ردت «هيئة التنسيق النقابية» على مواقف وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب، وما صدر عن لجنة التربية النيابية، بموقف موحد، بعدما كاد عقد الهيئة «ينفرط» جراء الاختلاف في وجهات النظر، بين مؤيد للعودة عن قرار مقاطعة تصحيح المسابقات الرسمية حفاظاً على مستوى الشهادة الرسمية، وبين رافض للعودة عن المقاطعة، على أساس أن الهيئة لم تنل أي شيء في المقابل. وقررت أيضاً إعلان الإضراب الشامل في جميع الوزارات والإدارات العامة غداً الخميس، مع الاعتصام عند الساعة 11 صباحاً أمام «وزارة الاقتصاد ـ مبنى اللعازارية»، مؤكدة أنها «بصدد وضع خطة تحرك للمرحلة المقبلة». وأوضحت مصادر نقابية، أن موقف الوزير استفز الأساتذة والمعلمين، ما دفعهم لأن يكونوا يداً واحدة، في مواجهة الهجمة التي يتعرضون لها، «بعدما باتت القصة مكشوفة للجميع، فقرار إعطاء الإفادات لم يكن وليد صدفة، بل بدأ بطريقة ممنهجة ومدروسة، وخير دليل سرعة دعوة لجنة التربية النيابية للاجتماع وإقرار قوننة الإفادات». أضافت: «كرر الوزير أنه بصدد تلف المسابقات، علما أن هذه العملية تحتاج إلى قانون، وإجراءات إدارية عدة للقيام بذلك، وتحدث الوزير عن بدء إعطاء إفادات، علماً أنه لم يتم رصد اعتمادات لشراء الورق وتلزيم الطباعة، وكل ذلك لقطع الطريق، ومنع الأساتذة من العودة إلى التصحيح». واعتبرت أن الإيجابية الوحيدة في موضوع الإفادات، هي «وحدة هيئة التنسيق، وأن كل المحاولات لضرب هذه الوحدة باءت بالفشل، وأن القيادات في الهيئة يعون ما يحصل، من أن الغاية هي ضرب الهيئة كي لا تستطيع التحرك في المستقبل، وأن يشهر في وجهها دوما سلاح الإفادة، عن أي مطلب». قوننة الإفادات أقرت لجنة التربية النيابية قوننة الإفادات مع توصية «الجامعة اللبنانية» بإجراء امتحانات دخول، وتوافقت على متابعة البحث لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، من أول جلسة تشريعية لمجلس النواب، وذلك في جلسة عقدتها أمس برئاسة النائبة بهية الحريري وحضور الأعضاء ووزير التربية. وأوصت اللجنة وزير التربية الاتصال برئيس «الجامعة اللبنانية» عدنان السيد حسين، لإجراء امتحانات دخول إلى الجامعة في جميع كلياتها وفروعها. وكرر بو صعب موقفه من موضوع الإفادات، بقوله: «الكلام انتهى يوم السبت (16 آب) في ما يتعلق بموضوع التصحيح والإفادات والاثنين (أمس الأول) هو يوم آخر وما ننجزه الآن هو استكمال الإجراءات». أضاف: «لم تعد العودة إلى الوراء ممكنة خصوصا أن أي خطوة من هذا القبيل ليس فيها أي ضمانة للمستقبل، فمن يضمن إذا وافقنا على التصحيح اليوم يصدرون نتائج الامتحانات؟ ومن يضمن إذا أردنا أجراء دورة ثانية ألا يلجأوا إلى الإضراب قبل موعد تلك الدورة؟ ومن هذا المنطلق لجأنا إلى هذا الخيار حرصاً على مصلحة الطالب». ونفى بو صعب أن يكون قرار منح الإفادة يشكل هبوطاً للمستوى التربوي في لبنان «لأن الجامعات كلها لديها مباراة دخول وتقبل الطلاب بناء على نتائج المباراة». وحدة «التنسيق» بعد خمس ساعات من النقاشات المتواصلة، ودرس ردود الجمعيات العامة لروابط الأساتذة والمعلمين في القطاعين العام والخاص، خرجت هيئة التنسيق، موحدة، محملة وزير التربية المسؤولية عن إعطاء الإفادات بتغطية من الحكومة مجتمعة، و«التي أمنت الغطاء السياسي له، وللسياسيين الذين أوقعوا البلاد في حال من الشلل، وفي عدم حضور بعض الكتل النيابية جلسات التشريع في مجلس النواب». ففي مؤتمر صحافي، عقدته الهيئة مساء أمس، لفت رئيس «رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني» إيلي خليفة إلى «أن الهيئة تخوض معركة في مواجهة تحالف مالي سياسي يريد ضربها وإفشال تحركها وشقها بشتى الأشكال ومختلف أشكال الترغيب والترهيب، بعدما اقفلوا بوجهها كل الأبواب في معركتها من اجل إقرار سلسلة الرتب والرواتب». وقال: «بعد ثلاث سنوات، لا ضمانات لإقرار حقوق الأساتذة والمعلمين، بإعطاء نسبة 75 في المئة من أصل 121، بل أعطوا الأساتذة 13 في المئة موزعة على ثلاث سنوات بمعدل أربعة في المئة كل سنة، وهذه الزيادة تضرب حقوقهم المكتسبة. وها هم اليوم يحاولون ضربها عبر أعطاء الإفادات غير المسبوقة، ومن يتحمل المسؤولية هو وزير التربية والحكومة مجتمعة التي أمنت له التغطية السياسية لذلك». وأوضح أن مقاطعة التصحيح جاءت بطلب من وزير التربية وأعلنت من مكتبه عندما طلب منا مراقبة الامتحانات ومقاطعة التصحيح وانه لن يلجأ الى أعطاء الإفادات وقوله «وليفتشوا عن غيري إذا أرادوا إعطاء إفادات للطلاب»، لافتاً إلى أن «السياسيين مختلفون بالسياسة في ما بينهم ومتفقون على ضرب حقوقنا». وتوجه إلى الأهالي والطلاب بالقول: «في الوقت الذي كانت مجالس المندوبين تناقش ملف الحقوق وإنقاذ الشهادة الرسمية، ورفض الإفادات، وكل الخيارات المتاحة أمامها تصحيحا أو مقاطعة، وعلى قاعدة ضمان الحقوق للقطاعات التعليمية والوظيفية كافة، بإعطاء نسبة زيادة واحدة للجميع، جاءت قرارات لجنة التربية، وتصريحات وزير التربية، لتسد الخيارات والأبواب أمام هيئة التنسيق في إنقاذ الشهادة الرسمية، الأمر الذي وحّد موقفها، وأبقاها عليه بعدم التصحيح، بعدما كانت الهيئات مع العودة للتصحيح، وهيئات مستمرة، جراء الإسراع بقوننة الإفادة، بدل إنقاذ الشهادة الرسمية». ورأى خليفة في كلام وزير التربية «فاتكم القطار، نحن بواد وهم في واد آخر»، تمهيداً لخصخصة الامتحانات بحجة عجز الدولة والوزارة عن إجراء الامتحانات. وتعهدت هيئة التنسيق بأنها «لن تألو جهدا ولن تتوانى عن إنقاذ الشهادة الرسمية، وحقوقها، وأن معركتها ستبقى مفتوحة في وجه السياسيين الذين ابقوا على الطلاب رهينة، وأنها ستعمل على الارتقاء بأدائها وتنظيمها بناء على توصيات مجالس المندوبين واقتراحاتهم». وختم مؤكداً أن «العام الدراسي المقبل سيكون طبيعياً واعتباراً من الأول من أيلول المقبل»، مشيراً إلى أن الهيئة وبالتعاون مع «نقابة المعلمين» تدرس إمكانية رفع دعوى قضائية لوقف تنفيذ قرار الإفادة مع محامي النقابة زياد بارود. وردا على سؤال قال رئيس «رابطة التعليم الأساسي» محمود أيوب: «كنا ندرس قرار عدم ضياع العام الدراسي، وبدل أن تدرس لجنة التربية إقرار السلسلة، فوجئنا بقوننة الإفادة، لتضرب التربية وهي الأمينة على التربية». عماد الزغبي

حسان الزين - السفير

 

تحتشد المرحلة، منذ قرر وزير التربية الياس بو صعب منح طلاب الامتحانات الرسمية إفادات نجاح، بالأسئلة عن «هيئة التنسيق النقابية» وخطواتها اللاحقة ومستقبلها، ومستقبل العمل النقابي برمّته. بالرغم من ذلك، أي حكم على مستقبل الهيئة سابق لأوانه، ولن يخلو من السياسة. ولا يمكن أن يحصل ذلك من دون الهيئة وتقويمها نفسها ومراجعتها تجربتها ونقدها. شكلت الهيئة منذ ثلاث سنوات المنصة الوحيدة المتبقية للعمل النقابي، في ظل تدجين «الاتحاد العمالي العام» وغياب الأحزاب التي تولي البعد الاجتماعي اهتماماً. بل بقيت الهيئة الصوت الاجتماعي الوحيد المتبقي في ظل طغيان الأصوات المذهبية. والأسئلة عن هيئة التنسيق ومستقبلها ومستقبل العمل النقابي في هذه اللحظة المصيرية ليست معنية بها الهيئة وحدها، بل الجميع، ولا سيما القوى السياسية، ليس بسبب تمثلها داخل الهيئة، وكلها، من دون شر، لديها مكاتب نقابية وتربوية وما إلى ذلك، إنما بسبب طريقة تعاطيها مع الهيئة ومطالبها وفي مقدمها سلسلة الرتب والرواتب. فتلك القوى، ولاسيما الموجودة في الحكم والحكومة، تعاملت مع الهيئة ومطالبها بوجهين على الأقل. في العلن مع الهيئة والسلسلة إلى حد المزايدة أحياناً، وفي السر ضد السلسلة أو مع تعديلها وتأخير إقرارها والتفاوض في شأن تفاصيلها. وهذا الأمر طبيعي نتيجة علاقات تلك القوى مع «النظام الاقتصادي» اللبناني، ونتيجة الرؤى المختلفة لتلك القوى للاقتصاد والدولة ودورها الاجتماعي وإداراتها ومؤسساتها وللموظف هنا وهناك وكيفية حصوله على وظيفته أولاً وحقوقه فيها ومنها ثانياً. يقول الاقتصادي الدكتور شربل نحاس لـ«السفير»: «ما جرى مع الهيئة يؤكد مجدداً أننا أمام قوى سياسية لا تعبّر إلا عن مصالح المصارف وتجار العقارات وتسعى إلى ضرب أي حراك اجتماعي مستقل. على الهيئة أن تعيد صياغة استراتيجياتها للتصدي لهذه السلطة، بالوسائل التي تراها مناسبة». لا يقل عن ذلك أهمية أن كلا من تلك القوى، أو أعضاءها المرتبطين بهيئة التنسيق على الأقل، في تناقض اجتماعي تمثله الهيئة والعمل النقابي وقيمه من جهة، وسياسي أو مذهبي تمثله القوى السياسية من جهة أخرى. من هنا يفترض حين تُطرح الأسئلة على الهيئة التوجه إلى هؤلاء وأحزابهم وتياراتهم، ولا سيما التي تحدثت بوجهين وناورت على هيئة التنسيق أو فيها. فمآل الأمور لا تتحمل مسؤوليته الهيئة منفردة، خصوصاً إنها بشكل من الأشكال ائتلاف القوى السياسية والاجتماعية. وما قامت به القوى السياسية «أفدح» من سعي الهيئة إلى مطالبها واستخدامها ورقة مقاطعة الامتحانات. فالقوى السياسية هي التي بيدها الحل والربط، وهي التي ناورت واستهلكت الوقت ومصالح المواطنين عموماً والطلاب خصوصاً، وهي التي استخدمت وسائلها الإعلامية، وساهمت في «عزل» هيئة التنسيق. لا يعني ذلك أن الهيئة كانت بأفضل حال شعبياً ومدنياً وسياسياً. فالهيئة بالرغم من وجود القوى السياسية في جسمها إلا أنها سياسياً كانت وحيدة، فتلك القوى لا تشكل حاضنة للعمل النقابي والمطالب الاجتماعية. وبالرغم من أن الهيئة حركة نقابية إلا أنها تعمل في ظل غياب النقابات و«الاتحاد العمالي العام»، ولم يلاقها المجتمع المدني، بالرغم مما تشكله من «رافعة» للعمل النقابي والمدني، وبالرغم من حاجتها وحاجة المجتمع المدني والمجتمع اللبناني عموماً إلى تطوير العمل النقابي والمدني والسياسي أيضاً. ولا يمكن أن يُنسى أبداً أن مكوّنات الهيئة، من موظفي القطاع العام وأساتذة التعليم الرسمي، فئات غير شعبيّة نظراً إلى المحسوبيات والفساد في الإدارات العامة وتراجع مستوى المدرسة الرسمية. وقد نمت في ظل «المواجهة الباردة» بين هيئة التنسيق عموماً والأساتذة خصوصاً وأهالي الطلاب، في فترة مقاطعة الامتحانات، مشاعر غاضبة تشبه الأعشاب البرية بين جارين متخاصمين. هذه الأسباب وغيرها نفّرت كثيرين من المواطنين من الهيئة التي لم «تبخل» القوى السياسية وإعلامها في تصويرها وكأنها تعمل وفق قاعدة «مطالبي أنا ومن بعدي الطوفان». يقول رئيس «رابطة موظفي الدولة» محمود حيدر: «يشكّل غياب الاتحاد العمالي فراغاً كبيراً، تحاول الهيئة تغطية جزء من هذا الفراغ، من دون أن تحل بدلاً منه، خصوصاً أننا موظفون في القطاع العام بينما الاتحاد معني بالقطاع الخاص والعاملين فيه. فالمطلوب من الاتحاد والمجتمع المدني العمل معنا لتحقيق مطالب الهيئة ومن أجل قيام حركة نقابية مستقلة. وهذا لا يكون إلا باستعادة الاتحاد دوره وإعادة النظر بسياساته وهيكليّته للدفاع عمّن يمثّلهم. أما غياب المجتمع المدني فلا يُرضي أحداً ولا جواب عنه». يقول خبير في الشؤون النقابية لـ«السفير»: «اقتصرت معركة الهيئة على تصحيح الأجور، ولم تتجه الهيئة إلى معركة استعادة حق التنظيم وبناء إطار نقابي ديموقراطي مستقل وأوسع. فالهيئة لم تسعَ إلى توسيع معركتها بمخاطبة وتمثيل فئات اجتماعية وعمالية أخرى والربط بين القضايا الاجتماعية، وذلك خوفاً من تهديد وحدتها الداخلية. كذلك لم تلق الهيئة الدعم المناسب من الأطراف التي يفترض منها حمل القضايا الاجتماعية المطلبية، مثل الأحزاب والقوى اليسارية ومنظمات المجتمع المدني. فعُزلت بالكامل، وشُوِّهت صورتها باتهامها أمام المواطنين بالسعي إلى رفع الرسوم والضرائب لتحقيق أهدافها الفئوية». يبدو أن قرار وزير التربية في شأن الإفادات والتصحيح شد العصب النقابي حول السلسلة والهيئة كما هما راهناً. ولعلّه أخر تقييم التجربة بعض الوقت، وجعل المنغمسين في نضال الهيئة وشؤونها الداخليّة، يرون الأمور بإيجابيّة وحماسة، ما دامت المعركة من أجل إقرار السلسلة مستمرّة. يقول حيدر: «الجو الآن ردّة فعل على تدخّل القوى السياسية بالقضية المطلبية للهيئة ومحاولة مصادرتها وشرذمتها. فما فعلته الهيئة في الأيام القليلة الماضية كان مدوّياً وصاعقاً، إذ أكدت وحدتها وتماسكها وقالت إنها صف واحد ولا أحد يصادر قرارها». يتابع: «قلنا للأحزاب ونقولها الآن: عليكم المحافظة على كرامة أعضائكم وحرية عملهم النقابي». وإذ يؤكد حيدر أن لا خوف على وحدة الهيئة واستمرارها «بالرغم من كل شيء»، ويدعو «من يشاء إلى حضور اجتماعاتنا ليشاهد تنوعنا ويسمع أصواتنا العالية المختلفة... وفي آخر الاجتماع نتوصّل إلى رأي واحد. فهذه ظاهرة ديموقراطية حقيقية يجب أن تُعمّم، لا أن تُحارب». وذلك ما يحتفي به النقابي حنّا غريب الذي لا ينفك يؤكد على البعد النقابي في الهيئة، مراهناً على دورها المفصلي والتأسيسي في الحركة النقابية اللبنانية، بالرغم من تركيبة الهيئة الإيجابية والسلبية في آن. «هذا أفضل ما يمكن تحقيقه نقابياً الآن في لبنان الذي دُمرت حياته السياسية والنقابية. والمهم أنه جسر وأرضية للعمل النقابي مستقبلاً»، يقول معني في هيئة التنسيق. في المقابل يرى الخبير في الشؤون النقابية أن الهيئة «لم تتمكن من بناء هيكلية تنظيمية صلبة». ويأخذ الخبير على الهيئة أنها «أخطأت حين سلمت مهمة التفاوض مع وزير التربية والكتل النيابية إلى الرئيس نبيه بري ليفاوض نيابة عنها، ما يضرب جوهر العمل النقابي المستقل». ويرى أن الهيئة «حرصت على التوازنات الطائفية والحزبية داخلها، إلى درجة أنها باتت مكبلة وغير قادرة على استعادة زمام المبادرة. وعلى الهيئة أن تقوم بمراجعة نقدية للفترة الماضية وإعادة هيكلة بنيتها الداخلية بضم فئات عمالية جديدة إلى صفوفها وتغيير استراتيجيات عملها». ويخلص إلى أن «رسالة السلطة عبر قرار إصدار الإفادات، والالتفاف من خلاله على الهيئة، يهدف إلى إحباط أي محاولة تأسيس حراك مطلبي اجتماعي قائم على المصالح والحقوق المشتركة؛ وإلى عدم المساس بالسياسات النقدية والضريبية القائمة مع ما تمثله من مصالح ريعية». وسط ذلك، يلفت حيدر إلى «ضرورة نقل البوصلة من التركيز على معركة الشهادات والتصحيح التي حاولوا من خلالها إرهاقنا وتكبيلنا وتدميرنا وتنسيتنا هدفنا ألا وهو السلسلة، إلى السلسلة نفسها. فهي الهدف، ومعها ما نتحدث عنه من سنوات: «إصلاح النظام الضريبي وتوزيع الثروة، رفض الضرائب على الفقراء وذوي الدخل المحدود ورفض تمويل السلسلة من تلك الفئات وإعفاء الأغنياء والمخالفين».

من هي؟ تضم «هيئة التنسيق النقابية» في عضويتها روابط «أساتذة التعليم الثانوي الرسمي» و«معلمي التعليم الأساسي الرسمي» و«أساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي» و«موظفي الإدارة العامة»، و«نقابة المعلمين»، إضافة إلى «رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الثانوي الرسمي»، التي انضمت قبل نحو عامين إلى الهيئة. ولا يوجد نظام داخلي لعمل الهيئة، بل اجتماعات وتوافق على مواقف تؤخذ بالاجماع. يجمع أعضاء الهيئة مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب التي يستفيد منها القطاعان العام والخاص، والسلك العسكري بكل مكوناته. بدأت أول تحركات الهيئة في العام 1998، بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، وكانت تضم إضافة إلى الروابط المذكورة، «رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية»، إلا أنه بعد حصول أساتذة الجامعة على سلسلة خاصة بهم، انفصلت الرابطة عن الهيئة، في ظل الفارق الكبير في السلسلة، بين أستاذ الجامعة والأستاذ الثانوي، والذي وصل إلى 52 درجة، أي ما يساوي 104 سنوات من العمل في الإدارة أو التعليم.

 

ابراهيم شرارة - السفير

يعود تشارلز دايفس، المولود في ثلاثينيات القرن الماضي إلى بيروت، بعد نحو ست سنوات على زيارته السابقة. في العام 2009، أحيا عازف الـ"ساكسوفون" المخضرم أمسيات موسيقية إلى جانب الفنان زياد الرحباني الذي يصفه النقاد برائد نمط الـ"Be-Bop" في الجاز، في العالم العربي. ومن غودمان حيث ولد على المسيسيبي، من قلب دلتا الـ"بلوز"، إلى شيكاغو التي درس فيها الموسيقى ليصير الـ"ساكسوفون" آلته المعتادة، إلى حيّ هارلم في ستينيات نيويورك، سيكون تشارلز دايفس هنا، في بيروت، في العام 2014، في تجربة تتكرّر اليوم في سهرة "جاز" فريدة، تفتتح سلسلة أمسيات نسمع خلالها مقطوعات موسيقية عالمية، وأخرى من تأليف الرحباني، مثل "إذا بعد في مجال"، "وصّلو عا بيتو"، "كياس وشنط"، "مهووس"، "ما تفل"، وغيرها. يعود دايفس إذاً مع "ساكسوفونه" كهدية آتية من تاريخ لم يتبق لنا منه سوى أيقونات وموسيقى عالقة فوق الزمن: بيلي هوليداي (Billie Holliday)، دينا واشنطن (Dinah Washington)، سان را (Sun Ra)، راي تشارلز (Ray Charles)، هاربي هانكوك (Herbie Hankock)، ديوك النغتون (Duke Ellington)، جون كولتراين (John Coltrane)، إن أردنا أن لا نذكر سواهم من أساطير القرن الماضي الذين رافقهم دايفس وشارك معهم في صناعة العصر الذهبي لـ"الجاز". سجّل دايفس ثماني اسطوانات من تأليفه، فيما ترك صوت "ساكسوفونه" على أكثر من مئة معزوفة من روائع الجاز العالمي. لكن "النجم" الذي يبلغ من العمر الآن 81 عاماً ظلّ "متواضعاً"، يقدّم أمسيات مجانيّة، ويعلّم الطلاب الموسيقى في الـ"نيو سكول أوف ميوزك"، وأيضاً في إحدى مدارس أحياء نيويورك، منذ 25 عاماً. يقول ناقد موسيقي عالمي أن تشارلز دايفس يحنّ إلى الماضي، لكنه لا يعيش فيه. يؤكد ذلك أن الذي لعب إلى جانب بيلي هوليداي في الخمسينيات، شارك مع المخرج السينمائي سبايك لي (Spike Lee) في فيلمه الشهير " Mo’ Better Blues" في التسعينيات. أما آخر ألبوماته، "For the love of Lori"، فصدر في العام الحالي، وفيه ثماني معزوفات مهداة إلى ذكرى زوجته التي توفيت قبل عامين، مستخدماً أحد أسراره في القدرة على تحويل مناسبة حزينة إلى موسيقى جميلة.. بل وفرحة أحياناً. لعب تشارلز دايفس في الـ"بلو نوت" في بيروت قبل 14 عاماً، ويعود اليوم إلى لبنان ليتقاسم المسرح مع زياد الرحباني، الفنان الأكثر بديهية في العالم العربي لمشاركة التجربة مع عازف الـ"ساكسوفون" الذي يحمل سرّ الماضي وجذور الـ"جاز". الليلة إذاً موعد مع الرحباني ودايفس، في أمسية استثنائية تشارك فيها فرقة تتألف من عشرة موسيقيين، في التاسعة والنصف مساء، في "لايت هاوس" (Light House) في أنطلياس، ثم في "Le Maillon" في الأشرفية، في 13 الجاري. أما في 14 و15 الجاري، فسيكون تشارلز دايفس ضيف "بلو نوت" في رأس بيروت.

السفير

أرسلت إحدى هيئات المجتمع المدني اللبناني الى مجلس النواب 128 حبة بندورة بعدد النواب، موضبة كل واحدة منها بعلبة، في تعبير عن رفض خيار التمديد، فاتصل الأمين العام للمجلس عدنان ضاهر برئيس مجلس النواب نبيه بري، وسأله عما يفعل بها، فأجابه بأن يوزع الدرّاج حبات البندورة على النواب، لكنه تمنى عليه قبل ذلك إرسالها الى مقر رئاسة المجلس في عين التينة لكي يلقي نظرة عليها. وصلت العلب ووصل معها وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي كان قد طلب موعداً للقاء بري قبل عودة الرئيس سعد الحريري الى بيروت، وعندما كانا يناقشان سوية موضوع دعوة الهيئات الناخبة واحتمالات التمديد، طلب بري من أحد مرافقيه الإتيان بعلبة وزير الداخلية الذي استغلها مناسبة لتبادل النكات، علماً أنه لطالما عبّر علناً عن موقفه المؤيد لاستئناف التشريع ورفض إقفال مجلس النواب. ولدى خروج وزير الداخلية، قال له أحد الصحافيين بـ«غمزة» من بري إن الهيئات المدنية تحضّر نفسها لـ«البندورة»، فقال المشنوق: شاهدت لدى الرئيس بري علبة «بندورة»، انها فكرة طريفة في كل الأحوال، وهذا حقهم في التعبير السياسي والمدني. أما قرار التمديد أو عدمه فهذا يعود الى السلطة السياسية ومجلس الوزراء مجتمعاً وبعدها في مجلس النواب. وأضاف المشنوق «أبلغت الرئيس بري عن المرسوم الذي وقعته وقدمته الى مجلس الوزراء حول دعوة الهيئات الناخبة ونشر لوائح المرسوم في 14 الجاري للانتخابات النيابية في موعدها المحدد، باعتبار أن هذا نص قانوني لا يمكن تجاوزه». وعن تقديره للوضع الأمني بالنسبة الى الانتخابات النيابية، قال وزير الداخلية: «بتقديري المبدئي أن الوضع الامني لا يسمح بإجراء الانتخابات في موعدها في تشرين الثاني المقبل، وكلنا يرى ويعيش ما يجري من حريق في المنطقة يمتد الى لبنان». تجدر الاشارة الى ان ناشطين في المجتمع المدني كانوا قد قذفوا صور النواب وسياراتهم بالبندورة احتجاجا على التمديد في المرة السابقة في ربيع العام 2013. ومن زوار بري، السفير الفلسطيني في لبنان أشرف دبور الذي جدد تأكيد الموقف الفلسطيني الملتزم بأمن لبنان واستقراره، ثم رئيس «الرابطة السريانية» حبيب افرام.

تنشغل دوائر وزارة التربية في التحضير لتنفيذ قرار وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب القاضي بإعطاء إفادات نجاح لطلاب شهادتي المتوسطة والثانوية العامة بفروعها الأربعة، في وقت واصلت «هيئة التنسيق النقابية تحركها في اتجاه الكتل النيابية لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، ورفضا لإعطاء إفادات نجاح، والتقت أمس رئيس تيار «المرده» النائب سليمان فرنجية، الذي أبلغ الوفد رفضه لموضوع الإفادات، مطالبا بضرورة التريث في انتظار استكمال المفاوضات بين الوزير وهيئة التنسيق. ورأت مصادر نقابية في قرار مجلس الوزراء فرصة جديدة لإعادة الحوار مع هيئة التنسيق، إلا أن أفقها بات واضحاً لجهة استمرار الهيئة في مقاطعة الامتحانات. يشار إلى أن مجلس الوزراء قرر تفويض وزير التربية والتعليم العالي «متابعة مسألة تصحيح الامتحانات الرسمية، سعياً لإنقاذ العام الدراسي من أجل تأمين دخول الطلاب إلى الجامعات واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لذلك بما فيها إعطاء إفادات». وتحفظ بو صعب في اتصال مع «السفير» عن الخوض في تفاصيل قرار مجلس الوزراء، أو ما ينوي القيام به. وعلم أن الوزير بصدد عقد اجتماع آخر مع المكاتب التربوية للأحزاب والقوى اللبنانية، قبل ظهر اليوم، في محاولة أخيرة للضغط على هيئة التنسيق للتراجع عن مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية، ووضع الأمور في نصابها، وتحميل الجميع مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. ووصفت مصادر حزبية أن وسيلة الضغط هذه لم تعد تنفع، خصوصا أن الوزير اتخذ قراره، مدعوما بتفويض من مجلس الوزراء، وأن الأمور أقفلت على إعطاء الإفادات، في ظل موقف هيئة التنسيق، وعدم القدرة على التراجع عن المقاطعة، قبل تحقيق مطالبها بالسلسلة، والذي وصفته بـ«مثابة مطالبة الهيئة بالانتحار وبإنهاء دورها النقابي والوطني الجامع والموحد». أي إفادة؟ تتابع مصادر نقابية وأكاديمية ما سيصدر عن وزير التربية من قرار، يتعلق بإعطاء إفادات نجاح، خصوصاً بعدما أعلن في مؤتمره الصحافي عقب فشل المفاوضات أمس الأول أنه سيعطي إفادات نجاح لطلاب شهادتي المتوسطة والثانوية العامة، من دون أن يحدد كيف، ومن يستحق الإفادة. وسألت المصادر، هل ستكون الإفادة من نصيب جميع المرشحين الذين تقدموا بطلبات للامتحانات الرسمية الأكاديمية والمهنية، أم أنها فقط لطلاب الشهادة الأكاديمية، أم أنها للمشتركين في الامتحانات؟ وما مصير من لم يشارك في الدورة الأولى؟ وما مصير من شارك في الامتحانات ولم يتابعها لظروف خاصة (مرض، حادث، أو بسبب وفاة أحد الأقرباء)؟ وما مصير من أقصته اللجان الفاحصة عن الامتحانات بسبب الغش؟ تضيف المصادر: «ليس سهلاً إصدار قرار، كونه يحتمل كثيراً من التأويلات، خصوصاً أنه قابل للطعن فيه وبسهولة من جانب أي متضرر». وتكشف أن «البحث يتركز على قرار يسد جميع الثغرات، ويكون منصفاً للطلاب». في المقابل، ترى مصادر أكاديمية، أن لا ضرورة في الاستعجال وإعطاء إفادات نجاح لتلامذة الشهادة المتوسطة، خصوصاً أن موعد بدء العام الدراسي ما زال مبكراً، وهناك فترة شهرين (آب وأيلول)، علماً أن بدء العام الدراسي يكون من منتصف تشرين الأول، وحتى ذلك التاريخ، يتسع الوقت لمعاودة الاتصالات حول السلسلة، والعودة عن مقاطعة التصحيح. وترجح المصادر بخصوص طلاب الثانوية العامة، حصر الإفادات بـ«إفادة إنهاء العام الدراسي، لسهولة اعتمادها في الخارج والدخول إلى الجامعات، خصوصاً أن تلك الجامعات تعتمد على علامات الدراسة في السنوات الثلاث التي تسبق شهادة الثانوية العامة، وليس فقط الشهادة الرسمية، وبانتظار انتهاء العام الدراسي في الخارج، إما يكون الطالب قد نجح فيتابع دراسته في شكل طبيعي، وإما يعود أدراجه، كما أن الحلول تكون قد ظهرت، فإما عودة عن المقاطعة والتصحيح، وإما إفادة نجاح». وترى المصادر أن الحل بالنسبة للطلاب الذين يريدون متابعة الدراسة في الداخل متشابه، مع فارق ضرورة التريث، طالما أن الوقت ما زال متاحا حتى نهاية أيلول المقبل، مع الأخذ بعين الإعتبار الحال النفسية للطلاب، من خلال طمأنتهم على مصيرهم، عبر الإفادات، ولكن من دون الحصول عليها حاليا. وفي الجانب المتعلق بالتعليم المهني والتقني، وفي اتصال مع المدير العام أحمد دياب، قال لـ«السفير»: «القرار عند وزير التربية، وحتى الآن لم يحصل أي نقاش جدي في الموضوع». وترى مصادر أكاديمية ونقابية في التعليم المهني والتقني، أن وضع التعليم المهني يختلف عن التعليم الأكاديمي، خصوصا أن طلاب هذا الاختصاص يخضعون لامتحانات عملية قبل النظرية، ومن نجح تابع امتحاناته، ومن رسب لم يحق له المشاركة في الامتحانات الخطية. وتعتبر أنه من الصعب السير بموضوع الإفادات في التعليم المهني، خصوصا أنه لا توجد ظروف استثنائية، فطلاب «البريفيه» مهني، يذهبون إلى BT مهني، ومن درس LT يذهب إلى العمل، والقليل منهم من يذهب إلى الجامعة لمتابعة الدراسة، علما أن من يريد الدخول إلى الجامعة يجب أن يكون معدل علاماته فوق 12 على عشرين. وتتشابه أسئلة المصادر في الشق الأكاديمي مع التقني والمهني، مؤكدة أن إفادة النجاح في المهني لا قيمة لها في سوق العمل. «التنسيق» عند فرنجية دعا النائب سليمان فرنجية أمام وفد هيئة التنسيق الذي زاره أمس في بنشعي، إلى «استنفاد مهلة المفاوضات حتى اليوم الأخير الذي يسبق جلسة مجلس النواب المقررة في الرابع عشر من آب، والوصول الى اتفاق يؤدي الى حلحلة الأمور». وأشار رئيس «رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي» حنا غريب لـ«السفير» أن فرنجية كان واضحا في موقفه لجهة رفضه إفادات النجاح، ونقل عنه وعده بالتكلم مع العماد ميشال عون في هذا الخصوص. وقال: «بات لدينا مشكلتان: الأولى تتعلق بموضوع السلسلة، والثانية بمصير الشهادة الرسمية، وعلى جميع المسؤولين تحمل مسؤولياتهم بدل التهرب منها». وأوضح نقيب «المعلمين في المدارس الخاصة» نعمه محفوض، لـ«السفير» بأن اللقاء كان صريحا مع فرنجية. وبالنسبة إلى قرار بو صعب، قال: «ظهر من هو الحريص على الشهادة الرسمية، ومن هو حريص على الطلاب ومستقبلهم، والحرص يكون بشهادة رسمية وليس بورقة لا تضر ولا تفيد، وسنتحمل تداعياتها سنوات طويلة». وكان لقاء وفد هيئة التنسيق مع فرنجية استمر نحو ساعة بحضور مسؤولين تربويين عن «تيار المردة»، وأكد فرنجية ضرورة التريث في إعطاء الإفادات، مؤكداً تفهّمه موقف وزير التربية، موضحا أن إعطاء الإفادات هو «قرار من وزير نتفهم موقفه إنّما ليس هذا بقرار من مجلس الوزراء، داعياً الى المزيد من التواصل كون هيئة التنسيق تهتم أيضا بمصلحة الطلاب». بعد اللقاء قال محفوض: «اتفقنا مع فرنجية على أن أي حلّ يجب أن يضمن حقوق المعلمين من جهة، وحقوق الطلاب في الشهادات». أضاف: «نحن ضد الإفادات ونعتبر أن الإفادات هي ضربة للتربية والتعليم في البلد، ولهيئة التنسيق، ونكرر نحن حريصون على الشهادة اللبنانية كما نحرص على السلسلة، وفرنجية سيبذل جهدا استثنائيا مع الكتل السياسية، وفي مجلس الوزراء، كي يصار الى حل سريع خلال عشرة أيام». تعقد «لجنة طلاب الشهادات الرسمية» مؤتمرًا صحافيًا في مقر «اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني» ـ مار الياس، عند الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم، لشرح موقفها من قرار إعطاء الإفادات. عماد الزغبي - السفير

حلمي موسى - السفير

لا يشكّل قرار وقف حرب «الجرف الصامد» على غزة نهاية سعيدة في نظر الإسرائيليين، خصوصاً في الحكومة الأشدّ يمينية في تاريخ إسرائيل، ولا حتى في نظر الجمهور الإسرائيلي الطامح إلى الحفاظ على صورة «الجيش الذي لا يُقهر» و«القادر دوماً على هزيمة العدو». ويعتقد معلّقون أن جانباً من انعدام الخيار، أو محدوديته، أمام إسرائيل، كان يكمن في حقيقة أن الحكومة الحالية هي الأشدّ تمسكاً بالحفاظ على الوضع القائم، والأشدّ خوفاً من التغيير في أي اتجاه، تقدماً أو تراجعاً. ومع ذلك فإن السيناريوهات التي عرضت أمام الحكومة الإسرائيلية لإقناعها بعدم اللجوء إلى فكرة إعادة احتلال القطاع لحسم المعركة كانت بالغة الأهمية في تحديد النهاية الحالية، لأنها حذرت من مئات القتلى الإسرائيليين ومن سنوات قتال. وكشفت صحيفة «هآرتس» والقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي النقاب عن أنه في إحدى جلسات المجلس الوزاري المصغر، التي عقدت أثناء الحرب البرية على غزة، عرضت قيادة الجيش على الوزراء خطة عملانية لاحتلال القطاع. ووصفت الصحيفة هذه الخطة بأنها أُعدّت لأن تكون، على حد وصف وزراء كبار، «سيناريو الرعب». وقال هؤلاء الوزراء إن السيناريو تم عرضه بناء على طلب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي أراد من ورائه إقناع الوزراء برفض تنفيذ أي عملية من هذا النوع. ومعروف أن وزراء مثل وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ووزير الاقتصاد نفتالي بينت، وكل منهما يرأس حزباً ائتلافياً مهماً، ووزير الاستخبارات من الليكود يوفال شتاينتس، دعوا مراراً إلى ترك الجيش الإسرائيلي يسيطر تماماً على القطاع، ويطيح بسيطرة «حماس» هناك. كما أن الوزير السابق للجبهة الداخلية جلعاد أردان تحدث مراراً في اجتماعات المجلس الوزاري المصغر مؤيداً احتلال القطاع. وتشير «هآرتس» إلى أنه ربما على هذه الخلفية قرر نتنياهو عقد جلسة تداول، وصفها أعضاء في المجلس المصغر على أنها «جلسة تخويف». وقال أحد الوزراء ممن حضروا الجلسة أنها استمرّت أربع ساعات، وحضرتها سلسلة طويلة من قادة الجيش و«الشاباك». وبحسب صورة الاستخبارات، التي تمّ عرضها أمام الوزراء، فإن كل بيت في المدن الكبرى في القطاع مفخّخ، كما أن شوارع بأكملها مفخخة، وأن عبوات ناسفة تنتظر القوات. وقال آخر «لقد وصفوا لنا في الجلسة سيناريوهات تبدو وكأنها مأخوذة من الحرب العالمية الثانية، وكان واضحاً أن هذه الجلسة معدّة لإزاحة فكرة احتلال غزة عن جدول الأعمال، وبعد ذلك بأيام ظهرت في وسائل الإعلام تقارير تتحدث عن أن كل الوزراء صوتوا ضد احتلال القطاع، وكان واضحاً للجميع أن ديوان رئاسة الحكومة يقف خلف هذه الأنباء». وبحسب ما عرضت القناة الثانية، فإن احتلال غزة يكلف مئات القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى اختطاف جنود إسرائيليين أحياء وجثث، فضلاً عن مقتل آلاف من الفلسطينيين الأبرياء. وأشارت القناة إلى أن الجيش قدّم عرضه مبيناً أن عملية تطهير غزة من عشرات ألوف قطع السلاح والمواد المتفجرة والصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ بمختلف أنواعها، ومن عشرين ألفاً من المقاتلين، يتطلّب ما لا يقلّ عن خمس سنوات. وحسب «هآرتس» فإن التقديرات التي عرضت في الجلسة نفسها تحدثت عن أن احتلال قطاع غزة بأسره يحتاج إلى شهور عدة. وحسب التقديرات يتطلّب الأمر سنوات عدة «لتطهير» المنطقة من الوسائل القتالية، ومن نشطاء «الإرهاب»، على شاكلة ما جرى في الضفة الغربية أثناء عملية «السور الواقي». ونقلت الصحيفة عن وزير حضر الجلسة أن عدد الإصابات التي عرضها التقرير كانت مئات القتلى في صفوف جنود الجيش الإسرائيلي أثناء مرحلة احتلال القطاع. وأوضحت القناة الثانية أن العرض الأمني تحدّث عن حاجة إسرائيل لسنوات كثيرة لإعادة بناء سيطرة استخبارية فعلية في القطاع، وأنه إلى حين تجسيد هذه السيطرة ستسود فوضى مطلقة، وسيلقى آلاف الفلسطينيين مصرعهم أثناء عمليتي الاحتلال والتطهير. وبحسب الضابط، الذي قدم العرض، فإنه في وضع كهذا «سنشتاق لجنوب لبنان». وفضلاً عن ذلك عرض ضباط الجيش على الوزراء العواقب المدنية والإنسانية للخطوة، مشددين على أن المسؤولية عن معالجة أمور وتوفير الخدمات لسكان القطاع ستقع على كاهل دولة إسرائيل، وأن تكلفة ذلك ستبلغ مليارات الشواكل. ونقلت «هآرتس» عن أحد الوزراء ممن حضروا الجلسة قوله «كان العرض مغرضاً تماماً، وأعدّ لدفعنا للتفكير بأنه محظور حتى أن يخطر بالبال أمر كهذا. كل الوزراء من دون استثناء أبدوا استغرابهم، بل إن قسماً من الوزراء قدموا ملاحظات للضباط بأن هذا عرض مخجل». وأشارت القناة الثانية إلى أن ثالثة الأثافي هي في الميدان السياسي، حيث أن احتلال غزة قد يشكل خطراً فعلياً على معاهدات السلام مع مصر والأردن، فضلاً عن التظاهرات التي ستحدث في الضفة الغربية ومناطق الـ 48. وقدّر الجيش تكلفة هذه العملية بحوالي 10 مليار شيكل، وهي تكلفة ستزداد إلى 15 مليار شيكل، إذا أضيفت لها تكلفة إعادة إعمار غزة. وأشار أحد الوزراء الحاضرين في الجلسة إلى أن رئيس الحكومة طلب في نهاية النقاش إجراء تصويت في هذا الشأن، وسأل إن كان أي من الوزراء يؤيّد مثل هذه العملية. وتحفّظ الوزراء على إجراء تصويت ولم يرد أحد على سؤاله. نتنياهو رأى في رد فعل الوزراء تأكيد على أنهم لا يؤيدون خطوة كهذه. وكان ضابط رفيع المستوى أعلن أن بوسع الجيش «احتلال غزة خلال عشرة أيام، لكن تدمير حماس يحتاج إلى عامين». ويقول وزراء إن القسم الأول من العبارة السابقة لم يعرض على الحكومة، وأن الانطباع كان أن الجنرالات يريدون العودة بسلام إلى بيوتهم. ورفض الجيش اتهامات بعض الوزراء بـ«تضخيم المعطيات»، كما رفض الاتهامات له بأنه «غير تواق لخوض المعركة». وأشار وزير إلى أنه «عادة في الحروب يصادق المستوى السياسي على 50 في المئة مما يعرضه الجيش، لكننا هنا صادقنا على 120 في المئة. ومنذ اليوم الأول كان لدينا شعور بأن الجيش بحاجة إلى من يحثه على العمل». وأعرب نتنياهو، في مؤتمر صحافي أمس، عن رغبته في أن تضطلع السلطة الفلسطينية بدور في إعادة إعمار غزة، معتبراً أن الحرب «كانت مبررة ومتناسبة». إلى ذلك، نقل وسطاء مصريون في القاهرة المطالب الإسرائيلية إلى المفاوضين الفلسطينيين، في القاهرة، في إطار المحادثات التي تهدف إلى إحلال هدنة دائمة في غزة، فيما أعلن الاحتلال موافقته على تمديد الهدنة إلى ما بعد غد الجمعة. وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري في مؤتمر صحافي «إن مسألة المعابر سيتم طرحها، ودخول المواد الإنسانية الأساسية (ومواد) لإعمار غزة». وأضاف «أنها من المسائل الرئيسية التي سيتم بحثها أثناء المفاوضات بعد سنوات من معاناة الشعب الفلسطيني».

اتخذ وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب قراره المعلن سابقاً، بإعطاء إفادات نجاح لأكثر من مئة ألف طالب وتلميذ من المرشحين لشهادتي المتوسطة والثانوية العامة بفروعها الأربعة، إضافة إلى طلاب الطلبات الحرة. وردت «هيئة التنسيق النقابية» على موقف وزير التربية بدعوته «إلى عدم الانزلاق إلى أي قرار غير تربوي، لان انعكاساته السلبية على التربية ولسنوات مقبلة سيكون كارثياً إلى أبعد الحدود». وباسم الهيئة دعا حنا غريب وزير التربية إلى الابتعاد عن الملف، وقال: «اعمل معروفاً وزيح من الطريق، الموضوع ليس عندك، والقضية عالقة في مجلس النواب وعلى الكتل النيابية تحمل المسؤولية، وإذا كنت غير قادر على الجمل فلا تستقوي على الجمّال». وبعد تبلغه موقف المكاتب التربوية للأحزاب إثر اجتماعها مع هيئة التنسيق، بأنها تقف موحدة خلف الهيئة في قرارها الرافض للإفادات، عقد وزير التربية مؤتمراً صحافياً أعلن فيه قراره بإعطاء إفادات نجاح لجميع الطلاب المرشحين للامتحانات الرسمية، مشيراً إلى أنه علق العمل بالإفادات 48 ساعة و«إذا ارتأيت حلا أفضل أتراجع عن قراري». ولفت إلى أنه سيطلع مجلس الوزراء على القرار، و«حتى لا يغش أحد.. هذا قرار وزير ولا يحتاج إلى مجلس الوزراء»، مشيراً إلى أنه «أخطأ حين قال إنه لن يعطي إفادات وكان يحاول إعطاء ورقة قوية لهيئة التنسيق لكن الوضع مقفل والأجواء لا توحي بسلسلة قريباً». ولفت بو صعب إلى أن «هيئة التنسيق مصرة على موقفها رفضها التصحيح قبل إقرار السلسلة»، مشدداً على أنه «كان منذ اليوم الاول مع مطالب هيئة التنسيق واعتبرناها محقة»، موضحاً أنه «عندما اختلف مع الهيئة كان ذلك لارتباط الموضوع بمستقبل الطلاب». وأشار بو صعب إلى أنه «يشد على يد الاساتذة ويد هيئة التنسيق ونقول من شرب النهر لا يغص بالساقية والعمل النضالي لن ينتهي للمطالبة بالسلسلة»، مشدداً على أن «لا أحد لديه الحق بأن يأخذ سنة من عمر الطلاب، وأعترف بأن للقرار سلبيات كثيرة»، مشبّهاً قراره بما حصل في فترة الحرب. وعلى الأثر تداعت هيئة التنسيق إلى اجتماع عاجل، تباحثت فيه بقرار الوزير، وتحدث غريب باسم المجتمعين، عارضاً لنتائج اجتماع المكاتب التربوية الرافض بالإجماع للإفادات، وتوجه إلى أهالي الطلاب مذكراً بما حصل عشية توصية هيئة التنسيق بمقاطعة الامتحانات، والاجتماعات المتواصلة التي عقدت مع الوزير، بحضور النائب علي بزي ورئيس المكتب التربوي المركزي في «حركة أمل» د. حسن زين الدين، ومطالبته الهيئة السير بالامتحانات ومقاطعة التصحيح حتى إقرار السلسلة، وتأكيده أنه لن يضغط على الهيئة وقوله: «أدعمكم وأؤيدكم ولن أعطي إفادات حتى تقر السلسلة». أضاف غريب: «نشكر الوزير على الاعتراف بالخطأ، لكن الرجوع عن الخطأ له ثمن، فبدل أن يقول إنه سيعطي إفادات، عليه القول ابحثوا عن وزير غيري». وطلب غريب من مجلس الوزراء وضع حد نهائي لموضوع الإفادات، ووقف هذا الإجراء غير التربوي الذي يمس بسمعة الشهادة الرسمية. وتمنى على رئيسة لجنة التربية النيابية التدخل لإنهاء موضوع السلسلة، «لما نعرفه عنها من مواقف داعمة تاريخيا». وأكد أن هيئة التنسيق لن تتراجع عن موقفها «لأنهم يريدون ضرب الهيئة من خلال التراجع مرة ثالثة ورابعة من دون أي مكسب مادي وهو حق طبيعي لكل موظف ومعلم وعسكري». وقال: «يهاجمون هيئة التنسيق لأنها تدافع عن حقوق الموظفين والمعلمين، والجيش لأنه يدافع عن وحدة البلد من خلال حرمانهم من أبسط الحقوق». وكانت النائبة بهية الحريري قد أجرت اتصالاً هاتفياً بغريب قبيل موقف الهيئة، وتمنت عليه ومن خلاله على هيئة التنسيق «الوقوف وقفة مسؤولة تجاه الوطن وأبنائه في ظل هذه الظروف الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والأخطار التي يتعرض لها، وذلك بالعودة عن قرار مقاطعة تصحيح مسابقات الامتحانات الرسمية». ووعدت الحريري غريب وعبره هيئة التنسيق بأنها «ستكون كما عهدوها دائما إلى جانب قضاياهم ومطالبهم وستسعى جاهدة مع المعنيين من أجل تحقيقها». وأبلغ غريب الحريري أنه سينقل «تمنياتها هذه إلى هيئة التنسيق لاتخاذ ما تراه مناسباً». وقال لـ«السفير»: «قلت لها، عملنا ما طلب منا، وأنا أطلب منك الضغط وعمل الاتصالات وعقد جلسة لإقرار السلسلة». ولفت نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمه محفوض، إلى أن «حق الطلاب والأهل موجود لدى الدولة اللبنانية»، موضحاً لـ«السفير» أن «قرار وزير التربية بإعطاء إفادات، يضرب المسار التعليمي». وشدد على أن «إعطاء الإفادات يشكل خطراً محدقاً في المؤسسات التربوية والتعليمية»، مؤكداً «حق الطلاب بإعطائهم شهادات محترمة بناء على سعيهم وجهودهم طوال العام الدراسي». المكاتب التربوية ترفض عقدت المكاتب التربوية للأحزاب اجتماعاً مع هيئة التنسيق، شارك فيه ممثلون عن تيار المستقبل، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حزب الله، حزب الوطنيين الأحرار، حركة الشعب، حركة اليسار الديموقراطي، حركة أمل، المؤتمر الشعبي اللبناني، الحزب الشيوعي اللبناني، تيار المردة، الحزب التقدمي الاشتراكي، التيار الوطني الحر، حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب. بعد النقاش، قررت المكاتب مجتمعة «التأكيد على إقرار سلسلة الرتب والرواتب وفق مذكرة هيئة التنسيق، ودعوة الكتل النيابية الى حضور جلسة لمجلس النواب لهذا الغرض، ليتسنى لرئيس مجلس النواب دعوة المجلس لعقد جلسة لاستكمال النقاش في شأن السلسلة وإقرارها». وأعلنت التزامها المواقف التي تتخذها هيئة التنسيق بما فيها «مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية وتحميل الكتل النيابية التي تعرقل إقرار السلسلة، المسؤولية المعنوية والمادية لاضطرار هيئة التنسيق الى تنفيذ مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية». وحذرت من «اعتماد الإفادات أو أي صيغة بديلة من الشهادة الرسمية باعتبار ذلك خطوة لا تربوية تفقد الشهادة الرسمية مصداقيتها في الداخل والخارج». وأوضح ممثل «التقدمي» سمير نجم أن موقف الحزب واضح لجهة تأييد هيئة التنسيق، لكن «إذا اتخذ الوزير قراره فلن نعارضه». ولفت عميد التربية والشباب في «القومي»، عبد الباسط عباس الى أنه سيطرح على الوزير أن يتم تشكيل وفد من المكاتب التربوية لزيارة الكتل النيابية، لوضعها في الصورة النهائية للاجتماعات، ودعوتها للنزول إلى مجلس النواب لإقرار السلسلة. وقال: «لا يمكن أن يكون موقفي رافضاً للإفادات، وموقف قيادة الحزب أمر آخر». وأكد مندوب المكتب التربوي في «أمل» فاروق الحركة أن «موقف الحركة واضح ولن يكون خنجراً في ظهر هيئة التنسيق، ولا غطاء للوزير، ونتمسك بالشهادة الرسمية، لأنها تمثل الهوية والكرامة». وأعلن ممثل التعبئة التربوية في «حزب الله» يوسف زلغوط الرفض المطلق للإفادات بكل أشكالها وألوانها، مؤيداً موقف هيئة التنسيق في كل خطواتها، والوقوف خلفها. وشددت علاء شرف الدين من «حركة الشعب» على ضرورة الوقوف في وجه قرار إعطاء الإفادات، وأكدت الوقوف إلى جانب هيئة التنسيق في الاستمرار في مقاطعة تصحيح الامتحانات حتى إقرار السلسلة. وعقدت هيئة التنسيق اجتماعاً، حيّت فيه مواقف المكاتب الرافض بالإجماع أي نوع من الإفادات كبديل من الشهادة الرسمية، والداعي إلى إقرار السلسلة من دون تأخير. ورأت في تكرار إعلان وزير التربية، وغيره من المسؤولين ورؤساء الكتل النيابية، أن لا إقرار للسلسلة قريباً ولا اجتماعات لمجلس النواب، ومطالبة الهيئة بالتراجع عن مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية، هو «بمثابة مطالبة الهيئة بالانتحار وبإنهاء دورها النقابي والوطني الجامع والموحد». وأكدت أن لا مجال للتراجع قبل إقرار السلسلة، و«على الذين يعطلون إقرار السلسلة تقع مسؤولية إطالة أمد مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية». عماد الزغبي - السفير

حلمي موسى -السفير

مع دخول الحرب الإسرائيلية على غزة أسبوعها الخامس، ليس في الدولة العبرية حتى الآن إجابة عن السؤال البسيط: هل انتهت الحرب أم أنها جارية ومتى ستنتهي؟ ورغم شدة النيران غير المسبوقة التي أصلت بها إسرائيل مدن قطاع غزة وقراه ومخيماته، فإن أياً من أهداف العدوان لم يتحقق. فلا الهدوء، في نظر الإسرائيليين، عاد ليس إلى مستوطنات غلاف غزة بل أيضا إلى منطقة تل أبيب الكبرى، وتقريبا إلى كل مكان في الكيان، ولا تآكلت إرادة القتال عند المقاومة. فيوم أمس، الذي أعلنته إسرائيل هدنة إنسانية من طرف واحد، وقتلت فيه عائلات بأكملها، شهد إطلاق ما لا يقل عن 80 صاروخاً حتى ساعات المساء. ورغم أن إسرائيل أعلنت متلعثمةً عن نهاية العملية البرية، وقالت إن قواتها خرجت من معظم مناطق الحدود في القطاع، عدا منطقة رفح حيث لا تزال تبحث عن أنفاق، لا يجد الجيش سبيلا لإعلان انتصار. فوزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون، وقائد الجبهة الجنوبية الجنرال سامي ترجمان، لم يجدا على لسانيهما كلاماً يضمن لمستوطني الجنوب العودة، سوى التأكيد أن بوسع إسرائيل الرد على كل الهجمات. وأكدا أنه ليس هناك ضمانة مئة في المئة ألا تسقط عليهم الصواريخ، أو ألا تصل إليهم أنفاق أو هجمات. وبدا للكثيرين أن المخرج الوحيد من الوضع الراهن هو الاتفاق على وقف إطلاق النار. ورغم أن إسرائيل أعلنت رسمياً أنها لن تفاوض "حماس"، ولن تفاوض على وقف النار وأنها باتت حرة من الانجرار خلف الحركة، إلا أنها تبذل جهوداً جبارة للتوصل إلى ترتيب لوقف النار. فالجميع في إسرائيل يعلم أنه من دون ترتيب وقف النار، ومن دون توافر قدرة على ردع الفصائل الفلسطينية في غزة، فإن البديل هو "حرب استنزاف". وهذا ما ترفضه غالبية القوى الإسرائيلية التي تراهن على أن استمرار الوضع الراهن كفيل بأن يغرق إسرائيل في وضع اقتصادي واجتماعي بالغ الصعوبة. ولهذا السبب يجد قلة من المتطرفين أنه ليس أمام إسرائيل سوى العودة إلى احتلال قطاع غزة، وذلك لتجنب البقاء تحت رحمة صواريخ "حماس" إذا استمر القتال، أو تحت رحمة إملاءاتها إذا تم التوصل إلى اتفاق. ولكن هذه القلة لا تجد آذاناً صاغية، لا في الجيش ولا حتى في الكابينت الإسرائيلي الذي اتخذ قراراً بالإجماع يوم الأربعاء الماضي بالخروج من غزة والبحث عن سبل أخرى. وكان المبرر الأكبر الذي عرضته إسرائيل أمام جمهورها لإنهاء العملية البرية هو ادعاء أن الثمن الذي دفعه القطاع باهظ جدا، وأن "حماس" تلقت درساً لن تنساه، وأن الإنجازات عظيمة وغير مسبوقة. وإضافة إلى ذلك تبرر القرار بوجود ضغوط دولية متعاظمة بسبب أعداد الضحايا المدنيين في القطاع (ارتفع عدد الشهداء إلى 1865 فلسطينيا، والجرحى إلى 9400) والأزمة الإنسانية الوشيكة، جراء تشريد حوالي نصف مليون من بيوتهم، وشبه انهيار منظومات الصحة والكهرباء والماء، ما يهدد بانتشار أوبئة. لكن الكل يعرف أن هذا ليس سبب قرار إسرائيل، التي واصلت سياسة القضاء على عائلات بكاملها، كما حدث أمس مع عائلة البكري في مخيم الشاطئ في غزة. تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل، رغم إعلانها هدنة من طرف واحد، فقد انتهكتها مرات عدة، وسارعت فور انتهائها الساعة الخامسة من بعد ظهر أمس إلى شن المزيد من الغارات. وأشار المراسل العسكري للقناة العاشرة ألون بن دافيد إلى أنه من المقرر أن يدمر الجيش ليلة أمس آخر نفق يعرفه في رفح، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية من هناك. وقال إن انسحاب القوات من شمال القطاع ووسطه قلص تقليصاً حاداً الاحتكاك الميداني مع مقاتلي "حماس" لكن لم يقلص إطلاق الصواريخ. عموماً إسرائيل تريد وقف النار، وبديهي أن السبيل الأبرز لذلك هو إشراك الولايات المتحدة، رغم كل الانتقادات، في الجهد الداعي لوقف القتال والبحث عن مخارج. وهناك محاولة إسرائيلية للاستفادة من التحالف العربي القائم ضد جماعة "الإخوان المسلمين" في المنطقة. ولذلك هناك عودة إلى المبادرة المصرية مع تعديلات تحاول، حتى أميركا، إدخالها عليها. وليس صدفة أنه قبل ساعات من إشارة مصادر فلسطينية ومسؤول مصري إلى قرب إعلان القاهرة مبادرة لوقف النار لمدة 72 ساعة، كان التلفزيون الإسرائيلي يتحدث عن عودة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى مبادرته التي كان قد أعلنها مع الأمم المتحدة لهدنة إنسانية لمدة 72 ساعة. وثمة اعتقاد أن ما أفشل تلك الهدنة التي أعلنت الجمعة الماضي ليس أسر الضابط الإسرائيلي هدار جولدن، بل وجود الجيش الإسرائيلي في غزة. لهذا السبب يعتقد أن الجيش الإسرائيلي سيسحب ما تبقى من قواته داخل القطاع، بحيث يمنع أي احتكاك ويسهل تنفيذ الهدنة الجديدة. وأعلن مسؤول مصري أن إسرائيل والفلسطينيين اتفقا على تهدئة في غزة لـ72 ساعة، على أن تبدأ الهدنة اعتباراً من الساعة الثامنة صباحاً. وهناك تأكيدات أن كل ما يجري في القاهرة يتم بعلم واطلاع الجهات الإسرائيلية، التي، حسب التلفزيون الإسرائيلي، "تجلس على حقائبها بانتظار مكالمة من القاهرة". وأشار المسؤول المصري إلى انه تم دعوة وفود إسرائيلية وفلسطينية إلى القاهرة لإجراء محادثات بشأن وقف إطلاق نار دائم في غزة. ومعروف أن الموقف الذي أعلنته الحكومة الإسرائيلية عن عدم إرسال وفد إلى القاهرة أثار انتقادات واسعة في أوساط الخبراء، واعتبر مجرد حالة نزق أكثر مما هي موقف سياسي. فإذا كانت إسرائيل تريد تسوية في غزة فإن الطرف الوحيد الذي يمكنها إبرام التسوية معه هو "حماس" والمقاومة. وقال خبراء إسرائيليون إن السلطة الفلسطينية في المفاوضات الجارية في القاهرة ليست أكثر من ورقة تين لتسهل على الأطراف المعادية لحركة "حماس" التفاوض معها. ومعروف أن منظمة التحرير شكلت وفداً، ضم عزام الأحمد رئيساً وماجد فرج وممثلين عن "حماس" و"الجهاد الإسلامي" والجبهتين "الشعبية" والديموقراطية" للتفاوض حول وقف النار. واتفقت هذه الفصائل على ورقة موحدة تشكل أساساً لموقف فلسطيني موحد وعرضتها على القاهرة. وكانت كل الأطراف المشاركة في المفاوضات قد أبدت تقديرات إيجابية عن احتمال التقدم بالمفاوضات نحو وقف النار. وبحسب المعطيات المتوافرة، إذا انسحبت القوات الإسرائيلية من القطاع الليلة فإن هذا يشكل في نظر البعض تلبية لشرط وقف العدوان، كما أن الاتفاق الأولي على فتح المعابر، من دون اشتراطات واسعة وكبيرة، يسهل الاتفاق على وقف النار. لكن كل ذلك لا يمنع وجود مصاعب جدية، خصوصا أن المطروح حالياً هو إنهاء الحصار وإعادة إعمار القطاع، وهو ما تضع إسرائيل مقابله اشتراطات جدية، أولها إيجاد منظومة دولية لمراقبة دخول المواد إلى القطاع لمنع "حماس" من إعادة بناء قوتها، كما تشترط تجريد غزة من السلاح مقابل فتح منافذ بحرية وجوية لها. وتبحث إسرائيل منذ الآن عن سبل لإغراء غزة بالتخلي عن سلاحها، وبينها ما عرضه وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، أمس، من وضع القطاع تحت إدارة دولية باتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. كما أن وزراء، حتى من المتطرفين في إسرائيل مثل إسرائيل كاتس ونفتالي بينت، لا يعارضون مقابل نزع سلاح غزة منحها تحت رقابة دولية منافذ بحرية وجوية. وتنبع كل هذه الاقتراحات من واقع إدراك أن الحصار لم يجد نفعاً، وأن السبيل لمنع تركيز القوة بيد "حماس" هو خلق مصالح للناس في الانفتاح على العالم الخارجي، الأمر الذي يضعف، من وجهة نظر إسرائيلية، قوة "حماس" ويزيد في قوة المعتدلين. من جهة ثانية، انتقل التوتر الناجم عن العدوان على غزة إلى القدس المحتلة، حيث قُتل مستوطن، وجرح خمسة، عندما صدم فلسطيني جرافة يقودها بحافلة إسرائيلية قبل أن يستشهد بنيران قوات الاحتلال. (تفاصيل صفحة 12)

للمرة الأولى منذ بدء العدوان على غزة، تحاول إسرائيل الإيهام بأنها قادرة على المبادرة، وأنها ليست في موضع الانجرار وراء ما تريده المقاومة، فتعلن ما يبدو أنها محاولة لفك الاشتباك البري بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الإسرائيلي. وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قرار المجلس الوزاري المصغر «بالسعي لإنهاء عملية الجرف الصامد» وإعادة نشر القوات في مواضع جديدة، وإخراج غالبية القوات من حدود قطاع غزة. وأثار هذا القرار غضب أوساط واسعة جدا في الجمهور والحلبة السياسية الإسرائيلية، التي اعتبرته إعلان نصر موهوم للتغطية على تراجع مهين. وهكذا في اليوم السابع والعشرين لحرب «الجرف الصامد» بدأ الجيش الإسرائيلي في الانسحاب من معظم المواضع التي تقدمت فيها قواته على شريط حدودي ضيق في القطاع. واختلفت الآراء في فهم قرار المجلس الوزاري المصغر، حيث رأى البعض أنه إيقاف للعدوان بتدرج، ورأى فيه آخرون إكمالاً له بوسائل أخرى. وفي كل الأحوال فهم القرار على أنه محاولة لتجنب الصدامات البرية مع فصائل المقاومة، وخصوصا «حماس»، في القطاع، والعودة إلى أسلوب الضغط بالقصف الجوي والمدفعي، مع الاحتفاظ بورقة ضغط برية في مواضع مريحة لإسرائيل. لكن المقاومة أعلنت أن إجراءات إسرائيل من طرف واحد لا تهمها، وأنها تواصل عملها من أجل تحقيق مطالبها الأساسية بوقف العدوان وفك الحصار. وقد واصلت المقاومة اشتباكاتها مع قوات الاحتلال على الأرض واستمرت في إطلاق الصواريخ على المدن والمستوطنات الإسرائيلية. ورغم محاولة الجيش الإسرائيلي الإيحاء بأنه أفلح في القضاء على الأنفاق، وتقريبا دمر الجزء الأكبر من صواريخ المقاومة، اعترف التلفزيون الإسرائيلي بإطلاق المقاومة أكثر من 100 صاروخ حتى مساء أمس. وهذا يعني أن صورة النصر التي يحاول الجيش الإسرائيلي عرضها تبددت في أول يوم. وربما أن هذا ما حدا بقائد الجبهة الجنوبية الجنرال سامي ترجمان للإعلان عن أنه لم تعد أمام الجيش الإسرائيلي أية خطوط حمراء، والجيش يقصف كل مكان يشكل خطراً. وأياً تكن الحال، فإن الواقع الميداني أصبح يتسم بأشكال من الغرابة. فبعدما أعلنت إسرائيل عن أسر أحد ضباطها، عادت وأعلنت أن لديها دلائل على مقتله، وأن عندها ما يسمح بتشييعه ودفنه. وبذلك يصل عديد الجنود الإسرائيليين المعلن قتلهم إلى 64 جندياً وضابطاً، إضافة إلى حوالي 1500 من الجنود الجرحى. ومعروف أن إسرائيل أقرت أيضا بمقتل ثلاثة من المستوطنين، أحدهم على الأقل قتل في موقع عسكري. وواصلت القوات الإسرائيلية اعتداءاتها وارتكاب المجازر في البيوت والمدارس. وبحسب معطيات وزارة الصحة الفلسطينية، فإن عدد الشهداء حتى مساء أمس بلغ 1810 شهداء في قطاع غزة، منهم 401 طفل و238 سيدة و74 مسنا، و9370 جريحا، منهم 2805 أطفال و1823 سيدة. وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد دان بشدة استهداف إسرائيل للمدنيين اللاجئين في مدرسة تابعة إلى «الأونروا» في رفح، معتبرا ذلك «عملا إجراميا» و«فضيحة أخلاقية». ودعا إلى محاكمة المسؤولين عن هذا الاستهداف لارتكابهم «انتهاكاً فظاً للقانون الإنساني الدولي»، مؤكدا أنه تم تسليم الجيش الإسرائيلي المواضع الدقيقة لكل مؤسسات الأمم المتحدة في القطاع لتجنب المساس بها. ودعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي إلى تحقيق في الهجمات على مدارس للأمم المتحدة في غزة. وقالت، في بيان، إن «الولايات المتحدة هالها القصف المشين اليوم (أمس) خارج مدرسة للأونروا في رفح تؤوي حوالي ثلاثة آلاف مشرد، والذي قتل فيه بصورة مأساوية عشرة مدنيين فلسطينيين آخرين على الأقل». وأعلنت «كتائب القسام» أن إطلاق الصواريخ على تل أبيب وبئر السبع وكريات ملاخي هو الرد على استمرار المجازر الإسرائيلية، وآخرها المجزرة المرتكبة في مدرسة تابعة إلى «الاونروا» في رفح. وذكرت بأنها عمدت طوال المواجهة على التركيز على الأهداف العسكرية، وتجنب قدر الإمكان المساس بالمدنيين بعكس تركيز إسرائيل على ضرب المدنيين. وشددت الكتائب على أنها ترى في كل المدن والبلدات الإسرائيلية هدفاً مشروعاً لـ«كتائب القسام»، وتعهدت بأن لا يحظى العدو بأي هدوء ولا استقرار ولا أمن ما لم تتحقق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني. وكانت قيادة الجيش الإسرائيلي قد حاولت أن تمنح عملية انسحاب جانب من قواتها بعداً احتفالياً، بأن طلبت من الجنود رفع أعلام إسرائيل على كل مدرعاتهم، وحتى كأفراد. لكن فرحة الجنود الإسرائيليين الذين غادروا القطاع كانت غامرة، ليس لأنهم حققوا نصراً بل لأنهم خرجوا من جحيم غزة أحياء. ورغم إعلان إسرائيل رسمياً أن القرار ينهي أي احتمال بالتفاوض مع «حماس» والفصائل الفلسطينية، ولذلك رفضت إرسال وفدها إلى القاهرة للمشاركة في المحادثات الجارية هناك مع وفد الفصائل الفلسطينية، إلا أنها تدير مع القاهرة مفاوضات عن بعد. وتؤكد مصادر إسرائيلية مختلفة أن التنسيق قائم، والاتصالات مكثفة مع مصر بشأن ترتيبات متفق عليها لوقف النار. فهناك قناعة متعاظمة في إسرائيل بأن وقف نار على أساس الردع غير متوافر، وإن توافر فإنه قصير الأجل. لذلك، ورغم كل ما يشاع، تتطلع إسرائيل إلى وقف نار باتفاق، وفي أقرب وقت، لكنها تأمل أن تسهم العداوة القائمة بين «حماس» ومصر في تقليص إنجازات الحركة. ويرى الخبراء أن إسرائيل سترسل وفداً إلى القاهرة خلال يوم أو يومين، بعد أن تهدأ الخواطر داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية المعترضة أساسا على وقف النار. ومعلوم أن الفلسطينيين في الوفد الموحد اتفقوا على ورقة من أربعة بنود، تمثل الموقف الوطني، وتشمل وقف العدوان وانسحاب القوات الإسرائيلية وفك الحصار انطلاقا من تفاهمات العام 2012 والإفراج عن الأسرى من صفقة جلعاد شاليت والدفعة الرابعة والنواب وإعادة إعمار غزة برعاية دولية. ويؤمن معلقون إسرائيليون بأن قرار الخروج من غزة اتخذ بعد وقوف الكابينت أمام معضلة الإمكانيات إثر غياب خيار الحسم. ووجد وزراء الحكومة الأشد تطرفاً في تاريخ إسرائيل أنه ليس أمامهم سوى واحد من اثنين: الردع أو التصعيد في ظل صعوبة التوصل إلى اتفاق. وما شجع على هذا الخيار، وفق أمير تيفون في موقع «والا» الإخباري، حقيقة أن إسرائيل تجد نفسها اليوم أقرب إلى مصر والأردن والسعودية مما إلى الدول الغربية. وكتب تيفون أن أهم ما قاله نتنياهو في مؤتمره الصحافي هو ما تعلق بـ«الحلف الإقليمي الذي نشأ في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ووجد أفضل تعبير له أثناء العملية: تحالف معارضي الإخوان المسلمين، الذي يضم مصر (عبد الفتاح) السيسي، الأردن، السعودية، دول الخليج (عدا قطر)، وفي الصف الثاني إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وخلال الجرف الصامد وجدت إسرائيل نفسها للمرة الأولى في تاريخها أقرب إلى الدول العربية منها إلى الغرب الذي أصر على إشراك قطر وتركيا واكتوى». وأكد ذلك المراسل السياسي للقناة العاشرة الذي أشار إلى أن إسرائيل تتطلع إلى أن تربح من «الجرف الصامد» أمر توثيق العلاقات مع الدول العربية الخليجية، خصوصا السعودية. لكنه استدرك موضحا أن المفارقة هي أن ما يقرّب هذه الدول العربية المعتدلة لبعضها البعض هو العداء لحركة «حماس» وجماعة «الإخوان المسلمين»، لكن منح العلاقة مع إسرائيل بعداً علنياً يحتاج إلى مقابل سياسي، كتسريع العملية السياسية مع الفلسطينيين أو القبول بالمبادرة العربية.