بداية عام 2006، اعترف السعودي فيصل أكبر بالمشاركة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم تراجع عن إفادته، مخلفاً وراءه أسئلة يصعب أن تجد من يجيب عنها. فمن السهل تبرير معرفته ببعض تفاصيل عملية الاغتيال، لكن ما يصعب تفسيره هو أن فيصل أورد خلال استجوابه معلومات تتعلق بجريمة الاغتيال قبل أربعة أشهر من توصل المحققين إلى معرفتها!

حسن عليق ليس محمد زهير الصديق الشخص الوحيد الذي اعترف بمشاركته في التخطيط لاغتيال الرئيس رفيق الحريري؛ فثمة مَن أقرّ بأنه شارك في التنفيذ المباشر للجريمة، ضمن خلية تبين أن لها صلات تنظيمية وفكرية مع تنظيم «القاعدة» العالمي. هو السعودي فيصل أكبر الذي أوقف في نهاية عام 2005، وحقق معه فرع المعلومات لأيام عديدة (نشرت «الأخبار» محضر التحقيق معه بعد صدور القرار الاتهامي بحقّه، ابتداءً من يوم 9 تشرين الأول 2007) لأنه أحد أفراد ما بات يعرف باسم مجموعة الـ13 التي أوقف أفرادها خلال الأيام الأخيرة من عام 2005 والأيام الأولى من عام 2006. وبحسب محاضر التحقيق مع أفراد المجموعة، فإن أميرها، اللبناني حسن نبعة، كان «أمير تنظيم القاعدة في بلاد الشام»، أي في لبنان وسوريا، وكان على صلة مباشرة بأمير التنظيم في العراق، أبو مصعب الزرقاوي. توقيف مجموعة الـ13 أتى في سياق بحث القوى الأمنية عن أحمد أبو عدس، الشاب الذي تبنى في شريط مصوّر عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد ساعات قليلة على وقوع الجريمة يوم 14 شباط 2005، ولم يظهر له أثر منذ ذلك الحين. فبعض أفراد المجموعة يعرفون أبو عدس (لقبه أبو تراب) معرفة وثيقة، وثمة من تربطهم صلة قوية بخالد طه. والأخير يُعد في قاموس التحقيق باغتيال الحريري، مفتاحَ الوصول إلى أبو عدس. فهو صديقه وتلميذه. وقبل الجريمة بنحو شهر (تحديداً يوم 15 كانون الثاني 2005) دخل خالد طه الأراضي اللبنانية آتياً من دمشق، بحسب ما يظهر في سجلات الأمن العام اللبناني. في اليوم التالي، عاد خالد طه إلى سوريا، واختفى أبو عدس! توقيف حسن نبعة جاء من طريق الصدفة. كان محققو فرع المعلومات يطاردون أحد أفراد المجموعة، طارق الناصر، عندما كان يتصل من هاتف عمومي قرب صيدلية مازن في منطقة كورنيش المزرعة. انتبه المحققون أثناء المراقبة إلى وجود شخص يقف على مسافة غير بعيدة من كشك الهاتف. وعندما انقضّت الدورية على طارق، اتجه محقق صوب هذا الرجل وأوقفه، قبل أن يصل رئيس الدورية ليسأله عما يفعله في هذا المكان. فأجاب نبعة بأنه في طريقه إلى منزله. وقدم هويته باسم مزور، وعلى أساس أنه مهندس لبناني، تبين لاحقاً أنه استشهد في العراق. وعند تفتيشه، عثر معه على بخاخ من الغاز الذي قال إنه يستخدمه للدفاع عن النفس. لكنه لم ينتبه إلى أن مصدر الإنتاج هو قوات حلف شمالي الأطلسي، فتقرر تكبيله وسوقه إلى مقر فرع المعلومات. هناك، وُضع في إحدى النظارات، فيما وضعت صورته على حائط يراها بقية الموقوفين أثناء التحقيق. وعندما شاهد فيصل صورته دُهش وقال: الأمير هنا؟ عندها تنبه المحققون إلى أن الموقوف ـــــ بالصدفة ـــــ ليس سوى أمير هذه المجموعة، وهو اللبناني حسن نبعة، قبل أن تتكشف تفاصيل كثيرة تخص هويته ودوره وموقعه. على محضر التحقيق مع المجموعة، يخيّم طيفا أحمد أبو عدس وخالد طه. معظم الأفراد الرئيسيين في المجموعة يعرفونهما. أحدهم، هاني الشنطي، قال في إحدى مراحل الاستجواب إنه استضاف، في منزل عائلته بخلدة، خالد طه خلال زيارته لبنان يومي 15 و16 كانون الثاني 2005 (عندما اختفى أحمد أبو عدس)، مؤكداً أن زيارة طه تلك أحيطت بالسرية. وتكشف المحاضر أن طه انتقل نهاية عام 2005 من سوريا إلى لبنان، بعدما اشتدت حملة الأمن السوري على مجموعات القاعدة في سوريا، وأن أفراداً من مجموعة الـ13 ساعدوه على التواري عن الأنظار في مخيم عين الحلوة. لكن الحديث عن خالد طه يصبح ثانوياً أمام إفادة فيصل أكبر. فالشاب السعودي يصل مباشرة إلى بيت القصيد، معلناً خلال التحقيق معه أنه كان أحد أفراد المجموعة التي اغتالت الرئيس رفيق الحريري، والتي كان يرأسها جميل السوري، نائب أمير تنظيم القاعدة في بلاد الشام (يتولى أيضاً منصب المسؤول الأمني للتنظيم). إلا أن محاضر التحقيق سرعان ما تُظهر أن فيصل تراجع عن إفادته، مدعياً أنه كذب في كل ما قاله، رغم أنه ذكر معلومات لا يعرفها غير المحققين، إضافة إلى بعض الوقائع التي لم يكن المحققون أنفسهم قد توصلوا إليها. كيف اعترف فيصل أكبر؟ وكيف تراجع؟ أحد المعنيين بالتحقيق باغتيال الحريري ينقل عن مصادر مقربة من فرع المعلومات رواية تفصيلية لما جرى في إحدى غرف التحقيق. تقول الرواية إن محققي فرع المعلومات، عندما كانوا يستجوبون أفراد مجموعة الـ13 (ابتداءً من يوم 3/1/2006، المحضر الرقم 17/302) أوهموا فيصل أكبر بأن خالد طه صار في قبضتهم. تضيف الرواية إن فيصل انهار وقال للمحققين: سأخبركم بكل شيء. كان في غرفة التحقيق ستة عاملين في فرع المعلومات، ثلاثة ضباط وثلاثة رتباء. سريعاً، روى فيصل أكبر الرواية كاملة. تحدّث عن عملية اغتيال الحريري والإعداد لها. قال إنه استقبل أحمد أبو عدس وخالد طه في دمشق يوم 18/1/2005 (بعد يومين على اختفاء أبو عدس)، وإن الفيلم الذي تبنى فيه أبو عدس عملية التفجير

صُوِّر في إحدى الشقق التي يستخدمها تنظيم القاعدة في حي ركن الدين بدمشق. حدّد شقة في الضاحية الجنوبية لبيروت (المريجة) استُخدمت خلال الإعداد للجريمة. قال إنه رافق جميل (نائب أمير تنظيم القاعدة في بلاد الشام) يوم اغتيال الحريري إلى منطقة عين المريسة، حيث كان جميل يتلقى اتصالات من فريق مراقبة مكون من 5 أشخاص. أضف إلى ذلك أن محاضر التحقيق تنقل عن فيصل قوله إن شاحنة الميتسوبيشي التي فخخت وفجرت بموكب الحريري اشتُريت من منطقة شمال لبنان. عند الخامسة فجراً من اليوم التالي لبداية التحقيق، كان الرجل قد أنهى الرواية كاملة. خرج اثنان من الرتباء إلى منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، ليُحضروا «السودة النية» من المسلخ الذي يقع أول برج البراجنة (نزلة العاملية). بعد عودتهما، جلس الرتباء الثلاثة والضباط الثلاثة ليتناولوا الطعام داخل الغرفة التي يجلس فيها فيصل أكبر. دعا أحد الرتباء النقيب وسام عيد لمشاركتهم تناول الطعام. لكن عيد خرج من الغرفة. لحق به الرتيب قائلاً: لماذا غضبتَ سيدي؟ ألا تريد تناول الطعام معنا؟ أجابه عيد: «كلا، لقد قرفت منه. هل تريدني أن أتناول الطعام مع من قتل الرئيس الشهيد؟». فيصل أكبر لم يأكل. يكاد يكون أكل اللحم النيء محرماً بالنسبة إليه. لكنه قال للمحققين: الآن فهمت ماذا كان يعني قول زبائن أبو أحمد (صاحب مطعم صغير في منطقة كورنيش المزرعة): نريد سندويش رجالي! كان التحقيق الأولي قد انتهى. اتصل وسام عيد بأحد الأشخاص، ثم عاد وقال لأحد الرتباء: حُلت مشكلتك. اشترينا لك شقة. فُتح نقاش بين الرتباء والنقيب عيد، عن أحقية كل منهم بالحصول على مكافأة. كان الحديث في إطار المزاح، لكنه لم يخل من الجدية، وخلاصته أن جميع الموجودين في غرفة التحقيق مقتنعون بأنهم تمكنوا من كشف جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان الأمنيون بانتظار وصول رئيس الفرع، الرائد سمير شحادة، من أجل أن يتصل الأخير بالقاضي سعيد ميرزا لنيل إذنه بالتوجه إلى الضاحية الجنوبية بهدف تحديد الشقة التي ذكرها فيصل. عندما حضر سمير شحادة، أبلغه المحققون بتفاصيل ما جرى. سريعاً، بدأت الحركة تتغير داخل مبنى فرع المعلومات. حضر وسام الحسن وتوجه إلى مكتب سمير شحادة. وبعد قليل أُدخِل فيصل أكبر إلى المكتب ذاته. دام اجتماع شحادة والحسن بفيصل أكثر من 6 ساعات، أحضروا خلالها الطعام من أحد المطاعم البيروتية الشهيرة. لم يعرف أحد ماذا دار خلال تلك المدة بين الضابطين والموقوف. لكن ما جرى بعد ذلك يخلّف وراءه أسئلة من دون أي جواب مقنع. فبعد خروج وسام الحسن من مبنى فرع المعلومات، أرسل سمير شحادة خلف عدد من المحققين قائلاً لهم: فيصل يريد التراجع عن إفادته. أسقط في أيدي رجال الأمن الذين قضوا الليلة السابقة مقتنعين بأنهم أمسكوا بالخيط الأول الذي سيوصلهم إلى كشف من قتلوا الرئيس رفيق الحريري. فإفادة فيصل لا تزال في بدايتها. ورغم ما تحويه من ثغر كبيرة لا بد من توضيحها، يبقى فيها من المتانة ما يمكن الاستناد إليه لفتح مسارات تحقيقية جدية. سأل أحد المحققين الموقوفَ، بحضور شحادة، قائلاً: لماذا ستتراجع؟ رد فيصل: أُخِذت أقوالي مني تحت الضغط. وعبارة «تحت الضغط» توقف عندها عدد من الحاضرين. فهي لا يستخدمها عادة الموقوفون، بل يستخدمها رجال الأمن والتحقيق اللبنانيون.

حكاية فيصل السعودي الذي سبق المحقّقين إلى المعلومات

محقق دولي وأمنيون لبنانيون خلال إجراء مسح ثلاثي الأبعاد لمسرح الجريمة (أرشيف)دار «حوار» بين فيصل والمحققين. لكن في النهاية، أصر فيصل على تراجعه. ومعه، خفَت التحقيق الذي لم يتوصل إلى تحديد مكان أحمد أبو عدس، ولا إلى الحصول على معلومات ذات أهمية عنه. أما خالد طه، فكل ما عُرِف بشأنه أنه توارى عن الأنظار في مخيم عين الحلوة خلال الشهر الأخير من عام 2005. وبعد تراجع أكبر عن اعترافه بالمشاركة في اغتيال الحريري، ترك أمام المحققين باباً مفتوحاً لم يحسنوا استغلاله. قال لهم، بحسب محضر التحقيق، إنه سمع أميره حسن نبعة يوصي عدداً من أفراد المجموعة بألا يبوحوا بمعلومات عن أحمد أبو عدس إذا أوقفتهم القوى الأمنية. ثمة أكثر من رأي لتبرير ما جرى. المقربون من فيصل أكبر، وعلى رأسهم حسن نبعة الموجود في سجن رومية، يقولون إن فيصل لم يعترف، ولم يتراجع، بل إن المحققين الذين عرّضوه لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، هم الذين دوّنوا كلاماً لم يقله، ثم دونوا كلاماً مناقضاً، وأجبروه على توقيع المحضر. وعندما يُسألون عن السبب، يجيبون بالقول: نحن لا نعرف الدافع الحقيقي لذلك، بل لدينا تحليل يدلنا على ثلاثة أسباب. ربما هي رغبة المحقق في تسجيل إنجاز، وربما هو تأثره المذهبي بما يجري في العراق (يقصدون الملازم أول ر. ف.). وقد تكون ثمة رغبة في إحدى الدوائر بتقديم أوراق للمساومة، وإبقاء ملف التحقيق مع مجموعة الـ13 جاهزاً لتقديمه ككبش فداء في أي لحظة تصل فيها الصفقة السياسية إلى خاتمتها.

ريفي والحسن: تضليل التحقيق

فيصل أكبرهذه خلاصة رواية المجموعة. أما في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات، فالمسؤولون الذين كانوا مشرفين على التحقيق (وخاصة اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن) يؤكدون أن فيصل لم يتعرض لأي ضغط أو تعذيب، سواء خلال الاعتراف أو عند التراجع. ويقول المعني الأول بهذا الملف إن فيصل أكبر اعترف باغتيال الحريري لتضليل التحقيق، وكان «يريد إلهاء المحققين بهذا الحدث الكبير للتهرب من الإجابة عن أسئلة عن عمل تنظيمه». لكن أيعقل أن يعترف إنسان ما باقتراف جريمة بهذا القدر من الخطورة لتضليل التحقيق؟ يجيب المسؤول ذاته: نعم، هكذا هم جماعة تنظيم القاعدة. ثم يعطي المسؤول دليلاً على كلامه بالقول: عندما اعترف الرجل واتصل سمير شحادة بوسام الحسن ليخبره بتطورات التحقيق، قال له الحسن: دوّنوا الإفادة. وفي الصباح، حضر وسام الحسن إلى مبنى فرع المعلومات ليقابل شحادة. وفور وصوله، أخبره شحادة بأن فيصل تراجع، فقال له وسام الحسن: دوّنوا الإفادة. وينفي الحسن أن يكون قد التقى فيصل أكبر في ذلك الصباح. يضيف المسؤول: كان بإمكاننا، لو كانت لدينا نية سيئة، أن نتجاهل الإفادة الأولى وألا ندونها. لكننا دوناها رغم معرفتنا بأنها ستتحول إلى إفادة علنية بعد إحالتها على القضاء.خالد طه إلا أن تبرير المشرفين على التحقيق تنقضه التفاصيل التي أوردها فيصل أكبر في إفاداته، والمطابقة لمضمون التحقيقات الدولية والمحلية باغتيال الحريري، مثل تاريخ دخول خالد طه إلى لبنان وعودته إلى سوريا وتاريخ اختفاء أحمد أبو عدس وتفاصيل التفجير، إضافة إلى عدد الهواتف الخلوية التي يعتقد أن المجموعة التي اغتالت الحريري استخدمتها خلال مراقبته حتى الدقائق الأخيرة السابقة لاغتياله. فمن أين استقى فيصل هذه المعلومات التي تطابق ما هو وارد في التحقيقات الأولية بجريمة اغتيال الحريري؟ يقول المشرفون على التحقيق في فرع المعلومات إن التفاصيل التي أوردها فيصل في إفادته مستقاة بكاملها من التقريرين الصادرين عن لجنة التحقيق (الأول والثاني) اللذين كانا قد نُشرا قبل توقيفه. يضيف هؤلاء إن حاسوب فيصل أكبر يحوي نسخة عن كل واحد من التقريرين. ويقول الأمنيون ذاتهم إن فيصل أكبر، عندما استمعت إليه لجنة التحقيق الدولية بعد أكثر من عام على التحقيق معه في فرع المعلومات، لم يتعرف إلى الصور التي عرضها عليه المحققون الدوليون، والتي تظهر فيها شوارع تحدّث عنها وربطها بجريمة اغتيال الحريري، كأحد شوارع منطقة ركن الدين في دمشق. ويلفت أحد الأمنيين اللبنانيين المعنيين بالتحقيق مع فيصل أكبر قائلاً: عندما أنهى المحققون الدوليون استجواب فيصل، قال لهم ضاحكاً: هل صدقتم أنتم أيضاً ما قلته في التحقيق عن المعلومات؟

«مصادفات» غريبة

هاني الشنطيرواية المعنيين في فرع المعلومات تجد من يفندها ويرد عليها بسهولة. يقول أحد المعنيين بالتحقيق: في البداية، لم تكن دائرة القرار عند آل الحريري وفي فرع المعلومات قادرة على تجاهل تدوين الإفادة، وخاصة أن اعتراف فيصل جرى بحضور ستة محققين، بينهم أمنيون غير مأموني الجانب، من الناحية السياسية على الأقل. وما يقوله المشرفون على التحقيق مع فيصل أكبر تعتريه ثُغر عدة، أبرزها اثنتان. الأولى أن ثمة في رواياته «مصادفات» غريبة، لناحية تزامن بعض المحطات في إفادته مع التوقيت الذي ظهر في بيانات الهواتف الخلوية التي استخدمها مراقبو تحركات الحريري. وفي إفادته، قال فيصل أكبر إن مجموعة المراقبة مؤلفة من خمسة أشخاص، وإنهم كانوا يتواصلون مع جميل، مساعد أمير تنظيم القاعدة في بلاد الشام الذي كان فيصل يرافقه يوم الجريمة. وعندما سئل فيصل عن عدد الهواتف الخلوية المستخدمة، قال إنها سبعة: خمسة للمراقبين، وسادس مع جميل والسابع في حوزته هو (فيصل). وقال فيصل إن جميل كان يتلقى الاتصالات من المراقبين. ولم يذكر ورود اتصالات إليه هو (فيصل) من مجموعة رصد الحريري. بل أكد أن جميل أوصاه بعدم الاتصال به إلا في الحالات الطارئة. نتيجة لذلك، يصبح عدد الأرقام الهاتفية التي تحدث عنها فيصل مطابقة للعدد الحقيقي الذي استخدم لمراقبة الحريري حتى يوم اغتياله. فرغم أن لجنة التحقيق الدولية تحدثت في تقريريها الأول والثاني عن استخدام 8 هواتف خلوية لمراقبة الحريري، فإن التحقيقات التي أجرتها مديرية استخبارات الجيش وفرع المعلومات (قبل لجنة التحقيق الدولية) أظهرت أن المجموعة التي يعتقد أنها راقبت الحريري استخدمت 8 خطوط خلوية هي: 03129893 ـــــ 03129678 ــــــ 03129652 ـــــــ 03127946 ـــــــ 03125636 ـــــــــ 03123741 ــــــ 03478662 ــــــ و03292572. وتظهر التحقيقات ذاتها أن الرقمين الأخيرين لم يستخدما إلا لإجراء 13 اتصالاً من أصل 432 اتصالاً أجراها أفراد المجموعة في ما بينهم وبخدمة التشغيل في شركة ألفا. ويعتقد الأمنيون الذين عملوا في هذا المسار التحقيقي أن الرقمين الإضافيين أُبقيا احتياطاً، وخاصة أنهما لم يستخدما مطلقاً خلال الأسابيع الثلاثة السابقة لاغتيال الحريري. ما ذكر عن إفادة فيصل بخصوص عدد الخطوط الخلوية هيّن وضعه في خانة المصادفات. وتزداد المصادفة غرابة عندما يتحدث عن الوقت الذي ترك فيه، مع جميل وخالد طه وأحمد أبو عدس، شقة الضاحية الجنوبية. فهو يقول إنهم عادوا للنوم بعدما صلّوا الفجر، واستيقظوا عند العاشرة صباحاً، وخرجوا لتنفيذ العملية. هذا في إفادته. أما بيانات الاتصالات، فتظهر أن أول اتصال أجرته المجموعة التي يعتقد أنها كانت تراقب الحريري صباح اغتياله، جرى عند الساعة 11:00:55 قبل الظهر، من منطقة تشملها محطة إرسال في شارع كاراكاس. ذلك كله، يضعه المشرفون على التحقيق في خانة المصادفات. إلا أن ما لا يجدون جواباً له هو المعلومات التي أدلى بها فيصل، رغم أن المحققين أنفسهم كانوا يجهلونها، ولم يتمكنوا من الحصول عليها إلا بعد مضي أربعة أشهر على ختم التحقيق معه، كقصة شاحنة الميتسوبيشي التي استخدمت في اغتيال الحريري. فطوال عام 2005، والثلث الأول من عام 2006، لم يكن لدى فريق التحقيق اللبناني أو الدولي أي معلومات عن الشاحنة سوى أنها سرقت من اليابان في تشرين الأول 2004. ولم يتمكن المحققون من تحديد المسار الدقيق الذي سلكته قبل إدخالها الأراضي اللبنانية، ولا كيفية عبورها الحدود.

لكن فيصل أكبر، في الشهر الأول من عام 2006، قال خلال التحقيق معه لدى فرع المعلومات إن جميل أخبره بأن الشاحنة اشتُريت من طرابلس! وبعدما تراجع عن اعترافه، أُهمل هذا الجانب من إفادته، وخاصة أن الفكرة التي كانت تسري كحقيقة مطلقة بين المحققين هي أن الشاحنة أدخلت إلى لبنان بطريقة غير مشروعة. كان على المحققين أن ينتظروا حتى يوم 24 نيسان 2006 حتى تثبت لهم الوقائع أن ما قاله فيصل أكبر بشأن الميتسوبيشي صحيح. ففي ذلك التاريخ، نظم فرع المعلومات محضراً ظهر فيه أن الشاحنة دخلت لبنان براً محمولة على مقطورة كبيرة، مع شاحنة أخرى. وقد استقدمت من الإمارات العربية المتحدة براً عبر السعودية ثم الأردن فسوريا، واستقرت في معرض للسيارات قرب طرابلس، حيث اشتُريت بطريقة شرعية، لكن باستخدام أوراق ثبوتية مزورة. وهذه الحقيقة لم تظهر إلى العلن إلا عندما أعلنتها لجنة التحقيق الدولية بعد أكثر من عام، أي في التقرير الثامن الصادر يوم 12 تموز 2007 (الفقرة 24). وبعيداً عن التحليل والاستنتاج، ثمة ثغرة في التحقيق باغتيال الحريري، مرتبطة بإفادة فيصل أكبر، لا تجد من يسدها. فصحيح أن لجنة التحقيق الدولية استمعت إلى إفادات عدد من أفراد مجموعة الـ13. وقد استدعي بعضهم لنحو ست مرات، فيما اكتفى المحققون الدوليون باستجواب أحد أبرز أفراد المجموعة مرتين اثنتين فقط، مدة كل واحدة منهما ساعتان، بينها الوقت الذي استهلكه الشاب في الوضوء والصلاة. كل ذلك يمكن تبريره. لكن ما لا يمكن أن تعثر على تفسير منطقي له، هو أن لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الدوليّة من بعدها، لم تستمعا إلى أي من المحققين الستة الذين استجوبوا فيصل أكبر، والذين شهدوا تراجعه، لمعرفة ملابسات ما جرى خلال التحقيق معه. كذلك، فإنها لم تستمع إلى إفادة كل من سمير شحادة أو وسام الحسن. (غداً: أحمد مرعي في مسرح الجريمة)

رسالة إلى خالد طه

خلال التحقيق مع فيصل أكبر، لجأ فرع المعلومات إلى خطوة شديدة الغرابة. فبناءً على أوامر قيادة الفرع، طلب أحد المحققين من الموقوف هاني الشنطي كتابة رسالة إلى خالد طه يطلب منه فيها تسليم نفسه إلى القوى الأمنية اللبنانية! وقد سُمح للموقوف بنشر هذه الرسالة على موقع «الحسبة» الإلكتروني، الذي كان يعدّ في تلك المرحلة أحد المنابر التي يستخدمها تنظيم القاعدة لإعلان إنجازاته. الرسالة التي يذكر فيها الشنطي أحمد أبو عدس (مستخدماً لقبه، أي أبو تراب) بقيت منشورة لأيام عدة قبل أن يحذفها المشرفون على الموقع. في تلك الرسالة، يقول هاني الشنطي (اسمه الأمني مروان المهاجر): الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته الأخيار، أما بعد، فهذه يا أخي الحبيب خالد طه رسالة من أخيك مروان المهاجر (هاني)، أطلب فيها أن تسلم نفسك للسلطات، لا على أنك متهم، بل لتجيب عن بعض الملابسات والمساءلات التي تخص موضوع أبي تراب. فهم لا يريدون منك تراجعاً عن فكرة ومنهاج وتوجه تعتقده وتقتنع به، فأنا بحمد الله على فكري ثابت. فالأمر بإذن الله هين وسهل، ولا داعي لتعقيده. فالاستمرار على إصرارك على عدم تسليم نفسك يمثّل تعقيداً للموضوع واتهاماً لك على أنك تخفي شيئاً ولا تريد إظهاره. ولا تستهن بأي معلومة قد تعلمها تجعلك متهماً، لكن هي في الحقيقة قد تكون خيطاً يدل على المجرم الحقيقي، وخيطاً يدل على براءتك من تهم تكون قد ظنت بك بسبب إصرارك على عدم المجيء والإدلاء بشهادتك، وهذا ما تمنيت لو أني فعلته. فلو أني جئت وأدليت بما أعلمه وما اختفيت لما أصبحت الآن موقوفاً ومتهماً بأني أخفي معلومات والله يشهد أني لا أخفي شيئاً، فلا تضع نفسك في هذا الموقف المحرج، فلا تتأخر ولا لحظة وسارع بالأمر، فالأمر هيّن فلا تعقّده كما كان يوماً من الأيام هيناً عليّ وعقّدته بسبب تشبثي كما أنت اليوم متشبث، لكن مع الفارق وهو أن الأوان لم يفتك، فهلمّ وأرح إخوانك أراحك الله دنيا وآخرة، ولا تظن بذلك أني أطلب ما يتناقض مع ما تآخينا عليه من الجهاد وحب الشهادة، فالله وحده يشهد كم تتوق نفسي إلى ساحات الجهاد ونيل الشهادة ورضوان الله، وإنما كلامي على أمر لا يناقض الشريعة، فالصحابة عندما هاجروا إلى الحبشة وقفوا وأجابوا بكل صراحة عن معتقدهم وما يدينون به، وبرأوا أنفسهم من الاتهامات فاستخر الله عز وجل ولا تستصعب الأمر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخوك المحب ورفيق عمرك مروان المهاجر ملاحظة: أطلب من مشرفي المنتديات تثبيت الموضوع، وعدم حذفه وإني سائلهم أمام الله على إيصال هذه الرسالة وإبقائها حتى تصل إلى أهلها وإني خصيمه يوم الحساب إن حذفها أو ساعد على عدم إيصالها وجزاكم الله خيراً. الفقير لعفو ربه مروان المهاجر (انتهت رسالة هاني الشنطي). رسالة هاني الشنطي إلى خالد طه، إن دلت على شيء، فإنما تدل على خفة بالتعامل مع هذا الملف، من جانب فرع المعلومات. ويرى أحد الأمنيين المتابعين لقضايا تنظيم القاعدة أن هذه الرسالة، بمجرد وصولها إلى خالد طه، فإنها ستدفعه إلى الحذر، هذا إن لم تكن قد تضمنت رسالة مبطنة له يقول له فيها الشنطي إن فرع المعلومات لا يعرف شيئاً عنه أو عن أحمد أبو عدس. ويربط الأمني ذاته بين رسالة الشنطي والرسالة التي ضبطت في حوزة حسن نبعة، والموجهة من شقيقه مالك إلى خالد طه. فبعد استدعاء مالك نبعة للتحقيق في تموز 2005، ثم إطلاق سراحه، كتب مالك رسالة إلى خالد طه يقول له فيها إن ما يعرفه المحققون عنه وعن أبو عدس ليس سوى «اجتهادات وظنون». وعندما سئل مالك نبعة خلال التحقيق الثاني معه عن سبب بعثه بهذه الرسالة، قال للمحققين: أردت إقناع خالد طه بالمثول أمامكم!

أبو مصعب الزرقاوي

بين مضبوطات المجموعة، عثر الأمنيون على رسالة موجهة من أبو مصعب الزرقاوي إلى حسن نبعة في منتصف عام 2005، يطلب منه فيها التوجه إلى لبنان، مستخدماً عبارة «اذهب إلى الضيعة». وخلال التحقيق مع بعض أفراد المجموعة، أفادوا بأن الزرقاوي نحّى حسن نبعة عن الإمارة، لأنه غضب منه بسبب الصراع الذي وقع على الأراضي السورية بين المجموعات التابعة لنبعة وتلك التابعة لتنظيم جند الشام (غير التنظيم الموجود في مخيم عين الحلوة)، محملاً إياه المسؤولية عن تقصير المجاهدين. وبناءً على رسالة الزرقاوي، توجه فيصل أكبر في حزيران 2005 إلى العراق لمقابلة أبو مصعب. وبحسب ما تظهر وثائق اطّلعت عليها «الأخبار»، فإن فرع المعلومات زوّد أجهزة أمنية أميركية بمعلومات عن الزرقاوي حصل عليها المحققون اللبنانيون من استجواب أفراد المجموعة. وتضمنت إحدى الرسائل التي بعث بها الأميركيون إلى فرع المعلومات أسئلة لطرحها على الموقوفين، بهدف المساعدة على تحديد مكان وجود أبي مصعب الزرقاوي في العراق!

لؤي السقا

في محضر التحقيق مع مجموعة الـ13، يبرز فجأة اسم لؤي السقا. الشاب السوري الموقوف في تركيا، والمتهم بأنه يعمل لحساب تنظيم القاعدة. وقد حكم على السقا في شباط 2007 بالسجن المؤبد، لإدانته بالضلوع في تفجيرات إسطنبول عام 2003. وبحسب إفادات عدد من أفراد المجموعة، فإن السقا كان في إحدى المراحل مرشحاً لتولي منصب أمير التنظيم في بلاد الشام. وكان اسم السقا قد وضع قيد التداول الإعلامي والسياسي ابتداءً من يوم 8/11/2005، عندما بعث برسالة عبر محاميه من داخل سجنه في تركيا، يقول فيها إن ثلاثة أشخاص أجانب زاروه في سجنه، وعرضوا عليه الإدلاء بإفادة أمام لجنة التحقيق الدولية يقول فيها إن العماد آصف شوكت طلب منه إحضار انتحاري من العراق مباشرة قبل اغتيال الحريري. وقال السقا إن زائريه عرضوا عليه الحماية ومبلغاً كبيراً من المال، إلا أنه رفض. بعد إعلان رسالة السقا، أعلن وزير العدل التركي حينذاك فتح تحقيق مع محامي السقا، عثمان قره هان، مؤكداً أن كل ما أدلى به وموكله ليس سوى محض افتراء وكذب. نتائج التحقيق التركي لم تعلن. أما لجنة التحقيق الدولية باغتيال الحريري، فقد استجوبت لؤي السقا في سجنه في آذار 2007، بحسب ما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية آنذاك.

نسب إلى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أخيرا، في معرض حديثه عن المأزق الذي يتخبط فيه الحريري الابن، قوله: «إن على الأخير المفاضلة بين أحد خيارين، أن يختار بين رفيق الحريري وسعد الحريري».كان المقصود بذلك أن على الحريري أن يختار بين دم والده الراحل ورئاسة الحكومة، لأن لكل منهما مسارا مختلفا من شأن تلازمهما أن يفضي في لحظة ما إلى تناقض حاد، لا يسعه أن يكون رئيسا لحكومة كل لبنان، وفي الوقت نفسه لا يكتفي بأنه لا يملك حلا لاتهام حزب لبناني عضو في حكومته باغتيال الحريري الأب، بل يلزم الصمت إزاء القرار الاتهامي، خصوصا أن الاتهام المبكر بدأ يطابق بين حزب الله وطائفته.

والعارفون بما هدف اليه السيد حسن نصرالله من توجيه التحية الى الزعيم الدرزي لا يقتصر على الدور الجديد ـ القديم الذي يضطلع به بل يشمل أيضا صراحته واعترافه بأن التسييس ينخر جسم المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وقد سمع منه هذا الكلام في اجتماع المصالحة الأول الذي عقده مع جنبلاط قبل صدور مجلة «دير شبيغل» الالمانية في شهر مايو من العام 2009، يومئذ أبلغ نصرالله أكثر من قيادي في المعارضة وقائع ما تضمنه الاجتماع مع جنبلاط بهذا الخصوص، حيث أخبره الأخير بأنه بات على قناعة بأنه لا يمكن ان يتوقع العدالة ومعرفة حقيقة من قتل الرئيس الحريري على يد المحكمة التي تعمل على ما يبدو وفق مخططات مشبوهة لأهداف وغايات سياسية بحتة.

وقال جنبلاط: «اذا كان مروان حمادة متورطا في قضايا شهود الزور فأنا مستعد لرفع الغطاء عنه»، هذا الكلام اعلنه النائب وليد جنبلاط امام وفد من حزب الله زاره لمزيد من التشاور والتنسيق، لكن الكلام الجنبلاطي اتى ردا على مقررات المؤتمر التأسيسي لحزب المستقبل في البيال الذي انتخب بموجبه الزميل علي حمادة في المكتب السياسي بعدما كان جنبلاط يؤكد امام الصقور في حزبه أن مروان وعلي هما من اهل البيت الاشتراكي.

عمر نشّابة نُشرت قواعد الإجراءات والإثبات الخاصّة بالمحكمة الدولية الخاصّة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في 20 آذار 2009، وخضعت لسلسلتين من التعديلات (في 10 حزيران وفي 30 تشرين الأول 2009). غير أن تلك التعديلات لم تصحّح الثُّغر التي تتيح التلاعب بالتحقيقات الجنائية عبر فبركة معلومات واختلاق شهود وتشويه الحقيقة. وقبل الدخول في مراجعة نقدية لبعض القواعد المثيرة للشكوك، لا بدّ من توضيح أن مراجع «تفسير القواعد» محدّدة في القاعدة الثالثة على النحو الآتي: «تُفسَّر أحكام النظام الحاضر على نحو يتوافق مع روح النظام الأساسي، وعلى نحو يتوافق مع (أ) المبادئ المحددة في القانون العرفي الدولي (...)، و(ب) المعايير الدولية لحقوق الإنسان، و(ج) المبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي وقواعد الإجراءات، وعند الاقتضاء (د) قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، على أن تُحترم القواعد المذكورة بحسب أولوية ترتيبها». يعني ذلك أن معايير قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني تأتي في المرتبة الرابعة والأخيرة. رغم ذلك، لا ينفكّ البعض يصف المحكمة بالمختلطة وبأنها تعتمد روحية القانون اللبناني. ورد في نصّ القاعدة 133 من قواعد الإجراءات والإثبات: احتمال اعتماد «تدابیر خاصة لمنع الكشف للجمهور أو لوسائل الإعلام عن هویة أو مكان وجود متضرر أو شاهد أو أقاربه أو شركائه». وبالتالي تسمح القواعد بشاهد سرّي يعمل لمصلحة جهاز استخباري معاد للبنان (إسرائيلي أو حليف للإسرائيلي) وتسمح القواعد بإخفاء ذلك عن «الجمهور» وعن الأشخاص الذين سيُتّهمون وقد يرفضون المثول أمام المحكمة. ومن التدابير التي يمكن أن تتخذها المحكمة للحفاظ على سرّية الشاهد: «أ. شطب الأسماء وبیانات تحدید الهویة من السجلات العامة للمحكمة»، ما يعني إخفاء أي أثر لهوية ذلك الشاهد في المستندات العلنية وغير العلنية. «ب. عدم الكشف للجمهور عن أیة سجلات تحدد هویة الشاهد. ج. استعمال وسائل تقنیة لتحویر الصورة أو الصوت. د. الإدلاء بالشهادة عبر نظام تلفزيوني مغلق أو نظام المؤتمرات التلفزيونية. هـ. واستخدام أسماء مستعارة». ولا تحديد في القواعد لمنهجية اختيار الأسماء المستعارة، ما يفتح المجال لاستخدام إيحاءات وتلاعب في تحديد الهوية. وأخيراً، تشير القاعدة 133 إلى إمكان «عقد جلسات سریة». أما القاعدة 155، فتذكر: «تقرر غرفة الدرجة الأولى، بعد الاستماع إلى الفريقين، ما إذا كان يتعيّن أن تطلب من الشاهد المثول أمامها للاستجواب المضاد. ولها أن تقرر أن مصلحة العدالة ومقتضيات المحاكمة العادلة والسريعة تبرر استثنائياً قبول الإفادة أو النص المدوّن، كلياً أو جزئياً، بدون إجراء استجواب مضاد». وهنا نسأل كيف يمكن أن تحرم غرفة الدرجة الأولى فريق الدفاع الصادق حقّه في الاستجواب المضاد للشهود، وتكون الإجراءات عادلة؟ لا بدّ من التنويه بأن القاعدتين 133 و155 تنطبقان على الشهود الذين يمثلون أمام غرفة الدرجة الأولى (هيئة المحكمة) أي بعد صدور القرارات الاتهامية وبعد إحالتها من مكتب المدعي العام إلى قاضي الإجراءات التمهيدية، ومنه إلى غرفة الدرجة الأولى. غير أن القاعدة 159 تتناول «الشاهد» من دون تحديد مرحلة الإجراءات القضائية. فالمادة تشير إلى أن الإدانة لا يمكن أن تستند إلى إفادة أدلى بها شاهد سرّي، بينما لا إشارة إلى مرحلة الاتهام، ما يعني أن القرار الاتهامي يمكن أن يستند إلى تلك الإفادة. لكن أبرز الثُّغَر في قواعد الإجراءات والإثبات تظهر بوضوح في نصّ القواعد 74 و115 و116 و117 و118 و137. فالقاعدة 74 تجيز «لقاضي الإجراءات التمهيدية، وفقاً لما تقتضيه مصلحة العدالة، أن يأمر بعدم إعلان قرار الاتهام للعموم أو أية مستندات أو معلومات مرتبطة به» بينما «يجوز للمدعي العام إعلان قرار الاتهام أو جزء منه لسلطات دولة معيّنة إذا رأى في ذلك ضرورة لغرض التحقیق أو الملاحقة». ويمكن أن تكون تلك الدولة معادية للبنان (أو دولة حليفة لدولة معادية للبنان) فالقواعد لا تستثني أياً من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. كذلك فإن القاعدة 74 لا تحدّد «ما تقتضيه مصلحة العدالة»، بل قد يخضع ذلك لاقتناع قاضي الإجراءات التمهيدية البلجيكي دانيال فرانسين والمدّعي العام الكندي دانيال بلمار ورئيس مكتب الدفاع الفرنسي فرانسوا رو. القاعدة 115 تجيز «للمدعي العام، في ظروف استثنائية، الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية أو من غرفة الدرجة الأولى إصدار أمر بعدم الكشف مؤقتاً عن هوية المتضرر أو الشاهد الذي قد يكون مهدّداً أو معرضاً للخطر». لا تحدّد القاعدة «الظروف الاستثنائية»، ما يفتح الباب واسعاً لاعتبارات لا علاقة لها بمعايير العدالة. فكيف يُحدَّد كونُ الشاهد مهدّداً أو معرّضاً للخطر؟ هل يُفتح تحقيق بذلك أم يُعتمد على إفادة الشاهد؟ هنا أيضاً يفتح الباب واسعاً أمام اعتبارات لا علاقة لها بتحقيق العدالة. وإذا كان الإبلاغ عن هوية شاهد «قد يؤدّي إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية، يجوز للمدعي العام الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة، بصورة غير وجاهية، إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب الإبلاغ الملحوظ في القواعد» (القادة 117). من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان هناك احتمال «مساس بالمصالح الأمنية»؟ وماذا تشمل «المصالح الأمنية»؟ الكشف عن معلومات استخبارية؟ ألا يمكن أن تكون إحدى هذه الدول (الأعضاء في الأمم المتحدة) إسرائيل؟ فتكون بذلك المحكمة الخاصة بلبنان حريصة على مصالح إسرائيل الأمنية؟ وتتابع المادة 118 «عندما تكون بحوزة المدعي العام معلومات قدّمت له بصفة سرية وتمس بالمصالح الأمنية لدولة ما أو هيئة دولية أو ممثل عنها، لا يعمد المدعي العام إلى إبلاغ تلك المعلومات ومصدرها إلا بموافقة الشخص أو الهيئة التي قدّمتها». ويمكن المدعي العام «اقتراح تدابير موازية (للإبلاغ عن هوية الشاهد السرّي) تتضمّن خصوصاً معلومات جديدة ذات طبيعة مشابهة أو إبلاغ هذه المعلومات بشكل مختصر أو مموّه أو عرض الوقائع المهمة». يفتح ذلك المجال واسعاً أمام التلاعب بالشهادة السرية أو المعلومات المقدمة، ويمكن التأثير على القضاة من خلال ذلك «التمويه».

و«إذا طلب المدّعي العام شاهداً ليقدم كوسيلة إثبات أية معلومات معطاة بموجب هذه المادة (118)، فلا يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية ولا لغرفة الدرجة الأولى إلزام هذا الشاهد بالإجابة عن أي سؤال يتعلق بالمعلومات أو مصدرها إذا امتنع الشاهد عن الإجابة بداعي السرية». القاعدة 137 تتناول كذلك «الجلسات السرية» فتنصّ: «لأسباب تتعلق بالمصالح الأمنية الوطنية لدولة معينة» يجوز لغرفة الدرجة الأولى أن تأمر «بإخراج الصحافة والجمهور من قاعة المحكمة خلال جميع الجلسات أو بعضها». القاعدة 116 تشير إلى أنه إذا كان الإبلاغ عن مصادر بعض المعلومات التي جمعها المدعي العام «لسبب أو لآخر هو مخالف للمصلحة العامة، يجوز للمدعي العام الطلب من غرفة الدرجة الأولى (...) إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب إبلاغ المعلومات المنصوص عليه في القواعد الحاضرة. على المدعي العام، عند تقديمه هذا الطلب، أن يطلع غرفة الدرجة الأولى على المعلومات التي يطلب بقاءها سرية وترفق ببيان يقترح فيه تدابير موازية تشمل خصوصاً تحديد معلومات جديدة وذات طبيعة مماثلة، وتقديم هذه المعلومات مختصرة أو مموّهة، أو عرض الشق الأهم من الوقائع». وبالتالي، يمكن التلاعب عبر التمويه وعبر «اختيار» الشقّ الأهم من «الوقائع». واللافت هنا استخدام مصطلح «الوقائع»، بينما لم تثبت حقيقتها إلا بعد عرضها على المحكمة واتخاذ القرار المناسب بخصوص صدقيتها. لكن قبل كلّ ذلك نسأل: من يحدّد «المصلحة العامة»؟ هل هي مصلحة مجلس الأمن الدولي الذي أنشأ المحكمة؟ وماذا لو تناقضت «المصلحة العامة» مع المصالح اللبنانية؟

تُعتبر الثقة بعدالة المحكمة وتجردهاcasizi، أية محكمة، من جانب المجتمع المعني بقراراتها، شرطاً أساسياً لفاعلية هذه القرارات وإيجابية أثرها. ولا تشذ عن هذه القاعدة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. فبقدر ما تحوم الشكوك حول نزاهة المحكمة الدولية واستقلالها وتجردها، بقدر ما تتحول النظرة للمحكمة من مصدر للعدالة وإحقاق الحق إلى أداة لإيقاع الظلم.من أسف أن معظم ما قام به بناة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يدفع إلى التشكيك بتجردها واستقلالها عن المآرب السياسية وينال من صدقيتها، وما يلي هو عيّنة من الأدّلة على ذلك:هذه عيّنة من الأفعال الاستثنائية التي تدفع إلى الحذر وتثير الشبهات حول الأهداف الحقيقية وراء إنشاء المحكمة، والتي قامت بها الدول المنشئة للمحكمة الدولية. ونستثني هنا ما قام به الطرف اللبناني من تنازلات عن حقوق سيادية ومخالفات دستورية كأن يتنازل بعض من السلطة الإجرائية، (بعد استقالة عدد من الوزراء في الحكومة وإبعاد رئاسة الجمهورية عن القرار بشأن إبرام الاتفاقية المنشئة للمحكمة)، عن صلاحية السلطة القضائية في تطبيق القانون بالنسبة لكل الجرائم التي ترتكب في لبنان والتي يفرضها الدستور اللبناني، فضلاً عن مخالفة مبدأ فصل السلطات. 1) الاتهامات والأحكام المسبقة التي كان يطلقها مسؤولون رسميون، وخاصة في الدول التي كانت لها الباع الأطول في إقامة لجنة التحقيق أولاً، ومن ثم المحكمة الدولية، بحق أطراف معينة منذ اللحظة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري، وقبل إجراء أي تحقيق أو الحصول على أيّة أدلّة. 2) التجاوزات الهادفة التي ارتكبتها لجنة التحقيق الدولية، برئاسة ديتليف ميليس، بما في ذلك مخالفة معظم أصول التحقيق الجنائي، إن لجهة انتهاك مبدأ سرية التحقيق أو لجهة بلوغ استنتاجات قطعية في أول تقاريرها دون الاستناد إلى أيّة أدلّة مقبولة قانونياً، واستغلال تلك التقارير لاستصدار قرارات تعسفية من مجلس الأمن الدولي. وكذلك اتخاذ إجراءات ليس لها مبرر قانوني، مثل اعتقال الضباط المسؤولين عن الوضع الأمني في لبنان. 3) إنشاء مجلس الأمن، لأول مرة في تاريخه، محكمة دولية هدفها محاكمة المسؤولين عن جريمة لا تعريف ولا عقوبة لها في القانون الدولي، ويطبق بشأنها القانون الوطني حصراً (في وضعنا القانون اللبناني). ويتجاهل مجلس الأمن مجرد التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، الذي هو في صلب القانون الجنائي الدولي ومبرر إقامة كل المحاكم الدولية التي سبقت المحكمة الخاصة بلبنان. وقد ارتكبت إسرائيل هذه الجرائم بحق لبنانيين في فترة تلت اغتيال الرئيس الحريري وسبقت إنشاء المحكمة، أي في عام 2006. 4) لأول مرة، ومن المستبعد جداً أن تتكرر، يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لإنشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية لم تستوفِ الشروط الدستورية لإبرامها، إن لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشأنها، أو لجهة موافقة السلطة التشريعية للدولة عليها التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية، ما يطرح علامة استفهام كبرى حول قانونية المحكمة. 5) لأول مرة تنشئ الدول المقررة في مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية التي كانت تعتبرها هذه الدول المبرر الوحيد لإقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع. 6) ولأول مرة يقيم مجلس الأمن محكمة دولية باللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لا تموّل من الموازنة العامة لللأمم المتحدة، بل تتولّى تمويلها دول متطوعة هي في الغالب القوى التي عملت على إنشاء المحكمة، بالإضافة إلى لبنان طبعاً، ما يطرح علامات استفهام إضافية بشأن استقلالية المحكمة بقطع النظر عن نزاهة قضائها.

لا سابق للجهود التي بذلتها قوى دولية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، بهدف إقامة إجراءات قضائية على الصعيد الدولي للبحث عن قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم، وهي تدّل على الأهمية التي تنيطها هذه القوى بعملية الاغتيال وآثارها على مصالح سياسية لها. فلم يسبق أن حظي اغتيال شخصية سياسية، مهما علا شأنها، بالاهتمام الدولي الذي لقيه اغتيال الحريري. فاغتيال رئيسة وزراء باكستان مثلاً، بنازير بوتو، التي لا تقل شهرة عن الرئيس الحريري، والتي اغتيلت في ظروف مشابهة، لم يلق اهتمام مجلس الأمن ولا الدول صاحبة القرار في توجهاته.مهما كان الرأي باستقلالية القضاء الدولي ونزاهته وتجردّه، وخاصة في ما يتعلّق بالمحاكم الدولية التي تقام خصّيصاً للنظر في جرائم معينة، مهمّ جداً ألا يصرف النظر عن الأسباب والدوافع الفعلية التي حملت بعض القوى إلى بذل جهود غير مألوفة دولياً لإقامة محكمة فريدة من نوعها في أساسها القانوني واختصاصها وظروف نشأتها.إن استصدار الدول المقتدرة قرارات من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا يفسّر بحجّة التوق إلى العدالة أو الرغبة في الاقتصاص من الجاني أو الراعي لجريمة قتل مهما علا شأن الضحية. فليس هناك سابقة بهذا الشأن. الجهود تلك لا يبررها سوى مصلحة عليا غالباً ما تكون في نطاق الأمن القومي للدول المقتدرة. إذا كان هذا المنطق مقبولاً، فعلينا إذاً أن نحاول إلقاء الضوء على الدوافع الحقيقية وراء جهود الدول التي بدونها لا يمكن استصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي ولا يمكن بالتالي المحكمة أن ترى النور.بعد سقوط الاتهام باغتيال الرئيس الحريري عن السوريين وإطلاق سراح الضباط المعتقلين وإخراجهم من دائرة الاتهام، لننظر بهدوء إلى الجهة التي يمكن أن تكون وراء اغتيال الرئيس الحريري، فنبدأ بتسليط الضوء على ما لحق اغتيال الرئيس الحريري من أحداث وتطورات، وذلك بهدف اكتشاف المستفيد الأكبر وربما الوحيد من هذه الجريمة. على أثر اغتيال الرئيس الحريري أُخرجت سوريا من لبنان وأُلصقت بها تهم اغتياله، اعتُقل الضباط المسؤولون عن الأمن، عمل الإعلام وبعض السياسيين على تشويه صورة الرئيس لحود وإبعاده عن القرار في كل ما يتعلق بإنشاء المحكمة الدولية، أُدخل لبنان في أزمة حكم وانقسام، وشحن مذهبي لا يزال يعانيه حتى الآن. فمن هو المستفيد الأكبر من كل ذلك؟ وبالتالي من يمكن أي يكون وراء هذه الجريمة ووراء إجراءات قضائية مسيّسة؟ وبهدف تظهير الصورة وإكمال الترابط بين الأهداف والنتائج، لنعد قليلاً إلى الوراء:لعّل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 كان يصحبه اعتقاد أو أمل القادة الإسرائيليين بأنّ حزب الله كحركة مقاومة سوف يزول بزوال الاحتلال الإسرائيلي. ولكن بعد الإدراك بأنه باق، وبفعالية، وهو يلعب دوراً هامّاً في مساعدة الدولة على بسط سيادتها على الأرض والمياه والأجواء اللبنانية، وهو عامل أساسي في تنمية ثقافة المقاومة وانتشارها، وكان له تأثير في قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أصبح القضاء على حزب الله هدفاً استرتيجياً ملحّاً بالنسبة لإسرائيل.حتى عام 2004 كان الوجود السوري في لبنان يحظى بتأييد الولايات المتحدة، وكان يصفه بعض مسؤوليها بأنه عامل استقرار في لبنان. حاولت إسرائيل عن طريق أصدقاء لها في الولايات المتحدة إغراء سوريا في المساعدة على إنهاء الوجود العسكري لحزب الله في لبنان. فقدّم، على سبيل المثال، توم لانتوس، وقد شغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي وكان من أقرب المقرّبين لإسرائيل، تعهداً للسفير السوري في واشنطن، الدكتور عماد مصطفى، بأنه يضمن لسوريا بقاءً دائماً في لبنان مقابل المساعدة في إنهاء الوجود المسلّح لحزب الله. فلمّا لم يلق العرض الصهيوني ــــ الأميركي استجابة لدى السوريين، أصبح لا بد من وضع خطّة مستقلة متكاملة للقضاء على من اعتبره الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، خطراً وجودياً على إسرائيل.من الطبيعي أن تستهدف هذه الخطّة إضعاف حزب الله، عن طريق عزله وتجريده من داعميه ومؤيّديه، وخلق مناخ عدائي له في الداخل اللبناني وفي الخارج. فكان قرار مجلس الأمن الرقم 1559 في أيلول 2004 ويتضمن أهدافاً ثلاثة: (1)الانسحاب السوري من لبنان، أي قطع الرعاية والدعم العربي المباشر والأساسي لحزب الله (2) منع التمديد للرئيس لحّود الذي بصفته الممثل الأعلى للشرعية كان مصدر الدعم الرئيسي لحزب الله في لبنان (3) نزع سلاح المقاومة. وبالرغم من أنّ التجاوزات والأخطاء التي ارتكبها مسؤولون سوريون قد هيأت القسم الأكبر من اللبنانيين للمطالبة بالخروج السوري من لبنان، إلا أنّ القرار 1559 لم يكن بذاته يضمن الخروج السوري السريع من لبنان، فكان لا بّد من حدث يكون بمثابة زلزال سياسي، كما يقول وليد جنبلاط، يحتّم إنهاء الوصاية السورية ويعجّل بها، ويخلق شرخاً مذهبياً يسهل استغلاله في إضعاف حزب الله داخليّاً، فكان اغتيال الرئيس الحريري. وقد تحقق كل ذلك بمساعدة تعبئة سياسية وحملة إعلامية على المستويين الدولي والمحلّي كانت بمنتهى الفعالية.ولإعطاء مصداقية للاتهامات والادعاءات السياسية، بدءاً بما كان يصدر عن البيت الأبيض، وكذلك للحملة الإعلامية التي تشيع بأن سوريا هي وراء اغتيال الرئيس الحريري، ومن أجل إخلاء الساحة الأمنية لتسهيل عمل الاستخبارات الخارجية في زرع الجواسيس وتعميق الفتنة في آن، كان لا بّد من إيجاد هيئة قضائية دولية لاختلاق تهمة تورّط كبار الضباط المسؤولين عن الأمن في لبنان كجزء من المؤامرة السورية لاغتيال الحريري. فتكتسب كذلك عملية تلفيق التهم وجهاً شرعيّاً، إذ يصبح الاتهام قراراً للعدالة الدولية وليس مجرّد ادّعاء أطراف ذات مصالح خاصة. وهكذا كان.أمّا الرئيس لحّود الذي لم ينجح القرار 1559 في منع تمديد مدّة رئاسته، فقد عزله رعاة القرار 1559 وممثّلو الأمم المتحدة للتفاوض على الاتفاقية المنشأة للمحكمة الدولية ولو أدّى ذلك إلى مخالفة الدستور اللبناني في ما يتعلق بإبرام الاتفاقيات الدولية، وبالتالي التشكيك في قانونية المحكمة.

فإذا اعتبرنا أنّ ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون عن حزب الله بأنه يمثل خطراً وجودياً على إسرائيل هو جدّي، ومن غير المنطقي التشكيك بذلك لأنّه مصدر أساسي لانتشار ثقافة المقاومة ويرفض الاستسلام للأمر الواقع، فهل من شكّ في أنّ إسرائيل سوف تفعل المستطاع مباشرة ومن خلال أصدقاء وحلفاء لها للقضاء على هذا الهاجس الوجودي.ففي ضوء الأهميّة التي توليها إسرائيل للقضاء على حزب الله، وبالنظر للجهود غير المألوفة التي بُذلت في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما سبقها من أحداث وإجراءات على المستوى الدولي، وأخذاً في الاعتبار النفوذ الذي كان يتمتع به أصحاب القرار من أصدقاء الدولة العبرية في إدارة الرئيس بوش في ما يتعلق بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وبخاصة داخل البيت الأبيض وفي مجلس الأمن، فهل يجوز استبعاد أن تكون إسرائيل وحلفاء لها وراء اغتيال الرئيس الحريري، وبخاصة من كان لسقوطهم بعده أثر هام في تعميق الشرخ في الداخل اللبناني واستعداء شريحة كبرى من اللبنانيين لحزب الله، وكذلك دور أساسي في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟هذه بعض الاستنتاجات المنطقية المبنية على الوقائع التي تلت اغتيال الرئيس الحريري. أما القرائن على اهتمام إسرائيل بالمحكمة الدولية ودورها في تجريم حزب الله فيمكن ملاحظتها من خلال اهتمام إسرائيل بأن تأخذ العدالة مجراها في لبنان منذ اللحظة الأولى لاغتيال الحريري، ومن خلال تصاريح مسؤوليها وإعلامها عما توصلت إليه المحكمة الدولية بشأن توّرط حزب الله في الجناية التي هزت لبنان وما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان بعد صدور القرار الاتهامي عن المحكمة. وحرصاً من إسرائيل على الثأر للرئيس الحريري، أبدت خشيتها من أن يتساهل ابنه، رئيس الوزراء اللبناني، في الثأر لدم أبيه.كل ذلك يثقل كاهل المحكمة لجهة الصدقية والاستقلال عن المآرب السياسية لمنشئي المحكمة بقطع النظر عن نزاهة القضاة القيمين عليها ومهنيتهم.أما بالنسبة للإجراءات القانونية التي تبنّتها المحكمة لضبط عملها، فهناك خروج على الضمانات الأساسية لحقوق المتهمين. وعلى سبيل المثال، وكما أكد رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي في بيان نُشِر في 4 آذار 2009، «تستطيع الدول تقديم معلومات إلى الادعاء أو الدفاع قد تفيد تحقيقاتهما، وذلك سراً بدون أن يكون المتلّقي ملزماً بكشف هوية مانح تلك المعلومات». وبموجب مواد عدة في الإجراءات القانونية للمحكمة، تستطيع إسرائيل أو أية دولة أخرى تزويد المدعي العام لدى المحكمة الدولية بمعلومات قد تكون مزوّرة لا يستطيع الإعلان عن مصدرها إلا إذا وافق هذا المصدر، وإذا أخذنا بالحسبان ما يمكن النشاط الإسرائيلي في ميدان التجسس في لبنان، وخاصة في فرع الاتصالات، أن ينتج من سجلات مزورة، فهل في ذلك مدعاة اطمئنان لتجرد المحكمة وتحصينها واستقلالها عن إرادة بعض منشئيها وأصحاب المصلحة في انحرافها؟ فضلاً عن ذلك، مثّل قرار المحكمة بعدم صلاحيتها في ملاحقة شهود الزور الذين كان لهم الدور الأبرز في الظلم الذي صدر عن لجنة التحقيق الدولية، وهو ظلم شارك فيه القضاء اللبناني، عاملاً إضافياً في تقويض الثقة بتجرّد المحكمة واستقلاليتها في البحث عن الحقيقة.

إذاً، ما العمل؟

لا بد من إنشاء هيئة قوامها أفراد مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة المهنية، ويتمثل فيها: الأطراف السياسية في لبنان كافة، ومهمتها القيام بالتحقيق في كل ما هو متوافر من أدّلة بشأن اغتيال الرئيس الحريري، والذين سقطوا بعده، وأن تضع هذه الأدلة أمام المحكمة الدولية. ففي ذلك فوائد عدة: أولاها استعادة بعض السيادة التي تنازل عنها لبنان من خلال القبول بتحويل حق وواجب القضاء اللبناني في تطبيق القانون اللبناني بشأن جريمة ارتُكبت في لبنان. ومن شأن مثل هذه الخطوة تعطيل عوامل الفتنة ورأب الصدع الذي بدأ يتعمق داخل المجتمع اللبناني على أثر اغتيال الرئيس الحريري وتولّي أطراف خارجية التحقيق وإقامة المحكمة. وكذلك وربما الأهم هو مساعدة المحكمة في تحصين تجردّها واستقلالها عن إرادة صانعيها وإزالة الشوائب التي رافقت نشأتها. ولا يجوز القول إن في ذلك مساساً بنزاهة المحكمة واستقلاليتها، أو بالمبادئ الضامنة لبلوغ العدالة. مبدأ أساسي من مبادئ العدالة في القضاء الجزائي هو الفصل بين التحقيق والمحاكمة. أمّا إذا بادرت الدول المنشئة للمحكمة إلى إلغائها، فتكون قد أوضحت هدفها من وراء إنشاء المحكمة ووفرت على لبنان المطالبة بإلغائها.

 

داود خير الله

ابراهيم الأمين مَن يعرض سيناريوات الأطراف المعنية بالمحكمة الدولية، داخلياً وخارجياً، يجد نفسه أمام مشهد سوريالي، لا قاعدة له سوى الحسابات السياسية التي لا تتّصل بأيّ عمل مهني ـــــ احترافي ذي صدقية. ومن أبدى إعجابه وموافقته وثقته بمن جيء بهم من الخارج لتحقيق العدالة في لبنان، هو نفسه الفريق الذي يحتاج بين وقت وآخر إلى تعديل في صياغاته وفي معلوماته وفي أدلّته المفترضة، التي تقود إلى نتيجة واحدة هي: تصفية الحسابات بدل الوصول إلى الحقيقة. بعد أيام قليلة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005، سارع فريق سياسي وإعلامي وأمني محسوب على الولايات المتحدة الأميركية والأجهزة الأمنية الغربية قبل أن يتألف في إطار لبناني، إلى وضع لائحته الاتهامية. قرر فوراً أن كل خصوم الحريري في لبنان وسوريا والمنطقة هم من يقف خلف الجريمة. ولم يمض وقت طويل حتى تحوّل الاتهام إلى شعار واحد أحد لكل نشاط سياسي أو مدني أو إعلامي أو اجتماعي. وصدر نوع من الحرم على كل من يخالف هذا الاستنتاج. وهو أمر قاده فريق بشري، له اسم وله عنوان وله هوية وظيفية. وهو لا يزال حتى اللحظة ينتشر بيننا، بالأسماء والعناوين والوظيفة نفسها، لكن مع لسان آخر، وشكل آخر من الحديث والإعلان. هل يتذكر اللبنانيون السجال الذي دار حول ما إذا كان انفجار السان جورج قد وقع من تحت الأرض أو من فوقها؟ هل تتذكرون تلفزيون «المستقبل» وبرامج التسلية المسائية وهي تعرض الوثائق والمعلومات والخرائط؟ هل تذكرون محمد قباني، كيف كان يعرض رأيه بصفته مهندساً وخبيراً أمنياً محلفاً؟ أو تذكرون تصريحات بهية الحريري عن أن الدرك أتوا بقطع سيارة ورموها في أرض الجريمة لتعمية الحقيقة التي تقول بأن الانفجار حدث من خلال عبوة زرعت تحت الطريق؟ هل تذكرون فريق الحريري ووليد جنبلاط وآخرين من أبناء وأولاد غازي كنعان، وهم يشرحون لنا كيف أن رئيس الجمهورية إميل لحود وقائد حرسه الجمهوري مصطفى حمدان أدارا الأشغال قرب مكان الانفجار ومررا المتفجرات؟ وكيف أن الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية تولت عملية التنسيق؟ هل تذكرون كيف امتلأت الشاشات والصحف والمنابر التي تشرح لنا كيف أن قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، ومعهم قادة من أجهزة أمنية سورية، قد اجتمعوا في شقة في الضاحية الجنوبية وخططوا للعملية ثم عمدوا إلى تنفيذها، لذلك قرر القضاء اللبناني تنفيذ توصية ديتليف ميليس باعتقال الضباط الأربعة والعمل على طلب اعتقال ضباط سوريين آخرين؟ هل تذكرون كيف أنّ قادة الأجهزة هؤلاء هم الذين خططوا ونفذوا ومسحوا آثار الجريمة من دون أن يعاونهم أي شخص آخر، لا مرافق ولا سائق ولا مخبر ولا عامل ولا أي أحد؟ هل تذكرون كيف اعتقل الأخوان عبد العال لأنهما تحدثا على الهاتف مع القصر الجمهوري أكثر من مرة بعد حصول الجريمة؟ هل تذكرون كيف تطابقت وجهة الاتهام ومشاعر الجماهير قبل حصول الاعتقال، بأن رفعت صور الضباط الأربعة في التظاهرات؟ هل تعرفون كيف طُبعت هذه الصور ومن تولى الأمر ومن رتّب شعارات الحقيقة وغيرها؟ أو هل عرفتم من كان يقف خلف كل هذه الحيلة التي انطلت على الناس وأوقعتهم في رعب العدالة ما عدا قلة قليلة صمدت وسرعان ما توسعت لتمنع تنفيذ مؤامرة قذرة شارك فيها وزراء حاليون ونواب حاليون وسياسيون حاليون وقضاة حاليون وأمنيون حاليون وإعلاميون حاليون ومخبرون حاليون؟ هل تذكرون كيف وصل ديتليف ميليس إلى بيروت، وكيف رُتبت أموره على عجل، من اللقاءات الاجتماعية على أنواعها، الى رحلات الاستجمام على اختلافها، إلى كل أنواع الإحاطة التي يشتهر بها ثوار الأرز وعملاء أميركا وغيرها؟ هل تذكرون كيف عُدّ كل من يعارض حكم 14 آذار شريكاً في قتل الحريري؟ وكيف أن كل تحقيق أمني أو قضائي أو علمي يخالف نتيجة الاتهام السياسي هو تحقيق مشبوه ومرفوض وملعون؟ هل تتذكرون كيف شُغل الناس في إعطاء تفاصيل لحكايات ليست معروفة المصدر، ثم كيف كانوا يتوقعون الخطوات اللاحقة من الحرب على المقاومة في لبنان؟ هل تذكرون كيف كان مقرراً إغلاق صحف بالمال أو القمع، وكيف كان مطلوباً الحجز على محطات إعلامية تلفزيونية، وكيف كانت قوى سياسية وشخصيات معرضة للاعتقال والتشهير لأنها لا توافق على الاتهام السياسي؟ هل تذكرون كيف عاش اللبنانيون أشهراً طويلة في ظل استنفار لا سابق له أمنياً وسياسياً وإعلامياً؟ هل تذكرون كيف وُجِّهت التحيات إلى الجيش اللبناني لأنّه سهّل التظاهرات ثمّ كاد يُمنَع من التحرّك والعمل وأُغلقت الأبواب أمام أي مساهمة لاستخباراته في التحقيق وخلافه؟ هل تذكرون شهود الزور الذين يجري تداول أسمائهم الآن، أو الذين لا يزالون إلى اليوم طيّ الكتمان، وهم يقدمون لنا روايات لم يجرؤ كاتب بوليسي على تخيّلها؟ وهل تذكرون كيف صار الناس يشتم بعضهم بعضاً في الشوارع، ويُطرد هذا من عمله، ويُمنع آخر من دخول مدرسته أو جامعته، وكيف يُنقل هذا الموظف من دائرته لأن أصحاب الياقات البيضاء لا يوافقون على وجهه ومحيّاه؟ كل ذلك حصل تحت ستار الغبار الكثيف لأكبر جريمة عرفها لبنان منذ نهاية القرن الماضي. تلك الجريمة التي جرّت على لبنان ويلات ولا تزال، فيما نحن الآن على عتبة فصل جديد من هذه الجريمة المتمادية. خلال السنوات التي مرّت، شارك وزراء في الحكومات الثلاث السابقة، ونواب بعضهم لا يزال في المجلس النيابي، وموظفون كبار لا يزال بعضهم في الخدمة الفعلية، وقضاة لا يزالون يشغلون مناصب رفيعة، وضباط كبار من الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية، وكوادر ناشطون في أحزاب سياسية وجمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية، وإعلاميون ينتشرون كالفطر في وسائل إعلامية داخلية وخارجية... كل هؤلاء شاركوا في أقذر عمل استهدف النيل من أشخاص ومجموعات بأكملها، ومن دولة وجمهور ومن مقاومة كانت ولا تزال هي الهدف. كل ذلك، ولم يرفّ جفن لأحد من هؤلاء. هؤلاء هم الذين كذبوا على الناس وتبنّاهم سعد الحريري، ثم صار يكذب مثلهم على نفسه وعلى أهل بيته وعلى ناسه وجمهوره وعلى مواطني بلده. هؤلاء هم الذين فبركوا الاتهامات والأدلة. هؤلاء أنفسهم يعملون اليوم على نقل الاتهام مباشرة إلى المقاومة، وهم أنفسهم الذين يريدون جر البلاد إلى أكبر الفتن والحرب الأهلية التي تنفخ في نارها خطابات السفهاء وقليلي الحياء. هل يتحمّل لبنان مغامرة جديدة، أم وجب تكنيس هؤلاء من مواقع المسؤوليّة لمرّة واحدة وأخيرة؟

جنبلاط: الحريري مقتنع بالعلاقة الشخصية مع الرئيس السوري (أرشيف ــ دالاتي ونهرا)أقرّ رئيس الحكومة، أمس، بوجود شهود الزور وبأنهم ضللوا التحقيق وألحقوا الأذى بسوريا ولبنان. وفيما تحفّظ زعيم المختارة على تفسير سبب هذه الخطوة، فـ«المهم أننا عدنا»، فإن هناك من قابلها بالصمت وإقفال الهواتف لا يُحسد رئيس الحكومة سعد الحريري على موقعه الحالي. فالرجل الذي تمنّى في أحد مجالسه الخاصة أن «أنام وأصحو في اليوم التالي لأجد أن لا مشاكل ولا توتر في لبنان، لا محكمة دولية ولا قرار ظنياً ولا شيء يعكّر الأوضاع»، بدا أمس في حديثه إلى صحيفة الشرق الأوسط كأنه بدأ خطواته الأولى على طريق تحقيق حلمه. صحيح أنّ نجل الرئيس المغدور رفيق الحريري بقي في حديثه الصحافي، الذي نشر أمس، على موقفه من موضوع المحكمة الخاصة بجريمة اغتيال والده، إلا أن ما قاله لم يكن قليلاً، وخصوصاً أنها المرة الأولى التي يقرّ فيها زعيم فريق 14 آذار بوجود شهود زور. وقد ذكر العبارة حرفياً، إذ بعدما بدأ بالحديث عن وجود «أشخاص ضلّلوا التحقيق، وهؤلاء ألحقوا الأذى بسوريا ولبنان، وألحقوا الأذى بنا كعائلة الرئيس الشهيد، لأننا لا نطلب سوى الحقيقة والعدالة، ولم نطلب أكثر من ذلك»، أردف بالقول «وشهود الزور هؤلاء خرّبوا العلاقة بين البلدين وسيّسوا الاغتيال. ونحن في لبنان نتعامل مع الأمر قضائياً». وحاول تحييد المحكمة عن قضية شهود الزور والتسييس، بالقول «للمحكمة مسارها الذي لا علاقة له باتهامات سياسية كانت متسرّعة (...) فالمحكمة لا تنظر إلا في الدليل، وهناك إجراءات قانونية معروفة من ادّعاء ودفاع وغيرهما». وعندما سئل عن التسرّع في الاتهامات، ردّ بأن «الاتهام كان سياسياً، وانتهينا منه، وفي عداد شهود الزور اثنان في السجون اللبنانية، وآخر مطلوب للقضاء اللبناني بتهمة المشاركة في اغتيال الرئيس الشهيد». ونفى معرفته بمضمون القرار الاتهامي، وقدرته على التدخل فيه «ولا أحد يستطيع ذلك. كل ما أطلبه هو الحقيقة والعدالة».

نجار وبلمار

في هذه الأثناء، تبيّن أن وزير العدل إبراهيم نجار قد باشر سلسلة من الخطوات في إطار سعيه إلى وضع ملف شهود الزور ضمن إطار مهني. وهو توجّه إلى النيابة العامة سائلاً عمّا لديها من معلومات عن الملف، فوصله الجواب أن لبنان التزم بالاتفاق مع المحكمة الدولية، وأودعها النسح الأصلية عن كل ملفات التحقيق الذي جرى في لبنان أو التي حصل لبنان عليها، وذلك ضمن إجراء نقل الاختصاص كاملاً إلى المحكمة الدولية، ما دفع نجار إلى مراسلة المدّعي العام الدولي دانيال بلمار سائلاً إياه تزويده بما لديه من معلومات عن شهود الزور، وخصوصاً أن نجار كان قد حصل من جهات عدة في الحكومة على ملفات تخص خمسة على الأقل من شهود الزور الذين وردت معلومات بشأنهم في تقارير لجنة التحقيق سابقاً أو أدلوا بتصريحات. وطلب نجار من بلمار تزويده ما لديه من معلومات في هذا الشأن، بالطريقة نفسها التي طلب بها اللواء جميل السيد الملفات والمعلومات من بلمار، وهو الطلب الذي لا يزال ينتظر قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانييل فرانسين والمرتقب خلال عشرة أيام. وعلم أن نجار لم يكن حتى أمس قد تلقّى أي جواب رسمي على طلبه من بلمار، الذي تردّد أنه ينتظر قرار فرانسين قبل بتّ الأمر.

التحوّل الحريري

وفيما علم أن نجار سيُطلع مجلس الوزراء الذي سيُعقد اليوم استثنائياً، بسبب سفر الحريري إلى السعودية غداً لأداء العمرة، على ما توافر لديه في ملف شهود الزور. فإن مفاجأة رئيس الحكومة في ما خصّ هذا الملف لم تقتصر مفاعيلها على الحلفاء الذين أصيبوا بالصمت المطبق أمس، والخصوم الذين رحّب بعضهم وحذّر البعض الآخر من «الذي جرّب المجرّب كان عقله مخرّب»، بل سبّبت ما يشبه الضياع وسط أفراد طاقم تيّاره السياسي والإعلامي، الذين عجزوا أمس عن تفسير خطوة زعيمهم، حتى إن نواباً من المستقبل فضّلوا إقفال هواتفهم ليتجنّبوا أي سؤال أو تحليل.

لكن سرّ التحوّل الحريريّ لم يبق طيّ الهواتف المغلقة، إذ إن متابعين لما يجري يشيرون بداية إلى أن دمشق ملّت من كون رئيس الحكومة يزورها ويلجأ إلى رئيسها «للاتقاء من شرّ حزب الله، ويتدلّل على المسؤولين السوريين»، وبعدما يسمع الرأي الآخر يقول في ختام المحادثات: «نعم فهمت ما تقصدونه، سنقوم بهذا ونعمل ذاك»، وعندما يعود إلى بيروت «لا يقوم بأي شيء». ولذلك سمع الحريري خلال زيارته الأخيرة كلاماً واضحاً من أحد المسؤولين، وأهمه أن «المقاومة خط أحمر وليس فؤاد السنيورة». ومع ذلك، يسارع زوار سوريا إلى القول إن السرّ لا يكمن في السحور الدمشقي، فـ«الزيارة الأخيرة كانت الأقل إنتاجية من كل الزيارات السابقة»، وكان الأهم منها هو اللقاء بين رئيس فرع المعلومات العميد وسام الحسن ورئيس فرع الاستخبارات في دمشق وريفها اللواء رستم غزالي. فبعد فشل كل الكلام السوري في دفع الحريري إلى اتخاذ خطوات جدية تبرهن عن صفاء علاقته مع سوريا وتسهم في الدفاع عن المقاومة، تلقّى نصيحة بلقاء النائب وليد جنبلاط الذي كان قد طلب من القيادة السورية إعطاءه فرصة لإقناع الحريري بالخطوط العريضة التي يجب أن تسير عليها القافلة «المستقبلية» في هذه المرحلة، وخصوصاً في موضوعي المحكمة الدولية والتهدئة الداخلية. ويبدو أن جنبلاط استطاع القيام بالمهمة التي وعد بها السوريين، فقال الحريري ما قاله أمس، رغم أن الأول يرفض نسب الأمر إلى نفسه مباشرة، وقال لـ«الأخبار» إنه يعتقد أن الحريري مقتنع بالعلاقة الشخصية مع الرئيس السوري والعلاقة السياسية مع دمشق، «هذا اقتناعه، وهذا أفضل من أن يكون أحد قد أقنعه بها»، مضيفاً «هذا الأمر يعيدنا إلى نظرية الـ«س.س» والطائف ـــــ اللذين يريد بعض اللبنانيين نسيانهما ـــــ فالذي بنى الطائف هو السعودية والرئيس حافظ الأسد والرئيس رفيق الحريري، ضمن الثوابت التي نعرفها جميعاً من الهدنة وتلازم المسارات، كما في مدريد وبعدها والعروبة وتحرير مزارع شبعا والحوار الوطني على أساس تلازم مسارات الجيش والشعب والمقاومة. هذا هو الإطار العريض الذي وضعناه منذ حرب الجبل ومشينا به». ويتابع جنبلاط بصيغة الجمع «جنحنا في الـ2005 يميناً أو غربياً، سمّها كما تشاء. ولكن المهم أننا عدنا. أحياناً نضيع في التفاصيل مثلما جرى في برج أبي حيدر، ولكن علينا أن نلتزم بالثوابت. دوري أنا أن أذكّر الجميع بهذه الثوابت، والحريري مرتاح للعلاقة الشخصية (مع الأسد)، ولكن علينا ترجمتها، وهنا ذكّرت أنا بالعناوين الكبرى، وعلينا ألّا نقع في وهم الوصول إلى حل شامل في المنطقة». وإذ يرى متابعون لطريق دمشق في اعتراف رئيس الحكومة بوجود تضليل للتحقيق «تمهيداً لخطوة التخلّي عن المحكمة»، يربط زوار الرياض استعجاله في تنفيذ الطلبات السورية بتخوّفه من استبعاده ولو مؤقتاً عن كرسي الرئاسة الثالثة، ناقلين أن الملك السعودي بات شبه مقتنع بإمكان إجراء تعديل حكومي، يمكن من خلاله تجنّب تداعيات المحكمة وقرارها الاتهامي. لكنّ الرئيس الشاب طلب إعطاءه مهلة لمعالجة الأمور.

أي جهاز أمني قال عنه الأمين العام لحزب الله إن أمن المقاومة سلّمه معلومات عن الاشتباه في تعامل غسان الجد مع الاستخبارات الإسرائيلية؟ ولماذا لم يوقفه الجهاز الأمني المذكور؟ ومن هو العميل الذي كان موجوداً في مسرح جريمة اغتيال النائب أنطوان غانم قبل ساعتين من حصولها؟

حسن عليق ليس غسان الجد شخصية مجهولة في عالم مكافحة التجسس. فجهاز أمن المقاومة رصد تحركاته في أكثر من منطقة، منذ نهاية 2005. وفي 2006، سلم حزب الله معطيات عنه إلى فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ليتحقق الفرع من هذه الشبهات، تمهيداً لتوقيفه. بعد ذلك، تعززت المعطيات الموجودة في حوزة جهاز أمن المقاومة عن الرجل، وقتَ توصلت مديرية استخبارات الجيش إلى معطيات مرتبطة ببيانات الاتصالات الهاتفية، تشير إلى تورّط الجد بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية. كان ذلك في أيار 2009. وعندما رصدت استخبارات الجيش، أرضياً، منزل العميد المتقاعد من الجيش، تبين أنه ليس موجوداً في منزله. بعض التحريات الإضافية أظهرت أن الرجل غادر إلى فرنسا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد. في مؤتمره الصحافي أول من أمس، لم يشأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، رداً على سؤال طرحته عليه «الأخبار»، الكشف عن الجهاز الأمني اللبناني الذي تسلّم من حزب الله معلومات عن وجود شبهات حول العميل الفار غسان الجد. قال نصر الله مبتسماً إنه لا يريد «فتح مشكل في البلد». لكن قليلاً من التدقيق في هذه المسألة يظهر أن الجهاز الأمني الرسمي الذي قصده نصر الله ليس سوى فرع المعلومات (علماً بأن جريدة «اللواء» المحسوبة على فريق الرئيس سعد الحريري السياسي، نشرت أمس أنّه مديرية الاستخبارات في الجيش). ففي النصف الأول من 2006، لم تكن العلاقة بين حزب الله وقيادة الفرع (ومن خلفها الرئيس سعد الحريري) قد وصلت إلى هذا الدرك من التشكيك المتبادل. وفي أحد اللقاءات التي جمعت رئيس الفرع العقيد وسام الحسن ورئيس لجنة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، تحدّث الطرفان عن مسألة مكافحة شبكات التجسس العاملة لحساب الاستخبارات الإسرائيلية. قال الحسن إن فرع المعلومات غير قادر على التوصل إلى معطيات تمكنه من توقيف أشخاص عاملين لحساب الاستخبارات الإسرائيلية، طالباً مساعدة حزب الله. ردّ صفا بأنه سيأتي بالخبر اليقين خلال أيام معدودة. وبالفعل، جرت اتصالات بين الرجلين خلال الأيام اللاحقة، قبل أن يسلّم صفا الحسن معطيات تشير إلى الاشتباه بتعامل خمسة أشخاص لبنانيين مع الاستخبارات الإسرائيلية. وبين هؤلاء كان اسم غسان الجد، العميد المتقاعد من الجيش اللبناني، والرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي هيثم السحمراني. يقول معنيون بعمل فرع المعلومات إن محققين منه دققوا في بيانات الاتصالات الهاتفية للأشخاص الواردة أسماؤهم في التقرير الوارد من حزب الله، «ولم يلفت نظرهم ما يثير الريبة». وخلال الأشهر اللاحقة، أتت حرب تموز وما تلاها من انقسام سياسي في البلاد. أهمل فرع المعلومات المعطيات التي كانت بين يديه، ولم يقم بأي تحرك للتثبّت منها، ما عدا الارتكاز على تحليل «بدائي» لبيانات الاتصالات الهاتفية. فالفرع، على حد قول مسؤولين فيه، لم يكن قد حصل بعد على برامج معلوماتية تمكنه من تحليل الاتصالات الهاتفية على نحو متطور. لكن ما لا يمكن تبريره حتى اليوم، هو أن فرع المعلومات، المعنيّ بالأمن العسكري في قوى الأمن الداخلي، لم يضع السحمراني تحت المراقبة، رغم وجود معلومات لديه عن أن شقيقة السحمراني هربت قبل سنوات إلى فلسطين المحتلة مع أحد عملاء ميليشيا لحد. ففرع المعلومات يعتمد حصراً في مكافحة التجسس على تحليل البيانات الهاتفية. كذلك فإنه ظن، بحسب أحد المعنيين بعمله، أن حزب الله «يحاول اختباره في ملفات لا قيمة لها، إذ إن الشبهة التي تدور حول هؤلاء الأشخاص ضعيفة جداً». هذا ما كان يردده أحد أبرز المعنيين بعمل فرع المعلومات، حتى أيار 2009. ففي ذلك الحين، طلبت مديرية استخبارات الجيش من قوى الأمن الداخلي (وفقاً لما هو متبع بين المؤسستين) توقيف الرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي هيثم السحمراني، بسبب وجود شبهات بتعامله مع الاستخبارات الإسرائيلية. نفذ فرع المعلومات طلب استخبارات الجيش، وأوقف السحمراني. وبحسب معنيّ بالتحقيقات التي أجريت حينذاك، فإن ghassan-jidالسحمراني أقر مباشرة بتعامله مع الاستخبارات الإسرائيلية، «وأدلى باعترافات لدى محققي فرع المعلومات مطابقة لما هو وارد في الملف الذي قدمه حزب الله إلى الفرع». في اليوم التالي لتوقيفه، أحال فرع المعلومات السحمراني على مديرية استخبارات الجيش، حيث حُقِّق معه لساعات، أقرّ خلالها بتفاصيل صلته بالاستخبارات الإسرائيلية. المفاجآت في هذا الملف لم تقتصر على السحمراني. ففي الشهر التالي، توصلت مديرية استخبارات الجيش إلى معطيات تقنية يمكن من خلالها ربط العميد المتقاعد من الجيش، غسان الجد، بالاستخبارات الإسرائيلية. حاولت توقيفه، إلا أنه كان قد فرّ إلى خارج لبنان. وبحسب مصدر مطّلع، فإنّ عملية الفرار جرت بعد حصول المشتبه فيه على إشارات معيّنة لم يُعرف ما إذا كانت تسريباً مقصوداً أو معلومات وفّرتها له إسرائيل. ذلك أنه عندما تقرر توقيف الجد، أبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي وزير الدفاع إلياس المر بالأمر، فطلب الأخير التمهّل لبعض الوقت، لكنّ الجد سافر في اليوم التالي إلى خارج لبنان. ومنذ ذلك الحين، أظهرت البيانات الهاتفية التي حللها محققو فرع المعلومات واستخبارات الجيش، والمعلومات التي جمعتها استخبارات الجيش، أن غسان الجد ينتمي إلى «طبقة العملاء التنفيذيين». فبحسب مسؤولين أمنيين معنيين بملفات مكافحة التجسس، ينقسم العملاء إلى فئات عدة، أبرزها فئتا العملاء الاستعلاميين والعملاء التنفيذيين. عملاء الفئة الأولى مكلفون جمع معلومات إما بوسائط بشرية، أو من خلال أجهزة ومعدات يزودهم إياها الإسرائيليون. ويستفيد الإسرائيليون من بعض هؤلاء العملاء الذين ينفذون مهمات «لوجستية» متصلة، على نحو غير مباشر، بعمليات أمنية أو اغتيالات ينفذها الإسرائيليون. وخير مثال على ذلك، يضيف الأمنيون، الدور الذي اعترف الموقوف أديب العلم بتنفيذه في عملية اغتيال الأخوين المجذوب في صيدا، في أيار 2006. ففي ذلك الحين، لم يكن العلم يعرف شيئاً عن عملية الاغتيال، بل إن ما طلبه منه مشغّلوه الإسرائيليون انحصر في مراقبة الخط الساحلي في مدينة جبيل، وتحديد ما إذا كان ثمة تحركات مريبة أو دوريات أمنية وعسكرية. وربط الأمنيون المعنيون بين هذه المهمة التي نفذها العلم، وما كان قد اعترف به العميل محمود رافع الذي شارك في اغتيال الأخوين مجذوب. فقد قال رافع إنه نقل ضابطاً إسرائيلياً من الحدود الجنوبية في اليوم السابق لتنفيذ الجريمة، ثم أقلّه إلى شاطئ مدينة جبيل بعد التنفيذ، حيث حضرت قوة كوماندوس إسرائيلية لتأخذ الضابط. أما الفئة الثانية من العملاء، فتضم التنفيذيين، الذين تتضمن مهماتهم جمع معلومات. إلا أن عملهم الرئيسي هو تنفيذ الأعمال الأمنية، كالاغتيالات والتفجيرات وأعمال المراقبة السابقة لها، وإعداد الشؤون اللوجستية المرتبطة بها، فضلاً عن نقل ضباط إسرائيليين إلى داخل الأراضي اللبنانية وإيوائهم ونقلهم إلى المناطق التي سيخرجون عبرها من لبنان، سواء من البحر أو البر. كذلك يتولى هؤلاء عمليات زرع البريد الميّت. ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء، العميلان محمود رافع (أوقف عام 2006) وجودت حكيم (عام 2009).

وينتمي غسان الجد إلى فئة العملاء التنفيذيين. فبحسب المعلومات التي توافرت عنه للأجهزة الأمنية اللبنانية، كان الرجل يتنقل في مناطق زرع البريد الميت، الوعر منها والسهل. وكان يضع في هذه الأماكن متفجرات وأموالاً، وأجهزة اتصال ورسائل، ليأتي من بعده عملاء آخرون لتسلم هذه الأغراض. وكان يشتري بطاقات هاتف خلوي، ويرسلها إلى مشغّليه الإسرائيليين. وقد شارك الرجل، أكثر من مرة، في نقل ضباط إسرائيليين من شاطئ البحر إلى داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما كشف عنه الأمين العام لحزب الله في مؤتمره الصحافي أول من أمس. أما أبرز ما قاله نصر الله عنه، فهو أن الجد كان موجوداً في منطقة السان جورج، في اليوم السابق لاغتيال الرئيس رفيق الحريري.

العلم واغتيال غانم

«مصادفات» وجود العملاء في مسارح عدد من الجرائم لا تقتصر على وجود الجد في منطقة السان جورج. فبحسب معلومات موثقة، تبين لفرع المعلومات بعد توقيف أديب العلم عام 2009، من خلال بيانات اتصالاته الهاتفية، أنه كان موجوداً في منطقة سن الفيل، على مقربة من مكان اغتيال النائب أنطوان غانم، قبل نحو ساعتين على وقوع الجريمة. وعندما سُئِل العلم عن هذه «المصادفة»، أجاب بأنه كان قد أوصل زوجته إلى صالون تزيين قريب. زوجته الموقوفة بالتهمة ذاتها، أكدت ما أدلى به زوجها، فتوقف التحقيق بهذه المسألة عند هذا الحد. «مصادفة» غريبة لعميل كان الإسرائيليون قد كلفوه تنفيذ استطلاع شاطئ منطقة جبيل، تمهيداً لإجلاء أحد ضباطهم منها، قبل سنتين من اغتيال غانم.

المحكمة: بلمار مستعد للتدقيق في أدلة جدّية

في مؤتمره الصحافي أول من أمس، أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أن المعلومات التي كشفها ليست أدلة قطعية، بقدر ما هي معطيات يمكن الاستناد إليها لفتح تحقيق في فرضية أن تكون إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. من الناحية القانونية، يقول أحد القضاة اللبنانيين إن نصر الله أصاب في وصفه. «فما ذكره لا يرقى إلى مستوى الدليل. إلا أنه ممّا لا يمكن تجاهله، إذ إن التحقيق مع المشتبه فيه بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية، غسان الجد، واجب في هذه الحالة، ولو بصفة شاهد على أقل تقدير». كذلك فإن التحقيق في المعطيات التي قدّمها نصر الله عن حركة الطيران الإسرائيلي بحاجة إلى التوسع بها، تمهيداً لحسم علاقتها بالجريمة أو عدمها. وبحسب القاضي اللبناني، فإن كلام نصر الله يمكن تحويله إلى إخبار، لو كانت القضية مرفوعة أمام القضاء اللبناني، إذ إن تنظيمه في تقرير مفصّل من محامين، أو من الضابطة العدلية، كان سيمكّن قاضي التحقيق العدلي في الجريمة من ضم هذه المعطيات إلى ملف التحقيق والاستناد إليها للتوسع في عمله. بدوره، يقول المحامي والأستاذ الجامعي وسيم منصوري، إن ما تقدم به نصر الله «يؤكد بتسلسل منطقي وجود قرائن قوية تشير إلى إمكان إدانة إسرائيل بارتكاب الجريمة». وبحسب منصوري، فإن مراجعة التقارير التي قدمتها لجنة التحقيق الدولية السابقة إلى مجلس الأمن الدولي، «تظهر أن ثمة تعقيداً كبيراً في عملية اغتيال الحريري، وأن من ارتكب الجريمة قام بها مستخدماً وسائل تقنية متطورة». ويخلص منصوري إلى القول إن لدى إسرائيل الدافع لتنفيذ الجريمة، والمصلحة والتقنيات التي استخدمتها لمراقبة شخصيات تعرضت للاغتيال، كذلك فإنها نفذت سابقاً عمليات اغتيال بحسب ما هو ثابت في اعترافات عدد من العملاء وفي أحكام قضائية أصدرتها المحاكم اللبنانية. «وإذا عطفنا هذه المسائل بعضها على بعض، نستطيع القول إن لدينا معطيات يمكن الاستناد إليها لفتح مسار تحقيقي في فرضية تورط إسرائيل بالجريمة». لكن ذلك لا يعني، يضيف منصوري، «أن لدينا دليلاً لإدانتها حالياً». وبحسب منصوري، فإن أي هيئة في المحكمة الدولية لا يمكنها أن تطلب من المدعي العام الدولي فتح تحقيق في قضية مرتبطة بالجريمة، ولا حتى مكتب الدفاع الذي تنحصر مهمته في تقديم المساعدة لمحامي الدفاع عن المتهمين. وفيما التزم مكتب المدعي العام في المحكمة الدولية، دانيال بلمار، الصمت، أشارت المتحدثة باسم المحكمة الدولية فاطمة العيساوي إلى أن المدعي العام دعا في أكثر من مناسبة «كل من لديه أدلة متعلقة بقضية اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري إلى تقديمها»، لافتة إلى أنه «مستعد للنظر في أي أدلة تستند إلى عناصر جدية». وفي حديث تلفزيوني، لفتت العيساوي إلى أن «نهج بلمار الثابت هو عدم التعليق على مضمون التحقيقات»، مؤكدة أنه «لم يعد للقضاء اللبناني صلاحية التحقيق بالقضية، وأنه يجب تقديم أي دليل لبلمار». وفي ما يتعلق باستبعاد اتهام إسرائيل، قالت إن «بلمار لم يكشف شيئاً يتعلق بالتحقيق وبالجهات التي حُقِّق معها».

كما في العمل على تحديد طبيعة الانفجار الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري، كذلك في رحلة البحث عن مسار الشاحنة التي يعتقد أنها استخدمت للتفجير، كان التحقيق اللبناني هو الأساس، ولم تقم لجنة التحقيق الدولية بأكثر من استثمار المعطيات اللبنانية، مع ادّعاء التوصل إليها أحياناً بعد إخفائها مدة طويلة

حسن عليقيوم 14 شباط 2005، بدأت القوى الأمنية اللبنانية القائمة بالتحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري تعثر على قطع عائدة لشاحنة ميتسوبيشي. سريعاً، بدأ المحققون يستنتجون أن هذه الشاحنة كانت مفخّخة، وقادها انتحاري فجّر نفسه بموكب الحريري. لكن الذين توصلوا إلى هذا الاستنتاج حوربوا، واتهموا بتضليل التحقيق، رغم كل الأدلة التي تدعم استنتاجاتهم. في مرحلة لاحقة، عادت لجنة التحقيق الدولية لتتبنّى هذه النظرية، مهملة العمل على معرفة كيفية دخول الشاحنة لبنان. مجدداً، أحدثت السلطات اللبنانية خرقاً في جدار التحقيق. لكن لجنة التحقيق الدولية أخفت المعلومات التي توصلت إليها السلطات اللبنانية، رغم أن هذه المعطيات تثبت كذب بعض الشهود الذين أدلوا بإفادات استخدمت لتبرير توقيف الضباط اللبنانيين الأربعة وتوجيه الاتهام السياسي إلى سوريا.

كيف بدأ التحقيق بمسار الميتسوبيشي؟

عقب الجريمة، أجرى خبراء المتفجرات وقسم المباحث العلمية في الشرطة القضائية مسحاً لمسرح الجريمة. داخل الحفرة التي خلفها الانفجار، عثروا على أربع قطع ميكانيكية مهشمة. أما في محيط الانفجار، فعثروا على 20 قطعة إضافية، بينها ما يحمل شعار شركة ميتسوبيشي. عُرِضت القطع الأولى على ميكانيكيين، فرجّحوا أن تكون عائدة إلى حافلة أو شاحنة من طراز ميتسوبيشي. اتصلت الشرطة القضائية، رسمياً، بوكيل ميتسوبيشي في لبنان، (شركة ديمتري ميشال عيد)، فرجّح الوكيل أن تكون القطع عائدة إلى حافلة ميتسوبيشي روزا. إلا أن أحد الميكانيكيين أصرّ على أن هذه القطع تعود إلى شاحنة لا إلى حافلة.وجود القطع المنغرزة داخل الحفرة، على عمق 30 سنتيمتراً في التراب، جعل المحققين يعتقدون أن المواد المتفجرة، التي كان بينها قذائف هاون من عيار 120 ملم، كانت محمّلة فوق شاحنة. وأن عصف الانفجار هو ما دفع هذه القطع من الأعلى إلى الأسفل، إذ إن وجود المتفجرات تحت الأرض سيجعل من شبه المستحيل أن تنغرز القطع الميكانيكية عميقاً في التراب بعد تهشيمها. ترجيح وجود سيارة مفخخة عززه شكل الحفرة، وتأثيرات عصف الانفجار على المباني والسيارات المحيطة بموقع الانفجار.

أعلنت اللجنة في أيلول 2006 إنجاز مقارنات كانت السلطات اللبنانية قد أنجزتها في آذار 2005

لاحقاً، بعد وصول لجنة تقصّي الحقائق، طلب رئيس قسم المباحث العلمية العميد هشام الأعور من رئيسها الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد أن يشارك خبراء من اللجنة في عملية البحث عن قطع السيارة في قعر البحر. وبحضور المحققين الدوليين، عثر غطاسون من الدفاع المدني بإشراف الشرطة القضائية على ثماني قطع ميكانيكية، قبالة منطقة الانفجار. والتقط الغطاسون صوراً للقطع (موجودة على الموقع الإلكتروني لـ«الأخبار») قبل رفعها من المكان. وبعد انتشالها، أعطيت كل واحدة منها رقماً خاصاً بالأدلة، قبل أن يعرضها محققون من مكتب المتفجرات، مع ثلاث قطع عثر عليها في مسرح الجريمة، على المهندس جوزف حداد، مسؤول فرع الصيانة في كاراج مؤسسة ديمتري ميشال عيد، الوكيل الحصري لسيارات ميتسوبيشي اليابانية في لبنان. وقد نظم حداد تقريراً يوم 17/3/2005، أكد فيه أن «جميع هذه القطع والأجزاء الميكانيكية التي دونتها وسميتها أنا شخصياً أؤكد أنها عائدة إلى بيك أب من نوع ميتسوبيشي، طراز كانتر، ديركسيون يمين، (يعمل على) المازوت». في فرع المعلومات الذي كان يرأسه العقيد فؤاد عثمان، كان ثمة مسار تحقيق آخر يتعلق بشاحنة الميتسوبيشي، منذ أن عثر على قطع السيارات العائدة لمركبة من هذا النوع. بدأ ضابط برتبة نقيب وأحد الرتباء بتحليل شريط الفيديو الذي التقطته كاميرا مصرف HSBC المقابل لمكان الانفجار، والذي يظهر تحركات السيارات على جزء من الطريق المؤدي إلى مركز الانفجار، يقدر طوله بنحو 60 متراً. ويبعد مركز الانفجار عن حدود الكاميرا نحو 50 متراً.أنقر هنا للمزيد من الصورأنقر هنا للمزيد من الصوركان التركيز في المرحلة الأولى على الساعتين السابقتين لوقوع الجريمة (الساعة 12:56:26، بحسب توقيت نظام كاميرات المصرف). حُدِّدت شاحنة من نوع ميتسوبيشي، توقفت قرب فندق سان جورج عند الساعة 11:37:04، وبقيت في المكان حتى الساعة 12:34:28. حاوية الشاحنة قصيرة، وحمولتها مغطاة بشادر رمادي اللون. وبالقرب منها، حصلت تحركات مريبة، لناحية نزول سائقها منها وتوقف سيارات بقربها واقتراب أشخاص منها قبل مغادرتها.استمر الضابط والرتيب بمراقبة الشريط، فتبين لهما مرور شاحنة ميتسوبيشي، شبيهة بالسابقة، لكن حاويتها أطول، وحمولتها مغطاة أيضاً بشادر رمادي. كانت الشاحنة تسير ببطء شديد، ودخلت منطقة تغطية الكاميرا عند الساعة 12:54:07. وقد استغرق مرور الشاحنة على الطريق التي تغطيها الكاميرا نحو 33 ثانية، بينما معدل مرور المركبات الصغيرة والمتوسطة (سيارات وشاحنات صغيرة) على المسافة ذاتها لا يتجاوز أربع ثوانٍ. وقد مرت شاحنة كبيرة محملة أطناناً من الحديد (بقيت أسابيع طويلة متوقفة في عين المريسة بعد وقوع الجريمة)، فلم يستغرق مرورها أكثر من خمس ثوانٍ. ورجح القائم بالتحقيق أن تكون الشاحنة قد انتظرت أمام فندق السان جورج نحو 40 ثانية، قبل أن يصل موكب الحريري.نتيجة لما تقدم، وضعت شاحنتا الميتسوبيشي في دائرة الشبهة. ودقق المحققون في إمكان أن تكون إحدى الشاحنتين قد استخدمت للتفجير، وأن الثانية أبقيت كاحتياط في مكان آخر كان يتوقع مرور موكب الحريري منه. وعند التحقيق في مسألة الشاحنة الأولى (القصيرة)، تبين أنها كانت محملة مواد نُقلت إلى مسبح سان جورج، وأن هذه المواد لا تثير أي شبهة، وليس لها صلة بالتفجير، وأقفل التحقيق بها عند هذا الحد. أما الشاحنة الثانية، فبقيت في دائرة الشبهة، قبل أن يصبح من شبه المؤكد لدى المحققين أنها هي التي كانت تحمل المتفجرات.في الخلاصة، كان المحققون اللبنانيون قد تمكنوا من جمع قطع ميكانيكية تعود إلى شاحنة ميتسوبيشي، مقودها على اليمين. وتقاطعت هذه المعطيات مع صور كاميرا المراقبة في المصرف. لكن هذه النتيجة كانت بحاجة إلى معطيات إضافية لتأكيدها، وخاصة أن هذه الخلاصات ووجهت بمقاومة عنيفة من قوى 14 آذار، التي كانت ترفض فكرة وجود انتحاري قاد سيارة مفخخة لتفجير نفسه بموكب الحريري، لأن هذه النظرية تضعف إمكان اتهام النظام السوري بقتل الحريري. وقد اتُّهم القائلون بهذ النظرية (السيارة المفخخة والانتحاري)، بمحاولة تضليل التحقيق.

أهملت البيانات الجمركية التي كشفت مسار شاحنة الميتسوبيشي لأكثر من عام

إلا أن هذه الاتهامات لم تثن هؤلاء المحققين عن متابعة عملهم في هذه القضية. ويومَي 24 و25 شباط 2005، طلب فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي من مديرية الجمارك تزويده سجلات شاحنات الميتسوبيشي التي كانت قد أدخلت إلى لبنان في السنوات السابقة لتنفيذ الجريمة، إضافة إلى طلب سجلات هيئة إدارة السير، فضلاً عن طلب معلومات عن السيارات التي باعها وكيل ميتسوبيشي في لبنان. أضف إلى ذلك، أن رجال الأمن اللبناني كانوا قد تمكّنوا من تحديد أرقام تسلسلية عائدة إلى قطع هذه السيارة، تمهيداً لإرسالها إلى الشركة المصنعة في اليابان، لمعرفة أصل الشاحنة.وُضِع التحقيق اللبناني جانباً. وبعد تسليم شريط الميتسوبيشي إلى لجنة تقصي الحقائق، تمكنت إحدى المحطات الفضائية من الحصول عليه وعرضه، قبل أن تنشر اللجنة الخلاصات التي توصل إليها التحقيق اللبناني. وبناءً على ذلك، بدأ الشهود الزور ينسجون روايات عن مشاهدة الشاحنة داخل الأراضي السورية، وعن كيفية إدخالها من سوريا إلى لبنان.كل ما أنجزته لجنة التحقيق الدولية لاحقاً هو إرسال البيانات التي جُمعت عن قطع الشاحنة إلى اليابان، فأبلغتها السلطات اليابانية بأن الشاحنة مسروقة في كاناغاوا اليابانية في تشرين الأول 2004.أمام هذه المعطيات، بدأ التحقيق يجري بـ«المقلوب». «فبدلاً من البحث انطلاقاً من مسرح الجريمة، ركزت لجنة التحقيق الدولية على بدء العمل من اليابان»، يقول مسؤول أمني حالي، قريب من قوى 14 آذار، إذ ساد اقتناع لدى المحققين الدوليين بأن السيارة سرقت من اليابان، وأدخلت إلى لبنان بطريقة غير شرعية. وبناءً على هذا الاقتناع، أهمل المحققون الدوليون التدقيق في السجلات الرسمية اللبنانية، مفسحين في المجال أمام الاتهام السياسي، وخاصة أن الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية، الألماني ديتليف ميليس، نشر في تقريره الأول (20 تشرين الأول 2005) إفادة شاهد يقول إن الشاحنة نقلت من سوريا إلى لبنان عبر الخط العسكري يوم 21 كانون الثاني 2005، وإن ضابطاً سورياً كان يقودها.وعند هذه النقطة بالتحديد، عاد التحقيق اللبناني ليقوم بدور حاسم. ففيما كانت وسائل الإعلام اللبنانية تعلن، في بداية نيسان 2006، أن رئيس لجنة التحقيق الدولية، سيرج براميرتس زار العاصمة اليابانية، محاولاً الحصول على مساعدة من السلطات اليابانية بشأن البحث عن السيارة، بدأ ضابط برتبة ملازم أول في فرع المعلومات بقوى الأمن الداخلي البحث في سجلات الجمارك اللبنانية، التي كان الرئيس الأسبق لفرع المعلومات، العقيد فؤاد عثمان، قد طلب الحصول عليها يوم 24/2/2005 (بموجب كتاب يحمل الرقم 402/205 ش2). سريعاً، عثر المحقق اللبناني على سجلات الشاحنة. وفوجئ الضابط الذي اكتشف أن الشاحنة أدخلت إلى لبنان بطريقة شرعية، ومن خلال معبر رسمي في الشمال، في الشهر الأخير من عام 2004.

توصل فرع المعلومات إلى تحديد مسار الميتسوبيشي في نيسان 2006 ولم تعلنه لجنة التحقيق قبل أيلول 2007

وبناءً على إشارة المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، فتح الضابط محضراً للتحقيق في الأمر. فقد تبيّن له أن السيارة مشحونة باسم اثنين من تجار السيارات في الشمال، وأنها دخلت إلى لبنان، لتستقر في معرض للسيارات في منطقة البداوي، شمالي طرابلس. خضع أصحاب المعرض والعاملون فيه للتحقيق. وتوصل المحققون إلى تحديد هوية السائق اللبناني الذي قاد قاطرةً كانت تحمل أكثر من شاحنة صغيرة (بينها الشاحنة المشتبه فيها)، ونقلها من الإمارات العربية المتحدة إلى لبنان.حُدّد المسار. السيارة انتقلت من اليابان إلى الإمارات العربية المتحدة. ومن معرض يملكه شخص باكستاني، يدعى عبد الرحمن ك، شُحِنَت براً إلى لبنان عبر السعودية والأردن وسوريا. وهي لم تتوقف في أي من هذه الدول، باستثناء أن أحد إطارات القاطرة التي كانت تنقلها ثُقِب داخل الأراضي السورية، فتوقف السائق لإصلاحه لا أكثر.أما نقلها من اليابان إلى الإمارات، فتقوم به عصابات عالمية لسرقة السيارات، تتولى تزوير بيانات السيارات المسروقة وبيعها في الإمارات.وفي لبنان، ذكر أصحاب المعرض في محضر التحقيق معهم لدى فرع المعلومات أن السيارة بيعت في الفترة الفاصلة بين 17 كانون الثاني 2005 و26 كانون الثاني 2005 (كان الشاهد الذي ذكره ميليس في تقريره قد ادّعى أن الشاحنة عبرت منطقة المصنع يوم 21 كانون الثاني 2005)، وأن من اشتراها دفع ثمنها نقداً (نحو 12 ألف دولار أميركي)، وأنه أظهر وثائق ثبوتية باسم خالد المصري، وأن أصحاب السيارة وقّعوا له على صك بيع من دون المثول أمام الكاتب العدل. وكل ما كان يذكره أصحاب المعرض عن المشتري، بعد مضي أكثر من عام وثلاثة أشهر على حصول عملية البيع، هو أنه قصير القامة وممتلئ البنية، وأنه كان برفقة رجل آخر. ومما تذكّروه أيضاً أنه قاد الشاحنة من دون لوحات، متجهاً نحو طرابلس، بعدما أعطاهم رقم هاتفه الذي تبين لاحقاً أنه لم يكن صحيحاً، إذ إنه عائد إلى شخص لا صلة له بالعملية (حُقِّق معه طويلاً قبل التوصل إلى هذه النتيجة).وفي نهاية التحقيق، تبيّن للسلطات اللبنانية أن سائق المقطورة وأصحاب المعرض لا يتصلون بأي شكل من الأشكال بمن اشتروا الشاحنة، ولا بمن سرقوها من اليابان وتلاعبوا بمستنداتها قبل إدخالها إلى الإمارات.أنقر هنا للمزيد من الصورلاحقاً، وُضِعَت هذه المعطيات في عهدة لجنة التحقيق الدولية. وكان أداء اللجنة في الفترة اللاحقة لافتاً للنظر إلى أبعد الحدود. ففي التقرير الدوري الذي أصدرته اللجنة يوم 25 أيلول 2005، قالت اللجنة إنها حصلت على وثائق من شركة ميتسوبيشي في اليابان، ستمكنها «من تحديد أجزاء المركبة والشظايا المعدنية التي يزعم أن مصدرها شاحنة الميتسوبيشي التي وجدت في مسرح الجريمة. وعلى غرار ذلك، ينبغي أن تحدد بصورة قاطعة أجزاء المركبة التي عثر عليها في مسرح الجريمة، وذلك بمساعدة خبير خارجي، من طريق مطابقة الأجزاء مع الرسوم التقنية، ومع عناصر مماثلة وسليمة تماماً من مركبة سليمة تنتمي إلى مجموعة الإنتاج نفسها ومن ذات النوع والصنع والسنة».الأمر إذاً بحاجة إلى خبير خارجي، أي من خارج اللجنة، لمقارنة القطع الميكانيكية التي عثر عليها في مسرح الجريمة بقطع أصلية مطابقة لها. ومن يطّلع على التحقيقات الأولية التي أجرتها السلطات اللبنانية، لا يحتَج إلى كثير عناء لاكتشاف أن ما قالت اللجنة الدولية إنها ستنجزه ابتداءً من أيلول 2006، كانت القوى الأمنية اللبنانية قد أنجزته في شباط وآذار 2005.ففي ذلك الحين، حصلت القوى الأمنية اللبنانية على قطع جديدة من شركة ميتسوبيشي، مطابقة للقطع التي عثر عليها في مسرح الجريمة، وجرت المقارنة بينها للتثبت من صحة تقديرات الخبراء. وقد ثبّتت القوى الأمنية اللبنانية هذه المقارنات في محاضر رسمية قُدِّمت إلى القضاء اللبناني.الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو ما قامت به اللجنة في تقريرها السادس. ففيما تمكن فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي في نيسان 2006 من تحديد مسار الميتسوبيشي، انتظرت لجنة التحقيق الدولية إلى حين صدور تقريرها السابع يوم 15 آذار 2007، لتعلن في الفقرة 31، أنها تلقت «مجموعة من المعلومات الجديدة» المتعلقة ﺑمسار الشاحنة. وفي الفقرة 24 من التقرير الثامن (يوم 12 تموز 2007)، أعلنت اللجنة أنها تمكنت خلال الأشهر الأربعة السابقة (آذار ونيسان وأيار وحزيران 2007) من التوصل إلى المعلومات التي كانت قد توصلت إليها السلطات اللبنانية قبل 15 شهراً، لناحية مسار الشاحنة والمكان الذي بيعت فيه!

يناقض التحقيق بشأن الشاحنة إفادات شهود الزور الذين استند إليهم ديتليف ميليس

وفسّر أمنيون لبنانيون أداء لجنة التحقيق الدولية بطريقتين: الأولى، أن اللجنة، «كعادتها منذ وصولها إلى لبنان، تتعامل بفوقية مع الأجهزة الأمنية اللبنانية. وهي لا تثق بأي معطيات كنا نقدمها إليها، رغم أن دورها هو مساعدة السلطات اللبنانية لا أكثر»، بحسب مسؤول أمني رفيع. أما التفسير الثاني، فهو أن لجنة التحقيق الدولية «كانت تريد أن تنسب أي إنجاز إلى نفسها. ومن غير المنطقي أن تعلن اللجنة أن ما توصلت إليه بعد أكثر من عامين ونصف على وقوع الجريمة، لم يكن سوى استكمال لما قام به المحققون اللبنانيون، سواء في الشهرين الأولين اللذين تليا الجريمة، أو في النصف الأول من عام 2006». ويلفت ضابط لبناني عمل في عدد من ملفات التحقيق باغتيال الحريري إلى أن المحققين الدوليين لن «يستيطعوا تبرير إهمال البيانات الجمركية التي يجب الانطلاق منها في أي تحقيق مرتبط بسيارة ما، تماماً كما الإجراء الروتيني الذي نقوم به عند دخول أي شخص إلى مخفر، إذ إن اول ما نقوم به هو طلب النشرة، للتأكد من أنه غير مطلوب للقضاء». ثم يختم الأمني اللبناني كلامه بالقول: «لكن يبدو أن ميليس فضّل الاستناد إلى إفادات الشهود، فيما فضّل براميرتس الذهاب إلى أقاصي الدنيا، اليابان، للبحث عن الشاحنة، فيما الوثائق العائدة إليها موجودة على مرمى حجر من مقر عمله».

لحظات حرجة

 

بعدما حدّد المحقّقون، من خلال شريط مصرف HSBC شاحنة الميتسوبيشي، قسموا المشاهد التي تظهر فيها الشاحنة إلى لقطات، الفارق بين كل واحدة منها ثانية واحدة. وبعد وضع تقرير تفصيلي بالمشاهدات، أحيل الملف على القضاء وعلى دوائر التحقيق الدولية. وكل ما ورد في التقارير التي أعدها محققو فرع المعلومات في آذار 2005، ورد حرفياً في التقرير الأول الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية في تشرين الأول 2005. وبحسب أحد المحققين، فإن الصورة التي رفعها الرئيس الأول للجنة، ديتليف ميليس، في مؤتمره الصحافي الأول، والتي تظهر فيها شاحنة من نوع ميتسوبيشي، لم تكن سوى نسخة عن الصورة التي وصلت إلى المحققين اللبنانيين من شركة ميتسوبيشي.وبخلاف السيارتين، لفتت أنظار المحققين في فرع المعلومات حركة جرت فجر يوم جريمة 14 شباط 2005. فشريط المصرف يظهر وصول شخص يرتدي زي الجيش اللبناني إلى المكان، قبل أن يضع حقيبة كان يحملها وسط الطريق، ثم يدخل إلى مبنى قيد الإنشاء مقابل فندق السان جورج، حيث قضى دقائق معدودة، ثم خرج وأخذ حقيبته ورحل باتجاه مركز الانفجار. وبعد خروجه، دخل شخص آخر إلى المبنى ذاته، وقضى دقائق معدودة، قبل أن يخرج مجدداً. المحققون شُغلوا بهذه الحركة، قبل أن يأتيهم الجواب من الجيش بأن من ظهر في الصورة هو جندي دخل لقضاء حاجته. أما الشخص الثاني، فلم يعرف أحد هويته ولا سبب دخوله إلى المبنى المذكور.

عمر نشّابة استلزم صدور قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1757 يوم 30 أيار 2007 في نيويورك اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فذلك الفصل يتيح للمجلس تخطّي السيادة اللبنانية وإلزام الجمهورية احترام مقتضيات اتفاق دولي لم يقرّه مجلس النواب اللبناني. الاتفاق الدولي الذي بني نظام المحكمة الدولية على أساسه، بقيت آخر صفحة منه من دون توقيع الى جانب عبارة «عن الجمهورية اللبنانية». رغم ذلك، أكّد القرار «دعوته إلى الاحترام التام لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي تحت السلطة الوحيدة والحصرية للحكومة اللبنانية». إحدى مغالطات نصّ القرار 1757 تكمن في المصطلحات المستخدمة، إذ إن السيادة لا تنحصر بسلطة الحكومة (دستورية كانت أو «بتراء»)، بل بالسلطات الثلاث المذكورة في الدستور. فبينما أغفل قرار مجلس الأمن موقع السلطتين التشريعية والقضائية، أشار «إلى الرسالة الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة من رئيس وزراء لبنان، التي أشار فيها إلى أن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة، والتمس عرض طلبه بإنشاء المحكمة الخاصة على اﻟﻤﺠلس على سبيل الاستعجال». وكأن رئيس مجلس الوزراء، وهو جزء من السلطة التنفيذية (أو الإجرائية)، مخوّل مخاطبة هيئة دولية نيابة عن «الأغلبية البرلمانية». وهنا التجاوز الفاضح لمبدأ ديموقراطي أساسي يقضي بفصل السلطات واستقلالية كلّ منها. قبل الدخول في مراجعة نقدية للنظام الأساسي للمحكمة، لا بدّ من التذكير بالربط بين قرار مجلس الأمن الرقم 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية والقرار 1757 الذي أنشأ المحكمة. إذ يرد في نصّ هذا الأخير «تبدأ المحكمة الخاصة عملها في تاريخ يحدده الأمين العام بالتشاور مع الحكومة اللبنانية، مع مراعاة التقدم المحرز في أعمال لجنة التحقيق الدولية المستقلة». يثير ذلك تساؤلات عن أسباب انطلاق عمل المحكمة في آذار 2009، بينما لا يزال المدعي العام دانيال بلمار عاجزاً عن إثبات أي تقدّم. فلقد مرّ على انطلاق المحكمة أكثر من 15 شهراً، ولم تصدر القرارات الاتهامية بعد. هل يدلّ ذلك التجاوز للقرار 1757 على تأجيل سياسي لصدور القرارات الاتهامية؟ أم أن المدعي العام الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة التحقيق ضلّل الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة عبر تأكيده إحراز تقدّم في التحقيقات، بينما مرّ عام وثلاثة أشهر وليس هناك حتى مشتبه فيهم قيد التحقيق؟ الخلل في المسار العدلي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري يذهب الى أبعد من ذلك. ويبدو أنه يتقاطع مع بعض المناورات السياسية. ننطلق من قراءة المادة الثالثة من نظام المحكمة التي تحدّد «المسؤولية الجنائية» لفهم المقصود من «تسريب» معلومات عن اتهام «أفراد غير منضبطين» من حزب الله بالضلوع في جريمة اغتيال الحريري. الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يُعدّ «رئيس» الحزب، و«في ما يتصل بالعلاقة بين الرئيس والمرؤوس، يتحمّل الرئيس المسؤولية الجنائية عن أي من الجرائم، التي يرتكبها مرؤوسون يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم سيطرته سيطرة سليمة على هؤلاء المرؤوسين، حيث: أ) يكون الرئيس قد عرف أو تجاهل عن عمد أي معلومات تبيّن بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو هم على وشك أن يرتكبوا تلك الجرائم؛ ب) تتعلق الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس؛ ج) لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيه لتلك الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والملاحقة القضائية» (المادة 3). يعني ذلك أن أي قرار يصدر عن المدعي العام، يتّهم «أفراداً غير منضبطين» من حزب الله، سيستدعي التحقيق مع الأمين العام لحزب الله وغيره من قادة الحزب. كما يمكن اعتبار ذلك الاتهام موجّهاً الى القائد الشهيد عماد مغنية، بحيث إنه كان يشغل، يوم وقوع الجريمة، مركز رئيس المجلس الجهادي في حزب الله، إذ إن نقل أكثر من طن من المتفجّرات وتوضيبها في شاحنة وتفجيرها، إضافة الى عمليات المراقبة والتنسيق والتخطيط، تحتاج الى جهود كبيرة يُستبعد أن تُبذل من دون علم «الرئيس». فهي «أنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس». (ب)، وبالتالي قد يُتّهم السيد نصر الله والشهيد الحاج عماد مغنية بعدم اتخاذهما «جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطتهما لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيهما لتلك الجرائم»، بحسب المادة 3 من نظام المحكمة. المادة ١٦ تتناول «حقوق المتهم»، ومن بينها حقّ دراسة «جميع الأدلة التي تستخدم ضده خلال المحاكمة وفقاً لأحكام القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة الخاصة». لكن قواعد الإجراءات والإثبات، التي أقرّت النسخة الأولى منها في 20 آذار 2009، أي بعد نحو عامين على صدور القرار 1757، تستثني حقوق المتّهم في بعض الحالات. فتذكر القاعدة 155: «تقرر غرفة الدرجة الأولى، بعد الاستماع إلى الفريقين، ما إذا كان يتعين أن تطلب من الشاهد المثول أمامها للاستجواب المضاد. ولها أن تقرر أن مصلحة العدالة ومقتضيات المحاكمة العادلة والسريعة تبرر استثنائياً قبول الإفادة أو النص المدون، كلياً أو جزئياً، بدون إجراء استجواب مضاد». وهنا كنّا قد سألنا («الأخبار»، 27/7/2010، ص 5) كيف يمكن أن تحرم غرفة الدرجة الأولى المتهم، عبر وكيله القانوني، حقّه في الاستجواب المضاد للشهود، وتكون الإجراءات عادلة؟ تنصّ الفقرة الرابعة من المادة ٢٠ على: «تكون الجلسات علنية ما لم تقرر الدائرة الابتدائية عقد الإجراءات في غرفة المذاكرة وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات». لكن القاعدة 133 تشير الى إمكان «عقد جلسات سریة». أما القاعدة 137، فتتناول كذلك «الجلسات السرية»، فتنصّ على: «لأسباب تتعلق بالمصالح الأمنية الوطنية لدولة معينة»، يجوز لغرفة الدرجة الأولى أن تأمر «بإخراج الصحافة والجمهور من قاعة المحكمة خلال جميع الجلسات أو بعضها». إن الفوارق التي تُلحظ، بحسب ما أوردناه، بين مضمون نظام المحكمة من جهة، وقواعد الإجراءات والإثبات من جهة أخرى، تثير تساؤلات، لا بل شكوكاً في آلية العدالة الدولية في قضية اغتيال الحريري، إذ يبدو أن ما كان مطلوباً عام 2007 هو الموافقة على نظام أساسي، لكن أدخلت على ذلك النظام لاحقاً (عام 2009)، من باب قواعد الإجراءات والإثبات، استثناءات وتعديلات أقلّ ما يقال فيها أنها تستدعي المراجعة. إضافة الى ذلك، يتضمّن نظام المحكمة الأساسي أخطاءً وتناقضاً واضحاً بين الفقرة (ب) من المادة 2 والمادة 24. فجاء في نصّ الفقرة (ب) من المادة ٢ من النظام، المعنونة «القانون الجنائي الواجب التطبيق»: «المادتان ٦ و٧ من القانون اللبناني المؤرخ في ١١ كانون الثاني/ يناير ١٩٥٨ بشأن «تشديد العقوبات على العصيان والحرب الأهلية والتقاتل بين الأديان». أولاً، لا يذكر القانون اللبناني الصادر في 11-1-1958 الكلام الوارد بين مزدوجين في المادة 2 من نظام المحكمة (أي الكلام المفترض أن يكون منقولاً حرفياً من القانون). ويعدّ ذلك تلاعباً بنصّ القانون اللبناني. فالمادة 6 منه تنصّ على: «كل عمل إرهابي يستوجب الأشغال الشاقة المؤبدة، وهو يستوجب الإعدام إذا أفضى الى موت إنسان أو هدم بنيان بعضه أو كلّه وفيه إنسان، أو إذا نتج من التخريب ولو جزئياً في بناية عامة أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات والمواصلات والنقل». أما المادة 7، فتنصّ على: «يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة من أقدم على مؤامرة بقصد ارتكاب إحدى الجنايات المذكورة في المواد السابقة». يبدو أن المقصود في نصّ الفقرة (ب) من المادة ٢ من نظام المحكمة الدولية هو مضمون المادة الثانية من قانون 1958، التي تنصّ على «يعاقب بالإعدام على الاعتداء أو محاولة الاعتداء التي تستهدف إما إثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي بتسليح اللبنانيين أو بحملهم على التسلّح بعضهم ضدّ بعض، وإما بالحضّ على التقتيل والنهب والتخريب». ويكمن التناقض في عدم سماح المادة ٢٤ من نظام المحكمة الدولية بإنزال عقوبة الإعدام بالمدانين، إذ «تفرض الدائرة الابتدائية عقوبة السجن مدى الحياة أو لسنوات محددة على الشخص المدان».
يوم 12/12/2005، انفجرت سيارة مفخّخة مستهدفة موكب النائب جبران تويني، ما أدى إلى استشهاده وعدداً من مرافقيه. بدأت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تحقيقاتها في الجريمة (في المحضر الرقم 1160/302)، فتبين لها أن السيارة المفخخة هي من نوع رينو رابيد، وكان رقم هيكلها لا يزال واضحاً. طلب المحققون سجلات مديرية الجمارك، فوجدوا قيود السيارة التي تبين أنها كانت مستوردة عبر مرفأ طرابلس بداية عام 2005، ونقلت إلى معرض للسيارات في مدينة طرابلس. وفي منتصف العام نفسه (قبل نحو ستة أشهر على اغتيال تويني)، اشترى السيارة شخص مجهول لقاء مبلغ لا يزيد على 2300 دولار أميركي، طالباً نقلها بواسطة رافعة (بلاطة) إلى منطقة الدكوانة، لأنه لم يكن قد سجّلها بعد، وبالتالي، لم يكن يريد الانتقال بها من دون لوحات تسجيل. طريقة الشراء جرت وفقاً للمعتاد في لبنان، أي بواسطة صك بيع موقَّع على بياض. ويعني ذلك أن المشتري لم يكن مضطراً إلى إبراز بطاقة هوية أو أي مستندات ثبوتية أخرى.

أمّنت الرافعة (البلاطة) للمشتري، وقادها شاب يدعى بسام ش. وبحسب إفادة الأخير، فإن المشتري زوّده رقم هاتفه الخلوي، طالباً منه الاتصال به عندما يصل إلى منطقة نهر الموت. نفذ بسام المتفق عليه، فطلب منه المشتري التوجه إلى أمام فرع مصرف فرنسبنك، قرب كاليري خباز. وصل بسام إلى المكان المذكور، وانتظر دقائق عدة، قبل أن يعاود الاتصال بالمشتري الذي طلب منه ملاقاته قرب مستديرة الصالومي.وصل بسام إلى المنطقة المذكورة، فوجد المشتري منتظراً قبل المستديرة. طلب المشتري إنزال السيارة في هذا المكان، ونقد بسام أجرته. رحل بسام، وكان المشتري لا يزال واقفاً في مكانه يلوّح له بيده.كل من التقوا مشتري السيارة أفادوا بأنهم لا يعرفونه، وبأنهم لم يلتقوا به قبل ذلك اليوم أو بعده. بناءً على هذه الإفادات، بدأ فرع المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تحقيقاته التقنية لمحاولة تحديد رقم هاتف المشتري. أجرى النقيب وسام عيد، رئيس المكتب التقني في الفرع، تحليلاً لحركة الاتصالات الهاتفية في طرابلس ونهر الموت والدكوانة وما بينهما. «خرب الدنيا» محاولاً تحديد الاتصالات التي تحدث عنها الشاهد بسام، إلا أن جهده لم يُكَلَّل بالنجاح. لم يجد عيد تفسيراً منطقياً لهذه الحادثة، وحتى اليوم لا تزال هذه الاتصالات لغزاً يصعب حله.ألغاز التحقيقات باغتيال تويني لا تقتصر على الاتصالات. ثمة ملف تحقيق مرتبط بالسيارة التي كان يملكها النائب الراحل، والتي كان يستقلها عند وقوع الجريمة. فيوم 20 كانون الأوّل 2008، نشر الزميل جان عزيز في «الأخبار» مقالاً عن سيارة تويني، قال فيه إنها كانت موضوعة بتصرف رجل أعمال لبناني مرتبط بنشاطات مافيوية في أوروبا الشرقية، وبالتحديد في بلغاريا. حينذاك، طلب ورثة تويني، عبر وكيلهم النائب بطرس حرب، من المحقق العدلي في الجريمة القاضي جورج كرم، الاستماع إلى إفادة عزيز من أجل الوقوف على ملابسات ما نشره. وترافق الطلب القضائي مع حملة إعلامية شنها عدد من كتّاب «النهار» على عزيز، اتهمه بعضهم فيها بخيانة جبران. وبعد استماع القاضي إلى إفادة عزيز، نشر الأخير في «الأخبار» مقالاً قال فيه إن الأمنيين المعنيين بالملف يعرفون ما كان قد نشره. لكن ما لم يقله عزيز في ذلك الحين هو أن ما نشره يعرفه قاضي التحقيق العدلي جيداً، وخاصة أنه مدوّن في محاضر التحقيق الرسمية التي نظمتها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وتعرفه عائلة تويني بدورها، إلا أن الأمر لا يُتداول مطلقاً، وخاصة أن السيارة لم تكن معارة، بل كانت مستأجرة!ففي تلك المحاضر التي نظمها محققو فرع المعلومات، قال عدد من الشهود (بينهم أشخاص شديدو القرب من عائلة تويني) إن سيارة النائب الراحل كانت موضوعة بتصرف شخص يدعى إميل ح، صاحب شركة معروفة لتأجير السيارات. فتويني، كان قد اشترى سيارة مصفّحة بأكثر من 300 ألف دولار أميركي، وكان كثير السفر إلى الخارج. وقد اتفق مع إميل على أن يؤجر الأخير سيارته لقاء ألف دولار أميركي يومياً، أثناء وجوده في الخارج.وخلال الأسابيع السابقة لاغتيال تويني، استأجر سيارته رجل الأعمال أ. س، الذي كان خلال الحرب الأهلية مرافقاً لرئيس حزب يميني، قبل أن ينتقل إلى أوروبا، ويتحول، بحسب أمنيين لبنانيين، إلى أحد أبرز المشاركين في حروب المافيا في بلغاريا.حينذاك، لم تستمع القوى الأمنية اللبنانية، ولا المحققون الدوليون، إلى إفادة مستأجِر سيارة تويني، لأنه «لم يكن في لبنان عندما كان التحقيق لا يزال مفتوحاً في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي»، بحسب ما ذكر مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى لـ«الأخبار». لكن الرجل لم يبق خارج لبنان، إذ أكد عدد ممن يعرفونه جيداً أنهم شاهدوه في لبنان، مرة واحدة على الأقل، بعد أشهر من اغتيال تويني.تبقى إشارة لا بد منها. صاحب شركة تأجير السيارات، إميل ح، هو ذاته من كان يؤجر سيارات لـ«الشاهد» هسام هسام. وكان يكفل هسام في شركة إميل ح. موظف لبناني في لجنة التحقيق الدولية، يدعى هاني الغفري.

الأكثر قراءة