زيارة نجاد: هل تستمرّ بعدها مفاعيل التهدئة؟ (حسن عمّار ــ أ ب) ب)في ظلّ صعوبة الوصول إلى تسوية سياسيّة، يظهر بوضوح أن رئيس الحكومة غير قادر على إدارة فريقه. وإذ تتميّز حركته السياسيّة بالبطء الشديد، أُطلقت رصاصة الرحمة على مفاعيل القمّة الثلاثيّة ومحور الـ«سين ــ سين»

ثائر غندور بعدما رُفع طويلاً شعار بناء الدولة، وقد استعمله الأفرقاء كافة من دون حسيب أو رقيب، باتت الكلمة السحريّة الآن هي التسوية. الجميع يريد التسوية. التسوية صارت هدفاً أول. ومعظم المنادين بها يُدركون أن المطلوب ليس إنجاز خطوة وطنيّة تهدف إلى إعادة بناء الدولة على أُسسٍ ديموقراطيّة. المطلوب اليوم تسوية. المطلوب حقنٌ للدماء. تدنّى الهدف كثيراً. لكن هذا الهدف بعينه بات صعب المنال. الساسة أنفسهم الذين يتحدّثون عن خوفهم هذا يرفضون الإفصاح عنه علناً. «لا أُريد أن أُرعب الناس»، يقول أحد المطّلعين جدياً على حقيقة الاتصالات السياسيّة المحليّة والإقليميّة. يتحدّث آخر، وهو وزير في الحكومة اللبنانيّة بقلق، قائلاً: «المهم الحفاظ على ما بقي من مؤسسات، والجيش في طليعتها». يكثر الكلام في الصالونات السياسيّة عن صعوبة هذه التسوية. بات يتندّر كثيرون، بسخرية غير القادرين على تغيير الأمور، على أن المشهد المقبل سيكون «جميلاً»: صدام السنّة والشيعة. هو مشهد يُشبه تكراراً بشعاً لخلاف علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل عثمان بن عفّان. معاوية أراد كشف «الحقيقة» قبل تولي رابع الخلفاء الراشدين الحكم. رفض المبايعة قبل الكشف عن الحقيقة. علي بن أبي طالب تعهّد بكشف القتلة، طالباً من معاوية مبايعته. هي الفتنة الكبرى، كما يُسميها العديد من المؤرخين. مشهد قديم يتجدّد بشكلٍ آخر. لا أحد يعرف أين سينتهي المشهد. يقول أحد المسؤولين السياسيين المؤثّرين الذي يرفض ذكر اسمه، إن من يقول إنه يعرف ما الذي سيحصل كاذب. هناك سيناريوات تُتَداوَل، لكن أيّ منها سيتحقق؟ هذا يعتمد على ردّة فعل «الفريق الآخر». يُكمل المسؤول قائلاً إن هناك من يميل لسيناريو معيّن فيتبنّاه، لا أكثر ولا أقل. طرفان مؤثّران في اللعبة السياسيّة يرغبان في الوصول إلى تسوية ما، كيفما كان، منعاً لإحراج نفسيْهما، وحقناً للدماء، ولمعرفتهما أن الاشتباك يُضعفهما مثلما يُضعف البلد: ميشال سليمان ووليد جنبلاط. أمّا الأطراف الأخرى، فيُمكن اختصارها بحزب الله وتيّار المستقبل. يتحدّث بعض الهادئين ـــــ المطّلعين، على أن كلا الطرفيْن عليه أن يخطو خطوةً إلى الأمام لاستدراك الوضع. حزب الله يعرف أن هدف المحكمة تطويقه وسوقه إلى المشنقة. لذلك، فإن عليه التعامل بهدوء أكثر مع هذا الملف، وعدم الذهاب إلى الفتنة، «لأن من يُدير المحكمة، أي إسرائيل، لا يُريد إلّا الوصول إلى الفتنة». أمّا تيّار المستقبل، فيكثر الحديث حوله، وخصوصاً عن رئيسه ورئيس الحكومة اللبنانيّة سعد الحريري. وبغض النظر عن وصف النائب عمّار حوري الكلام الذي نُشر في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن رئيس الحكومة سعد الحريري، بأنه «وسام شرف»، إلّا أن هناك الكثير ممّا كتبه سمادار بيري يتقاطع مع وصف العديد من السياسيين اللبنانيين للحريري، فهو «مثير للشفقة لا يكفّ عن عرض نفسه كضعيف الشخصيّة، سياسي خائف يفضّل الهرب إلى باريس أو زيارة أسياده السعوديين كلّما تعقدت الأوضاع». اليوم سعد الحريري هو رئيس حكومة كلّ لبنان، الذي يجب أن يكون الحاكم القادر على إمساك تفاصيل اللعبة السياسيّة، وخصوصاً أن لديه صلاحيّاته وسبعين مجلساً وصندوقاً تخضع لسلطته المباشرة، ولديه كتلة نيابيّة هي الأكبر في البرلمان، إضافة إلى حلفائه... يُفترض أن يستطيع الحكم من خلال هذا. لكن الواقع عكس ذلك. هنا المشكلة. فالصراع السياسي الدائر اليوم يتمحور حول عنوان واضح: المحكمة الدوليّة وقرارها الظني، «الذي أصبح بوضوح وسيلة ضغط بيد إسرائيل، تعمل من خلالها على تفجير الوضع في الداخل اللبناني، في الوقت الذي أعلن هذا الكيان، القضاء بالكامل على الآمال الباقيّة في أذهان المتوهّمين حصول نهاية إيجابيّة لسلام أوسلو عبر إعلان يهوديّة إسرائيل، ما يعني تحويل عرب 1948 إلى مواطنين درجة ثانية بالكامل»، يقول أحد المطّلعين رافضاً ذكر اسمه. يستذكر الرجل قولاً لقائد الثورة البولشفيّة لينين: «خطوتان إلى الأمام خطوة إلى الوراء. فهمها سعد الحريري بخطة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء». في هذا السياق، يأتي بيان كتلة المستقبل يوم أمس، التي شدّدت على أن التركيز يجب أن يبقى «منصباً على كشف حقيقة من ارتكب هذه الجريمة والجرائم المرتبطة بها، وذلك عبر المحكمة الدولية، مشيرة إلى أنه منذ وقوع جريمة الاغتيال البشعة وما تلاها من جرائم، كانت هناك محاولات مستمرة ومتعددة لتضييع هدف كشف الحقيقة وحرف المحكمة عن مسارها والتشكيك في صدقيتها». أضافت الكتلة أن «كشف محاولات التضليل المتعددة للذين أدلوا بإفادات تعوزها الصدقية أو ما يسمى شهود الزور هي مسألة لا يمكن أن تتضح معالمها ويتحدد أشخاصها إلّا في ضوء صدور القرارات الاتهاميّة والأحكام عن المحكمة بسبب سريّة التحقيق». ما جاء في بيان كتلة المستقبل يُشبه كثيراً «خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء»، إذ إن هذا الكلام يتناقض مع ما قاله الحريري لجريدة «الشرق الأوسط» عن شهود الزور. يأتي ما قاله نائب رئيس تيار المستقبل أنطوان أندراوس، لقناة «أخبار المستقبل» في الثالث من هذا الشهر عن أنه لا يجد زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للبنان أنها زيارة صديق، مشيراً إلى أن «نجاد من خلال هذه الزيارة يكمل رسالته إلى العالم بأن لبنان أصبح ساحة لديه»، في الوقت الذي يُقيم الحريري غداءً على شرف نجاد. كذلك الأمر حين يتحدّث الحريري عن حماية المؤسسات ويخرج النائب في كتلته خالد الضاهر ليُعلن أن الجيش سينقسم. إذاً، بحسب هؤلاء السياسيين، هناك مشكلة جديّة عند الحريري في إدارة فريقه. مشكلة تدلّ على أن الرجل غير ممسكٍ بفريقه بالكامل. ما يحصل في وزارة المال دليل على ذلك، إذ يُمسك الرئيس فؤاد السنيورة بمفاصل هذه الوزارة عبر مستشار وزيرة المال، نبيل يموت. كذلك يُمسك السنيورة بمفاصل كتلة المستقبل عبر تعاميم يوميّة للنواب.

مشكلة جديّة عند الحريري تدلّ على أنه غير ممسك بفريقه

من أخطر الأمور هو البطء الذي يُميّز حركة رئيس الحكومة

حزب الله يعرف أن هدف المحكمة سوقه إلى المشنقة، لذلك عليه التعامل بهدوء

الأمر الأخطر، هو البطء الذي يُميّز حركة رئيس الحكومة. لا أحد يعرف ما الذي ينتظره الرجل لضبط فريقه، رغم تعهّداته الدائمة بذلك لأطراف عدة. لا أحد يعرف ما الذي يمنعه من إعادة صوغ علاقته بدمشق بعدما قُطعت. وليد جنبلاط أعلن بوضوح خريطة الطريق للحريري: حاسب شهود الزور، وأنت من أكّد وجودهم، لتتحسّن علاقتك بدمشق. بطء الحريري وتلكؤه، أطلقا رصاصة الرحمة على مفاعيل القمّة الثلاثيّة التي جمعت في بيروت في نهاية شهر تموز الماضي الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد والرئيس ميشال سليمان. بمعنى آخر، بحسب مصادر رفيعة المستوى، إن ما يُسميه الرئيس نبيه بري الـ«سين ـــــ سين»، بات غير قادر على إنقاذ البلد من المصير الأسود الذي يتجه إليه، «وفي هذا الوقت تُكمل إسرائيل والولايات المتحدة تنظيم الفتنة المقبلة إلى لبنان». ثم أعطى جنبلاط رسالةً ثانيةً واضحة للحريري عبر قناة الجزيرة، عندما قال إن عملاء إسرائيل قاموا بالكثير في شبكات الاتصالات، فاتحاً الباب أمام الحريري ليوقف مفاعيل القرار الظني. يُردّد بعض السفراء الغربيين في بيروت، وهو ما يوافق عليه بعض السياسيين، أن المحكمة باتت خارج قدرة التأثير اللبنانيّة، وهنا يتحدّث أحد السياسيين بوضوح: «المطلوب صمام أمان داخلي لتفادي تأثير القرار الظني على السلم الأهلي». عدا ذلك، عندما تتكلّم عن فساد هنا وعن تعدّيات ومخالفات قانونيّة هناك، يأتيك جواب واضح: «كبّر عقلك، مين فاضي لهذا الموضوع». لا أحد يملك اليوم ترف البحث في تطوير مؤسسات الدولة؛ لأن المطلوب اليوم هو تسوية، أي تسوية تحفظ رأس المقاومة.

عدد الاربعاء ١٣ تشرين الأول ٢٠١٠

%لا %12 50

يقال في ما يشبه التهديد إنّ أولويّات الناس هي الهمّ الأساسي للحكومة، وإنّ توفير هذه الأولويّات يحتاج إلى أموال، وإنّ مصدر هذه الأموال هو المزيد من الضرائب. فإمّا أن يسهّل الأطراف السياسيّون مجتمعين فرض هذه الضرائب، وإمّا أن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم في حرمان الناس ما يحتاجون إليه. وفي تعداد الأولويّات، يجري ذكر الكهرباء، الاستشفاء، التعليم، الطرقات، البيئة... وتجري الإطالة في هذه اللائحة من دون الانتباه إلى أنّ الإطالة إنّما تُسقط منطق وجود أولويّات في الأصل. فلا يمكننا التحدّث عن أولويّات، حين نتطرّق إلى عشر مسائل دفعة واحدة. كذلك لا يمكننا الحديث عن سياسة اقتصادية حين ننفي وجود أولويّات، يتبعها ما هو أقلّ أولويّة. لقد كان رفيق الحريري أكثر جذريّة من ابنه حين بدأ فرض الضرائب. فلقد نسف من البداية المنطق الاقتصادي نفسه، معلناً أنّه ما من أولويّات عندنا، فاللبناني يحتاج إلى كلّ شيء. ما لم يقله آنذاك، هو أنّ الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى هم الذين سيدفعون مقابل كلّ شيء، أمّا الأثرياء، فسينعمون بالجنّة الضريبيّة. ولم يكن ينقص تلك الجنّة إلّا حور العين، وقد جئن بالفعل إلى فنادق فخمة تحوّلت إلى مواخير. ثمّة ما هو أسهل من مطالبة القوى السياسيّة المتناحرة بتحمّل مسؤوليّاتها. فلنطالب طبقات الشعب اللبناني كافّة بتحمّل المسؤوليّة، كلّ حسب طاقته. فتُفرَض الضرائب والرسوم الجديدة على الشرائح ذات الدخل الأعلى، ما دام الآخرون يتحمّلون أصلاً أعباء الرسوم السابقة. حتّى رفع معدّل الضريبة على القيمة المضافة، يمكن إقراره حتّى لا يبقى «بِعَين» أحد. لكن، فليُقَرّ على مجموعة السلع التي لا يستهلكها إلا الأغنياء. فلتُفرَض TVA 50% لا 15% فقط على السيغار والكافيار واليخوت... عندها، يصبح من الصعب الاعتراض، حتّى لو من باب النكاية، على السياسات الاقتصادية الجديدة. تأمّلوا كم هو جميل أن تبني الدولة مستشفى حكوميّاً جديداً في قرية نائية، من أموال جنتها بسبب الضريبة على سيّارات «البورش» الجديدة. أو أن تُوفّر الكهرباء 24 على 24 لأنّ المستهلكين الكبار يدفعون تعرفة أعلى من المستهلكين الصغار. أو أن تُبنى طرقات جديدة تدفع كلّ سيّارة تمرّ عليها خمسة آلاف ليرة فقط لا غير، شرط أن تكون السيّارة «موديل السنة». هذا لا يسمّى اشتراكيّة، ولا حتّى طرحاً راديكاليّاً. هذا يسمّى مشاركة المجتمع في تحمُّل مسؤوليّاته، وأداء الدولة دورها في حماية ضحايا السوق، ويسمّى أيضاً سياسة ضريبيّة عادلة. عندها، سيوفّر الرؤساء على أنفسهم رحلات التسوّل الدوريّة التي يقومون بها إلى الخليج، وإلى باريس 4... والأربعين حرامي.

 

خالد صاغية

«الموساد ـــــ عمليات كبرى»، كتاب صادر حديثاً في الدولة العبرية، يكشف تفاصيل جديدة، عن قصف منطقة دير الزور في سوريا بعد الادعاء أنَّ دمشق تبني مفاعلاً نووياً في المنطقة. إيهود أولمرت أبلغ الأميركيين ونال التعاون والموافقة على «تدمير المفاعل». بعد التفاصيل، يكشف الكتاب عن عملية اغتيال العقيد محمد سليمان بأيدي عنصرين وصلا إلى بيته عبر البحر

فراس خطيب على الرغم من التقارير الإعلامية الأجنبية التي أدانتها، لم تعلن الدولة العبرية رسمياً مسؤوليتها عن قصف موقع «دير الزور» في سوريا في أيلول من عام 2007. لكنَّ كتاباً إسرائيلياً جديداً، ألفه الإسرائيليان ميخائيل بار ـــــ زوهار والصحافي نيسيم مشعال، كشف تفاصيل حديثة العهد، طالما نفتها إسرائيل، عن تلك العملية التي اكتنفها الغموض. وألقى الكتاب الضوء مجدداً على حيثيات «العملية المعقّدة»، حين أقدم عناصر من وحدة «شلداغ» النخبوية الإسرائيلية بالوصول إلى «الهدف المعقد»، وأشاروا إليه بواسطة أشعة «الليزر» لتُلقي من بعدها الطائرات الحربية الإسرائيلية من طراز «إف 15» العبوات الناسفة. تفاصيل بدأت من هنا، وانتهت بالكشف عن عملية اغتيال العقيد السوري محمد سليمان في بيته في طرطوس، من دون الإشارة إلى هوية منفذي العملية.وبحسب الرواية التي يتضمنها أحد الفصول، الذي نشرته «يديعوت أحرونوت» أمس، بدأت العملية في العاصمة البريطانية لندن نهاية تموز عام 2007. أحد النزلاء في أحد الفنادق الفخمة في المدينة خرج من غرفته عند المساء، نزل بواسطة المصعد الكهربائي وغادر الفندق إلى سيارة كانت بانتظاره خارجاً. وأشار الكتاب إلى أنَّ الحديث كان عن موظف سوري رفيع المستوى، وصل إلى لندن من دمشق، وسارع إلى لقاءٍ في مركز المدينة. وقال الكتاب إنه في اللحظة التي خرج فيها الرجل من غرفته، قام رجلان عن كرسيَّيهما الواقعين في إحدى الزوايا الجانبية في لوبي الفندق، ودخلا إلى المصعد الكهربائي. وصل الاثنان إلى غرفة الضيف وفتحا باب الغرفة بمفاتيح مزيّفة. رصدا الغرفة ووجدا على طاولة المكتب حاسوباً نقّالاً. ركَّب الاثنان على الحاسوب برنامج تجسس يدعى «حصان طروادة». هذا البرنامج يمثّل «باباً خلفياً للحاسوب». من خلال ذلك الباب، كان من الممكن تعقب الحاسوب عن بعد ونسخ كل المواد المحفوظة فيه. خلال دقائق، ترك الاثنان الغرفة.من خلال الحاسوب، وصلت إلى الموساد الإسرائيلي مواد استخبارية كُشف من خلالها، «للمرة الأولى»، عمَّا يدّعى أنَّه «البرنامج النووي السوري». تضمنت المعلومات برنامج بناء المنشأة النووية في منطقة دير الزور، إضافة إلى مراسلات مع مسؤولين في النظام في كوريا الشمالية وتضمن أيضاً «صوراً ظهر فيها المفاعل مغطى بالباطون». وجاء أيضاً في الكتاب ما يأتي: «ظهر رجلان من خلال الصور: كان واحد منهما آسيوياً، تبين أنه من مسؤولي البرنامج النووي في شمال كوريا، والثاني كان عربياً، تبين في ما بعد أنه إبراهيم عثمان، رئيس اللجنة للطاقة النووية في سوريا».المعطيات المذكورة أُضيفت إلى معطيات أخرى جُمعت بين عام 2006 وعام 2007 بواسطة جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، التي تفيد ـــــ بحسب الإسرائيليين ـــــ بأنَّ السوريين باشروا العمل على بناء المفاعل النووي في إحدى صحاري «دير الزور» شمال شرق سوريا في منطقة قريبة من الحدود السورية التركية وتبعد مسافة 160 كيلومتراً عن الحدود السورية ـــــ العراقية. ورأى الكتاب أن إحدى المعلومات «المفاجئة» كانت أن «المفاعل بُنيَ بتمويل إيراني وبمساعدة خبراء من كوريا الشمالية».عرض الكتاب ـــــ من نظرة إسرائيلية ـــــ العلاقة التي دارت بين سوريا وكوريا الشمالية والتي بدأت منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد وقبل اندلاع حرب الخليج الأولى، حين وقّع الطرفان اتفاقاً للتعاون التكنولوجي والعسكري، وأنه في عام 1991 وصلت أول دفعة صواريخ من كوريا الشمالية إلى سوريا. ويكشف الكتاب أن وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه، موشيه أرنس، «رفض» قيام إسرائيل بعملية عسكرية لمنع وصول الصواريخ إلى أيدي السوريين. ويدّعي الكتاب أنَّ الرئيس السوري بشار الأسد، التقى الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ إيل أثناء جنازة والده، وبدأ الحديث عن بناء المفاعل النووي.وفي عام 2002 عقدت الجلسة الأولى بين مندوبين إيرانيين وسوريين وكوريين، تقرّر فيها أن يموّل الإيرانيون المشروع بمبلغ ملياري دولار، على ما يزعم الكتاب، الذي يقر بأنه، على مدار خمس سنوات، لم يعرف الإسرائيليون ولا الأميركيون أنَّ السوريين يبنون سراً مفاعلاً نووياً. على الرغم من وجود «إشارات كثيرة».وجاء في الكتاب أنه فجأة، حلَّ تغييرٌ دراماتيكي «أذهل» إسرائيل والولايات المتحدة: في السابع من شباط عام 2007، وصل الجنرال الإيراني علي رضا أصغري من طهران إلى دمشق، حيث كان من قادة حرس الثورة الإيراني ونائباً لوزير الدفاع. تأخّر أصغري في العاصمة السورية إلى حين تأكد من أن عائلته في طريقها إلى خارج إيران، حيث استمر من بعدها بسفره إلى تركيا. وقال الكتاب إنه في إسطنبول اختفت آثاره.بعد شهر تبين أنَّ أصغري فرّ إلى الغرب من خلال عملية مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وإسرائيل. وحُقّق معه في معسكر أميركي في أوروبا (يرجّح الكتاب أنه في ألمانيا). ويدّعي الكتاب أن أصغري «كشف لمضيفيه واحداً من الأسرار الخفية لطهران ودمشق»، إضافة إلى كشفه عن «العلاقة الثلاثية بين سوريا وكوريا الشمالية وإيران». وبحسب الكتاب، فإنَّ أصغري كشف أيضاً عن أن إيران «تدفع وتموّل إقامة مفاعل نووي»، وأنه سلّم تفاصيل إضافية عن وضعية المفاعل والمسؤولين الإيرانيين الذين يساعدون ويقدمون استشارات.المعلومات التي أدلى بها أصغري أدخلت الدولة العبرية إلى حالة من «الجهوزية العملانية». وقد خصص جهاز «الموساد» الإسرائيلي طاقات «للتحقق من المعلومات التي نقلها أصغري». عندها، اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه إيهود أولمرت برؤساء الأذرع الأمنية الإسرائيلية ضمن جلسة خاصة، وكان الاتفاق بينهم على أنه يجب العمل للعثور على إثباتات واضحة ذات أساس على المفاعل.وجاء في الكتاب أنه «كان واضحاً للجميع أن إسرائيل لا يمكنها التسليم بتحوّل سوريا، العدو المر والهجومي، إلى قوة نووية».خلال شهور قليلة، استطاع رؤساء الأجهزة الأمنية أن يضعوا على طاولة رئيس الوزراء «مادة مُدينة (لسوريا) فتّش عنها (أولمرت)». وادّعى الكتاب أن الإسرائيليين حققوا «نجاحاً آخر» حين استطاعوا تجنيد أحد العاملين في المفاعل «بطريق ملتوية»، حيث زودهم «صوراً كثيرة، وشرائط مصورة من داخل المبنى الذي بدا متكاملاً».إسرائيل عملت على تزويد الأميركيين وإبلاغهم بكل ما بحوزتها من مواد استطاعت جمعها عن المفاعل النووي. وتضمنت المواد صوراً التقطت من أقمار اصطناعية، وتنصتات على مكالمات جرت بين كوريا الشمالية ودمشق. وجاء في الكتاب: «بعد ضغط إسرائيلي، فعّلت الولايات المتحدة أقمار التجسس التابعة لها، وبسرعة، تراكمت مواد لحظية تضمنت صوراً التقطت بالأقمار الاصطناعية الأميركية المتطورة ومواد عُثر عليها بوسائل إلكترونية بيّنت أنَّ السوريين يواصلون بناء المفاعل بوتيرة سريعة».في حزيران عام 2007، سافر رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت إلى الولايات المتحدة حاملاً كل المواد التي جمعتها إسرائيل. في نهاية لقاء مطوّل مع الرئيس الأميركي جورج بوش، أعلمه أولمرت بأنّه «قرَّر ضرب المفاعل السوري». تردّد الأميركيون في البداية. وبحسب مصادر أميركية مطّلعة، فإنَّ البيت الأبيض قرّر كالتالي: «الولايات المتحدة تفضّل عدم الهجوم». وقال الكتاب إن وزيرة الخارجية الأميركية في حينه كوندوليزا رايس، ووزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس اقترحا على الإسرائيليين «مواجهة سوريا، لكن عدم الإقدام على مهاجمتها». في المقابل، أيّد بوش ورئيس مجلس الأمن القومي الأميركي ستيف هدلي مبدئياً العملية العسكرية، لكنهما طلبا «تأجيلها إلى حين فحص إضافي».ويكشف الكتاب أنه خلال عام 2007، أجرت إسرائيل AffinityCMSت جويّة على المنطقة بواسطة القمر الاصطناعي «أوفك ـــــ 7» و«تلقت صوراً عن العمل في المفاعل». شُخّصت الصور بواسطة خبراء أميركيين وإسرائيليين، حيث قرروا أن «سوريا تبني مفاعل نووياً على طراز المفاعل النووي في كوريا الشمالية يونغ بيون». وتوصل الخبراء إلى أن المفاعلين متطابقان.في المقابل، زوّدت وحدة التجسس الإسرائيلية 8200 مضمون مكالمات بين علماء سوريين وعلماء كورييّن. نقل الإسرائيليون المواد المصورة إلى الأميركيين، إلا أنَّ الأميركيين أرادوا «أدلة قاطعة» تشير إلى أن المبنى المذكور يستعمل فعلاً كمفاعل نووي، وأن مواد نووية موجودة في المكان. وقال الكتاب إنَّ إسرائيل «قرّرت أن تزود أيضاً هذه المعلومات».وجاء في الكتاب ما يلي: «في آب عام 2007، وجد «المسدس المدخن». الإثبات الدراماتيكي الذي لم يترك مجالاً للشك في أن السوريين يبنون مفاعلاً نووياً في دير الزور. الإثبات أحضره أفراد سرية هيئة الأركان (الوحدة النخبوية سييرت متكال)، الذين خرجوا في إحدى ليالي آب، في مروحيتين (عسكريتين) إلى منطقة دير الزور. وبواسطة أجهزة ثقيلة، أخذوا عدداً من عيّنات الأرض (التراب) التي كانت فيها مواد مشعة. كان ذلك الإثبات أن في المكان مواد نووية، أُعدّت فقط لهدف واحد. المواد نقلت إلى رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي ستيف هادلي الذي ردَّ بذهول، ودعا خيرة الاختصاصيين من أجل استخلاص العبر وإبلاغ الرئيس الأميركي في الجلسة الصباحية. بعد فحص الاختصاصيين، اقتنع هادلي بأن الموضوع جدي. وهو أيضاً تحدث مع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس الموساد، وفي أعقاب ذلك، استنتج أنَّ المفاعل يمثّل تهديداً ملموساً. واقتنعت الولايات المتحدة بأنه يجب تدمير المفاعل. الأميركيون منحوا ملفهم عن دير الزور اسم «البستان».وبحسب الصحيفة البريطانية، «صنداي تايمز»، اجتمع رئيس الوزراء أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني إلى جانب رؤساء الأجهزة الأمنية وقرروا بعد «جلسة طويلة» تدمير «المفاعل السوري». وأبلغ أولمرت رئيس المعارضة في حينه بنيامين نتنياهو بتفاصيل الخطة الهجومية. وأضافت الصحيفة، في حينه، أنه في الرابع من أيلول، دخل إلى دير الزور مقاتلو وحدة «شلداغ» (الإسرائيليلية) للإشارة إلى الأهداف بواسطة أشعة ليزر.حدّد موعد الهجوم في الخامس من أيلول 2007. عند الساعة 23:00، خرجت عشر طائرات من القاعدة العسكرية الإسرائيلية «راموت دافيد» باتجاه البحر المتوسط. بعد 30 دقيقة من الإقلاع، تلقت ثلاث طائرات من العشر أمراً بالعودة إلى القاعدة. الطائرات السبع الباقية واصلت وتلقت أوامر بالاتجاه نحو الحدود السورية التركية. ومن هناك دخلت إلى اتجاه المفاعل النووي. وقال الكتاب إنهم، في الطريق إلى هناك، «دمرت (الطائرات) جهاز رادار لتشويش القدرة السورية على التقاط اختراق الطائرات (الإسرائيلية)».بعد دقائق قليلة، وصلت الطائرات إلى دير الزور حيث أطلقت على المفاعل، بحسب الكتاب نفسه، صواريخ من طراز «ماوريك» جو ـــــ أرض، وقنابل تزن الواحدة منها نصف طن «أصابت الهدف بدقة، ودُمِّر المفاعل خلال دقائق».

وقال الكتاب إن «الإسرائيليين خافوا من ردّ سوري، فاتصل أولمرت برئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وقال له أن يبلغ السوريين: إن وجهة إسرائيل ليست للحرب».الرواية، التي يسردها الكتاب الجديد قالت إن «صدى الطلقات الأخيرة لقصف المفاعل السوري تردّد بعد 11 شهراً (على الغارة الجوية) وفي 2 آب من عام 2008»، عندما اغتيل العقيد محمد سليمان خلال إجازة استجمام في مدينة طرطوس السورية الساحلية. وعرض الكتاب العلاقات المتينة بين سليمان وعائلة الأسد، مدعياً أن «سليمان كان المساعد الأول للرئيس الأسد، وهو من كان مسؤولاً عن إقامة المفاعل وحراسته». وجاء في الكتاب أنه «في داخل النظام سمّوه الرجل الظل للأسد». وزعم الكتاب أن «سليمان كان حلقة الوصل بين القيادة السورية وكل من إيران وحزب الله».وعن عملية الاغتيال، جاء في الكتاب الإسرائيلي أنه «كان في ضيافة سليمان في منزله الصيفي في شاطئ طرطوس، عدد من الأشخاص الذين كانوا يسهرون معه ويجلسون حول المائدة في شرفة المنزل في تلك الليلة». ولم يشر الكتاب إلى هوية غطاسيْن ـــــ قناصين.وقال الكتاب، مشدداً على عدم الكشف عن هوية القناصين، إن الاثنين «وصلا من مكان بعيد، من طريق البحر، على متن سفينة أنزلتهما على بعد كيلومترين من بيت سليمان. من هناك، واصلا السير غطساً إلى حين اقتربا من البيت. كان الاثنان قناصين محترفين، صاحبي خبرة وهدوء أعصاب نادر». وأضاف: «شاهدا سليمان يجلس على كرسي وسط الطاولة ومن حوله الأصدقاء». وبعد التأكد من وجود سليمان جالساً عند المائدة، خرجا إلى الشاطئ وأطلقا النار على رأسه من مسافة 150 متراً وكانت الضربة قاتلة».

اعتراف نتنياهو

بعد عملية دير الزور، حاولت إسرائيل، التكتم على العملية المذكورة. رفضت الكشف عن أي تفاصيل تذكر أو الاعتراف بأنَّها هي من قامت بعملية القصف. لكن في تلك الفترة، وصل رئيس المعارضة في حينه بنيامين نتنياهو، إلى استوديوات الأخبار في القناة الإسرائيلية الأولى. سأله مقدّم الأخبار الإسرائيلي حاييم يفين سؤالاً عن العملية، فردّ نتنياهو بقوله: «عندما تفعل الحكومة من أجل أمن إسرائيل فإني أساندها. وهنا أيضاً كنت شريكاً بالأمر منذ اللحظة الأولى ومنحت لهذا مساندةً»، قاصداً عملية دير الزور.أثارت تصريحات نتنياهو، التي جاءت أثناء التكتّم الإسرائيلي، غضب المقربين من أولمرت الذين ردّوا بغضب أكبر على التصريحات بقولهم: «نحن في صدمة مطلقة من هذا الرجل (بنيامين نتنياهو). إنه عديم المسؤولية. إنه بيبي القديم».من بعدها، في عام 2008، بعد سبعة أشهر على العملية، أعلنت الإدارة الأميركية أن المنشأة، التي قُصفت في سوريا، هي «مفاعل نووي» بُني بالتعاون مع كوريا الشمالية ولم يُعَدّ «لأهداف سلمية».

يشترك لبنان وسوريا وتركيا في السلطة على نهر العاصي، إلّا أنّ البلد الأوّل، حيث المنبع، لا يجد المدخل المناسب لاستغلال طاقته الهائلة. وهذا المدخل يتصل، على الأرجح، بتصحيح العلاقات مع دمشق، وطمأنتها في شأن استغلال هذا المورد الثمين، الذي استحقّ اسمه على مرّ القرون، فمنذ ألفي عام وهو يعاند الجاذبيّة بغزارته، روى زراعات الإمبراطوريّة الرومانيّة وأطعم نصف العالم

حسن شقراني وعلى الرغم من أهميّة هذا النهر كمورد مائيّ، لم يعمل لبنان على استغلاله، علماً بأنه وقّع وسوريا في عام 1960، اتفاقيّة تحكم عملية تقاسمه واستثماره، ووفقاً لبنودها التي صاغها الخبراء حينها، حصل لبنان على 20% من المياه الإجماليّة التي تمرّ في لبنان سنوياً، والبالغة 400 مليون متر مكعّب بالحدّ الأدنى، وفقاً لما يوضحه رئيس قسم الاقتصاد في جامعة «AUST»، بسّام همدر. وبعد 34 عاماً، جرى تعديل بنود هذه الاتفاقية، إلا أنّ حصّة لبنان بقيت عند الخُمس، ولم تُفرض تغييرات ملموسة سوى في ما يتعلّق بحفر الآبار الجديدة على ضفّتي النهر في الأراضي اللبنانيّة: إذ بات الحفر ممنوعاً بعد عام 1994، مع إبقاء الآبار التي حفرها المزارعون في السابق. منذ ذاك الوقت رُسمت علامات استفهام عديدة حول مدى رغبة حكومة لبنان في الاستفادة من الحصّة المحدّدة في الاتفاقية، ومدى إمكان تطوير مشاريع خاصّة على النهر المثير للجدل، تجعل لبنان مستفيداً من تلك المياه على أصعدة كثيرة، بينها الكهرباء. فقد أعدّ دار الهندسة في عام 2004، دراسة متكاملة خاصّة بكيفيّة استغلال مياه العاصي، تقضي بإنشاء سدّ يرتفع 655 متراً لاستغلال خيرات النهر، وعُرضت تلك الدراسة على الوزارة المعنيّة، غير أنّها بقيت من دون أيّ قرار. ويوضح همدر، أنّ أصحاب القرار استبدلوا مشروع السد الكبير بآخر صغير يرتفع 65 متراً، وهو يؤمّن المياه فقط لمنطقة القاع ورأس بعلبك، وجزء صغير جداً من منطقة الهرمل، علماً بأنّ زراعات مهمّة تتركّز في هذه المنطقة، وهي بحاجة فعلية إلى مصادر للريّ. وبحسب مصادر مطّلعة فقد واجهت مشروع السدّ الكبير مشكلة كبيرة، فالمعطيات حتّى الآن تشير إلى وجود «قلق سوري» من إمكان أن يتخطّى لبنان حصّته من المياه إذا جرى إنشاء سدّ بهذا الحجم. ويبدو أنّ الامور لم تُطرح طرحاً شفّافاً بين الطرفين لكي يجري التوافق على إطلاق المشروع ليستفيد لبنان من منافعه الكثيرة. ولهذا يبقى الملفّ عالقاً مع تستّر على تفاصيله، وعلى أسباب تأخّر المباشرة بالمشروع المذكور. وعلى الصعيد الاستراتيجي يمكن تبرير خوف السوريّين عندما يتعلّق الأمر بمورد كالمياه، وخصوصاً أنّ المؤشّرات السوريّة على هذا الصعيد تعدّ مبعث قلق، ولا سيما بعد قضيّة الخلاف مع تركيا في هذا الإطار. فلمدّة 10 سنوات بقي سوء التفاهم بين أنقرة ودمشق قائماً في شأن تأثّر سوريا بسدّ أتاتورك. ولم تُحلّ هذه العقدة سوى أخيراً. ومن الصعب جداً أن تترك سوريا نفسها محشورة على صعيد المياه، وخصوصاً مع لبنان، حيث تعدّ مياه نهر العاصي حاجة أساسيّة ورئيسيّة لها بحسب مطّلعين على هذه المسألة. وفي المقابل، يتّضح من الأرقام العلميّة المقدّمة أنّ للسدّ منافع قد تبدو خياليّة للبنان. فحين تُرفع المياه لأكثر من 650 متراً فوق سطح البحر، يصبح ممكناً ريّ 7200 هكتار من المساحات الزراعيّة، أي ما يمثّل حوالى 35% من المساحة الإجماليّة البالغة 21 ألف هكتار. وستكون للمزارعين إفادة إضافيّة إذ ستؤمّن غزارة المياه من على هذا الارتفاع الاستغناء عن محرّكات ضخّ المياه، وتوفّر كلفة المازوت المترتّب على هذه العمليّة. ووفقاً للتقديرات التي يوردها بسّام همدر، فإنّ السدّ سيؤدّي إلى تبخر 6 آلاف متر مكعب من المياه سنوياً، ما «يخلق جنّة خضار حول النهر على مدار السنة». أمّا القضيّة الأكثر أهميّة، فهي تتعلّق باستغلال ضغط المياه المتراكمة لتوليد الطاقة الكهربائيّة. إذ إنّه وفقاً لدراسة دار الهندسة نفسها، التي وضعها نزيه طالب، يمكن استخدام 4 توربينات ضخمة لتوليد الطاقة: في المرحلة الأولى تغطّي الطاقة المولّدة كل منطقة البقاع، وفي المراحل المتقدّمة يصبح لبنان مصدّراً للطاقة إلى سوريا وتركيا والأردن، وفقاً لما يوضحه بسام همدر، الذي يشير إلى مشكلة الطاقة، التي يعانيها لبنان منذ أكثر من 30 عاماً، والتي يمكن أن تنتهي بإنشاء السدّ. وحالة الركود التي تسيطر على مشاريع لبنان الملقاة جانباً في ما يتعلّق بالسدّ، هي نفسها التي تحكم «التفاتة الدولة إلى منطقة العاصي عموماً» يقول همدر. فعلى ضفاف النهر نشاطات اقتصاديّة عديدة من مقاه ومطاعم. كذلك هناك نشاطات رياضيّة 500 كيلومتر هي المسافة الكليّة التي يقطعها نهر العاصي من منبعه في منخفض عين الزرقا، الواقعة بين الهرمل واللبوة، يمضي على الأراضي اللبنانية لمسافة 25 كيلومتراً، ثمّ يقطع 450 كيلومتراً في سوريا، ليلقي حمولته المائية في بلاد أتاتورك.

مثل الـ«Rafting» والـ«Canoe Riding»، كما هناك الأعمال المتعلّقة بتربية سمك الترويت، حيث يصل إنتاج المنطقة من هذا السمك إلى 500 طنّ سنوياً، وكلها مهملة على الصعيد الرسمي. إذاً فقضيّة العاصي بين لبنان وسوريا عالقة عند طموحات التطوير لدى البلد الأوّل، ومخاوف فقدان الحقوق لدى الثاني، ولهذا السبب لا بدّ من معالجة دقيقة وسريعة لهذه المسألة، وخصوصاً أن للبنان مشاكله الخاصّة في ما يتعلّق بمؤشّرات المياه عموماً. فبحسب الدراسات التي أعدّها برنامج الأمم المتّحدة للتنمية (UNDP) تراوح بين 1500 متر مكعّب و2000 متر مكعّب سنوياً الكميّة التي يحتاج إليها الفرد «لكي يعيش حياة صحية ونظيفة ونقيّة». وفي لبنان يتراجع ذلك المعدّل إلى 1460 متراً مكعّباً سنوياً. أي أقل من الحدّ الأدنى للمعدّل العالمي. وبهدف المقارنة يورد بسام همدر معدّلات مسجّلة في بلدان العالم: 120 ألف متر مكعّب سنوياً في كندا، و27 ألف متر مكعّب في أميركا اللاتينيّة. وفي المقابل يصل المعدّل في الأردن إلى 300 متر مكعب سنوياً، وفي غزّة إلى 57 متراً مكعّباً سنوياً.

12 ألف ليتر في الثانية

هي غزارة نهر العاصي، وهو من أنقى الأنهر في لبنان وأعذبها وأنظفها، ينبع من مجموعة ينابيع في عين الزرقا، وهي منطقة منخفضة تصبّ فيها المياه القادمة من اللبوة ورأس بعلبك، واليمّونة على الأرجح

وتبقى التساؤلات!

حتّى إذا حُلّت مشكلة نهر العاصي بين لبنان وسوريا، وأُزيلت أسباب القلق لدى السوريّين، تبقى التساؤلات موجودة بشأن جدّية الحكومة اللبنانية في إقامة سد كبير عليه، فلبنان أساساً لا يستغلّ حصّته البالغة بالحدّ الأدنى 80 مليون متر مكعّب سنوياً من العاصي، وتنطبق على العاصي صفة التبذير نفسها المسيطرة على قطاع المياه عموماً، إذ يترك لبنان، وفقاً لتقديرات الأمم المتّحدة والبنك الدولي، حوالى 500 مليون متر مكعّب من مياه الليطاني لتصبّ كلها في البحر، على سبيل المثال لا الحصر!

الأكثر قراءة