقاتلة. وبحسب مصادر متعددة، فإن المجلس الوزاري المصغر فوّض الجيش توسيع العمليات وفق المقتضيات، لكن بهدف «عدم الانجرار إلى حرب أو عملية واسعة، والسعي للحفاظ على المواجهة في المدى الحالي، وعدم إدخال مناطق جديدة في الجنوب والوسط في مدى النيران». وجاء رد المقاومة على التصعيد الإسرائيلي الجديد بإطلاق صليات مكثفة من الصواريخ على مدى 40 كيلومترا طالت بئر السبع وأسدود ورحوفوت، بالاضافة الى بيت شيمش قرب مستوطنة غوش عتصيون التي تبعد حوالي 60 كيلومترا عن غزة. وكانت الضربة المكثفة، التي تبنتها «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، احتوت، خلال أقل من ساعة بعد الثامنة ليل أمس، على أكثر من 70 صاروخا. وأثار ارتباك الموقف الإسرائيلي مخاوف من احتمال توسع المواجهات لتصل الصواريخ إلى القدس وتل أبيب. ووجد ذلك تعبيرا في انطلاق صافرات الإنذار في معظم مدن وسط إسرائيل، التي سرعان ما أُعلن أنها انطلقت بطريق الخطأ. ومع ذلك تعززت المخاوف من أن ما اعتبرته إسرائيل «تصعيدا مدروسا» يمكن أن يتحول بسرعة إلى مواجهة شاملة، حتى لو لم تكن هناك رغبة من «حماس» وإسرائيل على حد سواء. وحظرت إسرائيل في المناطق التي تبعد عن قطاع غزة 40 كيلومترا وأقل، التجمع والاحتشاد، وطلبت من البلديات في المدن والمستوطنات الرئيسية إعداد الملاجئ وتجهيز وحدات الدفاع المدني لأي طارئ. ومن الجائز أن تحاول إسرائيل الإيحاء أنها في طريق استيعاب غضب «حماس» على استشهاد سبعة من أفرادها على أمل أن يمنع هذا تطور الوضع نحو مواجهة شاملة تقع في إطارها مدن كالقدس وتل أبيب ضمن مدى الصواريخ، كما أن مثل هذا التوسع سيقود إلى إعلان تعبئة شاملة وتزايد احتمالات تنفيذ عملية عسكرية برية في قطاع غزة. ونقلت القناة العاشرة عن مسؤولين إسرائيليين أن «حماس بإطلاقها هذه الصواريخ تجاوزت خطا أحمر ينبغي أن تدفع ثمنه». وكانت الأوضاع قد تأزمت جدا في غزة بعد استشهاد تسعة من نشطاء المقاومة في غارات إسرائيلية على الأنفاق ومرابض الصواريخ. واعتبرت أوساط المقاومة الغارات الإسرائيلية، التي أتت بعد محاولات لفرض وقف النار، تصعيدا إسرائيليا مقصودا. لكن أوساطا عسكرية إسرائيلية أشارت إلى أن اغتيال ناشطين من حركة «الجهاد الإسلامي» في مخيم البريج جاء إثر مشاركتهما في القصف، فيما شابَ استشهاد ستة آخرين تضارب في التقارير. فقد أعلنت «حماس» أنهم استشهدوا إثر قصف إسرائيل لنفق كانوا فيه في حين أعلن الاحتلال في البداية أنهم استشهدوا نتيجة انفجار ناجم، ربما، عن خلل فني. وذهبت إسرائيل أبعد من ذلك حين اتهمت الشهداء بأنهم كانوا يخططون لتنفيذ عمل عبر الأنفاق في إسرائيل، لكن الجيش الإسرائيلي عاد، في وقت لاحق، واعترف بأن استشهاد الستة كان نتيجة قصف مقصود لأحد الأنفاق الهجومية. كما استشهد مقاوم من «حماس» في غارة على منطقة اخرى من القطاع. وأصيب خمسة أشخاص في الغارات والقصف على غزة، كما أصيب جندي إسرائيلي في قصف المقاومة. ورغم الدماء الغزيرة في قطاع غزة إلا أن ذلك لم يغط على الأحداث والصدامات مع الجيش الإسرائيلي في القدس الشرقية المحتلة وفي بلدات المثلث والجليل والنقب، احتجاجا على حرق الفتى محمد أبو خضير، الذي اعترف ثلاثة يهود بحرقه. وقد انضمت لهذه الصدامات أمس الأول قذائف انطلقت أيضا من الAffinityCMSن السوري باتجاه الأراضي المحتلة هناك. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن ضابط رفيع المستوى قوله إن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال أن يتوسع التصعيد الحالي، وأن تزداد الغارات الجوية ليس فقط على مرابض الصواريخ بل أيضا على الأنفاق. وأضاف «أننا ندخل لمنظومة درجات تأخذ بالحسبان كل عواقب التصعيد في هذا الاتجاه»، موضحا أن «رسالتنا لحماس بالغة الوضوح. نحن مستعدون للتصعيد لأن الهدوء لم يقابل بالهدوء كما يبدو. وحماس لا تمنع إطلاق الصواريخ، بل هي بنفسها تطلق الصواريخ. معظم الإطلاقات هي من حماس». ووجه الضابط رسالة مفادها أن تقييم الوضع في الجيش الإسرائيلي يمكن أن يتغير من النقيض إلى النقيض، و«اننا ندرس أيضا ضلوع عرب إسرائيل، والضفة الغربية ونفهم استحالة أن لا نعالج أمر غزة وعازمون على ذلك». وأُعلن أن لواءي مشاة جاهزان للهجوم على غزة، لكن من يعرف القتال في غزة يدرك أن هذين اللواءين لا يصلحان لشيء في الواقع الراهن. وليس مستبعدا أن يكون تهديد هذا الضابط جزءاً من حرب نفسية، خصوصا أن الطائرات الإسرائيلية ألقت منشورات على المناطق الحدودية في قطاع غزة تطالب السكان بالابتعاد عن الأنفاق التي باتت «هدفا عسكريا» وتحذرهم من أن حافري الأنفاق يعرضونهم للخطر. ورغم ذلك فإن مصادر سياسية إسرائيلية ترى أن «حماس تطلق النار من ضائقة. وليس صدفة أنها لا تعلن مسؤوليتها عن الإطلاقات. وحتى الآن نحتوي الإطلاقات لكننا نزيد الغارات. هم ونحن لا نريد تصعيدا. وإذا اضطررنا فسيزداد وضعهم صعوبة لأننا سنزيد الضغط عليهم». وبخصوص شهداء النفق الستة فإنه بعد تصريحات تنصلية تنكر فيها الجيش الإسرائيلي لدوره في التفجير، بغرض تأكيد أنه لا يؤدي دورا تصعيديا، عاد وأقر بأنه من قام بتفجير النفق. وأشارت أوساط عسكرية إلى أن الجيش عمل على اكتشاف النفق الذي يحوي موادَّ متفجرة. وفي الليل، وبعدما لاحظ وجود حركة في المكان قام بعملية قصف أدت إلى تفجير النفق. وفي كل حال فإن اجتماع المجلس الوزاري المصغر جاء بعدما ألقى ليبرمان بقنبلة سياسية أعلن فيها فك التحالف مع «الليكود» القائم منذ الانتخابات. وقال «هذا التحالف لم ينجح في الانتخابات، ولا بعد الانتخابات وليس حتى الآن. كانت هناك مشاكل فنية كثيرة، وعندما تغدو مبدئية لا جدوى من إخفاء الأمر». وشدد على أن «خلافات الرأي مع (رئيس الحكومة بنيامين) نتنياهو لا تسمح بأن نكون في إطار مشترك». وأضاف ليبرمان «واقعنا اليومي يتمثل بوجود مئات من الصواريخ بحوزة منظمة إرهابية تستطيع أن تقرر استخدامها في أي لحظة، وهذا غير مقبول». وكرر دعوته إلى «إعادة احتلال قطاع غزة، والتدمير الفوري لمصانع الصواريخ والبنى التحتية الإرهابية في غزة». لكن ليبرمان خفف من أثر هذه القنبلة في هذه الظروف معلنا أنها لن تمس الائتلاف الحكومي الحالي الذي وصفه بالجيد. غير أن المطلعين على العلاقات داخل الحكومة يعرفون أن جانبا من دوافع ليبرمان، وتطرف زعيم «البيت اليهودي» نفتالي بينت، انتخابية. فالتطرف هو السلعة الأشد رواجا اليوم لدى الجمهور الإسرائيلي، وليبرمان وبينت يحضّران نفسيهما لانتخابات مبكرة. ومعروف أن تلاسنا حادا جرى في اليومين الأخيرين بين نتنياهو وكل من ليبرمان وبينت وبين «الليكود» وحزبيهما. وأشيعت أنباء بأن «إسرائيل بيتنا» و«البيت اليهودي» ينويان عدم الوقوف إلى جانب الحكومة عند تعرضها لاقتراحات حجب ثقة. وحاول الحزبان إظهار أن الخلاف مع نتنياهو و«الليكود» سياسي، أمني، واستراتيجي وليس انتخابيا. ومن المؤكد أن جانبا من موقف نتنياهو ضد ليبرمان وبينت ينبع أيضا من أسباب انتخابية، خصوصا أنه يعرف بوجود استطلاعات رأي تظهر تراجع شعبيته في الشارع الإسرائيلي. وأثار إعلان ليبرمان عن فك التحالف مع «الليكود» ردود فعل شديدة في الحلبة السياسية الإسرائيلية. إذ طالب زعيم «حزب العمل» اسحق هرتسوغ زعيمي «هناك مستقبل» يائير لبيد و«الحركة» تسيبي ليفني بترك الحكومة والحفاظ على ماء وجهيهما. أما زعيمة «ميرتس» زهافا غالئون فدعت إلى إبعاد ليبرمان عن وزارة الخارجية، بعدما أفصح عن عدم ثقته برئيس الحكومة وخرّب علاقات إسرائيل مع دول العالم.

عماد الزغبي - السفير

18 يوماً مرّت على إضراب الدكتور علي برو الموظف في وزارة الزراعة عن الطعام. 18 يوماً خصمت من إجازاته السنوية، ولم يتفقده أحد من الصليب الأحمر، أو من هيئات المجتمع المدني. 18 يوماً ترك ابن الثالثة والستين من العمر، من دون خيمة، تقيه أشعة الشمس، ووحيدا من دون أي رعاية من وزارة الشؤون الاجتماعية، لتتفقد وضعه واعتباره نازحاً، أو لاجئاً، أو طفلاً مشرداً. دخل برو اليوم الـ19 في «معركة الأمعاء الخاوية» ولم تسأل عنه وزارة الصحة، ولم ترسل طبيباً لأخذ ضغط دمه. وحدهم الأصدقاء والزملاء يتناوبون على زيارته، و«هيئة التنسيق النقابية» اعتمدت ساحة رياض الصلح، ساحة للاعتصام الدائم منذ الرابعة من بعد ظهر كل يوم. يأسف برو للحال التي وصلنا إليها، ويسأل عن هيئات المجتمع، وسبب غيابها عن الاهتمام بهذا الموضوع الإنساني، وينفي أن تكون أي جمعية قد زارته، «لم تزرني لا جمعيات ولا هيئات مدنية ولا حتى جمعية الرفق بالحيوان...». يحاول برو ضبط غضبه، لكنه يتمثل بـ«حنظلة»، تمكنت من أن أثبت أنني في عمر 63 سنة أستطيع تحمل أشعة الشمس الحارقة، وأن أستمر في المطالبة بحقي بسلسلة رتب ورواتب عادلة، وارتقيت إلى مصاف المواطنة بعد 18 يوماً من الإضراب عن الطعام. حوّل برو معركته ضد الظلم والفساد، «ارتقيت إلى المواطنة، وأصبحت أطالب بحقي كمواطن، والسلسلة من ضمن الحقوق». يرفض برو التلهي بما يقال هنا وهناك، «يريدون تحويل الأنظار إلى مواقع أخرى وإلى قضايا لا تؤدي الغاية منها، بل مواضع تطيل عمر القضية والمطالب المشروعة». ويعتبر أن الحل الأمثل لوقف الهدر في إدارات الدولة، هو في تطبيق المادة 13 من قانون المحاسبة العمومية، والتي تنص على: «يضع كل وزير قبل نهاية شهر أيار من كل سنة مشروعاً بنفقات وزارته عن السنة التالية ويرسله مشفوعاً بالمستندات والإحصاءات اللازمة لتبرير اعتماد من الاعتمادات المطلوبة، وفقا للأصول..». ويشير إلى أن هذه المادة مغيبة في جميع الوزارات، وأن نفقات الاعتمادات التي تقر هي مزاجية. ويلفت إلى أنه يحارب منذ نحو عشر سنوات، عندما رفض بصفته رئيس مصلحة، أول مرة مناقصة بملياري ليرة، لعدم مطابقتها المادة 13، وقال: «أجريت دراسة ميدانية، وتبين لي أنها غير ذات جدوى، وقيمتها كبيرة، وبرغم رفضي لها، وافق عليها الوزير ونفذت». ينتقد برو ما وصلت إليه الأمور لجهة فرض مشروعي القانون 10415 و10416 المتعلقين بتأمين سلسلة الرتب والرواتب والإيرادات الضريبية، ويعتبر أن ربط المشروعين خطأ قانوني، «ما علاقة تأمين الأموال بإعطاء السلسلة؟». يضيف: «كأنهم يفترضون أنهم أمام موازنة خاصة أو استثنائية أو ملحقة، وهذه الحال لا تنطبق على الوضع القائم، كون ذلك يحتاج إلى قانون خاص، وفي حال الإصرار، على المسؤولين فصل المشروعين عن الموازنة العامة، فكيف نضع مشروع قانون يؤمن إيرادات لمشروع آخر، ومن ثم نعود وندخل الاثنين على الموازنة العامة؟». يشدد برو على ضرورة تطبيق المادة 13، لجهة تحسين الجباية وترشيد الإنفاق، رافعاً شعار «حنظلة» في وجه «من خدرنا وكلسنا (من كلس) وثلجنا ونحن تحت أشعة الشمس». وقال: «أدير ظهر كما يفعل حنظلة وأتوجه إلى الصامتين على الظلم والفساد والمتكلسين».

عطا الله السليم - السفير

بعد نحو أربعة أعوام على بدء أحداث الربيع العربي، تداعت حدود الدول المركزية العربية التي تموضعت جغرافياً بعد اتفاق «سايكس - بيكو» الشهير. في الأصل، لم تعرف الشعوب العربية مخاضاً لولادة كياناتها السياسية ولم تشهد تفاعلاً حضارياً وثقافياً بين مكوّناتها الدينية والطائفية والعشائرية والاثنية، على عكس ما شهدته البلاد الاوروبية التي اتحدت بعد أعوام من الصراع المتعدد الأوجه بين الكنيسة والتيار المدني، الذي أسس لثقافة سياسية قائمة على مدنية العلاقات وضرورة العقد الاجتماعي كإطار ناظم للعلاقة بين المواطن والدولة وبين التيارات الدينية نفسها، تحديداً الكاثوليك من جهة والبروتستنات، بوصفهم يمثلون حركة إصلاحية من جهةٍ أخرى. دار هذا الصراع منذ القرون الوسطى وصولاً الى الثورة الفرنسية العام 1789 التي اعتبرت آنذاك فاتحة عهد أوروبا الحديثة، ثمّ تلاها توحيد ألمانيا في عهد بسمارك العام 1871. اقتنعت المكونات المختلفة للشعوب الاوروبية بأن ما يحميها هو كيانها السياسي القائم على الحقوق المدنية، وعلى عقد اجتماعي يضمن للجميع حقوق المواطنة، بغض النظر عن الانتماء الديني أو الايديولوجي، وظهر في القرن الثامن عشر ما عرف بالقاموس السياسي بـ«الدولة - الامّة» the nation state. أما الشعوب العربية، فلم تشهد تفاعلاً على هذا المستوى. اذ إن منطقتنا وقعت تحت رحم ثقل الاحتلال العثماني، وبعد الحرب العالمية الاولى ورثت الدول الاستعمارية الصاعدة آنذاك، أي فرنسا وبريطانيا، هذا الدور. فعملت على القاعدة المعروفة «فرّق تسد» بين طوائف عدّة مختلفة الحجم والدور والتأثير، ولم تعرف الدولة تأسيساً رسمياً إلا بعدما نالت هذه الدول استقلالاً رسميا أيضاً. وفي حقبة ما بعد الاستقلال التي كان يؤمل أن تكون مساحة حوار وصراع، تمكنت البورجوزيات العربية المرتبطة عضوياً بالاستعمار، من اختزال المشهد العربي. تجلّى هذا الامر في انقلابات عسكرية حدثت في حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن. لقد ولدت الدولة المركزية العربية بفعل إسقاطي، من فوق الى تحت، بدلاً من أن تنشئ الكيانات السياسية من خلال مسار متعرج تتداخل في تحديده مكونات الشعوب العربية المختلفة، ولم توجد الدساتير في العالم العربيّ لانّ الانظمة صادرت حقوق المواطنين بفعل المقولة السائدة آنذاك: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». أسست هذه الممارسة السياسية الإقصائية لعهد من الديكتاتورية تحكّم برقاب الناس وألغى كل ما يمت بصلة للحرية، وترافق مع تضييق أمني واستخباراتي على حرياتهم السياسية والنقابية والإعلامية. نشأت الكيانات السياسية العربية بفعل قوّة الاستعمار أولاً وبفعل الديكتاتورية ثانياً، والتي سقطت بعدما أحرق البوعزيزي جسده، وهو ما يبرهن على مدى ضعفها وهشاشتها في الأساس. وكان الاستعمار قد ترك لنا مشاكل عديدة جرّاء التقسيم الجغرافي للمنطقة، لا سيما مسألة الأقليات. فلم تحل مسألة الأكراد في العراق وسوريا، ولا مسألة الامازيغ في المغرب والجزائر، ولا القبائل الليبية التي اتحدت طوعاً في المملكة الليبية المتحدة بعد اكتشاف النفط، قبل أن يحدث انقلاب عسكري فرض اتحادها بالقوة، وهو ما يفسر انفراط عقد الدولة المركزية سريعاً بعد الثورة التي أطاحت معمر القذافي في آذار العام 2011. أمّا اليمن، فقد عرف نزاعاً بين شماله وجنوبه انتهى بتوحيد البلاد العام 1990، فيما ظلت البلاد أسيرة الصراعات الجهوية والقبلية في ظلّ دعم خليجي لنظام علي عبدالله صالح منذ مجيئه للحكم وحتى موعد رحيله. ثمة كيانات عربية خارج نادي «الربيع العربي» شهدت أنظمة عسكرية ودولاً هشة وغلبة الطابع الميليشياوي وانتشار الفساد بكـل أنواعـه، كالسودان والصومال وجزر القمر، وقد صنفت تلك الدول في عداد «الدول الفاشلة» في أدبيات الأمم المتحدة. باختصار، شعوب المنطقة العربية هي جماعات جُمّعت على عجل، وأُسقطت عليها دول مركزية باصطناع، لانّ عملية الاندماج والتفاعل الضروريين لولادة هذه الدول لم تحدث أبداً، وهذا ما يفسّر عملية القطع التاريخي لمسار نشوء الدولة وتطوّرها في العالم العربي. يستغرب بعض الكتّاب والباحثين كيف انفرط عقد الدولة الليبية سريعاً بعد الثورة، وكيف انقسم اليمن الى أقاليم، وكيف أصبحت سوريا ساحةً للجهاد العالمي، وكيف انقسم السودان (قبل «الربيع العربي»)، وكيف تمددت «داعش» في سوريا والعراق وستتمدد أكثر - وفق خريطتها - الى خمس دول عربية مركزية أخرى. ويجهل حقيقة أن الشعوب العربية الآن ليست بصدد التفكك disintegration، ذلك أنها لم تعرف عملية التوحد بين مكوناتها المختلفة integration في الأصل. ويبدو أن الربيع العربي بصدد تغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة، وهو ما سيولّد حراكاً على أكثر من مستوى، خصوصاً على صعيد خيارات الكتلتين الأساسيتين في المنطقة أي السنّة والشيعة. لقد أنهى «الربيع العربي» «سايكس بيكو»، ولكن ليس بالوحدة العربية بل بنقيضها. ولعلّ تنبؤ وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسينجر بأن المنطقة ستشهد حرب المئة عام بين السنّة والشيعة على غرار حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت هو تنبؤ صحيح نشهد وقائعه اليوم.

امجد سمحان - السفير

انتقلت عربدة المستوطنين، مدفوعين بحملة كراهية واسعة تشنها السلطات والأحزاب الإسرائيلية، إلى مرحلة جديدة. فبعد عمليات إحراق أراضي الفلسطينيين ومنازلهم وتدمير المقابر التاريخية، تحت شعار "دفع الثمن"، تحولوا إلى القتل والتنكيل وحرق الأطفال، مثلما جرى مع جريمة قتل الفتى محمد أبو خضير والتنكيل بجثته، وذلك على الرغم من أكبر انتشار لقوات الاحتلال الإسرائيلية في أنحاء الضفة الغربية والقدس المحتلة، منذ عدوان "السور الواقي" قبل اكثر من عشرة اعوام. وتسببت الجريمة بحق محمد أبو خضير، الى جانب الاحتقان الفلسطيني المتصاعد بفعل ممارسات الاحتلال، في إشعال شرارات انتفاضة جديدة، بعد الهبة السريعة لأبناء القدس المحتلة وتهديد حركة "حماس" بجعل إسرائيل تدفع ثمن جريمة قتل الفتى أبو خضير على يد مستوطنين خطفوه من حي شعفاط في القدس الشرقية، وأحرقوا جثته لإخفاء معالم التنكيل بها. وفي محاولة لاحتواء التداعيات الداخلية والخارجية التي أثارتها جريمة المستوطنين، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى إدانتها، وطلب من الوزراء التوقف عن إطلاق التهديدات ضد الفلسطينيين، بعدما صدرت مواقف دولية عدة تندد بما جرى. واضطرت الحكومة الأمنية المصغرة إلى مناقشة تطورات الوضع في القدس الشرقية بعد حدوث هبة فلسطينية تهدد بالتحول إلى انتفاضة جديدة. وكان الفلسطينيون استيقظوا أمس على وقع جريمة مروعة نفذها مستوطنون، خطفوا الفتى أبو خضير (16 عاماً)، ولم يكتفوا بقتله بل حرقوا الجثة أيضاً، في ما يبدو انه محاولة لإخفاء التنكيل بجثته. وفجّر الكشف عن الجريمة غضب سكان حي شعفاط في القدس الشرقية المحتلة، وانفجرت اشتباكات مع قوات الاحتلال، التي ردت بالرصاص الحي والمطاطي والقنابل الصوتية والمسيلة للدموع، ما أدى إلى إصابة العشرات بجروح. وقال شهود عيان لـ"السفير" إن مستوطنيْن اثنين اقتربا فجر أمس من الفتى محمد أبو خضير في حي شعفاط في القدس المحتلة، وخطفاه في سيارة من نوع "هيونداي". وفي وقت لاحق عثرت الشرطة الإسرائيلية على جثة محترقة في منطقة حرجية في القدس الغربية، تبين بعد الفحص أنها للفتى أبو خضير. وبعد العثور على جثة الفتى انتفض عشرات الشبان من حي شعفاط، واندلعت مواجهات مع الشرطة وجيش الاحتلال الإسرائيلي أسفرت عن إصابة 65 شخصاً جراء الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع. كما أصيب صحافيان فلسطينيان وصحافية إسرائيلية خلال المواجهات. وذكر موقع "عرب 48" أن المواجهات امتدت الى سلوات وبير أيوب وعين اللوزة في القدس، ما أدى بالإجمال الى إصابة 170 شخصاً. وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إمكانية أن يكون مقتل الفتى جاء كهجوم انتقامي لمقتل ثلاثة مستوطنين ظلوا مفقودين منذ 12 حزيران الماضي بالقرب من منطقة حلحول قرب الخليل. وقال سعيد أبو خضير، احد أقارب الفتى، "لقد خطفوه وعذبوه ثم أحرقوا جثته بطريقة بشعة وغير إنسانية تدل على حقدهم وكراهيتهم". وأضاف "كان هناك تحريض مباشر بعد قصة المستوطنين الثلاثة لينتقموا ويقتلوا فلسطينيين، ونقول لهم هذا لن يرعبنا وسنبقى صامدين، وسنبقى في أرضنا مثل الشوكة في حلقكم". وتابع "حصلت محاولات أخرى أمس الأول من قبل مستوطنين لخطف أطفال من شعفاط وأماكن أخرى". وحمّلت عائلة أبو خضير شرطة الاحتلال الإسرائيلية مسؤولية الجريمة، مؤكدة أنها أبلغتها بعملية الخطف لحظة وقوعها، مشيرة إلى أنه يمكن التعرف على الخاطفين من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في المكان. وحمّل عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" اللواء توفيق الطيراوي حكومة نتنياهو وائتلافه اليميني المسؤولية "عن التطرف المجنون والإرهاب الممنهج الذي يتعرض له شعبنا من قبل الجنود والمستوطنين، والذي كان آخره حادثة اختطاف الطفل المقدسي". وانتقد ما أعلنته شرطة الاحتلال في القدس بأنها لا تؤكد بعد وقوف جماعات يهودية وراء عملية الاختطاف والقتل، معتبراً أنها "تتستر على الجريمة وتحمي المستوطنين عبر مصادرة الكاميرات التي رصدت عملية الاختطاف من المحال التجارية وغيرها في شارع شعفاط، في الوقت الذي شاهد فيه العديد من أبناء الحي عملية اختطاف الطفل أبو خضير وحاولوا اللحاق بسيارة المستوطنين الخاطفين التي غادرت المكان بسرعة". وطالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إدانة خطف وقتل أبو خضير وإنزال اشد العقاب بمرتكبي الجريمة. وسارع نتنياهو إلى إصدار بيان وصف فيه مقتل الفتى بالجريمة "الشنيعة"، مضيفاً أنه طلب من وزير الأمن الداخلي اسحق اهرونوفيتش "فتح تحقيق من اجل العثور بأسرع وقت ممكن على منفذي هذه الجريمة الشنيعة". واعتبر اهرونوفيتش انه من السابق لأوانه تحديد الدافع وراء قتل الفتى. وقال "نعلم أن فتى خطف على ما يبدو ونرى صلة بين الحادث والعثور على جثة. لا يزال الحادث قيد التحقيق في معامل البحث الجنائي ومن جانب محققين". وتوعدت "حماس"، في بيان، بأن إسرائيل "ستدفع ثمن جرائمها". وقالت، في بيان، "نوجه خطابنا للكيان الصهيوني وقيادته التي تتحمل المسؤولية المباشرة، إن شعبنا لن يمر على هذه الجريمة ولا كل جرائم القتل والحرق والتدمير التي يقوم بها قطيع مستوطنيه. ستدفعون ثمن كل هذه الجرائم". وطالب المتحدث باسم "حماس" سامي أبو زهري السلطة الفلسطينية "بوقف التنسيق الأمني الذي يوفر الحماية لهؤلاء المستوطنين حتى تتمكن المقاومة من القيام بدورها". وأطلقت المقاومة خمسة صواريخ من غزة على المستوطنات القريبة من القطاع. وعلمت "السفير" من مصادر فلسطينية أن القيادة الفلسطينية تجري اتصالات مع دول ومؤسسات مختلفة من أجل الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على الفلسطينيين، مرجحين التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لطلب وقف العدوان، فيما اعتقلت قوات الاحتلال 40 فلسطينياً، أمس، خلال عمليات اقتحام لمدن رام الله ونابلس وبيت لحم، حيث وقعت مواجهات مع الشبان الفلسطينيين الذين تصدوا لها بالحجارة. وفي شمال الضفة الغربية، خُطت شعارات معادية للعرب بالعبرية تدعو "لانتقام اليهود" على حائط في قرية عقربا قرب نابلس. وكانت قوات الاحتلال هدمت منزل زياد عواد في قرية إذنا قرب الخليل، بتهمة قتله ضابطاً إسرائيلياً في نيسان الماضي. إدانات عربية ودولية وطالب الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، في بيان، "مجلس الأمن والأمم المتحدة بالتحرك الفوري لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض يومياً لانتهاكات خطيرة"، فيما حذرت وزارة الخارجية المصرية من أن "استمرار تدهور الوضع الراهن، وما يحمل في طياته من مخاطر الانزلاق إلى حلقة مفرغة لا تنتهي من العنف يذهب ضحيتها مواطنون أبرياء، إنما يفرض الكف تماماً عن السياسات الاستفزازية كافة، وفي مقدمتها النشاط الاستيطاني وسياسة فرض الأمر الواقع". ودان البيت الأبيض مقتل أبو خضير. وقال المتحدث باسمه جوش إيرنيست "الولايات المتحدة تدين بأشد العبارات الممكنة القتل البشع للمراهق الفلسطيني محمد حسين أبو خضير.. وندعو حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لمنع أجواء الانتقام والثأر". وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في بيان، "لا توجد كلمات كافية للتعبير عن تعازينا للشعب الفلسطيني". وأضاف "من يقومون بأعمال انتقامية لا يحققون سوى زعزعة وضع متفجر ومشحون بالعواطف". وتابع "نحن ندعو الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية إلى اتخاذ جميع الخطوات الضرورية لمنع وقوع أعمال عنف، ومحاكمة مرتكبيها". وذكر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند "بأهمية أن يتحلى كل فرد بأكبر قدر من ضبط النفس، ويقوم بما هو ضروري لتفادي تصعيد خطير في أعمال العنف والردود الانتقامية"، فيما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "لقد هالني مقتل الفتى الفلسطيني. إن خسارة أربعة فتيان هذا الأسبوع هو عامل تذكير مروع بأهمية التوصل إلى سلام دائم".

ايلي الفرزلي - السفير

عندما يصبح الفراغ بنيوياً تصبح حركة احتجاجية من هنا أو من هناك أشبه بضرب في الميت. الدكتور علي برو يرفض ذلك. يصر على إيقاظ الميت الذي تختبئ السلطة في جسده. لمن لا يعرف برو، هو مهندس في الـ63 من عمره، يعمل في وزارة الزراعة منذ العام 1995، وقرر في 19 حزيران الحالي (تاريخ انفضاض جلسة «سلسلة الرتب والرواتب» من دون تحديد موعد لجلسة أخرى) أن يُسْمِع ظالميه صوت أمعائه الخاوية، بعدما أيقن أن كل صراخه وزملاءه على مدى ثلاث سنوات لم يصل الى المعنيين. هناك في الساحة الفاصلة بين سلطتين (تشريعية وتنفيذية)... وفراغين. في ساحة رياض الصلح، يبيت برو بلا طعام إلى أن يتحقق أحد أمرين: إقرار «السلسلة» أو الانتقال إلى المستشفى. يسمع برو يومياً صوت الصدى الآتي من عند جيرانه هنا أو هناك. هو صدى لخواء لا يشبه صوت أمعائه. نعم لم يذق برو الطعام منذ 11 يوماً، لكنه مع ذلك، لا يتردد في إعطاء الدعم المعنوي لكل زائر متضامن. يُطمئن الجميع إلى أنه لن ينكسر. سيظل واقفاً يطالب بحقه، بالرغم من التضييق الذي يمارس ضده. من أراد أن يحجّم معركة برو فيجعلها في مواجهة القوى الأمنية لم ينجح. قضيته ليست مع هؤلاء الذين يحرمون من حقوقهم كما يحرم هو. منعته القوى الأمنية من اتقاء حر الشمس في خيمة، كما حرمته من الفيء تحت مظلة. لم يبق أمامه سوى بضع شجيرات منثورة تحت أقدام تمثال رياض الصلح. مع ذلك، فهو يشكر وزير الداخلية نهاد المشنوق لأنه زاد من قدراته. لم يعد يقدر على الصبر في مواجهة الجوع فحسب، إنما على مواجهة الشمس الحارقة أيضاً. مع ذلك، هو يشعر بغصة كبيرة تجاه العسكريين الذي يقولون له، وهم يضيقون عليه: «نحن لسنا سوى عبد مأمور». يصرخ: «هذه ثقافة خطيرة، لا أفهم لماذا يعتبرون أنفســهم عبيداً»! من يزور لبنان مستطلعاً أوضاعه، يسمع مطولاً عن جدول أعمال ضخم وضع على طاولة السلطة، من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة إلى «سلسلة الرتب والرواتب» إلى الانتخابات النيابية وقانون الانتخاب... من يسمع يُخيّل له أن السلطة لا تنام لإنجاز هذه المهمات. علي برو ورفاقه لا يرون إلا الخواء: هم عبارة عن مافيا وسلطة فاسدة لا تعمل إلا لحماية نفسها ومصالحها. من أين جاء برو بكل هذه القوة لكي يحتمل؟ يقول: من قوة الحق وتجاوز الظالمين المدى. حتى الآن، يطالب الرجل بحق واحد من حقوقه كموظف في الإدارة العامة. في الأسبوع المقبل، وإذا حافظت السلطة على اللامبالاة تجاه «السلسلة»، سيرفع من سقف مطالبه. عندها، يقول، إنه سيطالب بحقوقه كمواطن، وأولها مواجهة الظلم والفساد. هو يثق أن 95 في المئة من الشعب اللبناني يعانون من الفساد، ويثق أن ساحة رياض الصلح لن تبقى وحيدة: إذا وقعتُ سيحمل كثيرون الراية. مطلب برو، كما «هيئة التنسيق النقابية»، ليس تعجيزياً، لكن ربطه بتأمين الإيرادات هو التعجيزي. يقول: لم يحدث أن رُبطت رواتب الموظفين بتأمين الواردات لها. هي تدفع من الخزينة العامة، التي على الدولة أن تؤمن الواردات لها لتخفيف العجز. أما الإصرار على الربط، فهو إصرار على تغطية الهدر والتمادي في سرقة الشعب خصوصا الفقراء. برو مقتنع أن وقف الهدر كاف لتغطية «السلسلة»، وعليه، فهو يتهم كل من يحور القضية ويربط بين الإيرادات والحقوق بأن هدفه حماية الفساد والفاسدين. في الساعات الطويلة التي يمضيها وحده، يحلو للرجل الذي لا تفارق الابتسامة وجهه أن يكتب بعض العبارات المستمدة من حالته وحالة بلاده. أمس كتب: «إذا ما كنت من 14 أو 8 دور على وطن تاني». تنتهي الجلسة مع علي برو، فيعود سريعاً إلى كتاب «المؤلفات الكاملة للشهيد غسان كنفاني». بلغ خاتمة رواية «رجال في الشمس» عندما أراد «أبو خيزران» أن يتفقد «أبو قيس» ورفاقه... في الخزان الحديدي... فوجدهم جثثاً مهترئة!

عماد الزغبي -السفير

أنهى أسبوعه الأول في ساحة رياض الصلح، من دون خيمة تقيه الشمس نهاراً، والرطوبة ليلاً، ولا حتى استطاع تثبيت مظلة يد على شجيرة. وحيداً حمل الموظف في وزارة الزراعة الدكتور المهندس علي برو قضية «الأمعاء الخاوية» وبقي صامداً، في إضرابه عن الطعام، يزوره بين الفينة والأخرى عدد من الزملاء، والمتضامنين مع قضيته العادلة، في الحصول على سلسلة رتب ورواتب تقيه العوز بعد خروجه إلى التقاعد بعد 11 شهرا. فالـ500 دولار التي سيتقاضاها في نهاية خدمته، لن تكفي بدل إيجار منزله، ودفع مصاريف المياه والكهرباء، حاله كحال الكثير من زملائه في الوظيفة العامة. يستغل وقت الفراغ، وحيداً يستظل فيء شجيرة وبيده كتاب، لم يطمئن إلى صحته أحد، لا «الصليب الأحمر اللبناني»، ولا «الدفاع المدني». فيفترض في مثل هذه الحالات، تواجد سيارة للطوارئ. يزوره الطبيب محمد المقداد من وقت إلى آخر. وليل أمس الأول أضطر الطبيب إلى تعليق المصل لبرو، بعدما وجد أن ضغط دمه قد انخفض إلى حد قد يشكل خطرا على حياته، على الرغم من معارضة برو للأمر. لم تنفع الاتصالات في السماح لبرو بالحصول على خيمة، ولا الوعود التي سبق وأعطاها محافظ بيروت زياد شبيب لرئيس «رابطة موظفي الإدارة العامة» محمود حيدر، ولا الضابط الذي وعده بالسماح بوضع الخيمة. وتضامنا مع برو، زاره عدد من موظفي الإدارة العامة، وعدد من الأساتذة والمعلمين، وأعضاء «هيئة التنسيق النقابية». وتحدث عضو الهيئة وليد الشعار، فلفت إلى أن الزيارة هي للتضامن مع أنفسنا، «لأن برو في تحركه يتحمل الجوع باسم جميع موظفي الإدارة العامة». واكتفى برو بالقول: «هذا هو اليوم السابع وما زلت أطالب بحقي كموظف، وأتمنى ألا أصل إلى المطالبة بحقي كمواطن، لأنه عندها لن أخلص..». وختم مستذكرا قصيدة «فلسطين» للشاعر المصري علي محمود طه «جاوز الظالمون المدى..». ووجهت مي مزهر باسم موظفي وزارة الزراعة التحية لبرو على صموده، وقالت: «نحسدك على هذا الصبر والثبات، لأنه يعبر عن قناعتك في وجه الظلم». ودعا حيدر «محافظ بيروت للمجيء إلى ساحة رياض الصلح، والموافقة على نصب خيمة في رياض الصلح لعلي برّو المضرب عن الطعام»، محملا «المسؤولين كل النتائج السلبية المترتبة عن عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب». وأكد أن «الهيئة عبرت عن الوحدة الوطنية وحملت لواءها ولواء الأمن والاستقرار، وما المطالب بإقرار السلسلة إلا جزء منها، وهي لكل موظفي القطاع العام وأسلاكه العسكرية والمدنية، وإقرارها يؤدي الى تعزيز وضع الناس وأمنهم واستقرارهم». وطالب النواب «بأن يتحملوا مسؤولياتهم في هذه الظروف التي تمر فيها المنطقة ولبنان، وان يكونوا على قدر مسؤولياتهم ويعملوا لمزيد من التلاقي والحوار وانتخاب رئيس للجمهورية، وعدم أخذ البلاد الى الفراغ». ودعا رؤساء الكتل الى «إنهاء قضية السلسلة في جلسة سريعة وفق المذكرة التي سلمتها الهيئة الى الرئيس بري، ووفق ما يؤمن حقوق جميع القطاعات الوظيفية والعدالة بينها وينصف الموظفين الإداريين ويرفع الظلم عنهم، من خلال مساواة رواتبهم بمن يماثلهم فئة». كما طالب «بالإقلاع عن زيادة الدوام التي تؤدي الى زيادة الأعباء على الموظفين من دون أن تؤدي الى رفع الإنتاجية». ورفض حيدر الضرائب على الفقراء، أو المس بالتقديمات الاجتماعية، وأكد «استمرار الإضراب والتحرك وتعطيل الإدارة والامتناع عن التصحيح إذا لم تقر السلسلة من دون خفض أو تقسيط، مع المفعول الرجعي والدرجات». وفي النبطية، قام مندوب «رابطة موظفي الإدارة» مسلم عبيد بتوزيع منشور على الإدارات العامة في النبطية، ودوائر السرايا الحكومية، بعنوان «تحية تضامن» تدعو الموظفين إلى التضامن مع برو المضرب عن الطعام من أجل سلسلة عادلة للموظف الإداري تعطيه حقوقه كحقوق أقرانه، لا سيما في السلك التعليمي لجهة الزيادات والدرجات الست. وطلب من جميع الموظفين الوقوف إلى جانب برو في ساحة رياض الصلح لأنه تضامن مع أنفسنا وحقوقنا.

امجد سمحان - السفير

علّق مئات المعتقلين الفلسطينيين اضرابا عن الطعام في السجون الإسرائيلية بدأوه قبل 63 يوماً، بعدما حققوا جزءاً من مطالبهم، كان ثمنه مضاعفات خطيرة على أجسادهم، بسبب الاعياء وفقدان الوزن والأرق. وأعلن وزير الأسرى الفلسطينيين شوقي العيسة أن الأسرى الإداريين المضربين، وعددهم حوالي 200 أسير، أوقفوا إضراباً استمر لمدة شهرين، مع نحو 200 أسير آخرين كانوا يتضامنون معهم، موضحاً أنهم حققوا جزءاً من مطالبهم. وأكد العيسة أن تعليق الإضراب قابله تعليق لكل الخطوات العقابية التي فرضتها إسرائيل على الأسرى الفلسطينيين المضربين خلال الآونة الاخيرة، من دون أن يتم وقف سياسة الاعتقال الإداري التي تستخدمها إسرائيل بحق الفلسطينيين، بالإضافة إلى السماح لـ75 من المضربين المتواجدين في المستشفيات حالياً بالبقاء فيها حتى تحسن حالتهم الصحية. الإضراب كان بدأه 88 أسيراً قبل شهرين احتجاجاً على ملف الاعتقال الإداري الذي تستخدمه إسرائيل بحق الفلسطينيين، وكان الهدف منه إيقاف هذا النوع من الاعتقال، الذي وصفه العيسة "بالعقاب الجماعي، والذي يسمح للاحتلال الإسرائيلي باعتقال أي فلسطيني من دون سبب". وعلى مدار شهرين انضم على مراحل قرابة 400 أسير للإضراب، نصفهم محكوم إدارياً، والنصف الآخر من كبار السن والمرضى. كما أضرب خمسة آلاف فلسطيني تعتقلهم إسرائيل على فترات متفاوتة تضامناً مع المضربين واحتجاجاً على الاعتقال الإداري. والاعتقال الإداري ورثته إسرائيل عن الانتداب البريطاني، وفيه يحاكم المعتقل من دون تهمة لفترة زمنية قابلة للتجديد، وبداعي ما تسميه إسرائيل "ملفاً سرياً". وطالب الأسرى المضربون بوقف هذه السياسة ومحاكمتهم استناداً إلى لوائح اتهام واضحة. وفي هذا السياق، أكدت مصادر لـ"السفير" أن تعليق الأسرى لإضرابهم جاء أيضاً بسبب الأوضاع المتوترة التي تشهدها الأرض الفلسطينية في ظل الحملة العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف المدن الفلسطينية، بحثاً عن ثلاثة مستوطنين اختفت آثارهم قرب مدينة الخليل قبل نحو أسبوعين، مشيرة إلى أن "تعليق الإضراب خطوة تكتيكية في ظل المتغيرات الحالية". من جهته، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "أشيد بوزير الأمن الداخلي وبمدير مصلحة السجون على العمل الحازم والمهني الذي أدى إلى إيقاف الإضراب عن الطعام من قبل بعض السجناء الفلسطينيين. لقد انتهجنا سياسة واضحة أدت إلى تحقيق هذه النتيجة المهمة وسنقوم الآن بإضافة ممارسات ووسائل أخرى ستؤدي بدورها إلى تقليص هذه الإضرابات مستقبلاً". وما أن بدأ تعليق الإضراب عن الطعام، حتى جددت سلطات الاحتلال اعتقال الأسير سامي حسين من رام الله لمدة شهر، بعدما كان من المفترض أن يتم الإفراج عنه أمس. وقالت متحدثة باسم جيش الاحتلال أمس، أن "الجيش الإسرائيلي اعتقل 17 فلسطينياً في إطار الحملة التي يشنها للعثور على ثلاثة إسرائيليين اختفت آثارهم قبل حوالي أسبوعين، مشيرة إلى أن الاعتقالات جرت في أنحاء الضفة الغربية وشملت نائبين في المجلس التشريعي الفلسطيني. وتعتقل إسرائيل حالياً نحو 5400 فلسطيني بينهم 23 نائباً في المجلس التشريعي وخمس نساء ونحو 200 طفل، وقرابة 20 أسيراً مريضاً يقيمون بشكل دائم في المستشفى الإسرائيلي العسكري. إلى ذلك، أصيب عنصران من شرطة حماس بجروح أمس، في سلسلة غارات جوية شنتها المقاتلات الحربية الإسرائيلية على عدة أهداف في قطاع غزة، وفقاً لوزارة الصحة في حكومة حماس السابقة. وأعلن المتحدث باسم الوزارة أشرف القدرة "إصابة اثنين من عناصر الشرطة البحرية (التابعة لحماس) بجروح طفيفة في قصف إسرائيلي على مخيم النصيرات" في وسط قطاع غزة. وفي شمال القطاع، قال شاهد عيان إن "طائرات الاحتلال شنت غارتين على موقع تدريب لسرايا القدس (الجناح العسكري للجهاد الإسلامي)، وأخرى على أرض فارغة في المنطقة". وجاءت الغارات بعيد إعلان متحدثة باسم جيش الاحتلال اعتراض صاروخين أطلقا من قطاع غزة على جنوب إسرائيل، موضحة أن "نظام الدفاع المضاد للصواريخ (القبة الحديدية) اعترض الصاروخين اللذين لم يسفرا عن أضرار".

عماد الزغبي - السفير

ستة أيام مرت على إضرابه عن الطعام. ما زال الموظف في وزارة الزراعة المهندس علي برو صامداً. موقفه لم يتغير قيد أنملة. يصّر على مواصلة اعتصامه في ساحة رياض الصلح. أسلوب ديموقراطي لجأ إليه، بعد ثلاث سنوات من المماطلة والتسويف في موضوع إقرار سلسلة الرتب والرواتب. لم يعد يستطيع التحمل أكثر. وعود وتراجع وإضرابات واعتصامات وتظاهرات، ثم وعود وتراجع.. حقه مهدور.. ومطلبه محق بسلسلة عادلة تمنع عنه العوز بعد خروجه إلى التقاعد. لن يتراجع برو عن موقف أتخذه، مهما كانت الصعاب والمعاناة. «الجوع تعودت عليه.. لكنني لن أقبل أن يرافق الجوع تقاعدي». ما يحز في نفس برو حرمانه في اعتصامه من أبسط مقومات الصمود. مظلة صغيرة منعت عنه. ممنوع حمل مظلة بيده تقيه حرارة الشمس. ممنوع الجلوس في الظل. ممنوع تعليق المظلة التي أحضرتها زميلته نوال. لا يبدي برو أي اعتراض أمام عناصر قوى الأمن الداخلي وهي ترفع المظلة عن الشجيرة. الناظر في عيني برو يرى مدى الانزعاج والأسف، لترك هؤلاء العناصر لمهامهم، ومراقبته ما إذا كان يستظل بمظلة أم لا. يعتذر الرتيب في قوى الأمن من برو، «عبدٌ مأمور.. عليّ تنفيذ الأوامر». يرمقه برو بنظرة خاطفه، ثم يجيب: «إذا كانت المظلة تسبب إزعاجاً لكم، فحطموها». يكتفي العنصر الأمني بوضع المظلة أمام برو، ويغادر. حالة من الانفعال تظهر على برو، عندما يزوره وفد من زملائه في العمل. لم يعد قادراً على الكتمان. يقول: «لم أنزعج ممن طالبني بفك الاعتصام ووقف الإضراب نظراً للأوضاع الأمنية.. لكن أن يُمنع عليّ حمل مظلة صغيرة فوق رأسي، فهو أمر في غاية الإزعاج». ويؤكد: «لن أتراجع مهما فعلوا.. بمظلة أو بدونها». ويتوجه إلى وزير الداخلية نهاد المشنوق بالقول: «إذا سقطت من الجوع، أنا المسؤول.. أما إذا سقطت من ضربة شمس.. فأنت المسؤول، لأن أحد ضباطك منعني من وضع شمسية فوق رأسي». يحاول زملاؤه تهدئة خاطره، فيجيب: «يخوض الأسرى الفلسطينيون معركة الأمعاء الخاوية في فلسطين المحتلة في وجه مغتصب لأرضهم ووطنهم.. وأخوض معركتي ضد مغتصب حقي، وهو يعرف نفسه..». يثق برو بقدرته على الصمود، ويخطر على باله قصيدة للشاعر محمود درويش «نيرون مات ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل». تركت حادثة رفع المظلة أثراً في نفس برو، لا تهدئها سوى قراءة الكتب التي أهداها إليه عدد من الشبان، بين زائر وآخر، من بينها «الأعمال الكاملة» لغسان كنفاني، وديوانا شعر. ع. ز.

قلبت إسرائيل ليل المدن الفلسطينية إلى جحيم، وخلقت حالة جديدة من حياة الرعب للفلسطينيين، وصار السيناريو الليلي، اقتحامات بمئات الجنود للمدن والقرى والمخيمات، ومواجهات مع الشبان الفلسطينين، وشهداء يسقطون، وقوات تنسحب مخلّفة دماراً وخراباً وشهداء يشيعون في اليوم التالي، وسط حالة من الحداد والغضب والكبت. ومنذ اختفاء الجنود الإسرائيليين الثلاثة قبل نحو أسبوعين، ودّعت المدن الفلسطينية خمسة شهداء، آخرهم شابان استشهدا فجر أمس، في مدينتي رام الله ونابلس، والباقون سقطوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي الذي يداهم المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في ساعات متأخرة من الليل، مواصلاً حملة الاعتقالات التي طالت حتى الآن قرابة 350 فلسطينياً. واستشهد الشاب محمد محمود إسماعيل عطالله الطريفي (30 عاماً) فجر اليوم في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي في رام الله، أسفرت كذلك عن إصابة خمسة فلسطينيين بجروح. وذكر شهود عيان إن الطريفي استشهد برصاص أحد القناصة الذين كانوا يعتلون أسطح بعض المنازل في رام الله، مشيرين إلى أنه ظل ينزف لساعات، في ظل عدم قدرة وصول سيارات الإسعاف إليه. وفي مخيم العين غرب مدينة نابلس، استشهد الشاب الشاب أحمد سعيد سعود الفحماوي (27 عاماً) برصاص جنود الاحتلال بينما كان متوجهاً الى المسجد لأداء صلاة الفجر. وفيما احجم الجيش الاسرائيلي عن التعليق على استشهاد الطريفي، أكد أن جنوده اطلقوا النار على رجل في نابلس بعدما "اقترب منهم بشكل خطير". كذلك، دخل شاب فلسطيني (20 عاماً) تعرّض لإصابة خطرة يوم الجمعة الماضي في رأسه، في موت سريري في مستشفى اسرائيلي، فيما توفي رجل في الستين من عمره في نابلس إثر إصابته بأزمة قلبية فيما كانت قوات من الجيش الإسرائيلي تقوم بعمليات تفتيش خارج منزله. وبعد ظهر أمس، شيّع الفلسطينيون جثمان الشهيدين الطريفي في البيرة، والفحماوي في مخيم العين. وردّد المشيعون هتافات غاضبة ضد الاحتلال، وطالبوا بانتفاضة فلسطينية ثالثة في وجه انتهاكاته واعتداءاته على الفلسطينين، فيما أغلقت المحال التجارية أبوابها حداداً على أرواح الشهداء. وأطلقت قوات الاحتلال والمستوطنون النار على جنازة الشهيد الطريفي لدى مواراته في الثرى في مقبرة مدينة البيرة القريبة من مستوطنة بزاغوت المقامة على الأرض الفلسطينية. وفي غزة، شنّت الطائرات الإسرائيلية، أمس، أربع غارات جوية على مواقع تابعة لحركتي حماس والجهاد الاسلامي في في دير البلح وخانيونس ورفح، من دون أن يبّلغ عن وقوع إصابات في الأرواح، لكن اضراراً جسيمة سجلت في هذه المواقع ولحقت اضرار في عدد من المنازل المجاورة للمواقع المستهدفة. من جهة ثانية، أعادت قوات الأمن الفلسطينية يوم أمس حطام طائرة استطلاع إسرائيلية صغيرة تحطمت فوق الخليل إثر "عطل تقني"، بحسب جيش الاحتلال. ويسود القلق صفوف الفلسطينيين عموماً في ظل تكرار الاقتحامات الإسرائيلية الليلية لمراكز المدن الفلسطينية. وفي مؤشر إلى تصاعد الغضب الشعبي ضد القيادة الفلسطينية، التي تبدو عاجزة عن مواجهة العدوان، هاجم شبان فلسطينيون مقرات للشرطة الفلسطينية في مدينة رام الله، بعدما طالبوها بالتصدي للقوات الإسرائيلية. ودوّت أصوات الأعيرة النارية، وهي طلقات تحذيرية على الأرجح أطلقتها قوات الشرطة الفلسطينية من شرفة ونوافذ مركزها على مدى دقائق في وسط رام الله، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات. وردّد المتظاهرون هتافات مناهضة للشرطة الفلسطينية، وتحطيم زجاج ثلاث سيارات تابعة لأجهزة الأمن الفلسطينية كانت متوقفة أمام أحد المراكز الأمنية، في خطوة لم ترق للعديد من الأطراف الفلسطينية التي طالبت بتوحيد الفلسطينيين لمواجهة الاحتلال وعدم تحويل الاقتتال إلى الساحة الداخلية. وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير جميل شحادة لـ"السفير" إن "العدوان الإسرائيلي المستمر مرفوض من قبل الشعب والقيادة الفلسطينية وسيتم التصدي له". وأضاف أن "القيادة الفلسطينية بدأت اتصالات مع الدول المختلفة من أجل طلب عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي وإصدار قرار بوقف العدوان الإسرائيلي، ووضع حد للانتهاكات المتواصلة بحق شعبنا". بدوره، قال الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة لوكالة "فرانس برس" إن القيادة الفلسطينية بدأت الاحد اتصالاتها للتوجه الى مجلس الأمن والمنظمات الدولية لحماية الشعب الفلسطيني. وطلب ممثل فلسطين لدى الامم المتحدة رياض منصور يوم الجمعة الماضي تدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين من العقاب الجماعي الذي تفرضه اسرائيل. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس دان خطف الاسرائيليين الثلاثة، لكنه اكد أن ما جرى لا يبرر قتل الفلسطينيين. وقال عباس، في مقابلة مع صحيفة "هآرتس" نشرت أمس، "قلت إن الاختطاف جريمة ولكن هل يبرر ذلك قتل المراهقين الفلسطينيين بدم بارد؟"، مضيفاً "ماذا سيقول (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو عن عمليات القتل؟ هل يدينها؟". وأكد عباس لـ"هآرتس" أنه لا توجد أي أدلّة على أن حركة حماس تقف وراء عملية خطف الإسرائيليين الثلاثة. في المقابل، قال نتنياهو، أمس، إن اسرائيل تملك "أدلّة قاطعة" على وقوف حركة حماس خلف العملية، مضيفاً "قريبا سيتم كشف النقاب عن هذه المعلومات". ومن جهته اشاد الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز بـ"شجاعة" الرئيس الفلسطيني الذي ادان خطف الاسرائيليين الثلاثة، وقال امام ممثلين لوسائل اعلام يهودية دولية إن عباس هو "الشريك الافضل". وأرسلت المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية الأساسية والمدافعة عن حقوق الانسان رسالة الى وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون لإدانة العنف ضد الفلسطينيين الذين يتعرضون "لمعاقبة جماعية"، حسبما جاء في الرسالة.