نبيه عواضة -السفير

في الرابع والعشرين من تشرين الحالي، تحل الذكرى الـ90 لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني. شاء الأمين العام للحزب خالد حدادة أن لا يُخْرِجَ المناسبةَ من نطاقها الحزبي الضيق، لتكون قيد التداول مع حلقة إعلامية أوسع. حضر اللقاء رفاق سابقون يعملون في مؤسسات إعلامية مكتوبة ومرئية ومسموعة، وغاب عنه رفاق حاليون يعملون في مؤسسات إعلامية حزبية. بدا حدادة مرتاحا للملاحظات التي طرحت على طاولات لها باعها أيضا في سجالات الحزب الداخلية، ومنها ضرورة إنشاء مكتب إعلامي من أصدقاء «الشيوعي»، إلى ضرورة فتح أبواب الحزب أمام من يرغب بالعودة والقيام بأوسع الصلات، وصولا إلى انتقاد تقصير الحزب عن مواكبة الأحداث، إذ لفت البعضُ النظرَ إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بغياب الحزب عن أحداث مفصلية كبرى لها تقاطعاتها الإقليمية والدولية، إنما أيضا عن القضايا البسيطة المرتبطة بقضايا الناس الحياتية مثل الماء والكهرباء وغيرها من الأمور اليومية. واعتبر حدادة ردا على أسئلة الحاضرين أن الخطر الإرهابي يوازي الخطر الإسرائيلي، وبالتالي فإن عملية التصدي له يجب أن تكون شبيهة بعملية التصدي للعدو الصهيوني في العام 1982. واستعرض حدادة أمام الحاضرين ما قاله مؤخرا للرئيس نبيه بري بأننا «أصبحنا مضطرين للدفاع عن سايكس بيكو بوجه محاولات إزالته، كون المعلوم لنا أفضل من المجهول». وخلال اللقاء، قدم رئيس اللجنة التحضيرية لاحتفالات «الشيوعي» بعيده التسعين القيادي ريمون كلاس شرحًا لبرنامج إحياء المناسبة على مدى ستة أيام تبدأ في 24 تشرين باحتفال مركزي في قاعة الأونيسكو تلقى فيه ثلاث كلمات: الأولى للشيوعي (حدادة)، والثانية للشيوعي السوري، والثالثة لليسار العربي (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، فضلا عن حفل فني يحييه الفنان مروان عبادو والفنان العراقي جعفر حسن. وتحيي برنامج السبت فرقة سندريلا المصرية، فيما يتوزع نهار الأحد بين فقرة صباحية مع فرقة «راب» الشبابية مع كل من جعفر الطفار وباسم ماضي ومساء مع أمسية للفنان الملتزم خالد العبدالله، على أن تُقَدِّمَ مساء الإثنين الفنانة الفلسطينية ريم البنا وفرقة الفنون الشعبية باقة من الأغاني الثورية. أما الأسبوع الثاني، فهو عبارة عن يومين: مساء الجمعة مع الفنانة أميمة الخليل والسبت مع الفنان سامي حواط. ويتخلل الاحتفالات 6 ندوات سياسية أهمها ندوة مفتوحة عن أزمة الحزب الشيوعي وهي أشبه بدعوة للشيوعين كي يناقشوا أزمة حزبهم بصورة علنية، إضافة إلى ندوات شعرية وأدبية كان يفترض أن يشارك في واحدة منها الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم قبل أن يأتي خبر رحيله المفاجئ قبل نحو شهر ونيف. «منمشي ومنكفي الطريق» هو شعار احتفالات «الشيوعي» لهذه السنة، والواضح أن الحزب الذي يشكل أحد أعمدة اليسار اللبناني والعربي يحاول وبرغم كل انتكاساته الخروج من أزمته متطلعا إلى مؤتمره القادم بحيث يتحول إلى ورشة فكرية سياسية تنظيمية، بحيث لا تقتصر المناسبة على احتفالية قصر الأونيسكو حين يلبس القصر حلته الحمراء ليذكر الشيوعيين دوما بالزمن الجميل، ولو كان الغائب، للسنة الثانية على التوالي، المناضل الشيوعي الراحل أنطوان حرب، مدير هذا الصرح الوطني وحارسه منذ إعادة إعماره بعد الحرب الأهلية حتى الأمس القريب.

عماد الدين رائف - السفير

لعل أسمج ما يمكن أن يُسمع وسط حفلة الجنون المستعرة، هو ما تفتقت عنه عبقريات نواب مُمَدِّدين لأنفسهم، وهم يرفعون دعوى قضائية ضدّ مناضلين مدنيين.. كل ما فعلوه أنهم وصفوا سعاداتهم بالحرامية. فعلى الرغم من أن الحرامي وفق التعريف البسيط، الذي نعلّمه لأولادنا، هو من يأخذ مال الغير بغير وجه حق، وذلك أدنى ما ينطبق على ممثلي أمراء الحروب.. إلا ان رافعي الدعوى، كما يبدو، يريدون من دون سواهم من حرامية البلد، أن يدفعوا تلك الصفة البغيضة عن أنفسهم. غريب أمركم يا أصحاب السعادة المُمَدَّد لها! بماذا أساء إليكم لبنان ليستحق منكم هذا العقوق؟ ألم تلتهموا أملاكه البحرية والنهرية لتبنوا منتجعاتكم الخاصة؟ ألم تزرعوا وحوش كساراتكم في جباله؟ ألم تنهشوا خضرته بمراملكم؟ ألم تحولوا جناته إلى مطامر للنفايات؟ ألم تهدموا النقابات لتحتكروا تجارات الماء والدواء والغذاء.. والهواء؟ ألم تشترطوا نصيباً معلوماً من كل مشروع ظاهره تنموي؟ ألم تزرعوا زبانيتكم في كل إدارة ليمتصوا دماء الناس؟ بربكم، ما الذي فعلتموه خلال ولايتكم المجيدة لتستحقوا رواتبكم؟ كل ما فعلتموه هو تمثيلكم الصحيح لأمراء الحروب وتبريركم جرائمهم.. وتحويلكم المؤسسات الدستورية والإدارات العامة ووسائل الإعلام إلى منابر لخطابات معلوكة. لكن لبنان غفور رحيم. وأنتم تعرفون ذلك وتعولون عليه. لبنان غفر لأمرائكم جرائمهم ورفع شأنهم من فارضي خوّات إلى زعماء.. يفعلون بالعباد ما يشاؤون. وأنتم من بعد كل ذلك يا طرابين الحبق تمتعضون من لفظة «حرامية»! «حرامية ونص!».

حسان الزين - السفير

حكمت العيد واحد ممن تصعب رؤيتهم منفردين. هو من أولئك الذين تراهم مفرداً بصيغة الجمع. هو كذلك، بالرغم من اكتمال شخصيته ونضجها واختمار التجربة الشخصية والعامة فيها. كان كذلك في السبعينيات والثمانينيات مع الجيل الواسع لليسار، في الجامعة والشارع والاجتماعات الحزبية والسياسية. وبقي كذلك مع انتهاء التجربة واختلاط الأوراق السياسية والمواقع الشخصية. فحكمت العيد في مقدمة من يسمّون، في السياسة والثقافة، في لبنان، جيلاً. وقد جعلوا ما يربطهم أكثر من عمر، وأكثر من انتماء سياسي وثقافي واجتماعي، وأكبر من انتماء حزبي. لقد أبدعوا روحاً جماعية. وحكمت العيد واحد ممن أنتجوا خلافات وصاغوا صداقات، ثم بعد الانكسارات حوّل الخلافات صداقات مفتوحة على سجالات عابرة وهادفة. والسر في ذلك شخصيته وروح ذاك الجيل. وهما معاً ميلٌ إلى الحوار ومساجلة المختلف ومصادقته، وإغناء الصداقة بالاختلاف، وحماية الاختلاف بالصداقة. أضف إلى ذلك، ما تحلّى به حكمت العيد ورفاقه من نقد التجربة الحزبية والحربيّة والسخرية من التعصّب ورفض المقدّس، ومواجهة ذلك بالعبث حيناً، وبتعريض كل شيء للنقد دائماً. ويُسجّل لحكمت العيد أنه حافظ على قلقه الفكري والسياسي، من دون أن يطلب شيئاً لنفسه. وحافظ على مهنته (المحاماة) مصدرَ رزق وحيداً ومارس قيمه فيها. وهذا مشرّف لجيل، بل لوطن. حسان الزين

حسان الزين -السفير

مفاجئ رحيل باسم شيت. مفاجئ وصادم، لا لكونه شاباً فحسب، وهذا بحد ذاته قاسٍ، ولا لكونه لم يحظَ بفرص أن يَعطي ما لديه فحسب، إنما بسبب الاعتقاد أن الثورة دائمة لا تموت. وباسم ثورة دائمة. وباسم لا يُنهي نقاشاً أو اجتماعاً أو تظاهرة، فكيف يموت ويرحل؟ ويبدو خارج الزمن. كائن تاريخي هو. وهو من الكتب لا من الواقع. ومن طينة الثوّار الذين يأخذون وقتهم ويحوّلون حياتهم ورشة أو ورشاً لمشاريع لا تنتهي، وربما لا تبدأ، ويحاولون، ويبقون يحاولون، ولا يتوقفون بل دائماً مشغولون ومنهموكون، ولا يُحبَطون. والأرجح أن الإحباطات تزيدهم تمسكاً بأفكارهم وأحلامهم. وغالباً يوحون بأنهم نسوا أنفسهم وأجسادهم، أو يلبسونها فحسب. كأن رحيل هذا الثائر، يعني أن لا موعد لنا مع الثورة، وأن بلادنا خارج التاريخ، على الأقل تاريخ المحاولات. وكأن محاولة تلقّفه مع رفاقه "الربيع العربي" و"إسقاط النظام الطائفي ورموزه"، كانت الذروة، أو كانت فلتة الشوط، ولا إمكانية لتكرارها ولو على نحو كوميدي. ذلك ليس يأساً، إنه مجرد تفسير في غياب شخص عنيد، حالم، إذا مات يعني أن لا دور له، وإذا لا دور له يعني أن لا ثورة أمامنا ولا حتى فرصة لمحاولة. فباسم ليس ممن يرون السياسة فنَّ الممكن إنما يعتبرها فنَّ المستحيل، ورحيله يوحي بأن المستحيل ذاك بات مستحيلاً. كأنه رأى ذلك، فتوقّف قلبه مصدوماً، ولعلّه آثر الرحيل كي لا يعترف باليأس.

نفذ «الحراك المدني للمحاسبة» اعتصاماً، أمس، في ساحة رياض الصلح، وسط إجراءاتٍ أمنيةٍ مشددة، رفضا للتمديد للمجلس النيابي. ورفع المعتصمون لافتاتٍ كتب عليها «حلوا عنا»، و«128 حرامي»، وقرفتونا»، وحملوا المكانس داعين النواب إلى الرحيل. كما طالبوا بإجراء انتخاباتٍ نيابيةٍ تسمح للبنانيين باختيار من يريدون. وألقى كلود جبر كلمةً باسم «الحراك»، وصف فيها النواب بـ«منتحلي صفة»، متوعداً بـ«محاسبة النواب في الشارع حتى إجراء الانتخابات».

نفّذ رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري تحذيره خلال حديث لـ"السفير" من أنه سيسحب بند سلسلة الرتب والرواتب من جدول أعمال الجلسة التشريعية "إذ ما استمرت الاعتراضات"، التي وصفها بغير المسؤولة، حتى موعد انعقاد جلسة اليوم، في حين أكد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض أن غداً هو يوم دراسي عادي في جميع المدارس، بخلاف ما كان قد أعلنه أمس عن اضراب مفتوح احتجاجاً على استثناء معلمي المدارس الخاصة من الزيادات في السلسلة. وبينما كانت نقابة معلمي القطاع الخاص معتصمة في ساحة رياض الصلح، حيث كان صدى أصوات الاحتجاجات يتردد في ساحة النجمة على أسماع ممثلي الشعب في البرلمان، أحال رئيس مجلس النواب مشروع سلسلة الرتب والرواتب الى اللجان النيابية المشتركة لوجود ملاحظات بشأنها. وكان من المتوقع أن يكون بند السلسلة على رأس قائمة جدول أعمال الجلسة، التي بدأت بعد اكتمال النصاب، صباح اليوم، فيما قدم وزير الدفاع سمير مقبل إعتراضاً على مشروع السلسلة بإسمه وبإسم المؤسسة العسكرية. ورفض السلسلة على الشكل الحالي، مشدداً على ضرورة فصل القطاع العام عن السلك العسكري. وبعد "اجتماع هيئة التنسيق النقابية"، بعد ظهر اليوم، اعلن  محفوض أن "غداً هو يوم دراسي عادي في مؤسسات القطاعين الرسمي والخاص"، مطالباً اللجان النيابية المشتركة بإنجاز عملها خلال أسبوعين "لكي نصل الى إقرار سلسلة الرتب والرواتب"، ومؤكداً "اننا مصرون على نسبة زيادة واحدة لكل القطاعات". وأشار محفوض إلى أن "هيئة التنسيق النقابية ستبقي على اجتماعات متواصلة"، لافتاً النظر الى "اننا ندعو الى جمعيات عمومية في المناطق خلال الأسبوعين المقبلين". في غضون ذلك، رأى رئيس الحكومة تمام سلام من مجلس النواب أن إرجاء مشروع سلسلة الرتب يعزى الى أنه "في التحضيرات تبين أن هناك تداعيات غير مريحة، وبالتالي كان قرار مجلس النواب أن يتم التأجيل ليعطى حقه بشكل أفضل، وهناك ملاحظات". وعن التمويل، قال إن "تفاصيل هذا الموضوع تحتاج الى ملاحقة ومتابعة، والواضح أن الموضوع أخذ أبعاداً غير مريحة بين الأمس واليوم، فاضطرت الهيئة العامة أن تأخذ قراراً بإحالته الى اللجان المشتركة". وبينما ترأس الرئيس بري اجتماعاً "تشاورياً" لهيئة مكتب المجلس بعد انتهاء الجلسة التشريعية، نوه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، بعد مشاركته في الجلسة العامة، بدعوة رئيس المجلس إلى "عقد جلسة لإقرار سلسلة من التشريعات الضرورية". وقال: "إن ارجاء اقرار سلسلة الرتب والرواتب شكل خطوة حكيمة لمعالجة بعض الجوانب المتعلقة بالتمويل وبحقوق الأسلاك العسكرية، ونأمل أن تتم معالجة هذه المسائل في أسرع وقت من أجل العودة الى إقرار هذه السلسلة، التي هي حق لكل المستفيدين منها بإجماع الجميع". ومن جهته، قال وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب، من مجلس النواب، إننا "كنا نأمل أن تقر السلسلة، وإذا أُرجئت فلأن بعض المطالب يحتاج إلى إعادة دراسة من أجل مصلحة الجميع". وأضاف بو صعب  "سنعمل مع هيئة التنسيق النقابية على سير العام الدراسي بشكل طبيعي وسنبقى الى جانبها من أجل إقرار السلسلة". أما وزير الدفاع سمير مقبل فأعن من جهته، انه سيتقدم بمشروع رتب ورواتب خاص للعسكريين ليصار الى درسه واقراره وفقا ًللأصول في مجلس الوزراء، قائلاً "للأسلاك العسكرية خصائص تنبع من طبيعة عملها والمخاطر التي تحيط بها". بدوره، قال ممثل "التيار الوطني الحر" النائب ابراهيم كنعان، بعد انتهاء الجلسة، إننا "لم نكن نتمنى العودة الى نقطة الصفر في ملف السلسلة"، مشيراً الى أن "مسألة الرواتب لا تحل بشكل مجتزأ أي على شهرين، والمطلوب العودة الى القوانين"، قائلاً إن "المقايضة في الموضوع المالي مرفوضة والمطلوب العودة الى القوانين". وقال ممثل حزب "القوات اللبنانية" في المجلس النائب جورج عدوان: "ما سنقوله يعني أولاً وآخراً المؤسسة العسكرية خصوصاً في ظل الظروف التي نمر بها"، مضيفاً "يجب وضع مشروع يعطي خصوصية للمؤسسة العسكرية.. بعيداً عن الحساسيات والعصبيات. والعسكريون مميزون في خدمتهم للوطن". ومن ناحيته، أكد ممثل "حركة أمل" وزير المال علي حسن خليل "اننا ملتزمون بإقرار سلسلة الرتب والرواتب ووزارة المال جاهزة تقنياً ومالياً"، معتبراً أن عدم اقرار السلسلة سيزيد الأعباء على وزارة المال. في الجهة المقابلة، نفذ أساتذة التعليم الخاص، مع "هيئة التنسيق النقابية"  التي حضرت متضامنة، اعتصاماً في ساحة رياض الصلح بالتزامن مع انعقاد الجلسة التشريعية، احتجاجاً على عدم انصافهم في سلسلة الرتب والرواتب. وقال الوزير بو صعب، خلال كلمة في مكان الاعتصام، "لا حقوق تسمى بحقوق إذا لم يكن هناك مساواة، وما في أستاذ بسمنة واستاذ بزيت"، مضيفاً "سنجد طريقة يكون فيها الاستاذ في التعليم الرسمي والخاص متساويين في السلسلة والحقوق. نحن مع أن يأخذ أستاذ الابتدائي حقوقه التي طرحت في السلسلة". واضاف وزير التربية: "وفي ما يتعلق بموضوع الجيش هذا مطلب أساسي نحن نعتمد في لبنان على جيشين: الجيش الذي يضبط الأمن والأساتذة الذين يضبطون مستقبل البلد. فالموضوع ليس موضوع ست درجات بل الحفاظ على وحدة التشريع". بدوره، ألقى وليد الشعار كلمة باسم "هيئة التنسيق النقابية" فلفت الى ان "ادارات المدارس الخاصة التي منعت تطبيق قرار نقابة المعلمين وقرار هيئة التنسيق النقابية بإقفال المدارس الخاصة اليوم"، وقال: "نحن في هيئة التنسيق النقابية معكم في جميع تحركاتكم المستقبلية ونؤكد أن هيئة التنسيق النقابية هي هيئة واحدة وموحدة وستبقى كذلك ولا أحد يصطاد في المياه العكرة ولا أحد يحاول أن يفرق بين مكونات هذه الهيئة". في الوقت نفسه، نفذ الحراك المدني للمحاسبة اعتصاماً في ساحة رياض الصلح، أيضاً، في أعقاب اعتصام نقابة المعلمين، رفضاً للتمديد لمجلس النواب، وسط تدابير أمنية مشددة. وقال كلود جبر باسم الحراك: "نحن نحتج كلبنانيين ولبنانيات على الأوضاع المتردية، ونخاف على أبنائنا وأمتنا وحقوقنا ونحتج لأننا ندور في حلقة مفرغة، ولأن قرارنا مسلوب ورأينا لا يؤخذ به".

السفير

قرّر زياد الرحباني مغادرة لبنان إلى روسيا، بشكل نهائي. ذلك ما أعلنه الفنان اللبناني مساء أمس عبر شاشة "الجديد"، في مقابلة أجراها جاد غصن. تمّ تسجيل المقابلة على هامش الحفلات الثلاث التي أحياها الرحباني في "المركز الثقافي الروسي" في بيروت الأسبوع الماضي، بعنوان "59 بزيادة". وقال الرحباني في اللقاء: "أنا فالل من البلد، فالل بآخر الشهر، كنتْ بتمنى فِل أروق، بس عرفت فجأة إنه أفضل فِل أو أنه من الأفضل أن يبقى معي مرافقين طيلة الوقت، وهذا ما لم أفعله خلال الحرب، بسبب تلك الليلة". وقصد الرحباني بـ"تلك الليلة" حفلته في الناقورة جنوب لبنان في 23/ آب أغسطس الماضي. يومها طلب من الجمهور تصوير الحفلة، ونقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ تشويشاً متعمّداً على الحفلة، حال ما دون ذلك، بحسب تعبيره. وأضاف الرحباني أنّه يشعر أنّه مراقب أمنياً، وأنّ هناك من تنصّت على اتصال هاتفي بينه وبين رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" إبراهيم الأمين. في تقريره، أشار غصن إلى أنّ حفلة الناقورة تضمّنت انتقادات لـ"حزب الله"، وحول هذه النقطة، تمنّى الرحباني من الحزب التعليق على مسألة التشويش على الحفلة، بالرغم من إشارته إلى أنّ الجهات الإسرائيليّة هي وحدها القادرة على القيام بعمل مماثل. وأضاف: "ما في تواصل مع السيد، بس في قصص بوصّلي ياها بطريقته، وأنا بقدّرها كتير لأنّه بتابع كلّ كلمة بتنكتب". وعن تحالف "الحزب الشيوعي" مع "حزب الله" قال: "وجّهنا كلمة إنه كيف فينا نصدّق إننا حلفاء مع حزب الله؟ عاملين حالنا حلفاء الحزب، بس هوي ولا مرة عم يقول مزبوط إنته حلفاء. في إخفاء". وتطرّقت المقابلة الممتدّة لنحو ربع ساعة إلى موضوع هجرة الرحباني إلى روسيا، إذ قال أنّه سيعمل في قناة "روسيا اليوم". وأضاف: "إذا بصِرلنا نشتغل بتلفزيون متل "روسيا اليوم"، أخت اللي بيقعد تكّة". وأضاف: "نحنا عايشين بالبرّية هون، بشكل إنسان بدائي بس لابس آخر موضة وعنده أجدد آيفون وما بيعرف يستعمل ربعه. سوريا هيّي وبالثورة، سابقتنا 100 سنة، شعب معلّم ويحترم الآخر ويعمل. نحنا شعب لا بيحترم بعضه ولا بيشتغل. من وين هالأطباع هيدي جايي؟ يقولون إن الفرنساوية مورتيننا هالعنفوان. خرا عَ هالجمهورية". بعد عرض "الجديد" للتقرير بعنوان "59 بزيادة ــ زياد الرحباني: خرا ع هالجمهورية"، انشغلت مواقع التواصل بالتعليق على ما قاله الرحباني. بعض المغرّدين أعربوا عن امتعاضهم لما ورد في كلامه من مواقف سياسيّة، وكالعادة، خرج من يطالبه بالاكتفاء بالفنّ وعدم التطرّق للسياسة. آخرون تمنّوا لزياد الرحباني التوفيق في روسيا، معتبرين أنّ خياره بالرحيل صائب، خصوصاً أنّ لبنان لا يحترم فنانيه ومبدعيه. وانتشر وسم "من أقوال زياد الرحباني" على "تويتر" حيث قام عدد كبير من المغرّدين باستعادة جمل من مسرحيّاته، معربين عن أسفهم للحزن الذي بدا واضحاً عليه. يأتي قرار الرحباني بالهجرة بعد عام نشط فيه على أكثر من جبهة، إذ عاد لكتابة المقالات في "الأخبار" بعد انقطاع ثمّ عاد وتوقّف لتصدر له في عدد اليوم من الصحيفة مقالة بعنوان "الصين". كما أجرى مقابلات عدّة أثارت جدلاً خصوصاً بعد إعلانه عن موقف والدته فيروز من "حزب الله"، إلى جانب إحيائه مجموعة كبيرة من الحفلات لم تمرّ كلّها بسلام، واعتذاره عن تقديم بعضها بسبب ظرف صحي على علاقة بيده كما أوضح في بيان.   الأكيد أنّ مقابلة زياد أمس مع "الجديد" خلّفت الكثير من المرارة في قلوب محبيّه الذين عبّروا عن حزنهم لحزنه، بعيداً عن السجال السياسي الذي قد تثيره مواقفه الأخيرة، بين مؤيّد ومعارض لها.

نبيه عواضة  السفير - 29 أيلول 2014

ها هو كمال يحاول هزيمة الوجع وآثار العملية الجراحية، ليقف منساب القامة والإطلالة والابتسامة الدافئة الهادئة التي تعتصر حزنا وفرحا لا يدركه إلا صاحبه. بدا كمال لطيفا أكثر من أي وقت مضى. على مدى ثلاث ساعات، استعاد شريط عمره كله. فتى «الحرس الشعبي» يلبي نداء حزبه الشيوعي، فيكون من أوائل الملتحقين بـ«الحرس» دفاعا عن قرى الجنوب الحدودية الأمامية، جارات فلســطين المحتلة. تقوده حماسته اليسارية الموروثة، للنزول من قريته ابل السقي الى جوار قرية الماري الحدودية، وهناك يلتقي برفيق له من الخيام، يمشيان سوية ناحية نهر الوزاني ويطلقان النار على الجنود الاسرائيليين. تلك الرصاصات شكلت بداية عمله كمقاوم في صفوف «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»، ليصبح خلال أقل من سنة، قائدا لعملياتها في البقاع الغربي وحاصبيا والعرقوب. يروي كمال كيف حاول اقناع الشهيد جمال ساطي بالتراجع عن فكرة تنفيذ عملية استشهادية ضد الاسرائيليين. تختلط الذكريات بالابتسامة والدمعة، محاولا أن يجيب على سؤال دائم حول صوابية اتخاذ القرار من عدمه، فيروي كيف حسم جمال ساطي، ابن قرية كامد اللوز، الجدال، قائلا له: «سوف افجر نفسي بمقر الحاكم العسكري في تلة برغز في حاصبيا». تقرر تأجيل العملية 24 ساعة، كانت فرصة لانتداب مجموعة من أصدقاء جمال لثنيه عن الامر، الا ان رفاق ساطي عادوا وقد اقتنعوا بفكرة العملية الاستشهادية! تم شراء البغل من بلدة مشغرة، وجرى تفخيخه بعبوة ناسفة شديدة الانفجار، وتولى كمال وداع جمال الذي قاد البغل متنكرا بثياب رجل مسن باتجاه مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي في تلة برغز، وهناك فجر نفسه ودمر المقر وقتل من قتل وجرح من جرح من الجنود وبينهم ضباط كبار، لينعقد مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر ويتخذ سلسلة قرارات أمنية وعسكرية. كمال البقاعي الذي كرمه الحزب الشيوعي بمباردة من اصدقائه ورفاقه المقاومين في «مطعم الجسر» بحضور اكثر من 250 شيوعيا من كوادر حاليين وسابقين وقياديين مقاومين واسرى محررين وجرحى، وبينهم وجوه من «اليسار الديموقراطي» و«الإنقاذ والتغيير» و«مؤسسة جورج حاوي» و«حركة الشعب» ...الخ، وجوه لم تلتق منذ سنوات جمعها كمال الذي تردد اسمه عشرات المرات في كلمة امين عام الحزب الشيوعي د.خالد حدادة الذي دعا على عتبة المؤتمر الحزبي المقبل الى عودة كل الشيوعيين الى الحزب وتناسي خلافاتهم لمصلحة قضية الحزب وأولوية مواجهة المشروع الاسرائيلي الأميركي التكفيري معطوفا على الدفع باتجاه التغيير الديموقراطي في الداخل. كمال المسيحي الشيوعي الذى طلب في ليلة شتوية بقاعية عاصفة من شيوعي مسيحي آخر ان يقرأ القرآن الكريم بعد ان دخلا مطولا في نقاش عن الجن والانس، ليصبح «الآخر» لاحقا شيخا معمما (...)، يتعلق ببلدته ابل السقي وينسب اليها أولوية المقاومة والشهادة والزيتون والعطاء بلا حدود، فكيف الحال وقد صار صهرا لبلدة الخيام، تكلله رفيقة عمره اغنار، ولهما باقة (شابان وفتاة) وجدوا على مدارج الحياة ما يستهويهم من الاهتمامات، من دون أن يغادروا الحيرة والالتباس والأسئلة التي تراود والديهما كل يوم. بلحيته الكثة السوداء والبيضاء، يرغب كمال ان يطيل اللقاء، ومع كل صورة مشتركة، كان يتمنى على رفاقه ان يحفظوا صورته على شاكلة الثوار. في المحصلة، اخذ كمال البقاعي من رفاقه المجتمعين افادة ولادة جديدة على امل ان يقهر المرض كما قهر العدو، وله مع الارادة تجربة لا تخيب.

عباس بيضون - السفير

بعد محمود درويش يتم برحيل سميح القاسم غياب الثنائي الذي أشرف على العالم العربي والشعر المعاصر من قلب فلسطين المحجوبة حتى ذلك الوقت. وكان صوت درويش ـ القاسم أكثر من قصيدة، كان صوتاً مجروحاً ومعذباً وصارخاً بقدر ما كان استذكاراً وهوية واسماً آخر وعنواناً لفلسطين. لقد ظهر ذلك الصوت قبل السلاح وكان بالتأكيد يحمل في طياته كل الكثافة وكل الزخم اللذين تكدست فيهما لا الذكريات فحسب، ولكن أيضاً الرعف والحنين والتواريخ الدامية والمضيئة وسلسلة الثورات والمعارك والبطولات المكسورة والحروب الخاسرة. درويش والقاسم لا نظلم أياً منهما حين نقرنهما ببعضهما بعضاً فقد تواصل الاسمان كما تواصل الشخصان وكانا معاً وجهاً مزدوجاً ومتفارقاً لفلسطين التي غدت بدءاً من أواسط القرن الماضي ضميرنا وسرنا وجرحنا في آن معاً. لقد بدأ هذا التاريخ بخسارة مدوّية ومأساة وسيبقى هذا طابعه وستبقى هكذا دمغته وسيبقى ينزف ويكون نزفه وتكون تنهداته إيقاعنا ولحننا، ربما لهذا ظهر المغني قبل المحارب، ربما لهذا بدأت المرثية قبل الأهزوجة، ربما لذلك ورثنا هذا الجرح وأورثناه وتركناه ينطق ويتكلم عنا. سميح القاسم الذي اهتدى من شيوعيته إلى فلسطينيته أو كانتا في الأصل واحداً، لقد بقي له وللعرب الباقين هذا الركن وذلك المعزل، وكان ينبغي أن يمر وقت كاف حتى يتحول هذا المعزل إلى دوامة وذلك الركن إلى معترك، وبالتأكيد كان لسميح القاسم وبقية الشعراء والكتاب الفلسطينيين الذين صدحوا من فلسطين الصيحة الأولى التي وصلتنا مدماة متقطعة وكان ينبغي أن يمرّ وقت قبل أن تمتلئ وتتّسق وتمور بالنياعة والنضارة وتغدو كونية وملحمية وتستعيض عن منفاها في وطنها بمنفى عالمي وتغدو الأرض بكليتها بلدها ومنفاها ويغدو الشتات أسطورتها وسِفرها وتغدو فلسطين معها ومعهم ايتاكا الجديدة ويغدو الشاعر عوليسها الجديد. بقي سميح القاسم في فلسطين وهاجر محمود درويش قبل أن يرجع في عودة ثانية إليها. لكن الباقي ما كان له أن ينكسر وما كان لصوته أن يشحب ويخفت. لقد بقي تحت زيتونته وكان عليه أن يصدغها وأن يصرخ في وجه من يريد أن يغصبه إياها. كان عليه أن يشهر قصيدته كما لو كانت سلاحاً وأن يحارب بها ويُطلقها على المتربصين به. كان عليه أن يبدي أسنانه لا قلبه وحده، وأن يخيف ما وسعه أن يخيف، وأن يصرخ ما أمكنه أن يصرخ وحين كان وحده في الدرب، وحده في العزلة، كان يرفع صوته بنشيد المحارب، يواجه بكبريائه مَن يضعون أصابعهم في جرحه. كان يرفع رأسه من فوق مضطهديه. وظل دائماً في تخييل المعركة. كما ظل دائماً في ذكرى المواقع والأيام والحروب. تلك كانت تحييه في الذاكرة وتحييه في الخيال وتحييه في الواقع حتى لا يقتله القهر ولا تقتله العزلة. كان له نشيد المحارب الذي يتحوّل أحياناً إلى أغنية نصر واستدعاء للمستقبل وأمل لا يشيخ وبشارة خضراء كالزيتون. بقي سميح القاسم في فلسطين حيث كان عليه أن يقاتل وأن يغني في المعركة وأن يهلل ويرتجز في وسطها. أما درويش فقد هاجر ليبحث ثانية عن ايتاكا ـ فلسطين وليغني خسارته وليحمل المرثية إلى ضفاف العالم. كتب سميح القاسم كثيراً. ألّف ما يزيد على الستين مؤلفاً في الشعر والرواية والمسرح والمقالة والترجمة والرسائل. كان الحبر والحرف بالتأكيد حياته الثانية وكلما خط كلمة عربية كان يسترد بذلك هويته ويحيي فلسطين، يستردها بالكتابة ويستردها بالشعر ويستردها بالأغنية ويستردها بالنثر، وحين أصابه السرطان واجهه بكبرياء المحارب وشجاعة المحارب. لم يترك قلمه يسقط من يده ولم يخف من المرض بل حاول أن يخيفه هو الذي اعتاد منذ نعومة أظفاره أن يخيف ما هو أشد من السرطان وأقوى من الموت.