عمر ديب - الأخبار

يعيش معظم سكان العالم اليوم، وفقاً لآخر الإحصاءات، في المدن والضواحي المنتشرة حولها خاصة في الدول الغنية والمتوسطة الدخل. إلا أن هذا الاكتظاظ السكاني يترافق مع طفرة في وسائل النقل والتدفئة والمصانع ومصادر الانبعاثات الأخرى، ما يؤدي إلى تلوث خطير ومتزايد في المدن الكبيرة مع ما يسببه من أمراض تنفسية وسرطانية

يقاس تلوث الهواء بحسب نسبة تركز ثاني أوكسيد الكبريت (SO2) وثاني أوكسيد النيتروجين (NO2) وغيرها من الغازات والمركبات الكيميائية الموجودة في الهواء، بالإضافة إلى نسبة الجسيمات (particulates) الصغيرة غير المرئية للعين المجردة. وتكمن خطورة المادتين الأوليين في تفاعلاتهما الكيميائية مع جسم الإنسان بحال تنفسهما بكميات مرتفعة مع الهواء. أما الجسيمات فهي تتسلل إلى داخل الرئتين والمجاري التنفسية بسبب صغر حجمها وعدم قدرة دفاعات الجهاز التنفسي الطبيعية على صد طريقها، فتتجمع داخل المجاري الهوائية الدقيقة تدريجياً مما يؤدي إلى تضييقها.

توجد العديد من الملوثات الأخرى والتي يمكن أن تكون أقوى تأثيراً على الإنسان، إلا أن التركيز ينصب بشكل رئيسي على هذه المكونات إلى جانب ثاني أوكسيد الكربون (CO2) بسبب ارتفاع معدلات انتشارها بشكل صاروخي خلال العقود الأخيرة. هذه الانبعاثات لها تأثيرها أيضاً في عملية الاحتباس الحراري، إلا أن البحث هنا يطال فقط التأثيرات الصحية المباشرة الناتجة من تلوث الهواء.

تعتبر عملية الاحتراق الداخلي في المحركات من المصادر الأساسية لهذه المركبات الكيميائية خاصة من محركات الديزل (المازوت). ومع انتشار السيارات ووسائل النقل في المجتمعات الاستهلاكية وذات المدخول المتوسط وما فوق، تتراكم هذه الانبعاثات وتسجل كل عام معدلات أعلى من سابقه، ومعه ترتفع نسب الأمراض.

لندن تدق ناقوس الخطر

التلوث مشكلة مستدامة في عاصمة الضباب التي سجلت مع مطلع العام الحالي أرقاماً قياسية جديدة في نسب تلوث الهواء. فوفقاً لقوانين البيئة الخاصة بالاتحاد الأوروبي وكذلك وفقاً للمعايير البريطانية، يجب أن لا تتخطى نسبة انتشار ثاني أوكسيد النيتروجين 200 ميكروغرام في المتر المكعب 18 مرة سنوياً. ويجرى قياس هذه النسبة وتسجيلها كل ساعة. إلا أن المفاجأة كانت لهذا العام أن إحدى ضواحي جنوب لندن كسرت هذا المعدل 18 مرة في القياسات التي أجريت خلال أول أسبوعين فقط من العام، وهو رقم قياسي جديد على مستوى كل القارة الأوروبية مع بقاء 350 يوماً من التسجيلات التي ستجرى كل ساعة. أن تستنفذ المعدلات السنوية القصوى لقياسات التلوث في أسبوعين هو ناقوس خطر دفع السلطات المعنية إلى الإعلان عن إجراءات بيئية قد تساعد في تخفيض هذه النسب خاصة مع تسجيل 9000 حالة وفيات سنوية في المدينة التي يقطنها 12 مليون مقيم نتيجة أمراض تنفسية ناتجة من التلوث سنوياً، وتسجيل 2000 حالة عند الأطفال الذين نمت رئاتهم إلى أقل من الحجم الطبيعي.

مدن الصين والهند الأكثر تلوثاً

تشهد الصين والهند منذ ثلاثة عقود ثورةً صناعيةً كبيرةً تترافق مع تحسن سريع في الدخل الفردي ونشوء طبقة وسطى يبلغ تعدادها مئات الملايين من البشر الذين يمتلكون سيارات خاصة تجوب الشوارع وتملأ الطرقات ازدحاماً والسماء تلوثاً. ووفق دراسات حديثة تعتبر مدن بكين وشانغهاي ودلهي ومومباي من الأكثر تلوثاً في العالم على كافة المستويات وفي كل أنواع الغازات الملوثة المنتشرة في الهواء. ومن الانعكاسات الواضحة والمباشرة ارتفاع معدلات السرطان الذي أصبح السبب الأول للوفيات في الصين، بالإضافة إلى الأمراض التنفسية الأخرى المسببة للوفاة. وفيما تغلف المدن الأساسية في هاتين الدولتين سحب رمادية سامة بشكل مستمر، تظهر الدراسات أن 1% فقط من سكانها يحصلون على هواء صحي ونظيف بحسب المعايير العالمية المعتمدة. وتصل خطورة هذا الموضوع إلى الحد الذي يمكن اعتباره من أهم العوامل المؤثرة في مستقبل النمو الاقتصادي وفي الاستقرار الاجتماعي أيضاً. تسعى حكومات هذه الدول لمواجهة التفشي السريع للتلوث عبر تخفيض تدريجي في استعمال الفحم الحجري في توليد الكهرباء والديزل في النقل ووضع خطط طموحة لتأمين الكهرباء لمئات ملايين الناس من مصادر متجددة كالماء والشمس والهواء والطاقة النووية، لكنها تبقى على سباق سريع مع الوقت وسط استمرار نهضتها الصناعية والبشرية المولدة للانبعاثات.

عشرات المدن تمنع محركات الديزل

تعتبر محركات الديزل الأكثر تلويثاً بين محركات وسائل النقل التجارية المنتشرة. إلا أن كفاءة هذه المحركات وقوتها وقدرتها على تشغيل وسائل النقل الكبيرة كالباصات والشاحنات تجعلها واسعة الانتشار حتى على مستوى السيارات الصغيرة والمتوسطة. لكن مع الارتفاع الكبير في نسب التلوث ووصول العديد من المدن حول العالم إلى مستويات خطيرة منه، لجأت العشرات من هذه المدن إلى منع استخدام كل محركات الديزل داخل حدودها الإدارية، وهو ما قام به كل من مدينة مكسيكو ومدريد وأثينا وباريس التي تخطط إلى تحقيق هذا الهدف في عام 2025 كحدٍّ أقصى.

لبنان في قلب الأزمة

تكفي خلاصات دراسة الجامعة الأميركية في بيروت عام 2016 التي أظهرت أن نسبة «الديوكسين» المسرطن في الهواء في لبنان، والناتج من حرق النفايات قد ارتفعت 416 ضعفاً عن المعدل المسجل في عام 2014، ليظهر مدى التأثير الخطير الذي ولدته أزمة النفايات في تلوث الهواء في لبنان، وذلك إلى جانب التلوث الموجود الناجم عن الاكتظاظ والازدحام وكثرة السيارات وغياب أي رقابة بيئية موثوقة على وسائل النقل وعلى المصانع. والمشكلة الأبرز في لبنان أن لا دراسات كافية تجرى في هذا المجال كما هو الحال في الدول الأخرى لأسباب قد تكون مرتبطة بالإهمال السائد على كافة المستويات، أو لنية مبيتة لتخبئة الحقائق عن الرأي العام نتيجة سوء الواقع الذي وصلنا إليه. وفي حين تعاني مدن أخرى من ارتفاع معدل ملوث أو مركب كيميائي ما في هوائها، تجتمع في هواء بيروت باقة من الملوثات التي لم يكن ينقصها سوى «الديوكسين» كي تكتمل عائلة السموم الهوائية القاتلة.

ليست الحلول سريعة في معالجة هذه الأزمة لأنها ترتبط أولاً وأخيراً بنمط الحياة المجتمعي والحاجات الاقتصادية والحياتية للناس بشكل عام. إذ لا مناص للدول النامية من التوسع في صناعاتها، ولا قدرة على وقف التقدم الاجتماعي وانتشار وسائل النقل فيها أسوةً بالدول الكبرى الأكثر تلويثاً نسبياً. وهنا يكمن خلاف سياسي حقيقي حول الحلول العالمية أو على مستوى كل دولة. وإن كانت الدول الصاعدة اليوم أصبحت شريكة في تلويث البيئة، إلا أن الدول الغربية قد سبقتها بذلك بمئتي عام تقريباً، وهو ما يعني، بحسب الدول الصاعدة أن على الدول الأكبر تحمل مسؤولياتها أولاً وتخفيف انبعاثاتها بنسب أكبر منها لحين اكتمال نهضتها الصناعية والاجتماعية.

الأمراض التنفسية ليست قدراً لأبناء المدن لكن الحلول الأنسب لن تتحقق إلا بسياسات قائمة على الاستثمار في الخيارات المتاحة في الثورة التكنولوجية الناشئة التي يمكن أن تتوسع في مصادر الطاقة المتجددة حتى تصل خلال بضعة عقود إلى طاقة نظيفة صديقة للطبيعة. سوف تظهر نتائج هذا الرهان التاريخي، إن حصل، بدءاً من طاقة الاندماج النووي الثورية وصولاً إلى تخطي النفط كمصدر الوقود الرئيسي لقطاع النقل وهو رهان مرتبط أيضاً.

حكمت غصن - الأخبار

منذ نحو عام، كشفت دراسة علمية ارتفاع كميات مادة «الديوكسين» المسرطنة بنسبة 416 مرة جراء حرق النفايات. خطر السرطان الذي تسببه هذه المادة يوازيه أيضاً خطر أشد رعباً ظهر في حرب فييتنام، إذ استخدمت الولايات المتحدة الأميركية مبيد أعشاب لتجويع الفييتناميين، تبيّن لاحقاً أنه يحتوي على «الديوكسين»، ما أدّى الى تشوّهات خَلقيّة مرعبة في الولادات الجديدة لا تزال تظهر حتى اليوم.

«الديوكسين»، مصطلح جديد دخل إلى الحياة اليوميّة للمواطنين اللبنانيين من باب البيئة العريض بعد أزمة النفايات المستمرة منذ تموز 2015، فماذا نعرف عن هذه المادة؟

الشائع اليوم لدى القاطنين في البلد أنّ «الديوكسين» مادة مسرطنة تنتج من حرق النفايات التي تحتوي على مادة الكلور تحديداً، كبعض أنواع البلاستيك. إلا أنّ هناك خصائص كيميائية أخرى لهذه المادة قد لا يعرفها الكثيرون وهي على نفس قدر خطورة السرطنة. تعتبر مادة «الديوكسين» مادة ثابتة لا تتفكّك بسهولة، كما أنّها تتراكم في الأجسام الحيّة (Bioaccumulable) ولا سيّما في الخلايا الذهنية. أمّا جرعتها القاتلة، فهي 0.02 ميليغرام في الكيلوغرام عن طريق الفم لدى الفئران، ما يصنّفها ضمن المواد «السامة للغاية» على مقياس «هودج وستيرنر» لفئات السمّية.

منذ نحو عام، كشفت دراسة صادرة في كانون الأوّل 2015، عن وحدة بحثيّة بتعاون بين «الجامعة الأميركيّة في بيروت» و»جامعة سيدة اللويزة» و»جامعة القديس يوسف»، بإشراف الدكتورة نجاة صليبا، أستاذة الكيمياء ورئيسة فريق عمل إدارة النفايات الصلبة في «الأميركيّة»، عن ارتفاع كميات «الديوكسين» بقدر 416 مرّة، وقد نشرت «الأخبار» بعضاً من خلاصات هذه الدراسة تحت عنوان «حرق النفايات: تضاعف المادّة المسرطنة 416 مرّة». لكن في وطن لا تأبه السلطة فيه للبحث العلمي في كل المجالات، ماذا قدّمت لنا هذه الدراسة وماذا أغفلت؟

تناول جزء من الدراسة مسألة ارتفاع نسبة «الديوكسين» في هواء إحدى المناطق السكنيّة القريبة من محرقة عشوائية للنفايات، مقارنة بنسبة «الديوكسين» عام 2014 في إحدى المناطق الصناعية. كانت النتيجة ارتفاعاً كارثياً، 416 مرة. حسب مستويات هذه المادّة في السابق، كانت نسبة 0.1 بالغ أو 0.4 طفل من كل مليون نسمة تتعرّض لهذه الانبعاثات على فترة حياة كاملة يُحتَمل إصابته بمرض السرطان. تعتبر «هذه النسبة مقبولة تبعاً لمعايير وكالة حماية البيئة الأميركيّة التي حددت الحد الأقصى المسموح به لهذه النسبة بـ 1 من كل مليون نسمة. أمّا المستويات الحالية، فتشير إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 34 بالغاً و176 طفلاً من كلّ مليون نسمة في المناطق السكنيّة المكتظّة، حيث يتمّ إضرام الحرائق في أكوام النفايات».

.يعدّ «الدّيوكسين» مركّباً «مشوّهاً» وهو العامل المباشر للتشوّهات الخَلقية في فييتنام

ولفتت الدراسة إلى مسألة السرطان وارتباطه بالانبعاثات السامة، حيث إنّه بجمع آثار «الدّيوكسين» ومادة الـ»داي بنزو أنثراسين» (Dibenzoanthracene)، التي ظهرت لأول مرة في الهواء المحيط في لبنان بحسب الدراسة، يرتفع خطر الإصابة بالسرطان في المناطق السكنيّة حيث يتم إحراق النفايات إلى معدل 37 بالغاً و186 طفلاً من كلّ مليون نسمة.

إلّا أنّ ما مرّت عليه الدراسة بخجل، وما غافله الإعلام حينها، مسألة لا تقلّ خطورة عن مرض السرطان، وللحديث عن هذه المسألة، فلنعد بآلة الزمن إلى سبعينيّات القرن الماضي، ونسافر إلى فييتنام.

ما الذي حصل في فييتنام؟ عندما كانت الولايات المتحدة الأميركيّة تمعن في نشر ديموقراطيّتها وإنسانيّتها المعهودة في حرب فييتنام، اشتهر مصطلح يعرف بـ»العامل البرتقاليّ»، وهو مبيد أعشاب اسمه العلمي «2,4,5-T»، استعمله الأميركيّون لإبادة الرّز في فييتنام الشمالية بهدف تجويع الشعب. لكنّ الأفظع هو ما حصل لاحقاً. فقد أدّت هذه الحرب الكيميائيّة إلى تشوّهات خَلقيّة مرعبة في الولادات الجديدة، لا تزال فييتنام تعاني منها حتّى اليوم، وقد شاع حينها أنّ سبب هذه التشوّهات هو المبيد «2,4,5-T». لكن، بعد تطوّر وسائل التحليل الكيميائيّ التي لم تكن قادرة في حينها على كشف حقيقة الأمر، تبيّن أنّ العامل المباشر لهذه المعضلة هو وجود «الديوكسين» مع المبيد بنسبة ضئيلة (25 إلى 30 جزءاً في المليون)، وذلك لأنّه منتج ثانويّ في عمليّة فبركة هذا المبيد، وتبيّن أنّ «الديوكسين» هو مركّب «ماسخ» أو «مشوّه» (Teratogen).

يقدّم لنا هذا المعطى العلمي التاريخي، إضافة إلى الكثير من الدراسات في العالم، دليلاً قاطعاً على احتمال اقتراب كارثة صحيّة واجتماعيّة قد تفتك بالقاطنين في البلد متمثلة بظهور حالات تشوّه خلقيّة لدى الأجيال القادمة، ولا داعي لشرح نتائج كارثة كهذه على صعيد المجتمع.

لذلك لا بدّ من إجراء المزيد من الأبحاث على المستوى الوطني، حيث إن غياب هذه المسألة عن بال الصروح العلميّة لا يثير الاستغراب أكثر ممّا يثير الحسرة والأسف على إهمال البحث العلميّ وتخلّف العلوم في بلادنا، رغم المستوى الأكاديميّ العالي للطلاب الذين ينتهي مصير معظمهم إمّا في بلاد الاغتراب أو في عمل روتينيّ غير منتج. وهنا، لا يمكن تحييد مسؤوليّة السلطة، ليس فقط في الفشل الذريع في الملف المسبّب لما نتحدّث عنه، أي ملف النفايات، بل في أحد الأسباب الأساسيّة لكلّ المشاكل التي نعيشها، وهي غياب دعم البحوث في مختلف القطاعات العلميّة.

 

ربّما شعر جزء من الشعب بالراحة للتسوية السياسيّة التي حصلت أخيراً في لبنان، وأمعن البعض في نسب هذا «الانتصار» إلى زعيمه أو خطّه السياسيّ. لكن ما يغفله جزء كبير من الشعب، وهذا ليس بمسؤوليّته بالمناسبة، أنّ الكوارث الصحيّة، كما الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة، ستفتك أكثر فأكثر بلبنان، طالما تتّبع هذه السلطة الحلول التي تناسب مصالح مكوّناتها، بعيداً عن أيّ حسّ إنسانيّ وعلميّ. فما هو أمامنا، في ظلّ الذّهاب دائماً إلى معالجة النتائج لا الأسباب، ليس إلّا غيضاً من فيض، وما خفيَ كان أعظم...

محمد وهبة - الأخبار 

لا يزال مصرف لبنان يعمل على لملمة الأثر السلبي الذي أنتجته الهندسات المالية التي بدأ تنفيذها منذ نحو شهرين. فقد بدأ يمتصّ السيولة الناتجة من هذه الهندسات، من خلال السماح للمصارف بإيداعها لديه على فترات تراوح بين 5 سنوات و10 سنوات، وبفوائد تصل إلى 5.5%

منذ حزيران الماضي، بدأ مصرف لبنان بتنفيذ هندسة مالية كانت لها نتائج واسعة في السوق المالية والنقدية. ففيما تمكّن مصرف لبنان من جمع مبلغ يقترب من 12 مليار دولار لتعزيز احتياطاته بالعملات الأجنبية، تبيّن أن المصارف حققت أرباحاً استثنائية في خلال الأسابيع الماضية، بقيمة تبلغ 4.2 مليارات دولار.

وهذان الرقمان مرشحان للارتفاع أكثر، ولا سيما أن هذه الهندسة الجارية بلا سقف، بل هي مستمرة ما دامت المصارف قادرة على اجتذاب الدولارات من الخارج ودفع فوائد مرتفعة تسميها عمولات تصل نسبتها إلى 20% و30%.

المشكلة في هذه الهندسات لا تكمن فقط في تمكين المصارف من تحقيق أرباح هائلة مموّلة من المال العام، بل أيضاً في أنها خلقت سيولة إضافية بالليرة اللبنانية لدى المصارف بقيمة تزيد على 18 ألف مليار ليرة، بالإضافة إلى الأرباح البالغة نحو 6300 مليار ليرة. كيف؟ الأمر بسيط جداً، فالمصارف باعت لمصرف لبنان سندات الخزينة التي تحملها بالليرة اللبنانية، وهو دفع لها فوراً ثمن السند بسعر إصداره، مع نصف الأرباح التي كانت المصارف ستحققها يوم استحقاق السندات. وفي المقابل، اشترط مصرف لبنان أن تشتري المصارف منه، بنفس قيمة السندات التي باعتها له، سندات بالدولار (يوروبوندز)، أو شهادات إيداع بالدولار يصدرها خصيصاً. هذه الآلية أدّت إلى نتيجة أساسية: مصرف لبنان دفع ثمن السندات من ميزانيته وأصبحت المبالغ بين يدي المصارف التي تريد توظيفها حتى لا تكون عبئاً عليها. هذا يعني أنّ على المصارف استثمار هذه الأموال وفق الخيارات المتاحة لها على النحو الآتي:

ــ الخيار الاول: إقراضها في السوق. ولذلك بدت لوحات الإعلانات المنتشرة على طرقات لبنان وعلى صفحات الإنترنت، «منتشية» بما تقدّمه المصارف عن قروض بالليرة اللبنانية.

إحدى الإعلانات تقول: 1100 مليار ليرة مخصصة لإقراض المؤسسات الصغيرة بفائدة 7% للسنة الأولى.

ــ الخيار الثاني: شراء سندات خزينة بالليرة. هذا يعني أنّ على المصارف أن تكتتب في إصدارات وزارة المال لسندات الخزينة بالليرة، علماً بأن حساب وزارة المال لدى مصرف لبنان يسجّل فائضاً يبلغ 11 ألف مليار ليرة، أي إن إصداراً كهذا مخصصاً لامتصاص السيولة المصرفية سيكون محرجاً جداً، لأن لا تفسير له سوى أنه مساعدة للمصارف على تعقيم السيولة وتمويل كلفتها بالأموال العامة.

ــ الخيار الثالث: إيداع هذه المبالغ لدى مصرف لبنان. الودائع التي يستقبلها مصرف لبنان، سواء تلك التي بالدولار أو بالليرة، عليها فوائد لا تتجاوز 2%، وبالتالي إن هذا الخيار ليس مطروحاً بالنسبة إلى المصارف.

الخيارات الثلاثة ليست الحلّ المنشود في ظل أسوأ أزمة سيولة بالليرة لدى المصارف. فالقطاع الخاص يعيش أزمة مديونية هائلة تبلغ 105% من الناتج المحلي الإجمالي، وحجم نموّ التسليفات تقلص في خلال السنوات الخمس الماضية متأثّراً بالنمو الاقتصادي الضعيف الذي لا يصل إلى 1.5% في أحسن أحواله. أما وزارة المال، فقد أحجمت عن إصدار سندات خزينة إضافية تفادياً لمزيد من الحرج، وخصوصاً أن حجم السندات المطلوبة كبير جداً وسيؤدي إلى زيادة كبيرة في حساب وزارة المال لدى مصرف لبنان من دون أي حاجة فعلية تبيّن أن غالبية المصارف التي شاركت في عملية تسييل السندات، قرّرت أن تزيد استفادتها من هذه العملية من خلال استعمال المبالغ الناتجة من عملية التسييل في شراء المزيد من سندات الخزينة المطروحة في الأسواق، أو تلك التي تصدرها وزارة المال بصورة دورية. المصارف باعت السندات لمصرف لبنان ثم اشترت السندات من السوق وباعتها بعد يوم أو اثنين لمصرف لبنان لتحقيق المزيد من الأرباح. وبالنسبة إلى الخيار الثالث، أي الإيداع لدى مصرف لبنان، فإن هذا الأمر ليس خياراً بالنسبة إلى المصارف الساعية إلى تحقيق المزيد من الأرباح.

قرّر مصرف لبنان أن يتيح للمصارف إيداع مبالغ لديه بالليرة اللبنانية. 

القطاع الخاص يعيش أزمة مديونية هائلة تبلغ 105% من الناتج المحلي الإجمالي

إزاء هذا الواقع، قرّر مصرف لبنان أن يضيف إلى «بدعة» الهندسة التي خلقت كل هذه السيولة، منتجاً للودائع المصرفية لديه. قرّر مصرف لبنان أن يتيح للمصارف إيداع مبالغ لديه بالليرة اللبنانية في حسابات مجمّدة على فترات استحقاق من 5 سنوات إلى 7 سنوات و9 سنوات و10 سنوات. الفوائد على هذه الإيداعات المتوسطة والطويلة الأمد، تراوح بين 4.5% و5.5%.

هذا المنتج، أو هذا التعديل على الهندسة المالية، يتيح لمصرف لبنان امتصاص القسم الأكبر من المبالغ التي ضخّها في السوق من خلال عملية تسييل السندات بالليرة. لكن قيامه بهذه العملية، يأتي في إطار امتصاص أي مفاعيل تضخمية لهذه السيولة، وهو بمثابة مرحلة انتقالية قبل أن تعيد وزارة المال إصدار سندات خزينة بأحجام كبيرة تتلاءم مع حاجات السوق. أما الرابح الأكبر، فهو المصارف دائماً، التي ستحقق أرباحاً إضافية من هذه العمليات، بما يوازي 850 مليار ليرة سنوياً كحدّ أدنى، أو 990 مليار ليرة كحدّ أقصى.

قنوات الهدر

 

دأب مصرف لبنان على تنفيذ ما يسمى «هندسات» مالية ونقدية منذ فترة طويلة متزامنة مع بدء تثبيت سعر صرف الليرة. ليس هناك هدف واحد من هذه العملية، بل هناك أهداف عديدة، إذ إنها أداة يستعملها مصرف لبنان لتغذية النظام المالي والنقدي والدفاع عن سياساته. الهدف من هذه الأدوات، جمع الدولارات من السوق ووضعها في احتياطات مصرف لبنان حيث تستعمل للدفاع عن تثبيت سعر صرف الليرة، مع فرق واحد، هو أن مصرف لبنان استهلك الأدوات السابقة حتى باتت جدواها السوقية ضحلة جداً. فعلى هامش تنفيذ هذه الهندسات، بقديمها وجديدها، تبيّن أن الرابح الأكبر هو القنوات التي تمرّ فيها العمليات المالية والنقدية، أي المصارف التي راكمت رؤوس أموال ضخمة، واستقبلت قاعدة واسعة من الودائع وحققت أرباحاً هائلة على مرّ السنوات.

فاتن الحاج– الأخبار

للمرة الثانية، تجاهل مجلس الوزراء ملفات قطاع النقل، فيما طرحت قضية المعاينة الميكانيكية جانبياً من وزير الداخلية، ولم تكن بنداً من بنود النقاش داخل الجلسة. في المقابل، أعلنت الاتحادات النقابية أنها ستستمر في إقفال المراكز وتصعيد التحرك «الذي لم يرَ المسؤولون سوى 10% منه حتى الآن»

يتأمل محمد توتيّو، ابن زقاق البلاط، بحسرة مواقف السيارات المنتشرة في الوسط التجاري. يستعيد سائق الأجرة أياماً «كانت لنا فيها مواقفنا، وكان الركاب يأتون إلينا قبل أن نتحول إلى عصافير تلهث وراء حبات القمح». يروي كيف كنا ندفع للدولة وبلدية بيروت بدل موقف «وكنا عايشين». يؤلم توتيو «أن تحتل بلوكات الباطون مكاننا في وسط البلد». أمس، انضم السائق الستيني إلى اعتصام السائقين العموميين في ساحة رياض الصلح لينشد الرحمة والحماية من الدولة.

برأيه، لا بديل للشرعية والقانون سبيلاً لإنصافنا في قطاع لم يعش يوماً هذا التدهور الذي يعيشه اليوم. يختصر وجعه بثلاث أمنيات: «بدي طعمي عيلتي وإدفع سنداتي وعيش بكرامتي». ليست المعاينة الميكانيكية وحدها سبب هذا الوجع. يقول توتيو إنها واحدة من مشاكل كثيرة تبدأ بتزوير «النمر» ومزاحمة السائقين غير الشرعيين، ولا تنتهي بتشدد القوى الأمنية في ملاحقتنا، رغم دفع المستحقات المستحقة علينا. بحسب توتيّو، لا ينفك السائق يسمع عبارة «قرّب يا عمومي»، فيما يتركون «الخصوصي» والسائق الأجنبي يسرح ويمرح من دون حسيب. يطالب بأن تُحكم الدولة سيطرتها على إعطاء التراخيص وأن توحّد السيارات العمومية بلون واحد، وأن يرحمونا بالمعاينة الميكانيكية.

في اليوم الحادي عشر لإقفال مراكز المعاينة الأربعة، شلّ الإضراب العام لاتحادات ونقابات قطاع النقل البري الحركة في معظم المناطق. استفاق المواطنون على توقف وسائل النقل العام عن العمل. بصعوبة، وجدوا من يقلهم إلى مدارسهم وأماكن عملهم. البعض انتظر طويلاً على الطرقات، ومَن حظِي بسائق «تكمّش» به ولم يتردد في مضاعفة أجرته، شرط أن يصل إلى وظيفته بسرعة. أما صاحب الحظ السيئ، فلم يلبث أن استقل سيارة حتى نزل منها بمجرد الوصول إلى «حواجز» أقامها المعتصمون في أماكن التجمعات في بيروت والمناطق، تحت طائلة «تكسير» السيارة. كثيرون عادوا أدراجهم، فيما اتصلت بعض الإدارات بالأهالي وأبلغتهم بقرار التعطيل نتيجة تعذّر وصول الطلاب والأساتذة. أما المسيرات السيّارة للاتحادات النقابية فسلكت ثلاثة خطوط: الأول: الدورة ـ الكرنتينا ـ ستاركوـ وزارة الداخلية ـ ساحة رياض الصلح، والثاني: الجامعة اللبنانية في الحدث ـ كنيسة مار مخايل ـ الطيونة ـ البربير ـ رأس النبع ـ رياض الصلح، والثالث: الكولا ـ المزرعة ـ مار الياس ـ شارع الاستقلال ـ وزارة الداخلية ـ ساحة رياض الصلح. أقفلت الآليات العمومية من صهاريج وشاحنات وميني باصات وسيارات المنافذ المؤدية إلى وسط المدينة. علي محيي الدين، نائب رئيس اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري، قال إننا بتنا أمام «تشبيح» في المعاينة الميكانيكية: شركة سابقة (فال) لم يمدَّد لها، وشركة جديدة (SGS) لم تتسلم نتيجة قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ المناقصة التي فازت بها، ومصلحة تسجيل السيارات لا تستوفي الرسوم نتيجة إقفال مراكز المعاينة، ومواطن يتكبد ضرائب إضافية. من جهته، توجه رئيس اتحاد النقل البري بسام طليس إلى رئيس الحكومة تمام سلام بالقول: «لا تحوّل يا دولة الرئيس ملفاتنا إلى حكومة تصريف الأعمال، ولا تسلمها للعهد الجديد، وخصوصاً أن الفرصة متاحة اليوم في آخر جلسة دستورية للحكومة، إذا ما انتخب رئيس الجمهورية الاثنين المقبل». وذكّر بأنه لم يعد هناك معاينة ميكانيكية قانونية، ملوِّحاً بالتصعيد، باعتبار أن ما حصل اليوم (أمس) هو أول الغيث ويمثل 10% من خطة التحرك إذا لم يُستجَب لمطالبنا. أما المراكز، فستبقى ــ بحسب طليس ــ مقفلة إلى ما شاء الله، مؤكداً أننا لن ننزلق إلى أماكن لا نريدها، فالملف نقابي بامتياز، وإذا كان ثمة من يشعر بأن أدائي وأداء زملائي له خلفية سياسية فليبطل التحرك.

هديل فرفور- الأخبار 

رمت جمعية «الخط الأخضر» الحُجّة على محافظ بيروت القاضي زياد شبيب عبر إبراز مُعطيات تُثبت أن الأرض الطبيعية لعقارات «إيدن روك» ليست صخرية وهي تتصل بالموج، خلافاً لمعطيات التحقيقات التي استند إليها في قرار تحريره عدداً من عقارات الرملة البيضاء، وإعطاء التراخيص اللازمة لأصحاب المشروع. وهذه المعطيات، بحسب الجمعية، من شأنها أن تدفعه الى سحب التراخيص.

على الصورة الجوّية لبيروت العائدة لعام 1956، يصعب تحديد مواقع عقارات «الإيدن روك» في الرملة البيضاء. فالعقارات ذات الأرقام 3689، 3690، 3691، التي حرّرها أخيراً مُحافظ مدينة بيروت، القاضي زياد شبيب، بوصفها عقارات خاصة صخرية لا تدخل في الأملاك البحرية العمومية، يظهر جزء كبير منها على الصورة المذكورة «مُنغمسٌ» في مياه البحر ورماله.

التسلسل التاريخي الذي أجرته جمعية «الخط الأخضر» لواقع عقارات شاطئ الرملة البيضاء، أول من أمس، في الندوة العامة التي حملت شعار «الشاطئ لكل الناس» في مبنى الجامعة اليسوعية للجميع في بيروت، يُثبت أن عقارات الشاطئ، المُحرّرة وغير المُحرّرة، لم تكن تاريخياً سوى جزء من الأملاك العمومية البحرية. هدف الندوة كان واضحاً: الردّ على حجج المحافظ ومطالبته باسترداد التراخيص التي منحها لأصحاب المشروع، في ظل بروز مُعطيات جديدة. تأتي هذه الندوة بعد جلسة النقاش العام التي أقامتها جمعية «نحن» مع شبيب، الأسبوع الماضي، والتي أصرّ خلالها على ضرورة «صون» الملك الخاص والحفاظ عليه. كذلك تأتي الندوة بعد جلسة النقاش التي نظّمتها كل من «المفكرة القانونية» و»الحملة الأهلية للدفاع عن دالية الروشة» حول دور بلدية بيروت في الدفاع عن أملاكها. «تواتر» الجلسات يهدف، بحسب المحامي نزار صاغية، الى «رفع حالة التأهب والسعي الى التحرّك ضدّ ما يتعرّض له شاطئ الرملة البيضاء من تعديات تهدف الى خنقه وحجبه عن العموم». «في حال المُضيّ بمشروع الإيدن روك، فإن المشروع الذي يُخطط له سميح غدّار (مالك عقارات المسبح الشعبي)، سيكون التالي حتماً»، يقول رئيس جمعية «الخط الأخضر» علي درويش، قبل أن يستكمل العرض القانوني لعقارات الشاطئ.

استند عرض درويش الى خريطة مشروع الإفراز للعقار الرقم 2230 (الذي يشمل غالبية الشق الجنوبي الشرقي لأراضي منطقة الرملة البيضاء) المصيطبة/ لعام 1949، وأبرز كيف كانت مياه البحر تجتاح العقارات، ليُسقط بذلك ذريعة أن العقارات التي جرى تحريرها «لا تنطبق عليها صفة الملك العام»، وفق ما يقول شبيب. التركيز على مسألة «اجتياح» المياه للعقارات، هدفه القول بأن خريطة ترسيم عام 1962 التي استند إليها المحافظ كي يُعطي الرخص وكي يتبنى مقولة أنها لا تحوي «على شُبهة الملك العام»، تقابلها خرائط أخرى تُثبت العكس. يُضيف درويش في هذا الصدد: «منسوب المياه يتغيّر بين عام وآخر، وحدود المياه لا تعني أبداً نهاية المُلك العام، إنما بدايته». ذكّرت الندوة بالمرسوم الرقم 14699 الصادر عام 1957، والذي تبّنى قرار المجلس البلدي، الذي نص على اتفاق وُقّع بين البلدية وأصحاب العقارات في المنطقة. يقول درويش بموجب هذا الاتفاق «أصبحت كافة العقارات تحت الكورنيش مُرفقة بعدم البناء من أي نوع كان». الكثير من «الثُغر» التي تُثبت وجود الحجج الدامغة التي كان باستطاعة المحافظ الاستناد إليها قبل إعطاء الرخص، كمساحة الـ 300 متر من الملك العام الذي كان جزءاً من طريق «أم كلثوم» التي تُشكّل حالياً جزءاً من العقارات التي تجري الأعمال عليها، وكمخالفة المشروع لشروط الاستثمار التي تنص عليها القوانين المرعية الإجراء، من ناحية العمق والمساحة. يصرّ الناشط المدني رجا نجيم على أن المحافظ يملك هذه المُستندات، ويقول إن الكتاب الذي أرسله الى وزارة النقل والأشغال وتذرّع بأن الوزارة لم تردّ عليه، لذلك أقدم على إعطاء الرخص، «لم يكن يتعلق بهذه العقارات»، مُتهماً إياه بالتواطؤ مع أصحاب المشروع من أجل إعطاء الرخص. من جهته، لفت صاغية الى ضرورة خوض معارك قضائية في ملفات كهذه من أجل إعادة صياغة الخطاب العام القانوني الذي طالما كان منحازاً الى المُلك الخاص.

اعتصام اليوم

إلى ذلك، دعت جمعية "نحن" إلى اعتصام، اليوم، أمام شاطئ الرملة البيضاء، الساعة الخامسة مساء، رفضاً للتعدي على الملك العام ورفضاً لكل رخص البناء على هذا الشاطئ. كذلك من أجل "التنديد بكل أعمال التزوير"، ومنعاً لسرقة الرمول.

 

مرسيل خليفة - الاخبار

 

كان جورج أقرب إلى الرقّة، وحيرة مندهشة بالقلق يقف بين ناريْ الشك واليقين. أول ما تعرفت عليه كان في أوائل أيلول بباريس عندما سافرت هرباً من وحشيّة صارخة حيث انتصرت الميليشيات والدولة المحلولة على طفولة زاهرة.

اقتلعت من الخبز الساخن لأزَّج في المجهول. جاء جورج من بيروت للمشاركة في احتفالات صحيفة الانسانية l›humanité، وكنت في صدد إصدار اسطوانتي الأولى حيث عالجت البكاء بالغناء وكانت الفتنة وجرح المنفى والحرب يتحققان وأقنع نفسي بجدوى هذا العبث الجميل. باب الخريف في تلك السنة انفتح على «وعود من العاصفة» وهناك دائماً رائحة ضوء مجهولة مليئة بالعزاء في مكان بعيد. وكان جورج لا يزال يتأمل وكنت شاباً مراهقاً مرتجفاً في دوَّامة الحرب الضروس، أتمسك بالنور وكل شيء معتّم واقاوم الإعصار بوتر العود. مدّ يده لي من فوق حقيقة هذا العالم المجرمة وكان مؤمناً بالحب، مشمولاً بالحب ولو لم يكن مناضلاً لكان حبيساً في دير. عاش وحيداً مع انه لم يكن يفتقر إلى المعجبات، والمغرمات يحمن حوله. إلاّ أن أحداً لم يمنحه السند المريح واليد الرقيقة وخاصة بعدما ترك عائلته الميسورة وذهب إلى حلمه في تغيير العالم. كان جورج يتميّز بفكره الثاقب وذاكرته الغنيّة وبالجرأة في التعبير عن أفكاره وقناعاته. ليتك بقيت يا جورج لتنقلنا كما كنت تفعل دائماً الى كوكب آخر لا يزال فيه العشب أخضر والماء ماء والأحلام أحلاماً... ولو خابت. يا ليت هذه الدنيا تحرز يا جورج. لقد خنقتك التفاهة والوحشيّة والضجر وكذلك الضيق والضجّة. أمكنة دبقة قذرة ومهسترة لم يعد من الممكن العيش فيها مع الحياة. لا صيف ولا شتاء ولا ربيع ولا خريف يكفينا لنحلم ونغني. تركت لنا الصدى الأبدي في حبر كلامك ورحلت. غياب راكض بين ظلال صورتك يشدني لأهمس لك: ما اجملك. غيمة الألوان سالت داخل الصورة بريشة حلمك وكلما كانت تضيق بنا الارض كنت توسعها بجناحك. سنمشي الى ذلك الزمن كي نتنفّس. هل تعود غداً؟ ما هذا الحنين الذي لا يفسّر؟ سأحذر هذا الحنين. لن اتركه يلتف عليّ. ثمّة حب ينتظرك دوماً ولا شيء يثبت هذا الحب غير هذه الكلمات المبعثرة ورضوخي السريع لرغبة الصديق بيار ابي صعب: اكتب لنا من فضلك نصاً وداعياً يليق بالبطل. أتذكر يا جورج عندما سافرنا سويّة على متن طائرة تحلّق على علوّ ٣٣ ألف قدم الى تشيكوسلوفاكيا في رحلة استثنائيّة ولم تهدأ طوال الرحلة تقوم من مقعدك لتمشي ثمّ تعود لتحكي عن الثورة التي ستنجح في المستقبل هي التي ستعيد الى البشر الضحك على مدى صوته، هي التي ستعيد الى المجتمع العيد والاحتفال وهي التي ستحمل ــ في ما ستحمل ــ الحب الى العرش لأنه نور الخبز وخمره. نعم يا جورج بلا خمر لا يؤكل الخبز. الخبز ناشف بلا خمر. الخبز يابس بلا فرح الخمر وصوفيّة نشوته. وكم شربنا في تلك الرحلة حتى انتشينا. كاسك يا رفيق! اتسع اليوم الشعور بالفراغ. الأمل نام قليلاً. هل نام استعداداً للنهوض من جديد. الله واحد. الحزب واحد. الحاكم واحد. اللا شيء واحد. الصفر واحد. وانتّ كالكثرة. سنحاول ان لا نكون «واحد « لنواجه الواقع وحتى لا تصرعنا الخيبة. لنا الحب يا جورج وليس لنا غيره. عد بإيمان الشباب الذين ينتظرونك من كل تلك الجراح لنمسك الأمل المطلّ كما يمسك الغريق خشبة الخلاص. أكثير يا صديقي ان نحلم بهذا القليل! ترحل في اول أيلول ذلك الشهر الذي أخبرتني عنه ذات يوم وانت تعد أيامه ورقة ورقة. تلك الايام الميمونة حيث كان الانتظار الكبير انتظار أيلول لندخل الى المدارس. ــ متى كان ذلك؟ ــ من سنين! ــ أين صار ذلك البلد الذي كنّا نقطع مسافة البرق الى مشغرة؟ كان اسمه جورج بطل كان اسمه لبنان ابكي اليوم يا جورج وَيَا وطني وكيف سنخرج من قهرنا في زمن القسوة. نبكي اعماراً لنا قتلوها، اسكنوا فيها الخوف القلق الحسرة التهديد الذل الخوف الظلم القهر الاغتراب. كانت تحتلنا الجيوش وصارت تحتلنا الاشباح. ابتعد يا جورج والتزم الصفاء واناجيك بروح نقيَّة ولا اعذبّها بظلام الآخرين. لقد أفرغوا الكلام من معناه وشوهّوا مضمونه. صوتك يدخل عليّ عميقاً، يملأ حواسي. هل ذهبت لتغسل القمر من مياه الينابيع السحيقة؟ هل هنا تنتهي رحلة الطيور؟ هل الحياة في مكان آخر على رأي كونديرا؟ كم تألقت يا جورج بكلماتك وكم باخ لون باقي الكلام. عرس زهور وياسمين وزعتر في ذكراك وقدّاس وجنّاز لراحة نفوس معظم الأحياء. أشدّ على روحك بصمت عميق. كم احبك يا رفيقي.

«أنا ماركسي لينيني، وسأبقى حتى آخر يوم في حياتي»، يقول الزعيم الكوبي، فيديل كاسترو، الذي يحتفل اليوم بعيد ميلاده التسعين

 

رنا حربي - الاخبار

 

 

في شهر نيسان الماضي، ألقى فيديل كاسترو، الذي لطالما آمن بأنه سيموت وهو يلبس «البوط العسكري»، كلمة وصفتها الصحافة بكلمة وداع. قال فيها، وسط هتافات الحضور باسمه: «قريباً سيكون عمري 90 عاماً... الكل يأتي دوره... قد تكون هذه المرة الأخيرة التي أتحدث خلالها في هذه القاعة، ولكن الأفكار الشيوعية الكوبية ستبقى إلى الأبد».

 

اختار زعيم الثورة الكوبية عدم الظهور إلى العلن في سنواته الأخيرة، وهو الذي كان يقول دائماً: «لا أعتقد أن الإنسان يجب أن يعيش إلى أن يهرم وإلى أن تخفت الشعلة التي أضاءت ألمع لحظات حياته». لكن التراجع عن الظهور، لم يمنعه من مواصلة مقارعة العدو الأول، أي «الإمبراطورية الأميركية»، ففي آذار الماضي، وجّه انتقاداً لاذعاً إلى الولايات المتحدة بعد «الزيارة التاريخية» للرئيس، باراك أوباما، لهافانا. قال إن «الاستماع إلى كلمات الرئيس الأميركي كانت ستسبب أزمة قلبية لأي شخص»، مضيفاً: «لسنا بحاجة لأن تقدم لنا الإمبراطورية هدايا من أي نوع كان»، مذكراً بلائحة طويلة من الخلافات بين البلدين. يرى الكثيرون أن كاسترو كان ولا يزال «شوكة في حلق الولايات المتحدة» التي حاولت مخابراتها اغتياله «أكثر من 634 مرة» (كما ذكر مسؤول كوبي)، لكنها فشلت وحكم كاسترو البلاد قرابة 50 عاماً، شهد فيها رحيل وصعود نحو 10 رؤساء أميركيين، جميعهم حاولوا إطاحته بشتى الطرق بهدف القضاء، أو على الأقل احتواء، فكر مناهض للإمبريالية والهيمنة الأميركية. ولد كاسترو في 13 آب عام 1926 لأحد المزارعين، وسرعان ما تمرّد على الحياة المترفة التي وجد فيها تناقضاً كبيراً مع حالة الفقر والحرمان السائدة في مجتمعه. تخرّج كاسترو في كلية الحقوق بجامعة «هافانا» عام 1950، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في القانون، رفع قضية ضد رئيس البلاد حينها، فولغنيسو باتيستا، اتهمه فيها بانتهاك الدستور.

وبعد رفض دعواه القضائية، اختار كاسترو حمل السلاح وهاجم ثكنات مونكادا العسكرية، في محاولة فاشلة لإسقاط النظام المدعوم من الولايات المتحدة. سجن كاسترو ثم عُفي عنه، ونُفي، إلا أنه عاد إلى كوبا في عام 1956، بعدما شكّل مجموعة ثورية برفقة تشي غيفارا، ونجحت الثورة التي قادها مع «الثوار الملتحين» تحت شعار «لا لصوص، لا خونة، لا تدخل خارجياً! هذه المرة الثورة حقيقية»، وأُطيح باتيستا، الذي هرب في كانون الثاني من عام 1959. في ظل تقرّب كاسترو من الاتحاد السوفياتي، أصبحت كوبا معقلًا للحرب الباردة، وفي عام 1961 اجتاح كوبا نحو 1,400 من المنفيين الكوبيين، الذين درّبتهم وسلّحتهم وكالة الاستخبارات المركزية، في خليج الخنازير في محاولة فاشلة لإطاحة النظام. وكشف أرشيف الأمن القومي الأميركي في ما بعد أن الولايات المتحدة بدأت التخطيط لإطاحة كاسترو في وقت مبكر من تشرين الأول عام 1959. حوّل كاسترو، الذي اشتهر باللحية السوداء والبزة العسكرية، كوبا إلى دولة اشتراكية يحكمها حزب واحد، هو الحكم الأول من نوعه في نصف الكرة الغربي. يقول الزعيم الكوبي إن «الرأسمالية بغيضة وقذرة ومقرفة، لأنها تسبب الحروب والنفاق والمنافسة»، ويؤمن بأنه لا بد لتناقضات الرأسمالية الأميركية من أن تدمر نفسها. ويعتقد أن «إيرادات الشركات الكوبية التي تديرها الدولة يجب أن تصرف حصراً على مصالح الشعب». بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، نجح كاسترو بالسيطرة على الحكومة خلال الأوقات الاقتصادية العصيبة، وفي عام 2008 استقال من الرئاسة بسبب مرضه، تاركاً الحكم لأخيه راؤول. توقّع الكثيرون أن يسير راؤول على خطى أخيه، لكن كوبا كما أرادها كاسترو بدأت تتغير بالفعل، وباتت البلاد تعرف تحولاً من النظام الاشتراكي إلى نظام اقتصادي مختلط، وتتبنى سياسات «أكثر انفتاحاً» على القطاع الخاص، فيما يجري خفض عدد الوظائف في القطاع العام وكذلك إعانات الدولة. ولعلّ الخطوة الأهم تمثلت ببدء تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. قد يصعب التكهن اليوم بمستقبل الجزيرة الكوبية، لكن «الثوري الأحمر» لا يزال صامداً بعدما طبعت سيرته ذاكرة القرن العشرين... الغنية بالمراحل الجميلة (والقاتلة).

بسام القنطار - الاخبار

 

المرة الوحيدة التي تحدثت فيها مع جورج عبدالله، كانت في منتصف نيسان الماضي. اتصال هاتفي خاطف بعد ان علم بوجودي في منزل عائلته في القبيّات في زيارة خاصة. لم يترك لي صوته الجهور والمتقد حماسة فرصة للحوار.

قدم التعازي باستشهاد سمير القنطار. ابلغ سلامه لجميع من يسأل عنه. اعتذر عن عدم الاطالة في الحديث لأسباب تتعلق بادارة السجن. كان اتصالاً من طرف واحد تقريباً. اليوم تحتفل سفارة فرنسا في بيروت بالعيد الوطني الفرنسي. وكعادتها منذ سنوات، تنظم الحملة الدولية لاطلاق سراح جورج عبدالله «احتفالاً» موازياً. على الرصيف المقابل لبوابة «قصر الصنوبر»، سيقف عشرات النساء والرجال الأحرار، ويهتفون من أجل حرية جورج حتى تُبح حناجرهم، ثم سيغادرون. يعرف المتضامنون ، ويعرف جورج، ان فعل التضامن هذا لن يطعم حرية. لكنه على الاقل يشكل ادانة مستمرة، وان خجولة، لوقاحة فرنسا غير المسبوقة في الابقاء على هذا المناضل اللبناني قرابة ٣٢ عاماً في سجونها. جورج يشجع هذا النوع من الانشطة، لا بل يحرّض عليها. لكنه، في المقابل، يتخذ موقفاً راديكالياً صلباً ضد اي خطوة ذات طابع قضائي تتعلق بقضيته. وهو أبلغ ذلك الى كل من يعنيهم الامر، خصوصاً الى محاميه جان لوي شالونسيه. لكن جورج يعرف أيضاً أن قضيته لم تحضر في وسائل الاعلام إلا أثناء الاستحقاقات القضائية المتعلقة باجراءات الافراج المشروط التي تقدم بها تسع مرات، وكانت تعطلها الادارة الفرنسية دائماً، تارةً بحجة عدم صلاحية المحكمة، وتارةً أخرى بحجة انه رسب في فحص «معاداة السامية»! وعندما ضاقت السلطات الفرنسيّة ذرعاً بقاض جريء قرّر الافراج عن جورج عبدالله، رفعت قضيته الى الاستئناف فالتمييز. وهناك سحب من التداول موضوع الافراج المشروط عن عبدالله بفتوى مهينة، كما يجمع كل الذين اطلعوا على الحكم القضائي لمحكمة التمييز. فقد اعتبرت الأخيرة ان الافراج المشروط لا ينطبق في حالة جورج عبدالله، لتعذر مراقبته عبر وضع سوار الكتروني في رجله لفترة عام ونصف! هل يدعونا ذلك الى اليأس؟ قطعاً لا. لذلك فإن هذه الأسطر هي مناشدة إلى جورج، بقدر ما هي صرخة للتذكير بقضيته العادلة. يجب علينا جميعاً، نحن الذين نؤمن بأن هذا الرجل الذي احتفل بعيده الـ ٦٥ في زنزانته في سجن «لانميزان»، في الثاني من نيسان الماضي، أن نتوجه اليه بمناشدة عاجلة بأن يتراجع عن موقفه الرافض لأي شكل من أشكال التظلّم القانوني للإفراج عنه. إستخدم المحامي الراحل جاك فرجيس قوس المحكمة الفرنسي منصة لادانة سجان جورج عبدالله، ولادانة «العاهرة الفرنسية والقواد الاميركي»، وللتضامن مع القضية الفلسطينية. وتابع على النهج نفسه محاميه شالونسيه الذي تحمس في بداية توكيله من قبل جورج، وجمع تواقيع عشرات النواب في مجلسي النواب والشيوخ في فرنسا على عريضة تطالب بالإفراج عنه. نتمنّى بشدّة على جورج أن يتقدم بطلب جديد للافراج المشروط. نريد أن تُرفع قضيته الى محكمة حقوق الانسان الأوروبية، نريد أن تُرفع شكوى بإسمه أمام لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة، وأمام لجنة المساءلة القانونية المنبثقة عن بروتوكول اختياري وقعت عليه فرنسا ويرتبط بالعهد الدولي الخاص للحقوق السياسية والمدنية. نريد كل ذلك، ليس فقط لقناعتنا بأن هذا النوع من الآليات القانونية كفيل بالإفراج عن جورج عبدالله، بل لأنّنا نعتبرها ادوات ووسائل لابقاء القضية حاضرة. لكن جورج يرفض كل هذه الخطوات رفضاً قاطعاً. حضر وزير خارجية فرنسا قبل يومين الى بيروت، فلم يجرؤ أحد، أي أحد، حتى ممن يصنفون أنفسهم في خندق المقاومة الذي حفره جورج عبدالله، ان يذكّر بقضيّته. هذا عار. لكن العار ايضاً ان نبقى مكتوفي الأيدي، وأن نستسلم وأن نيأس. والعار أيضاً ألا نجد وسيلة لاقناع جورج بأن الادوات الامبريالية التي تُطلق عليها تسميات مثل «محكمة حقوق الانسان»، لا تمكن إدانتها من خلال مقاطعتها، بل من خلال طرق بابها بإصرار، كي نفتح كوة في هذا الجدار. قالها امل دنقل يوماً: «آه... ما أقسى الجدار عندما ينهض فى وجه الشروق ربما ننفق كل العمر… كي ننقب ثغرة». جورج لك كل الحب ... والتمني بقبول هذه المناشدة!

غسان ديبة - الاخبار

 

«لو كان ظاهر الأشياء مطابقاً لجوهرها، لما كان هناك حاجة للعلم» كارل ماركس

 

في كتابه الجديد حول مجتمع الكلفة المتلاشية وإنترنت الاشياء، يقول العالم المستقبلي، جيريمي ريفكين، إن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة أصبحت في مرحلة من التطور التكنولوجي يمكنها أن تنتج الكثير من السلع من دون كلفة تذكر، وبالتالي هذا سيؤدي الى اهتزاز الرأسمالية وأفولها، لأن منطق الربح والعمل اللذين يشكلان أساس الرأسمالية سيصبحان هامشيين في المستقبل القريب.

 

إن الوصول الى واقعية الاحتمال الكبير لهذا المجتمع الجديد لم يأت هكذا من السماء، بل تطلب أكثر من مئتي عام من العمل المنتج وتراكم رأس المال والتوسع الرأسمالي في الدول الرأسمالية المتقدمة، ما أتاح تطور الانتاجية واختراع أنواع جديدة من التكنولوجيا، كتكنولوجيات المعلومات. وهذه عندما تربط الآن بالذكاء الصناعي والروبوتات وتكون مع "الأشياء" نوعاً من البيئة الجديدة أو "إنترنت الأشياء"، تتيح للبشرية أخيراً إمكان البدء بالاستمتاع بمجتمع الوفرة ونهاية الرأسمالية. في المقابل، يستمر الاقتصاد اللبناني في محاولاته الدائمة للقفز فوق المراحل، وأهمها مرحلة تراكم رأس المال والعمل المنتج تلك، وذلك عبر الاتجاه دائماً الى البحث عن مصادر جديدة للريع، وفي بثّ الاوهام "الانتاجية" من "اقتصاد المعرفة" و"مستشفى وجامعة الشرق الاوسط"، الى آخر المعزوفات التي ينتجها العقل الريعي ــ نصف المتعلم، الذي تكوّن جماعياً على مدى عشرات السنين. هذا العقل الذي تكوّن من الاعتماد الادماني على الريع الداخلي والخارجي على أنواعه، من مساعدات خارجية وتحويلات مغتربين وعقار وفوائد، أدى الى فقدان الوعي عند الكثيرين بالعلاقة بين العمل المنتج وتراكم رأس المال الحقيقي وبين المداخيل والاستهلاك. وآخر الملاذات الريعية الذي يبثّ الوهم حولها هو النفط والغاز؛ هذا المورد الذي أتى تاريخياً مجبولاً بالدم والعرق والغبار والمآسي، ولكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته أحلام اليقظة في الإثراء السريع والسهل والبراق من دون أي عمل يذكر. لكن يبقى الوهم الأكبر الذي لا يزال يسيطر على العقول هو الاعتقاد، على الرغم من الاستدانة والحاجة الدائمة الى العملة الاجنبية لتمويل عجوزات الخزينة والتجارة، بأننا نستطيع بطريقة ما أن نخترع عبر "هندسة مالية" آلة أزلية (perpetual machine) تستطيع أن "تنتج" لنا "دولارات" يمكن استعمالها في ميزانياتنا وعملياتنا النقدية. آخر هذه الاختراعات كان منذ أكثر من شهر، كما جاء في جريدة الأخبار، إذ "نفذت وزارة المال استبدال سندات دين بالليرة بسندات دين بالدولار (Eurobond) بقيمة ملياري دولار لحساب مصرف لبنان.

تأتي هذه العملية في إطار التنسيق المتبادل بين وزارة المال ومصرف لبنان، وهي تسهم في رفع الاحتياطات المالية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، ما يعزّز الثقة بقدرته على مواجهة أي ضغوط مالية ونقدية".هذه الهندسة المالية ما هي إلا وهم أيضاً، وتدخل في سياق "خلق" الدولارات. فالمصرف المركزي يستطيع فقط أن يتدخل دفاعاً عن الليرة بواسطة احتياطه النقدي بالدولار (cash reserves) وليس بواسطة سندات الخزينة اللبنانية وحتى لو كانت بالدولار، إلا إذا كان لديه سندات خزينة صادرة عن دول غير لبنان (مثل أميركا). بالطبع يمكن للمصرف المركزي أن يبيع هذه السندات في سوق ثانوية ويحصل على الـcash بالدولار، ولكن هذا لن يكون متاحاً له في ظل بوادر أزمة نقدية تستدعي تدخله أولاً باللجوء إلى الاحتياطي النقدي وصولاً الى هذه السندات. ففي ذلك الوقت الذي سيحاول فيه بيع هذه السندات، نكون قد أصبحنا في وضع لا أحد يريد شراءها أصلاً، ويكون قد فات الاوان وانهارت الليرة اللبنانية! إذن هذه العملية ما هي إلا عملية تجميلية لرفع الاحتياطي الاسمي لمصرف لبنان وليس الفعلي! إضافة الى ذلك، فإن لهذه العملية آثاراً سلبية من حيث انها تزيد من دين الدولة بالدولار وهذا سيّئ؛ ومن سخرية القدر أن المصرف المركزي، وهو هيئة عامة تدفع الدولة اللبنانية إلى أن تقوم بذلك! في عام 1983 كتب الاقتصادي الفرنسي الان ليبيتز أن الاقتصاديات الرأسمالية في السبعينيات كانت تعيش على الاستدانة وانفصال عالم النقد عن القيم الحقيقية، فشبّه الاقتصاد الرأسمالي آنذاك بالشخصية الكرتونية التي نعرفها كلنا، والتي تسير في الجو لمدة ثم فجأة تكتشف ذلك فتسقط. وقال عن التضخم الذي أصاب الدول الرأسمالية المتقدمة في تلك الفترة "إن التضخم المتسارع هو ليس مرضاً بحد ذاته، بل هو عوارض مرض نفاذ نمط التراكم." فهذا الاستنفاذ هو الذي جعل الرأسمالية تحاول حل هذه المعضلة عبر النقد والاستدانة وصعود عالم المال. أما في لبنان اليوم، وبعد أكثر من عشرين سنة من تغليب المال والريع والعقار على الإنتاج والعمل، يمعن اقتصادنا أكثر فأكثر في ديناميكية انفصال العالم النقدي عن الاقتصاد الحقيقي، ما يجعل الأزمة أعمق في الواقع ولكن غير ظاهرة للعيان. ومن أجل الإبقاء على ذلك، يغرق المصرف المركزي أكثر فأكثر دفاعاً عن هذا الوهم. والمفارقة أنه لا يستطيع لذلك سبيلاً إلا بخلقه أوهاماً أخرى، متجاهلاً أن النمط الاقتصادي اللبناني في أزمة كبرى، وأن الجميع ينتظر الآن متى ستسقط شخصيتة الكرتونية العائمة على غيوم من الريع، ويسقط معها آخر أوهام الرأسمالية اللبنانية.

راجانا حمية - الاخبار

لم تبقَ إلا الشجرة، تلك التي صارت بنصف «قامة»، لتذكّر بليلة مرّت قبل عشر سنوات. هناك، في الدار الواسعة التي كانت تؤوي خلال حرب تموّز 96 هارباً من الموت، كبُرت شجرة الجوز. امتدّت ظلالها الوارفة لتغطّي المصطبة الجانبيّة وجزءاً من قطعة الأرض التي حوّلتها صواريخ الحرب، يومذاك، بوراً.

وحدها، بقيت لتسند الذكرى، فيما شجرة التفاح التي أسند إليها مختار بلدة الجمالية حسين جمال الدين وجعه، ليل استشهاد ابنه مكسيم وستة من الرفاق والجيران، انتهت، كما بقيّة الأشياء التي راحت تباعاً. قدر الإمكان، حاول أبو مكسيم إبقاءها على قيد الحياة، فهي بالنسبة له «كلّ ما بقي من أثرهم». ظلّ يعالجها عاماً كاملاً، وإن لم يكن لديه اليقين، حينها، بأنها ستعود، «بعدما نزل فيها 7 صواريخ». لكنّه، صبر، وفي كلّ يوم، كان يرمّم «جرحها» ويسقيها. كان يقول في سرّه «لازم تعيش». كان يعوّل على هذا البقاء، ولم يكن مجنوناً. قبل أشهرٍ من الذكرى العاشرة على حرب تمّوز، انفلش جذع شجرته. بقي نصفه مغروساً في الأرض، فيما انهار الجزء الثاني. يومها، شعر الرجل بأن شيئاً ما يُتلَف في قلبه. «انوجعت»، يقول. مع ذلك، لن يستسلم «فسأفعل ما في وسعي كي تبقى». اليوم، تمرّ عشر سنواتٍ على الحرب المشؤومة. وتمرّ عشر سنواتٍ «إلا شوي» على المجزرة التي وقعت تحت «الجوزة»، والتي صارت مع الوقت تعرف بمجزرة الجماليّة. مع ذلك، لم يخفّف هذا المرور من وطأة الذكرى. لا يزال أبو مكسيم يلجأ إلى هناك، كلما اشتدّ الحزن في قلبه. يجلس في المكان نفسه الذي جلس فيه ابنه فجر الثاني من آب من العام 2006. يسند رأسه إلى الجذع المبتور ويتذكّر ابنه الذي لم يكن قد بلغ بعد السابعة عشرة من عمره «النشيط. الذكي. لعيّب فوتبول من الدرجة الأولى وقائد لـ36 شاباً وصبيّة، كثيرون منهم يتجاوزون الثلاثين عاماً».

كان «مميّزاً»، يقول. لهذا، لم يسمّ أحداً من أحفاده مكسيم. لماذا؟ لأنهم «ليسوا ملكي، مكسيم كان لي، كنت أنا ربّه، أما أحفادي فهم لأهلهم وليسوا لي، ولن يحلوا مكانه». يسند يده إلى صدره، على ناحية القلب، ويقول «مكسيم هون»، وفيما لو فكّر بالزواج ثانية «فمن أجل أن أرزق بصبي وأسميه باسمه». لا يطاوعه هذا القلب بأنّ ثمّة أحداً سيعوّضه ابنه، ولو «كان النبي محمد، فعندما يقولون ما أغلى من الولد إلا الذي خلقه أقول لهم أنتم تكذبون. ما أغلى منو حدا». تغرورق عيناه بالدموع، لكنها تنزل «لا أريد أن أبكي أمام أحد. أريد أن أبقى قوياً. بيّ مكسيم القبضاي». هل تبكي وحدك؟ نسأله، فيجيب بإيماءة من لرأسه، ويستطرد قائلاً «لحالي وعندما أصلي. خمس مرّاتٍ في اليوم أصلي فيها أعيش فيها مع مكسيم». ثم يبتسم ويقول «هل تعرفين بأنني بدأت بالصلاة بعد المجزرة لأجل مكسيم؟». منذ ما بعد المجزرة، صار كلّ شيء يقوم به المختار لأجل مكسيم، حتى عندما زارته مؤسسة الشهيد كي تكرّم أهالي الشهداء، علّق ما أهدوه إياه عند باب منزله، حيث تطالعك عند المدخل لافتة ترحّب بك في «منزل الشهيد مكسيم حسين جمال الدين الذي استشهد فجر الثاني من آب من العام 2006».

لا يزال كل شيءٍ في رأسه على ما هو. الليل «اللي ما عاد خلص» محفوظ بصورٍ وتفاصيل. يرويها كما لو أنّها تحصل للتوّ. يسند يده إلى جذع الشجرة، ويعيد سرد الحكاية: كنت أقف هنا. فوق رأس مكسيم الذي كان يجلس القرفصاء، فيما البقيّة يجلسون حوله. كان الليل موحشاً، تضيئه بين الحين والآخر ضربات الصواريخ التي كانت تسقط في محيط مستشفى دار الحكمة. كنا نبعد عن دار المستشفى مئات الأمتار، ولم يكن لدينا إلا سلاح واحد يحمله مكسيم. مع ذلك، كنا ننتظر مرور الإسرائيليين بالقرب من خط «سكّة التران»، لنخطف واحداً منهم ونفشل الإنزال. انقسمنا مجموعات. أنا وشقيقي قمنا بجولة على بيوت الأهالي لنطمئنهم. أذكر بأننا وقفنا على بعد أمتارٍ من دار المستشفى، وأني انحنيت على الأرض ووضعت أذني على حافة الطريق وصرت أسمع خبطات أقدامهم. كانوا كثراً. عدنا. في طريق العودة، سمعت شاباً يقول «قتلنا جلبوط وأخدنا جلبوط». بعد انتهاء الليل سيعرف الأهالي من هو هذا الشاب. كان اسمه رضا مدلج وسمّوه بعد استشهاده «شهيد الوعد الصادق». أما «الجلابيط»، فكانوا جنوداً إسرائيليين. المهم، في تلك الليلة، أفشل «الجمّاليّون» إنزال دار الحكمة، الذي عرفوا في ما بعد بأنه يستهدف الشيخ محمد يزبك، «بحماستهم»، يقول المختار. لم يكن لديهم سوى «كلاشين» واحد و3 قذائف «روسيّة». يقول «رمى ابن أختي قذيفتين على دار المستشفى، فجنّ جنون الإسرائيليين وبدأوا يمطرون المحيط بالصواريخ»، كان من نصيب شجرة الجوز أمام بيت المختار سبعة صواريخ لم تبق من الجالسين تحتها أثراً. تطايرت الأجساد أشلاء. يتذكّر المختار بأنّه في تلك الليلة، جلس مع الشباب تحت الشجرة. تركهم «لحظة» قاصداً البيت المجاور. في تلك اللحظة، سقط الصاروخ الأول، تلته ستّة أخرى. حدث ذلك عند الثانية والنصف فجراً. استدار أبو مكسيم إلى الخلف، فرأى دخاناً كثيفاً وناراً تشتعل. ظنّ بأن البيت احترق بمن فيه. «أمسك» قلبه، ففي البيت ما يقارب 96 نازحاً. عاد أدراجه. وصل على مقربة من الشجرة وعرف بأنّ الكلّ مات تحتها. جلس تحت شجرة التفاح منتظراً طلوع الفجر كي يلملم الأشلاء. كتم سرّه خمس ساعات، خوفاً على القابعين داخل البيت. في الصباح الباكر، صار يفلفش في بقايا الأشلاء المتطايرة. عرف من ابنه «قدمه اليسرى وجزءاً من ظهره». مع طلوع الشمس، دفن أهالي القرية أشلاء شهداء المجزرة، ثم أتاهم الخبر من «صحافي أجنبي» بأنّ عليهم أن يخلوا القرية لأنّ الإسرائيليين سيدمرونها لأنّ «فيها مصنع صواريخ». سمعوا الخبر ثم استقلوا السيارات المتوفرة وتوجهوا نحو بلدة راس بعلبك، ليعرفوا فيم ا بعد بأن المصنع الذي استهدفه الإسرائيليون ليس مصنع أسلحة لحزب الله وإنما «مصنع قساطل». مع ذلك، لم يوفّر الإسرائيليون شيئاً هناك. «درزوا» محيط دار الحكمة بالصواريخ. وكان للجمالية الجزء الأوفر من الصواريخ، كونها الأقرب إلى المستشفى. وظلّت هذه القرية، التي يقول عنها ساكنوها القلائل بأنها كانت «فقط تقرب من المستشفى ولا وجود فيها لعناصر من حزب الله، بس كان فيها شويّة شيوعيين قدامى»، تتلقى الصواريخ حتى آخر لحظة في الحرب، حيث سقط على طريقها عقب أسبوع، 14 شهيداً آخرين، جلّهم من القوى الأمنية، كانوا يستقلّون باصاً لنقل الركاب. وكان من بين الشهداء «شقيق أحد الذين سقطوا تحت الشجرة».

الأكثر قراءة