ضمن التحركات المناصرة للشعب الفلسطيني، يتقاطر ناشطون ومناضلون ينخرطون في «الحملة الدولية لإطلاق سراح اﻷسير جورج عبد الله»، إلى السفارة الفرنسية في بيروت، عصر الغد. يأتي استنكار العدوان على غزة مرتبطاً بالمطالبة بتحرير جورج إبراهيم عبد الله، المعتقل في فرنسا منذ ثلاثين عاماً. يهدف التحرك إلى التنديد بالمواقف الفرنسية الداعمة للعدو، و«تضامنا مع أهلنا في فلسطين».. عنوان التحرك «الحرية لجورج عبد الله والنصر لفلسطين». عنوان صادق.. فحكاية عشق قديمة بين جورج وفلسطين.. تلازم في الوعي والحياة. من نضاله في صفوف «الحركة الوطنية»، إلى التحاقه بالمقاومة، عبر «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، كان جورج مدافعاً عن حق مقاومة الاحتلال. التقى جورج بالمحتلين وجهاً لوجه في اجتياح العام 1978. الشاب الجريح في إحدى المواجهات، راقب التواطؤ الدولي مع المعتدين، وبلغ ذلك التواطؤ ذروته في اجتياح العام 1982، عندما حوصرت بيروت.. وصمت العالم، وصمّ آذانه في انتظار التخلص من المقاومة الفلسطينية. تحرك الغد يريده جورج. فلو قدّر له أن يكون بيننا، لا خلف قضبان «الديموقراطية» الفرنسية، لكان بين الجموع في عوكر بالأمس، يندد بالتواطؤ الغربي مع القتلة، أو في وقفة «أبناء الصمود» على الرملة البيضاء أمس، أو قرب صخرة الروشة اليوم يرفع صور الشهداء الأطفال وأسماءهم، ويرسل الورود «من بيروت إلى غزة»، أو في المخيمات التي لا تهدأ وتيرة التحركات فيها. لكنه ليس بيننا، هو في زنزانة «الديموقراطية» منذ ثلاثة عقود.. ينظر من بعيد إلى فلسطين التي رسمت مسار حياته. عماد الدين رائف

شهدت مناطق لبنانية مختلفة اعتصامات ومسيرات ولقاءات وتحركات تضامنية مع الشعب الفلسطيني. وكانت أيضا جملة مواقف منددة بالعدوان وبالصمت العربي داعية المقاومة الفلسطينية إلى الثبات والصمود. على صعيد التحركات، نظم اليسار اللبناني والفلسطيني والعربي مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني والمقاومة في غزة، انطلقت من منطقة ضبيه، يتقدمها قادة «الأحزاب» اليسارية وعلم كبير لفلسطين وحملة الأعلام الفلسطينية واللبنانية وصور الشهداء، وسط هتاف المتظاهرين المنددين بالولايات المتحدة الأميركية والعدوان الإسرائيلي والصمت الرسمي العربي، مؤكدين دعمهم الشعب الفلسطيني ومقاومته. وانتهت المسيرة باعتصام شعبي حاشد أمام السفارة الأميركية في عوكر وسط إجراءات أمنية مشددة. وحمل الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي» خالد حدادة في كلمة له للمناسبة الكيان الصهيوني تبعات جرائمه ومجازره بحق الشعب الفلسطيني وآخرها مجزرة الشجاعية، وندد «بالسياسة الأميركية التي تحمي إسرائيل وتغطي عدوانها بالدعم العسكري والمالي والضغط على المؤسسات الدولية لتغطية العدوان الفاشي». كما ندد «بالصمت العربي الرسمي»، مؤكدا أن»المقاومة الفلسطينية ستحقق نصرها في تموز كما حققت المقاومة اللبنانية نصرها في تموز عام 2006 وستسقط كل المشاريع الصهيونية والاميركية على صخرة صمود شعب فلسطين وشعوب المنطقة». وفي نهاية الاعتصام، أحرق المتظاهرون العلم الإسرائيلي وعلم الولايات المتحدة الأميركية.

ايلي الفرزلي - السفير

عندما بدأت «أم حسين» بشك الدخان مع قريباتها، لم تكن رائحة الموت قد غادرت أنفها. صباحاً، وجرياً على عادتها اليومية، ذهبت لتطلق الدجاجات من القن، إلا أن ذلك اليوم بدا مختلفاً. اخترقت رائحة حرب تموز رئتيها. التفتت حولها مستعيدة رعب اللحظات الأولى. الرائحة لا تغادر أنفها. مزيج من روائح الموت والصواريخ والبيوت المدمرة وشتل الدخان والبارود والتراب ولهيب تموز. لم تدرك «أم حسين» أن صباحها كان استعادة لثماني سنوات قضتها بلا أخيها الذي استشهد إلى جانب ابن خالها وابن عمها وصهرها و5 من جيرانها في مجزرة واحدة استهدفت ثلاثة منازل في قرية صريفا وأدت إلى استشهاد 21 مقاوماً. في 19 تموز كان موعد البلدة مع الموت. تضيع الحكاية بين أبنائها. منهم من يعتبر أن الطائرة الحربية الإسرائيلية دمرت الحي بكامله، فكانت الشهادة من نصيب ثلاث مجموعات من المقاومين الذين اتخذوا من بيوت الحي منطلقاً لهم. تلك رواية لا يتبناها كثر. معظمهم يؤكد أن استهداف المقاومين كان نتيجة رصد جوي (طائرة MK) ورصد أرضي (عميل). النتيجة كانت واحدة: استشهاد 9 مقاومين من «أمل» و7 من «الشيوعي» و5 من «حزب الله» اختلطت دماؤهم لتشكل عنواناً لقرية لا بوصلة لأهلها سوى المقاومة.. مهما باعدتهم العقائد. لم يفارق الشهداء بعضهم منذ ذلك الحين. عندما تمكن أهالي القرية من انتشال الجثث من بين الأنقاض، في نهاية الحرب، اتفقوا على استحداث مقبرة مشتركة للشهداء تخليداً لذكراهم. اختلطت الأعلام الحزبية بالعلم اللبناني في التشييع، كما اختلطت أجساد المقاومين بتراب البلدة.. التي تواظب على تقديم الشهداء منذ سبعينيات القرن الماضي. آخر كلمة قالها الشهيد أحمد نجدي لقريبه صبحي نجدي الذي كان مرابضاً في مكان آخر، عبر جهاز اللاسلكي: «شو ما متت بعد»؟ وما أن انتهت الغارة، حتى أيقن صبحي أن قريبه أحمد استشهد إلى جانب أخيه. حصار اجتماعي ـ خدماتي منذ ثماني سنوات، لا تزال المجزرة حاضرة في يوميات هذه البلدة الجنوبية. الوضع الاجتماعي الصعب لأهلها الذين يعتاش 70 في المئة منهم من زراعة التبغ، لم يمنع «أم أدهم» من القول: «يا ليتنا استشهدنا حينها»، قبل أن تستدرك، مستدعية عزيمتها مجددا: «سنبقى نشك الدخان ونزرع التبغ ولن يقوى علينا أي محتل». «أم أدهم» لها نصيبها من الظلم. بعد أن مات شقيقها في المجزرة مع عدد من أقربائها، أصيب ابنها بصاعق كهربائي أثناء سعيه لرفع علم على عامود كهربائي. ابنها مقعد، ولديها جرحان غائران منذ العام 2006، لا تزال ترفض استعادتهما: لحظة استشهاد أخيها ولحظة سقوط ابنها. غابت مشاهد الدمار عن القرية. البيوت الحديثة مسحت آثار الحرب عن كاهل القرية لا عن كاهل أبنائها. 300 منزلاً دمرت بشكل كامل، ٤٧٠ تضررت بشكل كبير، فيما نحو ألف تعرضت لأضرار متفرقة. أنجز ملف الإعمار، مع ذلك، ثمة نحو 250 منزلاً من الفئة الأخيرة ما تزال تعويضات اصحابها عالقة. بعضهم وصله شيك بـ100 دولار فقط. شعر كثر بالمهانة من تصرف الدولة، فلم يقبلوا «الحسنة» التي أعطيت لهم، مفضلين تقديم اعتراضات.. لم يبت بها بعد. للمناسبة، لم يكن «حزب الله» قد رفع سلاحه وذخائره من الأرض، في 14 آب 2006، حتى كانت وفود العائدين تملأ أزقة القرية. اضطر حينها إلى الاستعانة بأهل القرية لمساعدته بنقلها إلى المخازن. أيام قليلة وبدأت مرحلة إعادة الإعمـار أسوة بـكل قـرى الجنوب. هؤلاء يبنون غير خائفين من أي حرب جديدة. «لا خيار الا أن نبني بيوتنا ليعـيش فيـها أبناؤنا»، يقول «أبو محمد» الستيني، مشـيرا الى أن نحو 90 في المئة، من أهالي البلدة يقيمون فيها بصورة دائمة. يتوقف «الصريفيون» عند «الظلم» اللاحق بهم. يهمهم التذكير أن بلدتهم ليست فقط بلدة ملكة جمال أميركا ريما فقيه أو البلدة التي تقع على خط الزلازل. يشكون التعامل الرسمي مع قريتهم بوصفها «بلدة درجة ثانية». ينظرون بعين الحسد إلى هذه القرية أو تلك، بسبب ما تحصل عليه من اهتمام رسمي، يعود في الغالب، إلى أنها قرية محظوظة بنائب أو وزير من أبنائها أو أنها محسوبة سياسيا بالكامل على هذا أو ذاك من «الثنائي الشيعي». هذه الميزة تفتح أبواب الجنة بالنسبة لبعض القرى، التي لن تجد صعوبة في الحصول على خدمات ووظائف عامة بعكس القرى غير المحظية. مسألة الوظائف تؤرق أهل صريفا أيضاَ. بلدة لم تتردد في تقديم الغالي والنفيس فداءً للوطن تشعر بالأسى من غياب أبنائها عن الوظائف العليا، بالرغم من ارتفاع نسبة المتعلمين فيها، ونسبة الموظفين الجيدة من أصحاب الوظائف الدنيا. هنا «موسكو» كل ذلك لا يغير قناعة القرية برسالتها. ليس مبالغة القول إن هواء صريفا مقاوم. أهلها يروون عن بطولات سطرت على أرضها منذ السبعينيات، وصولاً إلى إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» حيث كان «الشيوعي» و«القومي» يتقاسمان النفوذ السياسي والعسكري في القرية، قبل أن ينضم إليهما «حزب الله» و«أمل» في النصف الأول من الثمانينيات. ونظراً للموقع الاستراتيجي للقرية، مر مقاومون بالمئات عبر وديانها وتلالها وهم في طريقهم الى تنفيذ عمليات في قرى الجنوب المحتلة، خصوصا أن تلك البلدة تجاور قرى الشريط الحدودي. منذ مطلع التسعينيات، تغيرت أهواء أبناء القرية، صار لـ«أمل» و«حزب الله» النفوذ الأكبر فيـها. غاب القوميون، لكن الشيوعيين ظلوا فاعلين. أشهر أحياء القرية هو «حي موسكو». تسمية ليست اصطلاحاً، بل تسمية رسمية. لاحقا، وبعد صعود نجم «حزب الله»، وُجد «حي طهران» في القرية، لكن تسميته بقيت غير رسمية. في «موسكو»، حيث أغلبية الأهالي ينتمون إلى «الشيوعي»، لا مكان لشهر رمضان. «الفراكة» الجنوبية حاضرة على الترويقة. المضافات مفتوحة ليل نهار. مشهد لا يستفز الصائمين من «أمل» و«حزب الله». على العكس، الكل مقتنع بأن احترام المعتقدات أولوية.. يلتقون ويتجادلون ويتبادلون «النكايات» و«التزريكات» التي تنتهي دائماً بالضحك. بديهية احترام معتقدات الآخرين تجعل الإيمان متآلفا مع الإلحاد وتجعل السائل عن الأمر مجرد أضحوكة. في حرب تموز توحدت البندقية. المقاومون الشيوعيون تركوا القيادة لـ«حزب الله»، لكنهم أبدوا الاستعداد للدعم والمؤازرة. كذلك فعلت «أمل». انتشرت مجموعات الأحزاب الثلاثة في القرية، بحسب خطة محكمة أرادوا من خلالها تأمين مداخل القرية وتلالها. كان الهدف منع أي إنزال عسكري للعدو. أمّن المقاتلون الشيوعيون أطراف البلدة الشمالية، فيما تكفل «حزب الله» و«أمل» بتأمين الأطراف الجنوبية والشرقية. فتح الشيوعيون مخازنهم أمام «حزب الله»، وقبل فترة وجيزة عرض عناصر الحزب اعادة ما أخذوه من «الشيوعي» إلا أن «أبو جورج» الذي يشكل صلة الوصل مع «حزب الله»، أبلغهم أن لا فرق بين وجود السلاح في مخازن أي من الحزبين طالما أن المعركة مفتوحة والشراكة مستمرة. صريفا الهدف اشتدت المعركة في تموز وآب 2006 على جبهات الجنوب كافة. انكشفت الخطة الإسرائيلية بالنسبة الى «حزب الله». المطلوب إنجاز عسكري يبرر الانسحاب لاحقاً. لا يتحقق ذلك إلا بالوصول إلى شمال ضفة الليطاني. وعليه، فقد صارت صريفا الهدف مع جاراتها القريبة من النهر. القرية الاستراتيجية في موقعها تطل على مجموعة وديان متصلة بالبحر عبر جسر القاسمية غربا وتشكل مدخلا نحو وادي السلوقي ومنه الى عمق الشريط الحدودي جنوباً وباتجاه وادي الحجير حيث قرى القطاع الاوسط، وشمالاً نحو مجرى نهر الليطاني عبر وادي يحمر الشقيف ومن ثم جسر الخردلي. كانت المجزرة، هي البداية الفعلية للحرب. تكثفت الغارات على كروم الزيتون المنتشرة غرب القرية، وسقط هناك عدد من المقاومين المنتشرين في الوديان. هل هناك من يدل على أماكن تواجدهم، فتقوم الطائرات باستهدافهم، أم أن الأمر حيلة من العدو، إذ يقوم بإطلاق صاروخ مجبراً المقاومين على التحرك من مواقعهم نحو مواقع أكثر أمنا، فتتولى طائرة الاستطلاع رصدهم عبر «تقنية كشف حرارة الجسد»، قبل أن يقصفهم الطيران الحربي؟.. نقاشات لا تزال حاضرة إلى اليوم بين شباب صريفا. رتل من الدبابات يحاول التقدم من ناحية وادي الحجير نحو قرى المواجهة: فرون، الغندورية، برج قلاويه وصريفا، لكن صواريخ «الكورنيت» كانت بالمرصاد، فاصطادت 23 دبابة. أفلتت دبابتان وأكملتا تقدمهما ناحية الغندورية فتولت تدميرهما عبوتان كبيرتان. سرعان ما فقد العدو عنصري القيادة والسيطرة، بعكس المقاومة التي ظلت نقطة قوتها تتمثل في ثبات عمليات القيادة والسيطرة طيلة 33 يوماً. برز ذلك جلياً عندما أعلن عن هدنة في اليوم الـ21 للحرب. في اللحظة نفسها، توقفت كل مجموعات الحزب عن إطلاق النار في كل قرى الجنوب، فيما بعض الفرق الإسرائيلية لم تسمع بوقف إطلاق النار. يتحدث أبناء صريفا بفخر عن تعرض فرقة عسكرية إسرائيلية لنيران صديقة حينها. أعادت المقاومة توزيع المهمات وتعديل الانتشار. كل الجلول والأراضي كان جاهزة للمعركة. المقاومون يدركون أنهم إذا اضطروا إلى ترك سلاحهم هرباً من طائرة الاستطلاع، سيعرفون أين يجدون غيره. شجيرات البلان كانت صديقة وفية للمقاومين أيضاً. كلما لجأوا إليها شكّلت عازلاً طبيعياً للحرارة، وعرقلت عمل طائرات الرصد. «الليطاني» بعيد المنال حاول العدو التقدم من ثلاثة محاور أساسية لا يمكن الاستغناء عنها نظرا لصعوبة تضاريس منطقة الجنوب: - قوة كبيرة تقدمت من هونين نحو الطيبة ورب ثلاثين في محاولة للوصول الى جسر القعقعية، مروراً بوادي الحجير. - هجوم آخر من خط ياطر كفرا نحو صديقين فمحرونة بهدف التقدم نحو وادي جيلو، وبالتالي السيطرة على جسر القاسمية. - هجوم عبر طريق البياضة ـ شمع وصولا الى صور. فشل الهجوم عبر المحورين الأخيرين، فكبر الرهان على المحور الأول. توقف التقدم في الحجير بعد «مجزرة الدبابات»، فاستعاض عنه العدو بإنزال ضخم، يعد الاكبر في تاريخه. أكثر من 800 جندي اسرائيلي حطت بهم طائرات مروحية، وسط قصف شديد وتحليق مكثف للطيران الحربي للتمويه، في مزرعة الطويري الواقعة بين صريفا والغندورية وديركيفا. استخدم المقاومون صواريخ مضادة للطائرات. سقطت طائرة اسرائيلية لنقل الجنود في القطاع الغربي ووقعت مجموعة اسرائيلية أخرى في شرك من العبوات أوقع بها خسائر كبيرة. حصل ذلك بفارق ساعات، فكان قرار وقف الحرب. 23 غارة و45 شهيداً كانت الحصـيلة في صريفا. لكأن الاسرائيلي قد قـرر الانتـقام من قـرية كـونها أذلته، وهل ينسى الإسرائيليون الكمين الذي نفذته المقاومة في «عين الشقفان» في العام 1986 وأسفر عن مقتل 8 إسرائيليين وإصابة 13 آخرين بجروح؟

حلمي موسى - السفير

وفي اليوم التاسع لحرب «الجرف الصامد» وجدت إسرائيل نفسها وجهاً لوجه أمام نفسها، تقتل أطفالاً يلهون على الشاطئ على مرأى العالم وسمعه، مستخدمة أشد الأسلحة فتكاً وأكثرها تقنية. وفي اليوم التاسع لهذه الحرب تجد نفسها بعد يوم أكثر من أيام «عمود السحاب» قبل أقل من عامين، التي انتهت خلال ثمانية أيام، في نقطة البداية، عاجزة عن السير، لا في اتجاه وقف إطلاق نار مضمون ولا معركة برية معروفة النتائج. وفشلت مساعي إسرائيل الجديدة بالضغط على المقاومة عبر منهج ترحيل السكان جماعياً من أحياء ومناطق إلى أماكن أخرى، كما فشلت في إضعاف حدة نيران المقاومة، ووصلت الصواريخ إلى تل أبيب وديمونا. وقد أقدمت القوات الإسرائيلية على اغتيال خمسة أطفال من عائلة بكر على شاطئ مدينة غزة، وطفل سادس في خان يونس من عائلة الأسطل، لترفع عديد الشهداء من الأطفال إلى حوالي خمسين ليشكلوا ربع شهداء غزة في هذه الحرب، الذين بلغ عددهم أكثر من 220 شهيداً. وأمام أنظار مراسلي الصحافة الأجنبية المقيمين في فندق قريب على الشاطئ، أطلقت البحرية الإسرائيلية على الأطفال الخمسة قذيفتين على الأقل، إحداهما بهدف التحقق من القتل. واعترف عسكريون إسرائيليون بأن قتل الأطفال على الشاطئ يعادل أثره في نظر العالم أثر مجزرة قانا في حرب لبنان الثانية. وربما أن هذا كان بين الأسباب المركزية التي حدت بالحكومة الإسرائيلية إلى الاستجابة فوراً لمطلب الأمم المتحدة بعقد هدنة إنسانية لإيصال المعونات للسكان تبدأ من الصباح وتنتهي ظهر اليوم. وقد ادَّعت إسرائيل أنها تحقق في كل أحداث استهداف للمدنيين الفلسطينيين، لقطع الطريق على أية لجان تحقيق دولية مستقبلا. ومع ذلك أقرت لجنة مكلفة من الجيش الإسرائيلي أن ما لا يقل عن نصف عدد الشهداء في غزة هم من «غير الضالعين» في المعارك، لكن ذلك لا يغير من المنطق الذي يحكم السلوك الإسرائيلي الذي يواصل التهديد بشن عملية عسكرية برية وشاملة في كل قطاع غزة. إذ قدَّم ضابط إسرائيلي رفيع المستوى إيجازاً لمراسلي وسائل الإعلام الأجنبية في تل أبيب يشدد على جاهزية الجيش لتنفيذ عملية برية واسعة في القطاع، وصولاً إلى احتلاله كاملاً. وأكد هذا الضابط، في نوع من الرسالة التهديدية، لحركة «حماس» عبر الصحافة الأجنبية، أن العملية البرية ليست صعبة على الجيش الإسرائيلي، وهي أيضاً ليست مكلفة. والأهم أنه ادَّعى أن بالوسع تحقيقها خلال وقت قصير نسبياً، يمتد من بضعة أيام إلى بضعة أسابيع. غير أن الانطباع السائد في إسرائيل هو أن الجيش ليس مستعداً الآن لعملية برية واسعة في غزة، وأن الحديث عن إعادة احتلال القطاع بأسره لا يخرج عن كونه تهديداً، فالقيادة السياسية، بغالبيتها، وكذلك غالبية الجمهور الإسرائيلي لا تريد هذه المعركة، ليس خشية على غزة وإنما جراء الإدراك لأثمانها الباهظة، سياسياً واقتصادياً وبشرياً. كما أن قيادة الجيش الإسرائيلي لا تفكر حالياً إلا في عملية برية محدودة إذا اقتضت الضرورة، ولمعالجة مسألة الأنفاق خصوصاً القريبة من الحدود مع إسرائيل. ولا يخرج التهديد بالمعركة البرية عن التهديد الأوسع الذي توجهه إسرائيل لسكان القطاع لإخلاء بيوتهم. وبعد أن كان المنهج المتبع هو سياسة «نقر السطح» لإجبار أهل بيت بعينه على إخلائه تمهيداً لتدميره، تحاول إسرائيل الإيحاء بالانتقال إلى عقيدة «الضاحية» من خلال القول بتحويل «الشجاعية إلى الضاحية». وقد وزعت منشورات تطالب سكان كل من الشجاعية والزيتون، وهما من أكبر أحياء مدينة غزة، إلى ترك بيوتهم والانتقال إلى وسط المدينة تمهيداً لدخول الجيش الإسرائيلي إليها. ورغم مرور يومين على هذا التهديد فإن الغالبية الساحقة من أهالي الحيين بقيت في بيوتها، ما أفشل التهديد الإسرائيلي. ومع ذلك هناك من يعتقد أن صمود أهالي الشجاعية والزيتون، وقبلها أحياء في مناطق رفح وجباليا في بيوتها، وفر لإسرائيل ذريعة لادَّعاء أن هذا الفشل أحبط العملية البرية. ومع ذلك قرر المجلس الوزاري المصغر يوم أمس السماح بتجنيد 8 آلاف جندي احتياط آخر. ويشير معظم المراقبين العسكريين إلى أن هذه الحشود حول غزة لا تعني أن العملية البرية ممكنة خلال يومين أو ثلاثة أيام. ويوضحون أن الجيش الإسرائيلي حالياً ليس في وضع كالذي كان عليه عند شن حرب «عمود السحاب»، حينما كانت مخازنه مملوءة إثر توصيات «حرب لبنان الثانية» وكان جنوده مدربين. واليوم لأسباب اقتصادية فإن المخازن غير ممتلئة، والجنود أقل تدريباً، لذلك فإن الحماس للعملية البرية أقل لدى القيادات منه لدى الجنود الشبان. وهكذا، وبسبب ضعف الخيارات الميدانية، أو مخاطر تكلفتها السياسية والاقتصادية، تراهن رئاسة الحكومة وقيادة الجيش الإسرائيلي على التحركات الدولية من أجل إبرام اتفاق لوقف إطلاق نار. ورغم الإيحاءات المتكررة هنا وهناك بأن مصر لم توفر البضاعة المطلوبة حتى الآن، لأنها تجاهلت عنصراً بالغ الأهمية في معادلة وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل تصر على بقاء القناة المصرية قناة الوساطة الرئيسية. وحثت القاهرة على بذل المزيد من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بشكل أسرع. وتقف الإدارة الأميركية خلف هذا الحث بشكل غير مباشر، فوزير الخارجية الأميركي جون كيري اتصل بوزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي يدعو صبح مساء لعملية برية في غزة، مبلغاً إياه، وفق الصحافة الإسرائيلية، بمعارضة واشنطن لمثل هذه العملية. وحث كيري إسرائيل على التواصل مع مصر بشكل أكبر لتسهيل التوصل إلى اتفاق. ويشارك في هذه الجهود أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تواجد في تركيا والقاهرة وتواصل مع قطر. وكانت قطر أيضاً موضع اتصال أميركي لحثها على دفع «حماس» نحو القبول بوقف إطلاق النار. وحالياً، وبعد أن أعلنت «حماس» و«الجهاد الإسلامي» رسمياً رفضهما المبادرة المصرية، يتكاثر الحديث عن تفسير متجدد للمبادرة يقوم على أساس أن هدفها الأولي هو وقف إطلاق النار، وبعد ذلك تتاح للطرفين عرض مطالبهما لترسيخ هذا الاتفاق. وفي هذا السياق بدأت تتضح معالم مشروع أولي لدى «حماس» يتحدث عن هدنة لعشر سنوات في القطاع، على أساس الاتفاق على إزالة الحصار كلياً وفتح الميناء والمطار تحت رعاية دولية ومطالب أخرى. ولكن من الواضح أن النقاش الآن يدور عن أمر أكثر أولية من ذلك، وهو يتعلق أساساً بإعادة فتح معبر رفح عبر عودة الإشراف الأوروبي عليه بالتعاون مع الرئاسة الفلسطينية. ويتواجد الآن في القاهرة، عدا مبعوث الرباعية الأوروبية طوني بلير، الذي يؤدي دوراً مركزياً في الجهود الحالية، كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» موسى أبو مرزوق ووفد إسرائيلي كبير يضم رئيس «الشاباك» يورام كوهين ورئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع الجنرال عاموس جلعاد ومبعوث نتنياهو السياسي المحامي اسحق مولخو. وتدير مصر مفاوضات غير مباشرة بين هذه الوفود بأمل تحريك الموقف نحو اتفاق أولي لوقف إطلاق النار وفتح معبر رفح، وحل مشكلة موظفي قطاع غزة، على أن تتبعه مفاوضات من أجل مناقشة القضايا الأخرى. ومعروف أن رئيس الحكومة الإسرائيلية أصبح يرفع مطلب «تجريد غزة من الصواريخ والأنفاق»، وبالمقابل تطرح «حماس» مسائل كعدم التدخل في الشأن الفلسطيني والممر الآمن إلى الضفة الغربية وفك الحصار وإنشاء مطار وميناء دولي.

هاني عضاضة 15/07/2014 في مفهوم المقاومة، إن مجرّد وجود إسرائيل على الأرض العربية المحتلّة يعتبر اعتداءً، إذ أنّ الاعتداء ليس فقط في حالة القصف أو الحرب، على قطاع غزّة أو الأراضي اللبنانية، بل بوجود هذا الكيان، الذي فرضته الحركة الصهيونية بدعم الحكومة البريطانية ومن ثم الأميركية، من الأصل. الاحتلال اعتداء، وطالما أن الاحتلال موجود، فإنّ التلازم بين كافة القوى الإسلامية واليسارية التي تواجه إسرائيل موجود، رجعيةً كانت أم تقدمية في طرحها السياسي والفكري. لكن التقاطع بين هذه القوى هو تقاطع مرحلي، مؤقّت، تكتيكي وليس استراتيجي. إن ضرورة خوض النضالات الموحّدة يفرض على تلك القوى تفادي العداوات، غير المجدية مع بعضها البعض، ولو اختلفت إيديولوجياً واستراتيجياً. لا ينكر أحد بأن إسرائيل نجحت في فرض شروطها على عدد كبير من الدول العربية، بغية كسر الحصار الاقتصادي الذي المفروض عليها من الستينات، أيّام حركات التحرر العربية. نجحت إسرائيل في تدجين الأسواق العربية والإقليمية لمصلحتها، ممّا كان له الأثر المباشر في فرض الاستسلام على تلك الدول، التي سقطت في فخّ التطبيع والمعاهدات المذلّة غير المتكافئة، وذلك بسبب سقوط حركات التحرر العربية وغياب المقاومة، بمختلف أشكالها، أي غياب قوة التصدي للهيمنة الصهيونية. ولكن على شعبنا، وبخاصة الشّباب الذي يعاني الأمرّين مع تفاقم البطالة والهجرة وازدياد الأوضاع المعيشية سوءاً، تحديد موقعه من هذا الصراع. إذ ليست المقاومة العسكرية سوى شكلٍ واحدٍ من أشكال المقاومة. إنّ تحرير الأرض شرطٌ من شروط تحرير الإنسان، اقتصادياً وفكرياً وثقافياً، لكنه ليس الشرط الوحيد، وإن كان أساسياً. وهذا هو الفخّ الذي وقعت فيه الأنظمة العربية، وهذا هو محور الاختلاف الاستراتيجي بين القوى اليسارية والإسلامية في لبنان وفلسطين. إن محور التوافق بين كافة قوى المقاومة في لبنان، باختلاف إيديولوجياتها، هو نتائج الحروب الإسرائيلية وآثارها المدمّرة على الاقتصاد اللبناني، ومن أهمها التخريب المستمرّ للبنى التحتية المدنيّة، والمرافق الحيوية من الطرقات، الجسور، الأنفاق، شبكات المياه ومعامل الكهرباء، إضافةً لتهجير آلاف العائلات من القرى إلى ضواحي بيروت، بعد تدمير المنازل والمصانع والمؤسسات. أسهم ذلك في تشكّيل أحزمة الفقر وارتفاع معدّلات البطالة. يضاف إلى ذلك سرقة مياه نهريّ الوزّاني والليطاني، لتنمية المستوطنات وتوسيعها، ومحاولة فرض التطبيع من خلال اتفاقية 17 أيار. الاتّفاقية التي كانت ستؤسّس لعلاقة تبعيةٍ تجاريةٍ واقتصاديةٍ مباشرة للاقتصاد الإسرائيلي "المُنتِج"، لتحويل لبنان إلى سوق لتصريف المنتجات الإسرائيلية. وصولاً لاكتشاف "نوبل إنرجي" الأميركية لحقل "كاريش" المشترك، الذي يمكّن إسرائيل من سحب الغاز اللبناني في البحر، لتكتمل عملية سرقة الثروات النفطية والمائية، مع عملية التدمير الممنهج للبنى التحتية الأساسية، ومحاولات فرض التطبيع. أما محور الخلاف، فهو ما يستدعي النقاش، فمفهوم المقاومة لدى الحركات اليسارية شامل لكلّ أوجه الصراع. يعتبر اليسار في لبنان كل حركةٍ ضد السلطة، التي تحرم شعبها أدنى حقوقه، حركةً مقاومة، ولا ترى إلّا فرقاً بسيطاً بين نتائج السياسات المتّبعة من قبل السلطة الحاكمة، ونتائج الحروب الإسرائيلية المدمّرة. "هيئة التنسيق النقابية" حركةً مقاوِمَة، ضد تسلّط حيتان المال واستئثارهم بالثروات المنتَجة، وتلاعب الهيئات الاقتصادية بلقمة عيش الملايين من الناس. "مشاع" حركةٌ مقاوِمَة، ضد احتلال الأملاك العامة البرية والبحرية والنهرية، وضد فساد السياسيين، وخاصة الوزراء، الذين يستغلّون مواقعهم لتمرير صفقات تملّك مشبوهة. تمرّد المياومين في القطاع العام فعلُ مقاومة ضد ظاهرة العمل المياوم، وهي من مخلّفات العبودية، التي تحرم العمال من كافة حقوقهم، وضد الخصخصة، وسياسات التفليس الممنهج للمؤسسات العامة بهدف بيعها، أو مشاركتها مع الشركات الخاصة. تحرّك عمال "سبينيس" ضد ظروف العمل القاسية والأجور المتدنّية، ونضالهم بهدف تنظيم نقابة تتخطى "سبينيس" لتجمع عمّال متاجر التجزئة لحمايتهم من الاستغلال الذي يتعرّضون له، فعلُ مقاومةٍ واضح. إضراب الدكتور علي برّو عن الطعام لمدة 20 يوماً، رغم سنّه الذي يصل إلى 63 عاماً، فعلُ مقاومة ضد الظلم الطبقي اللاحق به كمواطن، وضدّ الفساد الإداري والنهب، الذي شهده كرئيس مصلحة في وزارة الزراعة. نزول آلاف الشبّان والشابات إلى الشارع عام 2011، للمطالبة بتغيير النظام السياسي الطائفي، رافعين شعارات العلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فعلُ مقاومة وكسرٌ لجدار الخوف والصمت. دفاع المزارعين في البقاع عن محاصيلهم الزراعية وأراضيهم من بطش أجهزة الدولة، فعلُ مقاومةٍ لنهج التفقير، وغياب سياسات التنمية، التي تنتج حرقاً للموارد الطبيعية بدل استثمارها. انخراط الطلاب في سوق العمل في وقتٍ باكرٍ، وتوفيقهم بين ساعات العمل الشاقة وساعات الدراسة الطويلة، مقاومة للفقر والجهل في آن واحد. تحدّي التفجيرات الإرهابية بمزيد من التماسك والتعاضد، مقاومة لا تقلّ قيمةً عن تماسكنا وإيماننا بالنصر تحت صواريخ وقذائف العدو الصهيوني. انتحار العاملات الأجنبيات، تارةً شنقاً وطوراً قفزاً من الشرفات، مقاومة للظلم والظروف الوحشية، والسجن المنزلي، ونظام الكفالة الذي يضمن تعرّضهن للعبودية من قبل "أصحابهنّ"، ليست المقاومة تحريراً للأرض فحسب، بل هي كل فعلٍ نضالي ضدّ كل ظلمٍ يتعرّض له أيّ إنسان. كما قال تشي غيفارا: "إن مقاومة الظلم لا يحدّدها الانتماء لدين أو عرق أو مذهب، بل تحدّدها طبيعة النفس البشرية، التي تأبى الاستعباد وتسعى للحرية."

السفير

«الحرية لجورج عبد الله» نظمت «الحملة الدولية للإفراج عن الأسير في السجون الفرنسية جورج ابراهيم عبد الله»، اعتصاما بعنوان: «الحرية والعدالة والمساواة»، قبالة قصر الصنوبر، تزامنا مع حفل الاستقبال الذي يقيمه سفير فرنسا باتريس باؤلي، . ورفعت لافتات شددت على «حتمية حرية جورج عبد الله»، وهتف المعتصمون «الحرية لجورج»، وسط الأناشيد الحماسية. وصودف مرور وزير التربية والتعليم العالي الياس بوصعب، من أمام قصر الصنوبر، فانضم إلى المعتصمين، واعتبر أن «الدولة اللبنانية مقصرة في حق جورج». ورأى «أن موضوع جورج عبد الله إنساني ويجب حله»، داعيا جميع المعتصمين إلى «توقيع عريضة في هذا الشأن، وتقديمها إلى رئيس الحكومة تمام سلام». وتدخلت شقيقة جورج فانتقدت «أداء الحكومة الحالية والحكومات السابقة لجهة التعاطي مع هذا الموضوع». من جهته، قال منسق الحملة بسام القنطار: «نقول لفرنسا، إن بقاء مناضل لبناني أكثر من 30 عاما في سجونك هو وصمة عار لمن يرفعون لواء الحرية والعدالة والمساواة»، معتبرا أن «جورج سجين أميركا وإسرائيل في السجون الفرنسية». أضاف: «نحن اليوم أمام استحقاق مصيري، إذ تقدم جورج بالطلب التاسع لإطلاق سراح مشروط. وفي أيلول ستعقد جلسة، وسينطق القاضي ليقول نعم للإفراج عن جورج، وسيقدم النائب العام الفرنسي طعنا بإطلاقه».

نبيه عواضة - السفير

وتحركت بيروت... بضع مئات من الناشطين تجمعوا في وسط شارع الحمراء ملبين الدعوة التضامنية التي أطلقها طلاب فلسطينيون ولبنانيون من الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية ـ الأميركية. المنظمون اختفوا وراء الدعوة ورفضوا الإفصاح عن الأطر الطلابية المنضوين خلفها، واختاروا المكان الأقرب لجامعاتهم، قبل أن يشيروا بالدلالة الى أهمية الشارع وما يرمز إليه من ذاكرة نضالية، فكانت الاستعادة «لثورية الشارع» عند الطلاب من بوابة القضية الأم، فلسطين. تحت الأعلام اللبنانية والفلسطينية وعبر مكبرات الصوت والأناشيد والهتافات الثورية المنددة بالعدوان على غزة، صدحت اصوات من الشباب الفلسطيني، فيما انتظم على جانب الطريق وبصف مستقيم اشبال فلسطينيون من فرقة كشافة فلسطين قدموا من مخيم برج البراجنة، قاموا بعزف موسيقى كشفية كانت أشبه بالتحية إلى أطفال غزة. أين القوى والفصائل الفلسطينية؟ سأل احدهم، قبل أن يتابع طالب أخر غامزا من قناة القوى الوطنية والتقدمية في لبنان مستوضحاً عن سبب غيابهم، وغياب الشخصيات التي اعتاد الحضور رؤيتها تتدافع للوقوف في الصف الأمامي والظهور أمام عدسات الكاميرات، سواء ارتبطوا بخلفية التحرك ام لا، ولسان حالهم يقول «إن القضية تعنينا»، ربما صارت قضية فلسطين بالنسبة لهؤلاء تغني عن صورة او تصريح، ربما أيضا ساهم بعدم وجودهم غياب المنبر من أساسه، فقد طغى على التحرك عفويته، فكان على شاكلة الطلاب بصدقه. هي صرخة إذن، أرادها المنظمون باكورة تحركهم الذي سوف ينتقل إلى جامعات أخرى، وقد حددوا المحطة المقبلة بعد غد الخميس عند الساعة الثالثة من بعد الظهر أمام مدخل الجامعة العربية في منطقة الطريق الجديدة، وقد انضم طلاب منها إلى تحرك جامعتي الأميركية والأميركية ـ اللبنانية في بيروت. وعقد «ملتقى الوفاء لفلسطين» لقاء تضامني في «دار الندوة». ونظم «تيار المستقبل» اعتصاماً ً أمام مقر الإسكوا في ساحة رياض الصلح. ونظمت «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» مسيرة تضامنية في مخيم برج البراجنة.

حلمي موسى - السفير

...وانتهى اليوم الثاني للحرب على قطاع غزة بإدخال كل من ديمونا وحيفا في دائرة النيران، ما فاقم الصدمة في نفوس القيادة والجمهور الإسرائيلي. فقد أثبتت حركة "حماس" أنها فعلا قادرة على مفاجأة العدو في أكثر من موضع، سياسي وعسكري، على حد سواء. ولم تفلح أكثر من 500 غارة جوية خلال يوم ونصف، فضلا عن القصف المدفعي والبحري، في تشكيل الضغط الذي تطمح إليه إسرائيل لإجبار "حماس" على وقف إطلاق النار من دون شروط. وبدت المفاجأة كبيرة على الإسرائيليين الذين لم يستوعبوا في اليوم الأول للحرب إطلاق الصواريخ على تل أبيب وأبعد منها، وتنفيذ عمليات كان يمكن أن تشكّل تغييراً إستراتيجياً في كل من قاعدة "زيكيم" البحرية وموقع كيرم شالوم على مثلث الحدود مع مصر. وأعلنت قوات الاحتلال استشهاد مقاومين بينما كانا يحاولان الوصول عبر البحر الى "زيكيم". وكانت المفاجأة الكبرى أمس، تعرّف إسرائيل على وجود صواريخ "أم 302" السورية الصنع بالعشرات في ترسانة "حماس". وبعد أن هزأت من تهديدات الحركة باستهداف حيفا، واعتبرتها مجرد ثرثرات عادت واضطرت للإعلان أن الصواريخ سقطت على شاطئ الكرمل وقيساريا وزخرون يعقوب. وقبل أن تفلح في ابتلاع المفاجأة تلقت ضربة أخرى بإطلاق سبعة صواريخ من هذا الطراز، الذي يزيد مداه عن 150 كيلومترا، نحو ديمونا حيث يوجد المفاعل النووي. واضطرت إسرائيل لكشف النقاب عن وجود بطاريات "قبة حديدية" تحمي مفاعل ديمونا عندما أعلنت عن اعتراض ثلاثة من صواريخ غزة. وفي كل الأحوال فإن نطاق النيران من غزة طال بالأمس، عدا ديمونا وحيفا كل مستوطنات غلاف غزة وعسقلان وبئر السبع وأسدود وعميق حيفر، هشارون، السهل الساحلي، بيت شيمش، القدس، والخضيرة. وطلبت الشرطة الإسرائيلية من سكان غالبية المدن والقرى والمستوطنات فتح الملاجئ العامة والاستعداد لتفاقم الأوضاع. والواقع أن المفاجأة الإسرائيلية لا تنحصر فقط في نوعية الصواريخ وعددها المتوفرة أساسا لدى كل من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بل تتعداها إلى نظرية تفعيلها. واضطر عدد من كبار القادة العسكريين الحاليين والسابقين للإقرار بوجود خلل استخباري كبير حيث لم تكن الاستخبارات قد أشارت إلا إلى بضع عشرات من صواريخ "فجر" الإيرانية، والتي يتم تصنيعها في غزة. وقد تبين حالياً أن "حماس"، على الأقل، تملك عشرات الصواريخ من طراز "أم 302"، فضلا عن مئات من صواريخ "فجر" وعشرات الألوف من الصواريخ الأقصر مدى. وتعتبر "سرايا القدس"، الذراع العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي في فلسطين"، القوة العسكرية الثانية في القطاع التي تمتلك أكبر عدد من الصواريخ، خصوصا "فجر". ولا يقل أهمية في المفاجأة تعديل نظرية نشر واستخدام الصواريخ. فللمرة الأولى تستخدم "كتائب القسام" و"سرايا القدس" أسلوب الإطلاق المكثف والمتعدد الاتجاهات بهدف تجاوز عقبة "القبة الحديدية". ومعروف أن بطاريات "القبة الحديدية" المنتشرة في إسرائيل هي سبع، بينها ما نشر على الحدود مع سوريا ولبنان وما نشر قرب إيلات وهناك واحدة قرب الضفة الغربية، ما يجعل هذه البطاريات محدودة جدا في غلاف غزة وشمالها وجنوبها. وقد أطلقت بالأمس سبعة صواريخ مثلا باتجاه ديمونا، تضاربت الأنباء الإسرائيلية حول ما إذا كانت "القبة الحديدية" اعترضت ثلاثة منها أم واحداً فقط. كما شهد أمس الأول، إطلاق أكثر من ثلاثين صاروخاً ومن مناطق مختلفة في القطاع نحو أسدود وبئر السبع وتل أبيب والقدس دفعة واحدة. ورغم شدة الغارات واستخدام أسلوب "الإصبع الرخو" على الزناد في العدوان الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم "الجرف الصامد"، في كل ما يتعلق ببيوت نشطاء المقاومة حتى لو أدى استهدافها للقضاء على عائلات بكاملها، فإن هدف إسرائيل لم يتحقق. وقد بلغ عدد الشهداء في القطاع حتى مساء أمس، خلال يومي العدوان الأولين، أكثر من 55 شهيداً وأكثر من 500 جريح. وظهر أمس، تفاخر قائد كبير في سلاح الجو الإسرائيلي بأن "الدمار في غزة هو بأحجام أكبر مما كان في عمود السحاب، وأن ما دُمِّر فيها من بيوت خلال يومين أكبر مما دُمِّر في كل عملية عمود السحاب". وأضاف أن الطائرات ألقت، عبر مئات الغارات على أماكن في القطاع، أكثر من 400 طن متفجرات. وشدد على أن إسرائيل "تضرب بشكل منهجي البنى التحتية لحماس، وأماكن عمل قياداتها". فإسرائيل الراغبة في وقف سريع لإطلاق النار وتطمح إلى تجنب الدخول في عملية برية إلى قطاع غزة تريد تشديد الضغط على قيادات "حماس" لإجبارها على تليين موقفها. وقد شنّت حتى مساء أمس، أكثر من 550 غارة جوية على القطاع، وهي تشكّل أكثر من ثلث مجموع الغارات التي شنّتها في حرب "عمود السحاب" قبل عامين. وتنبع هذه المقاربة من وجهة نظر معلّقين إسرائيليين من حقيقة أن الدولة العبرية تريد توجيه ضربة قوية جدا لـ"حماس"، لكنها تخشى من سقوط الحركة وحلول قوى أشد تطرفا مكانها. وبحسب خبراء إسرائيليين، فإن مقاربة إسرائيل الحالية لم تجد نفعا حتى الآن، وأن "حماس" ليست في وارد طلب وقف إطلاق النار بعد أن شعرت أنها تحقق إنجازات تاريخية. كما أن الضغط العام على قطاع غزة لم يُصدر، على الأقل حتى الآن، أية أصوات فلسطينية تندد بحركة "حماس" ما أبقى الدعاية الحربية الإسرائيلية تسقط على آذان صماء. فحركة "حماس" اليوم يمكنها أن تعتز بأنها أدخلت غالبية الإسرائيليين في نطاق صواريخها، وأنها بعد أن تشاركت مع "الجهاد الإسلامي" فضل أولوية استهداف تل أبيب، نالت فضل أولوية قصف ديمونا وحيفا من القطاع. كما يمكنها الاعتزاز بأنها، ورغم كل ما قيل عن إفساد السلطة والحكم لها، لا تزال في موقع المقاومة وتسجل فيها نجاحات. ومن المؤكد أنه رغم الحديث عن مشاكل "حماس" المالية والإدارية إلا أن أداء الحركة المقاوم كفيل، على الأقل لفترة قصيرة، بأن يخفف الضغوط الشعبية عنها، بل ويمنحها مزيدا من الاحترام. وطوال اليومين الأخيرين قضى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه موشي يعلون وقتا طويلا في مشاورات أمنية متعددة مع القيادات العسكرية والأمنية. ولم يجد نتنياهو ويعلون أمامهما ما يقولانه سوى أن القرار اتخذ "بتصعيد الهجمات على حماس والمنظمات الإرهابية في غزة"، في معركة طويلة وتحتاج إلى وقت. ويكرران القول بجاهزية الجيش الإسرائيلي لخوض حرب برية واجتياح القطاع "إذا اقتضى الأمر ذلك". لكن خبراء إسرائيليين يشيرون إلى أن هذه هي الحرب التي لا يريدها نتنياهو في هذا الوقت، ولذلك فإن توسيعها نحو إعادة احتلال القطاع يعني الوقوع في الشرك. وهذا ما يحاول نتنياهو ويعلون وقيادة الجيش تجنب الوقوع فيه، ويبحثون عن وسيط يحفظ ماء الوجه. ورغم كل الكلام، لا يبدو أن الوسيط جاهز للعب الدور، سواء كان هذا هو الوسيط التقليدي، مصر، أو الوسيط المستجد تركيا. وهذا يدفع المزيد والمزيد من الساسة الإسرائيليين للإيمان بأن المعركة ستطول لأنه ليست هناك حتى الآن أية علائم على قرب تغيير "حماس" لإستراتيجيتها. ورغم ذلك يرى خبراء أن نتنياهو يهدد لكنه يريد من مصر تحديدا أن تتدخل لوقف القتال. ونقلت "معاريف الأسبوع" عن مصدر سياسي رفيع قوله "نحن نتحدث إلى كل جهة تريد التوصل إلى تهدئة، لكن ليست لدينا توقعات بأن تبادر حماس والمنظمات الأخرى للتهدئة في هذه المرحلة، لذلك نحن نستعد ونعد الجيش والجبهة الداخلية والأسرة الدولية، لعملية طويلة". إلى ذلك، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في بدء اجتماع للقيادة الفلسطينية في رام الله، "ما يحدث من قتل لعائلات بأكملها هو إبادة جماعية تمارس بحق شعبنا الفلسطيني من قبل إسرائيل"، مضيفا ان ما يحصل في غزة "حرب على الشعب الفلسطيني بأكمله، وليس ضد فصيل بعينه والأيام المقبلة ستكون أياما صعبة". وحثت واشنطن إسرائيل والفلسطينيين على تهدئة التوتر في غزة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية جين بيساكي إن وزير الخارجية جون كيري تحدث مع نتنياهو وأنه يعتزم التحدث مع عباس. وأضافت "نشعر بالقلق على سلامة وأمن المدنيين على الجانبين"، مشيرة إلى "سكان جنوب إسرائيل الذين اجبروا على الحياة في منازلهم تحت نيران الصواريخ... والمدنيين في غزة".

ألغى القضاء الفرنسي قراراً لبلدية باغنوليه (قرب باريس) التي منحت رتبة "مواطن شرف" للأسير اللبناني في السجون الفرنسية المناضل جورج إبراهيم عبدالله، بحسب ما أعلنت مصادر متطابقة. وأصدر القضاء قراراً بإلغاء هذا القرار بسبب "عدم وجود أي مصلحة محلية"، بحسب تعبير رئيس البلدية الجديد توني دي مارتينو. وكان هذا القرار البلدي الذي صوت عليه المجلس السابق الشيوعي في كانون الأول العام 2013، قد علق في شهر كانون الثاني الماضي من قبل القضاء الإداري. (أف ب)

 

حلمي موسى - السفير

بعد أيام من المناوشات، وإبداء النية في عدم التصعيد، تدحرجت عجلة الحرب الإسرائيلية الجديدة على قطاع غزة بعد أن أصبحت تحمل اسما: «الجرف الصامد» إسرائيليا، وأسماء بينها «البنيان المرصوص» فلسطينيا. وهكذا انطلقت الحرب الجديدة بدموية بعد أن طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من جيشه «خلع القفازات» أولا وبعدها الاستعداد للتجريف الميداني ضد غزة التي تقاتل وحيدة. وألحقت إسرائيل عدوانها بالإعلان عن بحث تجنيد 40 ألف جندي، للإيحاء بأن التلويح بالحرب ليس مجرد تهديد وإنما يجد ترجمة فعلية له، وأن إسرائيل لا تخشى العملية البرية. لكن من الواضح أنه بعد ساعات على الإعلان عن بدء عملية «الجرف الصامد»، وتوسيع الغارات على غزة، انطلقت صواريخ المقاومة من غزة إلى تل أبيب لتثبت أنها أيضا لا تخشى المواجهة الشاملة. وأطلقت صافرات الإنذار في كل غوش دان، من تل أبيب إلى بيتح تكفا ونيس تسيونا، ووصلت صواريخ المقاومة الى القدس المحتلة وتل ابيب عسقلان واسدود وبئر السبع، فيما اكدت المقاومة انها استهدفت حيفا ايضا. ومن الجائز أن سياسة «ضبط النفس» التي انتهجتها ظاهريا حكومة نتنياهو كانت ترمي إلى الإيحاء بأنها غير معنية بالمواجهة، ما أثار عليها غضب القوى اليمينية. لكن هذه السياسة وجدت تأييدا لها من جانب أوساط واسعة في الجمهور الإسرائيلي، إذ أثبت استطلاع نشرته «معاريف الأسبوع» أن 47 في المئة لا يؤيدون عملا بريا في غزة. وبعد اشتداد المطالبة اليمينية بتوسيع نطاق الحرب ضد المقاومة في قطاع غزة التي تطلق الصواريخ بشكل واسع، قرر الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق غاراته. واستهدفت الغارات، خلافا للسياسة السابقة، بيوتا آهلة ومقاومين في تحركاتهم بطريقة تعيد للأذهان المقاربة الإسرائيلية في حرب «الرصاص المسكوب»، والتي أرادت الإيحاء بأن لا حصانة لأحد ولا مكان آمن. وكان من أبرز الخطوات التي أقدمت إسرائيل عليها محاولة ترسيخ قاعدة الردع عبر استهداف بيت آل كوارع في خانيونس، وهو مليء بالمواطنين الذين احتشدوا لمنع تدميره. فالفلسطينيون الذين جربوا في الماضي ويلات النزوح من بيوتهم فقط بسبب تهديد إسرائيلي قرروا الاعتصام في بيوتهم وعدم الخروج منها، بل واحتشاد الجيران والأقارب فيها بقصد وقف هذا النمط من التهجير والتدمير. لكن الجيش الإسرائيلي آثر هذه المرة استعادة «الردع» برفع منسوب الدم، فقصف البيت ما أدى إلى استشهاد ثمانية وإصابة ما يزيد عن 25 فلسطينيا. وتدعي إسرائيل أن البيوت الآهلة التي تقصفها هي جزء من «البنية التحتية» لحركة «حماس»، وأنها بين أكثر من 150 هدفا تعرضت للقصف والغارات في مناطق من رفح جنوبا إلى بيت حانون شمالا. وفي كل حال كان منسوب الدم في غزة قد وصل يوم أمس فقط إلى 17 شهيدا، وهو مرشح للتصاعد بفعل القصف من ناحية وانعدام الرعاية الطبية اللازمة من ناحية أخرى. ومعروف أن مستشفيات القطاع تعاني من أزمة حادة بسبب النقص في المواد الطبية وتدهور الخدمات جراء عدم توزيع الرواتب على مستخدمي هذه الوزارة منذ عدة شهور. وأشارت مصادر طبية في القطاع إلى إصابة 106 اشخاص بجروح. وقال المتحدث باسم حركة «حماس» سامي أبو زهري، في بيان، «مجزرة خانيونس ضد النساء والأطفال هي جريمة حرب بشعة، وكل الإسرائيليين أصبحوا بعد هذه الجريمة أهدافا مشروعة للمقاومة». وحذر من أن «استمرار استهداف الاحتلال الإسرائيلي للبيوت الآمنة وقصف السيارات وسقوط الشهداء هو لعب بالنار»، مشيرا إلى أن «الاحتلال سيدفع الثمن». ورغم أن عددا من المعلقين العسكريين والسياسيين في إسرائيل يؤكدون أن غاية الجيش الإسرائيلي من التصعيد هو دفع «حماس» تحديدا إلى وقف إطلاق الصواريخ، وإلى اتخاذ تدابير لمنع القوى الأخرى من الإطلاق، إلا أن هدف الحكومة الإسرائيلية هو دفع «حماس» نحو تفاهمات جديدة. ويبرر المعلقون هذا الاستنتاج بأن الحكومة الإسرائيلية لا تزال ترغب في وساطة تجري، سواء عبر مصر أو أية دولة أخرى، والمهم هو توقف المواجهة قبل أن يستمر سقوط الصواريخ على تل أبيب والقدس. لكن أوامر استدعاء القوات الاحتياطية، وبالآلاف، بعد أن كان الأمر مقصورا حتى أمس الأول على 1500 جندي، يشير إلى استعدادات واسعة لمعركة تطول. وقد طلب وزير الدفاع موشي يعلون من الحكومة تفويضا باستدعاء حتى 40 ألف جندي بغرض نشرهم في الضفة وعلى الحدود الشمالية بدلا من القوات النظامية التي سيتم نقلها للمشاركة في الحرب على غزة. وقال «نحن نستعد لشن حملة ضد حماس لن تنتهي في بضعة أيام»، مضيفا «في الساعات الأخيرة ضربنا بقوة، وألحقنا أضرارا بعشرات من ممتلكات حماس، وسيواصل الجيش جهوده الهجومية بطريقة من شأنها تدفيع حركة حماس ثمنا باهظا للغاية». وصدرت أوامر لبلدية تل أبيب والبلديات المحيطة بها بفتح الملاجئ وتجهيز وحدات الدفاع المدني والخدمات الصحية. ويتحدث ضباط إسرائيليون للصحافة عن قناعتهم بأن الذراع العسكري في «حماس» هو من يدير التصعيد حاليا، ويقود عمليات إطلاق الصواريخ. ويقول هؤلاء إن الضائقة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها الحركة قادتها إلى توسيع الإطلاقات وعرض شروط لوقف إطلاق النار. ومن الواضح أن البدء بإطلاق الصواريخ على تل أبيب ومحيطها سيزداد، حيث أن الليل حمل معه أشد صلية صواريخ منسقة، لا تقل عن 30 صاروخا متوسط المدى نحو القدس وتل أبيب وبئر السبع دفعة واحدة. وأثارت هذه الصلية الانطباع بأن قيادة المقاومة في غزة تنسق خطواتها رغم السيطرة الجوية الإسرائيلية، وأن «القبة الحديدية» رغم قدرتها على إسقاط عدد من الصواريخ إلا أنها كانت عاجزة عن مواجهة صلية كبيرة. وقد سقطت صواريخ في القدس وبئر السبع وأسدود على أقل تقدير. إضافة لذلك هناك العمليات الهجومية التي شنتها «كتائب عز الدين القسام» بحرا على «كيبوتس زيكيم»، حيث اعلن الاحتلال استشهاد 4 مقاومين واصابة جندي، وبرا عبر الأنفاق نحو «كيبوتس كيرم شالوم». وهنا يطرح السؤال هل سيشكل ذلك اقتراب الحرب الجارية من نهايتها، أم بداية تصعيد أخطر وأكبر. واعلنت «كتائب عز الدين القسام» انها قصفت حيفا والقدس وتل ابيب بالصواريخ. وقالت، في بيان، «للمرة الاولى، كتائب القسام قصفت مدينة حيفا بصاروخ ار 160»، مضيفة انها «قصفت مدينة القدس المحتلة باربعة صواريخ من نوع ام 75، وتل ابيب باربعة صواريخ من نوع ام 75». وتبعد القدس وتل ابيب حوالي 80 كيلومترا عن غزة. ومن المؤكد أن توسيع نطاق الإطلاقات يعني إدخال ملايين جديدة من الإسرائيليين في نطاق النيران، وهو أمر له عواقب، ليس فقط على صعيد الخسائر في الأرواح والممتلكات. فعلى سبيل المثال، ما إن تم الإعلان عن عملية «الجرف الصامد» حتى خسرت بورصة تل أبيب واحدا في المئة من قيمة أسهمها كما تراجع الشيكل أمام الدولار بشكل طفيف. وبديهي أن استمرار المعارك وتحقق توسيعها يعني المزيد من الخسائر، خصوصا أن مطار اللد وموانئ اسدود وعسقلان تقع في مرمى صواريخ غزة. وهكذا فإن الوقت عملة صعبة وجنرال بالغ القوة يحاول كل طرف استغلاله أكثر لصالحه. فالمقاومة الفلسطينية من جهة تراهن على طول المعركة وقدرتها على شل أو تشويش الحياة لأكبر قدر ممكن من الإسرائيليين. أما الدولة العبرية فتراهن على تكثيف الضربات لـ«حماس» ودفعها إلى التراجع عن إطالة المعركة والتوصل إلى تفاهمات بأسرع وقت ممكن. ومن الواضح أن توسيع دائرة المواجهة سوف يدفع العديد من القوى الإقليمية والدولية للتدخل بهدف وقف الحرب. كما أن ازدياد القصف الإسرائيلي على القطاع سيقود بالتأكيد إلى وقوع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين الفلسطينيين، ما يشكل عنصرا ضاغطا على إسرائيل والسلطة الفلسطينية والدول العربية المحيطة. ودعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إسرائيل إلى وقف التصعيد فورا، فيما طالبت الجامعة العربية مجلس الأمن بالانعقاد فورا لوقف العدوان. وأعربت واشنطن كعادتها عن دعمها لإسرائيل في عدوانها. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست «ندين بشدة إطلاق الصواريخ المتواصل على إسرائيل والاستهداف المتعمد للمدنيين من جانب منظمات إرهابية في غزة». وأضاف «لا يمكن أن تقبل أي دولة إطلاق الصواريخ التي تستهدف المدنيين، ونحن نؤيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد تلك الهجمات الشريرة»، لكنه حث نتنياهو الإبقاء على القنوات الديبلوماسية مع الفلسطينيين مفتوحة لحل الأزمة.

الأكثر قراءة