أعطت وزارة الأشغال العامّة والنقل، أمس، أمر المباشرة بأعمال إنشاء «ميناء نبيه بري للسياحة والنزهة» على شاطئ عدلون في الجنوب، على الرغم من الاعتراضات الأهلية والمخالفات القانونية والشكاوى القضائية التي رافقت عملية تلزيم المشروع. بحسب المعلومات المستقاة من بلدية عدلون، يستولي هذا المشروع على نحو 164 ألف متر مربع من الشاطئ ويدمّر واحداً من أهم المواقع الأثرية، المتمثّل ببقايا مدينة «مآروبو» الفينيقية... من دون أي دراسة لتقويم الأثر البيئي أو تدخّل جدّي من وزارة الثقافة أو مناقشة للجدوى مع المجتمع المحلي!

 

هديل فرفور, آمال خليل - الاخبار

 

«لمن مراكب الصيد واليخوت؟»، تسأل إحدى الناشطات في الحملة المدنية الرافضة لمشروع «ميناء نبيه بري للسياحة والنزهة»، تقول: «الـ40 مليار ليرة التي ستُنفق على هذا المشروع، كانت آثار البلدة وأهل عدلون أولى بها».

التساؤل الذي طرحته ابنة البلدة خلال الاعتصام الرمزي الذي نظّمه «تجمّع جمعيات وهيئات المجتمع المدني لأجل عدلون»، أمس، أمام المتحف الوطني، ينطلق من واقع مفاده أن البلدة تحتاج إلى مشاريع تنموية تنهض بالسكان وتحسّن مستوى عيشهم، لا مشاريع مخصصة للأثرياء ويخوتهم يستفيد منها بعض النافذين من خلال عقود الاستثمار والتشغيل اللاحقة، وذلك على حساب الحق العام بالشاطئ والبحر والآثار والذاكرة الجماعية. اختارت وزارة الأشغال العامة والنقل واحداً من أهم المواقع التاريخية على الشاطئ اللبناني لإقامة «ميناء لليخوت»، وهو الواجهة البحرية لمدينة «مآروبو» الفينيقية ومينائها الأسري وبقايا دباغاتها. ودافعت الوزارة عن مشروعها بالقول إنه سيحتضن مراكب الصيادين أيضاً كي تكسب موافقة بعض السكان، إذ صرّح المدير العام للنقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي بأن هذا المشروع هو خدمة للصيادين وللحياة البحرية في المنطقة، إلا أن جمعية «الجنوبيون الخضر» ردّت بأن بلدة عدلون ليس فيها أي مركب واحد للصيد يستفيد من هذا المشروع، ومرفأ الصرفند للصيادين لا يبعد أكثر من كيلومترات قليلة عن موقع المرفأ الجديد المزمع إنشاؤه. أمس، أعطت وزارة الأشغال العامة والنقل أمر مباشرة العمل للشركة المتعهدة (شركة خوري للمقاولات) التي شرعت بأعمال ردم الأحواض والحاويات الصخرية والأجران وتدميرها، وقد كانت تستخدم قبل آلاف السنين كملاحات ودباغات ومشاغل مراكب في مدينة «مآروبو»، أول أسماء عدلون المدونة. تقول الجمعية إن المشروع «سيقوم بالكامل على آلاف الأمتار المربعة من الأملاك العامة البحرية، نصفها يشكّله الشاطئ والنصف الآخر من خلال عملية ردم البحر»، لافتة إلى أن «أعمال الردم الواسعة التي سيتضمنها المشروع ستلحق أبلغ الضرر بالتنوع البيولوجي للشاطئ (...) وستؤدي إلى تدمير موائل السلاحف البحرية، التي ما زالت توجد في محيط الموقع وتعشّش على شطآنه، وهو ما سيؤدي إلى اختلال إضافي في النظام البيئي المُحيط». ينقل التجمع المناهض للمشروع عن بلدية عدلون معلومات مفادها «أن المشروع سيقوم على جرف وردم ما يزيد على 164 ألف متر مربع من هذا الشاطئ الفريد»، وتحديداً على الموقع التاريخي حيث بنى الفينيقيون مدينتهم التاريخية «مآروبو» ما بين الألف الأول والألف الثاني قبل الميلاد. واجب الحكومة اللبنانية والوزارات والجهات المعنية العمل على حماية هذا الموقع التاريخي وحماية الشاطئ والعمل على تأهيله ضمن خطة تنموية شاملة تنهض بالبلدة التاريخية. ولكن بدلاً من ذلك، أُعلن مشروع بناء مرفأ بتسعة أحواض، يتسع لـ 400 يخت ومركب، وسنسولي حماية (600 م و240 م)، وهي مقاييس تتجاوز مقاييس مرفأ صور أو مرفأ صيدا حجماً، «في بلدة تفتقر إلى البنية التحتية المناسبة وتعاني ومواقعها التاريخية والبيئية إهمالاً مُزمناً»، على حد تعبير «الجنوبيون الخضر».

 

يجزم رئيس اتحاد الشباب الديمقراطي علي متيرك (وهو واحد من أبناء بلدة عدلون) بأنه «لم يجر إطلاع أهالي البلدة على الجدوى الاقتصادية للمشروع، ولم تُجرَ دراسة تقويم الأثر البيئي». في الواقع، إن عدم تقديم المشروع لأي تقرير أثر بيئي وعدم إجراء المسوحات للمواقع ليس المخالفة الوحيدة التي يرتكبها المشروع، كذلك إن هذه المخالفة ليست وحدها التي تفضح تقاعس وزارة البيئة ووزارة الثقافة. يؤكد الأهالي أن أعمال الردم والجرف بدأت منذ نحو أسبوعين من قبل المتعهّد «شركة خوري للمقاولات»، على الرغم من وجود كتاب صريح موجه من قبل وزارة الثقافة إلى محافظ لبنان الجنوبي يطلب فيه وقف العمل. وعلى الرغم أيضاً من أن وزارتي البيئة والثقافة كانتا قد طلبتا من وزارة الأشغال توفير الخرائط ودراسة تقويم الأثر البيئي للمشروع وإجراء مسح للموقع قبل إعطاء موافقتهما، إلا أن وزارة الأشغال تجاهلت كل ذلك وأصرت على المضي بالمشروع، وصمتت الوزارتان ولم تستخدما صلاحيتهما من أجل وقف المشروع قسراً. وكانت عملية تلزيم «شركة خوري للمقاولات» بأشغال المرفأ السياحي الجديد قد انطوت على ملابسات كثيرة وشبهات. إذ أصدر مجلس شورى الدولة قراراً يقضي بموجبه بإبطال قرار وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر تلزيم أشغال إنشاء مرفأ عدلون (السنسول الرئيسي ــ المرحلة الأولى)، للشركة المذكورة لمخالفته الأصول القانونية في عملية التلزيم. إذ ألغى الوزير المعني نتائج المناقصة ورفض السعر الأدنى البالغ 4.88 مليارات ليرة (الذي قدّمته شركة الجنوب للإعمار)، وأصدر قراراً يقضي بتحويل التلزيم من مناقصة عمومية إلى استدراج عروض محصور عبر استدعاء 5 شركات فقط مسماة من قبله، من بينها شركة واحدة فقط شاركت في المناقصة الملغاة هي «شركة خوري للمقاولات» التي فازت في النهاية! اللافت أن هذه الشركة فازت في استدراج العروض بسعر أعلى مما قدمته في المناقصة الملغاة بمبلغ 2.49 مليار ليرة. (راجع الأخبار العدد السبت ١٧ تشرين الأول ٢٠١٥ http://al-akhbar.com/node/244051 والعدد الاثنين ١٢ تشرين الأول ٢٠١٥ http://www.al-akhbar.com/node/243723). يقول متيرك إنه لم يجرِ إشراك أهالي البلدة بالمشروع، لافتاً إلى أن الشاطئ المستهدف ترتاده «الفئات الشعبية في البلدة»، وعلى الرغم من أن القيّمين على المشروع تعهدوا بإبقاء الشاطئ مسبحاً شعبياً، إلا أن تحويل البحر أمامه إلى حوض ومرسى لليخوت سيسبب الضرر الأكيد للرواد لأسباب عدة، منها تلوث مياهه من الزيوت المتسربة من اليخوت. مصادر في بلدية عدلون قالت لـ «الأخبار»، إنه منذ أكثر من 3 سنوات طُرح المشروع على أساس إقامة مسبح شعبي «قبل أن ينحرف عن مساره ويصير ميناء نبيه بري للسياحة والنزهة». يقول الناشطون في البلدة إن الأهالي منقسمون بين معارض كلياً للمشروع وبين مؤيد له وبين من لا يزال متخوّفاً من إبداء رأيه. يطرح متيرك مسألة «غياب مساحة النقاش الموجودة بين أهالي البلدة»، في إشارة إلى أن «الصراع» بين مؤيدي المشروع ومعارضيه محكوم باعتبارات حزبية وسطوة قوى الأمر الواقع وترويجها مزاعم عن أن المشروع سيُسهم بخلق 400 وظيفة. ولم يتوان مؤيدو المشروع عن إطلاق تهديدات ضد كل من يعارض إنشاء الميناء. أمس، ناشد التجمّع المناهض المعنيين كافة التحرّك لإنقاذ الشاطئ التاريخي لبلدة عدلون. على ماذا تراهنون؟ يقول المتحدّث باسم «الجنوبيون الخضر» وسيم بزيع: «نراهن على القضاء والشعب، كذلك نراهن على إحراج المعنيين من خلال الضغط على المنظمات الدولية التي تُعنى في هذا الملف». يكشف رئيس الجمعية هشام يونس أنه التقى في العاصمة البريطانية، لندن، عدداً من الأكاديميين والخبراء الأثريين الأوروبيين الذين وافقوا على الحضور إلى عدلون في شهر أيار المقبل وعقد مؤتمر خاص عن إرث البلدة التاريخي في محيط المرفأ الفينيقي.

بيار أبي صعب - الاخبار

 

كم كانت خيبة السينمائية المصرية الشابة كبيرة، حين وصلت من القاهرة لتكتشف أن زياد الرحباني لن يعيد تقديم مسرحيته «بالنسبة لبكرا، شو؟»، كما شُبّه لها على فايسبوك اللعين.

هذه فرصة ذهبية لا تفوّت، فكرت، فقطعت تذكرتي سفر لها ولصديقها، وهرعا إلى بيروت! كلا للأسف عزيزتي، ما يمكنك مشاهدته هو شريط سينمائي، قائم على ترميم وثائق فيديو، صُوّرت على دفعات في النصف الثاني من السبعينيات، خلال عروض المسرحية الأسطوريّة التي نعرفها عن ظهر قلب، من خلال أشرطة كاسيت عبرت متاريس وخنادق وحدوداً... لكن خلافاً لبعض ما سمعتِه وقرأتِه ربّما من انتقادات وتنظيرات، هنا وهناك، منذ وصولك إلى مدينة الغرائب والعجائب، فإن الأمر يستحق بحد ذاته عناء السفر.الفيلم الذي يشكّل مفاجأة حقيقية، ستشعل بيروت فور انطلاق الفيلم في الصالات التجارية، يبعث على الشاشة الكبيرة تلك اللحظات التي يخيل إلينا أننا عشناها في حياة أخرى. يحييها ويخلّدها ويضعها في تصرّف الأجيال القادمة. ويحتفي بعبقرية زياد الرحباني وموهبته، بوعيه النقدي وحسّه الشعبي وفطرته الكوميدية ومقدرته على توظيف اللغة والشخصيات والحبكة والحالات والسخرية لتفكيك الواقع وفضحه، في خدمة رؤية سياسية، استشرافية، متقدمة، ما أحوجنا إليها اليوم، في زمن الطاعون المذهبي، والاستلاب السياسي، وقاطعي الرؤوس. بعض الجمهور شاهد المسرحية حقاً، لكن معظمه لم يكن هنا، قبل 35 سنة، أو لم يتمكن من عبور خطوط التماس بين «الشرقية» و«الغربية». مع أن أغنيات زياد وكاسيتات مسرحياته واسكتشاته الإذاعية، كانت قد تفشت في «الغيتو الانعزالي» حسب مسميات المرحلة.

 

لا شك في أن المغامرة التي خاضها إيلي خوري، منتج فيلم «بالنسبة لبكرا، شو؟» وموزعه، تستحق تحية إعجاب، وتشكل درساً سياسياً وثقافياً. يوم قرر رجل الصورة والإعلانات وفنون التواصل أن يحصل على حقوق أشرطة فيديو عمرها عقود، في أرشيف زياد الرحباني، بهدف إحيائها، وإعادتها لجمهور لا يعرفها إلا من بعيد، فكر بعضهم أنه مجنون يهوى ركوب المخاطر. لكنّنا نفهم الآن أساس رهانه: لقد لعب ورقة الحنين ضدّ التكنولوجيا، وشعبيّة زياد الرحباني ضد تصدعات الزمن، وقدرة فنّه على مخاطبة الراهن من قلب ضباب الحرب الأهلية اللبنانية. إنه الفن كآلة لعبور الزمن، ومساءلة الوثيقة وترميمها، وبعثها الآن وهنا. الفيلم يعيد الاعتبار إلى الأرشيف بصفته مادة فنية. هكذا تصبح الهنات الطبيعية في الصوت والصورة من تشويش وغبش وصدى، وفقر حركات الكاميرا، وغياب التقطيع، وأخطاء الراكور... جزءاً من جمالية العمل وسحر أسلوبه، وتعبيراً عن «شعرية» المسافة. سيحب الناس الفيلم رغم المشاكل التقنية، بل بفضلها: المسرح الشعبي على خشبة «مسرح وسينما الأورلي» بالأمس البعيد، هو على الشاشة اليوم «المسرح الفقير» المتقشف الذي يأخذ إلى الجوهر.وهذه التجربة الخاصة التي ستوحّد اللبنانيين، كما جمعت النقيضين إيلي خوري وزياد الرحباني، تسلّط الضوء على خطاب سياسي استشرافي، يبدو راهناً أكثر من أي وقت مضى. لقد تنبّأ زياد بالحريرية الاقتصادية سنوات قبل بروزها، وفضح «اقتصاد الكاباريه» الذي بنى عليه الرئيس الراحل فلسفة إعادة الإعمار الكارثيّة. «بلد ما فيه مواد أولية» قدره أن يتحول إلى ماخور لطيف للرساميل النفطية، وأن يجند طاقاته الإنتاجية في خدمتها. كيف نتلقى كل ذلك اليوم وقد أصبح لبنان مستنقعاً استهلاكياً، وازدادت غربة المثقفين والشعراء، و«هوت سنونوتهم على الرماد»، وبعنا كل شيء، وصرنا تحت رحمة اقتصاد الخدمات، ونمط الإنتاج الطفيلي الذي يختزله الناس إلى تسمية «الخليج»؟في فيلم «بالنسبة لبكرا، شو؟» هناك أيضاً الحنين. قبعة جوزيف صقر الكولونيالية، وفتنة نبيلة زيتوني، وسالفاً فايق حميصي، وصوت بطرس فرح، واستدارة رفيق نجم، وطبعاً زياد بالبيريه والنظارتين واللحية. نحن اليوم في الـ «بكرا» الذي تسأل عنه ثريا طوال الوقت، وتلاحق به زوجها زكريا البارمان الشهير في «ساندي سناك»، في الحمرا، بيروت 1978: بكرا أسوأ مما توقعناه. المسرحية التي أثّرت في الوعي السياسي لجيل كامل، نستعيدها اليوم كأيقونة، كبوصلة، في الزمن النغل. زياد بيننا، شفيعنا، نسبق شخصياته، نردد حواراته كتعاويذ سحرية أو أدعية. نعود، بسحر ساحر، إلى تلك اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكناً!

سيف دعنا - الاخبار

 

 

من المستحيل على حركة تحرر أن تستمر في مجابهة الغرب حتى النهاية وهي تشاطره منظومته الاقتصادية نفسها (هادي العلوي: «في الإسلام المعاصر»)

 

«ليس هناك عالم ثالث للعالم الثالث»i. هكذا فَسَّرَ ايمانويل والرشتين فشل دول الجنوب في القرن العشرين في تكرار نموذج الإصلاحات الليبرالية الكبرى التي شهدتها اوروبا في القرن التاسع عشر.

 

بهذا المعنى، لم تحقق أوروبا هذه الإنجازات التاريخية (تحديداً بناء «دولة الرفاه» و«الديمقراطية الليبرالية»، أو «حق الانتخاب العام») بشكل مستقل واعتماداً على مصادرها وثرواتها فقط. بل، كانت هذه الإنجازات ممكنة التحقيق فقط اعتماداً على نظام عالمي أوروبيّ المركزية سهل باستمرار عملية انتقال الثروة وتدفقها من مجتمعات الجنوب إلى مجتمعات الشمال. فمنذ ما سماه والرشتين «القرن السادس عشر الطويل» (١٤٥٠ـ١٦٤٠) تأسس نظام رأسمالي عالمي مكّن اوروبا من نهب ثروات شعوب دول الجنوب بشكل مباشر، عبر الاستعمار الكلاسيكي، وغير المباشر، عبر منظومة عالمية (الاستعمار الجديد) سهّلت انتقال وتدفق الثروة عبر آليات متعددة كالتبادل غير المتكافئ للقيم الاقتصادية والتقسيم العالمي الإجباري للعمل لصالح اوروبا. ولهذا، فحتى تصبح اوروبا (والغرب عموماً) وتبقى كما هي، على العالم الثالث أن يكون ويظل كما هو. تفسير والرشتين هذا ليس جديداً طبعاً، رغم أن مشروع «نظرية النظام العالمي» مؤسس كلياً تقريباً على فرضية مفيدة لفهم مجريات الأحداث والتاريخ في سياق هذه المنظومة تتمثل بترابط العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في كل أنحاء هذا النظام العالميii. فجوهر الفكرة موجود في نظرية لينين عن «تفاوت التطور»iii، ومفصلة بشكل أولي في «تراكم رأس المال» عند روزا لوكسمبورغ صاحبة مفهوم «السوق الثالثة». فـ«الحقيقة الحاسمة»، تقول لوكسمبورغ، «إنه لا يمكن الحصول على فائض القيمة (أو تحقيقها) اعتماداً على البيع للعمال أو الرأسماليين (في المركز الرأسمالي)، بل هذا ممكن فقط عبر التبادل مع منظومات وشرائح اجتماعية غير رأسمالية»iv.

 

الفراغ الايديولوجي وإنتاج الوهم

 

لكن هذا التفسير المنطقي والذي يَسْهُلْ إسناده وتدعيمه بالبيانات لا ينفي أن النظام العالمي في الحقيقة أكثر تعقيداً، ويمكن القول أيضاً أكثر سوداوية وإحباطاً إذا أردنا الذهاب خطوة اخرى إلى الأمام ومحاولة تقديم تفسير أوسع لفشل حركات التحرر في الجنوب أولاً وفقدان السيادة والاستقلال لاحقاً. فقدرة النظام الرأسمالي العالمي على التطور وضمان استمرار تدفق الثروة من الجنوب إلى الشمال تتطلب دائماً ابتكار آليات جديدة، وأحياناً شيطانية ومتوحشة وعنيفة، وتفترض أدواراً مهمة للشرائح المهيمنة والنخب في الجنوب كما تفترض هيمنة سياسية، ثقافية، ومعرفية اوروبية على العالم ـ آخرها طبعاً كان الليبرالية الجديدة التي سآتي على تبعاتها باختصار في وطننا العربي في هذا المقال. لهذا السبب انتهت حركات التحرر من الاستعمار في مجتمعات الجنوب وبلا أي استثناء تقريباً إلى جملة من الـ«مجندين للاستعمار»، كما جادل ديفيد سكوت في كتاب عبقري (برغم دفعه للإحباط) يحمل نفس العنوانv. هم مجندون وليسوا مجرد تابعين أو متطوعين إذن، والسبب طبعاً، ليس فقط طبيعة بنية المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية فقط، بل تحديداً استنادها لعملية تبادل ثقافي ومعرفي غير متكافئة بين الشمال والجنوب تشكل أساس عملية الهيمنة التي شَرَحَ أحد آلياتها الأنثروبولوجي الماركسي ستانلي دياموند في «البحث عن البدائي»: «التبادل الثقافي كان دائماً موضوع هيمنة. فإما أن تقوم الحضارة مباشرة بتدمير الثقافة البدائية التي ترى أنها تقف في طريق حقها التاريخي، أو يتم إضعاف الاقتصاد البدائي بفعل اقتصاد السوق المتحضر بحيث لا يمكنه الاستمرار كحامل للثقافة التقليدية»vi. في سعيها للهيمنة، إذن، تقوم المنظومة الرأسمالية بكسر العمود الفقري للثقافات المحلية ولمشاريع التحرر غير الأوروبية بالقضاء، بالقوة أحياناً كما في حالة العراق (وسوريا الآن) على أساسها الاقتصادي وسحقه.

 

والرشتين إذن يجيب على السؤال على مستوى البنية الاقتصادية ويشرح آليات تدفق الثروة من الجنوب للشمال. أما على مستوى الإيديولوجيا والهيمنة (الثقافة والمعرفة)، فهذه مسألة مهمة طرقها الزميلان ورد كاسوحة وعامر محسن في سلسلة مقالات مهمة هنا في «الأخبار» وأحاطا بها بعمق، وكان في الخلفية حوار بيننا أساسه مقال نشرته الـ«فورين بوليسي» عن الإكوادور ومستقبل رفاييل كوريا والسؤال المقلق الذي تبع ذلك: هل سنخسر الإكوادور، وربما بوليفيا، بعد فنزويلا (الهجمة على الإكوادور بدأت في الإعلام)؟ ربما لم تشكل خسارة فنزويلا، وربما الإكوادور لاحقاً، مفاجأة لمن يفكر بالطريقة السالفة الذكر. الكتابة كانت على الحائط منذ البداية، ولكن يبدو أن الأمل في تحقيق اختراق في هذه المنظومة العالمية دفع الكثيرين لتجاهل الأسئلة المهمة: هل يمكن فعلاً ان تنجح تجربة كتجربة فنزويلا في سياق نظام عالمي رأسمالي كالذي نعيش فيه؟ وهل يمكن حقاً أن تنجح تجربة تعتمد فقط على مجرد فك الارتباط السياسي عن الاقتصاد «Delinking»، والاكتفاء بمجرد مواجهة مفاعيل تدخل البنك الدولي وصندوق النقد في الداخل؟ السؤال المهم الآخر برأيي هو سؤال حالة الفراغ الايديولوجي وما يتبعه من إنتاج للوهم، أو غياب أي نوع من النقاش والحوار الإيديولوجي بمشاركة رؤى من خارج المنظومة الرأسمالية. فليست العلاقة الاقتصادية السياسية غير المتكافئة لوحدها كافية للتفسير الشامل هنا. ربما تفسر هذه العلاقة فعلاً الظروف المزرية والمرعبة أحياناً التي يعيشها أهل الجنوب (وإذا عرفنا أن وتائر النمو في الدورات الاقتصادية المتعاقبة تصاعدية بالضرورة عادة فإن توقع أي سيناريو مستقبلي غير الأسوأ في الجنوب غير منطقي). مشكلة الهيمنة التي طرقها الزميلان عامر محسن وورد كاسوحة ضرورية جداً لفهم الصورة أكثر، ولن أضيف للنقاش هنا سوى القول إن هيمنة وهم نموذج الطبقة الوسطى الغربية وخيار الخلاص الفردي كمُمكن في عقول فقراء الجنوب هو من تبعات إلغاء اليسار وصوت الجنوب في الحوار الإيديولوجي حول الاقتصاد والمجتمع والسياسة والتاريخ. فالقوة الإيديولوجية للنيوليبرالية، والاقتصاديات الرأسمالية عامة، وقدرتها على خلق هذا الوهم أساسه غياب اليسار والجنوب كبدائل في أي حوار بسبب الضعف السياسي في أعقاب سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكك اليسار وتشتت الجنوب، وكلما زاد الضعف السياسي زاد وسيزداد التهميش ـ قل ما شئت عن التجربة الاشتراكية وعن تجربة العالمثالثية، إلا أنه ينبغي الاعتراف أن مجرد وجودهما، وحضورهما السياسي والفكري، كان يعني توفر النقد من خارج المنظومة الرأسمالية الذي يؤدي غيابه إلى سيادة الوهم وتوحش رأس المال. كان سقوط الاشتراكية وتفكك المنظومة الجنوبية كارثي، ليس فقط لأن الفقراء يزدادون وسيزدادون فقراً بل وأيضاً لأنهم يزدادون وسيزدادون تعلقاً بأوهام نموذج لن يعيشوه أبداً تسوقه آلات الدعاية الغربية. لكن إلغاء اليسار الجنوب وغياب النقد من خارج المنظومة الرأسمالية يعني أيضاً تعطيل فكرة العلم والفن والأدب وكل اشكال الإبداع الإنساني ـ من يعرف شيئاً قليلاً عن فلسفة العلوم، مثلاً، يعرف أن العلم يكون، وأن الثورات العلمية تحدث، فقط حين يتوفر النقد من خارج المنظومة الفكرية والعلمية السائدة وليس من داخلها ـ هل يتذكر أحد آخر اختراقاً معرفياً جدياً في العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ هل يلاحظ الناس مدى بؤس ما يسمى «علم الاقتصاد» الذي يدرس في الجامعات؟ حتى وقت قريب، كانت العلوم الاجتماعية، كما يقر الجميع، هي حوار مع ماركس أو مع شبح ماركس بعد موته (الثانية كما في حالة احد أهم علماء الاجتماع، ماكس فيبر) وكان حضور الصوت الجنوبي في نظريات التنمية ملموساً، وهو ما فتح الأفق واسعاً لتطورها. أما الآن، فنادراً ما تقرأ في مجلات التخصص ما يخرج عن مسلمات المنهج الوضعي (positivism) فيما المنهج الواقعي النقدي، مثلاً، (كما هو عند روي باشكار) فيستثنى على أنه إعادة إنتاج أكاديمية خبيثة للرؤية اليسارية لأكاديميين ماركسيين يتحايلون على التيار الرئيسي. سقوط الاشتراكية كان كارثياً لأنه ليس بوسع الرأسمالية الإجابة على الأسئلة التي يطرحها تعفنها ولا مواجهة وحل المشكلات التي تخلقها وستخلقها باستمرار. كان كارثياً لأن استمرار الرأسمالية هي تعطيل للتطور الإنساني في كل المجالات ـ سيستمر التاريخ طبعاً لأن الاستمرارية هي التاريخ الحقيقي، لكن العطالة ستصيب العلوم الاجتماعية والإنسانية والأدب والفن والثقافة عموماً. هكذا تصيب العطالة العقول ويسود الوهم وخرافات رأس المال.

 

تنمية العرب المعكوسة

 

«يرجع الوضع الميؤوس منه للعالم العربي»، يقول هادي العلوي في «في الإسلام المعاصر» إلى «اقتصاده الطرفي ـ الكولونيالي الملحق بالاقتصاد الرأسمالي العالمي. أي إلى الفشل في ايجاد الاقتصاد النقيض للاقتصاد المهيمن بما يسمح بالقطع مع المتروبول الأوروبي الغربي باعتباره مصدر خرابنا الأوحد»vii. هذا من ناحية بنية النظام العالمي، وهي صحيحة بالمضمون وتنطبق حقاً على كل دول الجنوب. لكن قصة الوطن العربي، على الأقل منذ نهاية السبعينات هي قصة فريدة ومرعبة تحكيها الأرقام والبيانات.

 

لم تفشل العملية التنموية في الوطن العربي، بل تعرضت قدرات وإمكانيات الوطن العربي على النمو لعملية اجتثاث. هذه خلاصة القصة التي يرويها كتاب «التنمية العربية ممنوعة: آليات التراكم عبر الحروب العدوانية»viii. فمراجعة ما حصل في وللوطن العربي خلال العقود الثلاثة الماضية فقط، وهي عمر اختراق النيوليبرالية لبلادنا تشي بأن الوطن العربي خضع (أو أخضع بالقوة غالباً) لعملية تنمية معكوسة (Dedevelopment) عبر تجريده من قدراته وإمكانياته على النمو. تاريخ التنمية المعكوسة في الوطن العربي هو، هو، تاريخ النيوليبرالية في بلادنا. كل المؤشرات الاقتصادية (الفقر طويل الأمد، ارتفاع معدلات البطالة ومستويات اللامساواة، تدفق الموارد الحقيقية والمالية، الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الأساسية من قبل الأنظمة والاستعمار العسكري وغيرها الكثير مقارنة بالمعايير العالمية) تؤكد أن ما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية هو «عملية تفكيك متعمد ومنهجي لقدرة الوطن العربي» على التحول هيكلياً وبالتالي اجتثاث قدرته على النمو. وفوق ذلك كله، لم يتعرض الوطن العربي مثل باقي دول الجنوب لعملية كلاسيكية من إنتاج التخلف (underdevelopment) فقط، ولم يتعرض للتبعات المتوحشة التقليدية لنماذج ووصفات النمو المفروضة من البنك الدولي وصندوق النقد (طرد آلاف الفلاحين من الأرض وتحويلهم ليد عاملة رخيصة تبحث بيأس عن عمل)، كما لم يعاني فقط مما سماه روي ماورو ماريني «الاستغلال الفائق». فوق كل ذلك، وخلال «العقود الخمسة الماضية، كان الوطن العربي ساحة لأعلى نسبة تواتر للحرب على وجه الأرض» (ص: ٤). منذ نهاية الحرب الباردة تحديداً، كما يقول بيري أندرسون في مقدمة العدد الأخير من «نيو لفت ريفيو»، «أن الدول العربية شكلت منطقة للتدخل العسكري الغربي لا مثيل لها في عالم ما بعد الحرب الباردة» (ص:5)ix. والحرب هنا ليست مجرد الوجه العنيف والوحشي لرأس المال فقط، بل هي (كمؤشر لأزمة وتعفن رأس المال هذا) أيضاً أحد آليات تراكمه (فرضية «المجمع الصناعي العسكري» لتفسير الحروب الغربية على بلادنا تبسيطية جداً طبعاً، إن لم نقل سخيفة، مثل فرضية اللوبي، لأنها تتجاهل فكرة الطبقة الحاكمة وترابط مصالح الشركات في المنظومة الرأسمالية، وحتى فهم جوهر فكرة رأس المال). الحروب المتتالية في وعلى وطننا العربي كانت دوماً آلية دمجه في منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، والأهم كانت الآلية التي أعادت تشكيل وتطويع الطبقات المهيمنة (المهزومة) في الوطن العربي، كما يحصل عادة بعد كل حرب، وفق مصالح الغرب ووفق شروط الهزيمة. في المحصلة فرضت الحرب على المهزوم دائماً شروطها وفقد الوطن العربي تدريجياً سيادته وحتى أساسيات مفهومه للأمن القومي (المعنى الحقيقي للتنمية) عبر إخضاعه لسياسات نيوليبرالية. هذه القصة تؤكد صحة ودقة السؤال الذي صفع به العزيز قاسم عزالدين مؤخراً «مفكري» و«منظري» الديمقراطية في بلادنا: ما معنى ديمقراطيتكم في هذا السياق حين تصادر كل القرارات المهمة وتوضع في يد المؤسسات الدولية في الخارج (البنك الدولي وصندوق النقد والمفوضية الاوروبية)x. هذه ديمقراطية الطبقة المهزومة التي تضع شعبها فقط أمام خيار إختيار من ينفذ تعليمات الخارج وشروط الهزيمة فقط (مبارك أم مرسي أم السيسي، ما الفرق؟) ويتنازل عن السيادة الوطنية، ولا تؤسس لصعود من يملك برنامج سيادة وطنية. ألم تعلمنا التجربة اليونانية شيئاً؟ كيف بصقت ألمانيا وأوروبا على نتائج الاستفتاء العام ولاحقاً الانتخابات في اليونان وكيف يخضع اليسار أو اليمين، لا يهم، في المجتمعات المهزومة طالما انه ينتخب ليطبق ذات السياسة الاقتصادية؟ التاريخ الاقتصادي لوطننا العربي في العقود الأخيرة لوحده كفيل بأن ينسف كل افتراضات الاقتصاد النيوليبرالي رأساً على عقب، وهو شاهد حي على أن تاريخ اجتثاث مقدرات التنمية في بلادنا وما لحق بنا من كوارث هو، هو تاريخ النيوليبرالية ذاته في بلادنا. فالانفتاح لم يعمل على زيادة الإنتاجية كما يَفْترِض ويَعِدْ أنبياء النيوليبرالية ورسل رأس المال. العكس بالضبط هو ما حصل في الوطن العربي، كما تؤكد دراسة «انخفاض الإنتاجية في الوطن العربي». مثلاً، «على مدى العقود الثلاثة الماضية نما الطلب على اليد العاملة بمعدل اقل بكثير من نمو القوة العاملة، في حين أنه في الستينيات والسبعينيات (سنوات تدخل الدولة وإدارتها للاقتصاد) كان نمو الطلب على اليد العاملة متساو تقريباً مع معدل عرض العمل. علاوة على ذلك، منذ بداية الثمانينات (بداية اختراق النيوليبرالية لبلادنا) لم يكن هناك أي تحولات كبرى في التكوين القطاعي أو تكوين الشركات في الوطن العربي، والذي كان من شأنه (لو حصل) أن يسمح بمرونة أكبر للطلب على العمل أو لحصول استبدال أكبر بين العمل/ رأس المال». لهذا، لم تكن شركات أكبر مع تكنولوجيا أفضل هي التي تقود النمو من خلال استبدال العمل بآلات أكثر كفاءة (كما ترسم الدعاية الصورة)، بل «كانت ظروف السوق الحرة التي تقبل بها فقط المجتمعات المهزومة هي التي قادت لتسريح العمل» (ص: ١٤١)xi. في المقلب الآخر، وعلى العكس من ذلك تماماً، «أثبت القطاع العام «غير الكفؤ» (وفق هذه الأدبيات) جدارته. كان فعالاً اجتماعياً لأنه استمر بالعمل بكفاءة «كوسادة» للرعاية الاجتماعية لمجمل السكان» (ص:١٤١). بعد ثلاثة عقود من السياسات النيوليبرالية كانت النتائج كارثية: «٥٠٪ من سكان الوطن العربي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم (حد الفقر) وينفقون أكثر من نصف دخلهم على المواد الغذائية الأساسية»، كما يشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام ٢٠٠٥. لكن عتبة الدولارين للدخل، والدولار للإنفاق على المواد الغذائية الأساسية، يجب أن تقرأ أيضاً في سياق ظروف الوطن العربي الخاصة، كون بلادنا هي أكثر بلاد الأرض تبعية (واستيراداً) حين يتعلق الأمر بالمواد الغذائية. فعتبة الدولارين والدولار في البلاد التابعة والمستوردة للمواد الغذائية ستضيف كثيراً لمعرفتنا وفهمنا لكيفية قراءة معدلات الفقر. ففي الهند، مثلاً، حيث المواد الغذائية تنتج محلياً، يمكن للدولار أن يشتري أكثر بكثير من لبنان حيث يتم استيراد غالبية السلة الغذائية. ولهذا «فإنه حين يتم تحرير الأسعار من حركة الأسعار الدولية ويتم تحديدها وفقا لمعطيات الإنتاج في السوق الوطنية، فإن العائد يكون ذا قيمة أكبر نسبة للسعر». وبالتالي، فإنه حين يتم إنفاق نصف كل دولار على الأغذية المستوردة التي يتم تحديد أسعارها دولياً (كما في العراق ولبنان وليبيا مثلا) فإن مقياس «تعادل القوة الشرائية» (purchasing power parity) يصبح بلا معنى حين تشتري العملة الوطنية في الداخل ما يشتريه الدولار في الخارج» (ص: ١٤٢). سأختم هنا بسؤال بدأت به الدراسة السالفة الذكر: «لماذا لم تشكك أو تتساءل أدبيات التيار الرئيسي (النيوليبرالية) حتى الآن وبعد ثلاثين عاماً من الالتزام العربي الكامل بكل ما يصدر عن واشنطن بهذا النموذج، رغم تراكم الاختلال بين الادخار والاستثمار، بين النمو الأجوف وفرص العمل المنخفضة، بين انخفاض القدرات الصناعيةـ الإنتاجية والثروة» (ص: ١٤٠). وطبعاً، لماذا يرفض التيار الرئيسي في الاقتصاد نقاش دور القطاع العام بحجة فشل التجربة السوفياتية، ويرفض حتى مجرد عقد مقارنة بين النموذجين وفق مقاييسهم هم؟

 

خاتمة: أممية غير بيضاء

 

إذا كان «من المستحيل على حركة تحرر أن تستمر في مجابهة الغرب حتى النهاية وهي تشاطره منظومته الاقتصادية نفسها» كما قال هادي العلوي، فهل يمكن حقاً القطع مع هذه المنظومة ومقاومة ضغوطها ومحاربة الأوهام التي تزرعها ليلاً ونهاراً في عقول البشر؟ أم أن الجواب هو في نظام عالمي آخر، في اممية بديلة مؤسسة على التعاون بين البشر لا على المنافسة (لأن هناك خاسراً ورابحاً بالضرورة في كل منافسة ويحسمها عادة القوة لا الكفاءة)، أممية غير أوروبية المركزية، أممية غير بيضاء، قائمة على المساواة بين البشر وخالية من الامتيازات. «لا يوجد عالم ثالث للعالم الثالث» تؤشر لخلل بنيوي عميق في النظام العالمي لا يجب التغاضي عنه أو إنكار دوره ومسؤوليته عما جرى ويجري في الوطن العربي وفي الجنوب. هذه فكرة أدركها جيداً الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وأدرك أن مصر لوحدها لا يمكن أن تكون حرة، والعرب لوحدهم لا يمكن أن يكونوا أحراراً، وحتى المسلمين لوحدهم لا يمكن أن يكونوا أحراراً في عصر الإمبراطوريات الكبرى ما دفعه حتى لتجاوز حلقاته الثلاث لاحقاً والعمل على بناء كتلة تاريخية كبرى تُشَكِل فيها دول الجنوب محور واحد في مواجهة الشمال. ما جرى منذ ناصر إلى يومنا هذا ان الرأسمالية تغيرت كثيراً وأصبح الشمال والجنوب مفاهيم إقتصاديةـ سياسية، لا مجرد مفاهيم جغرافية بحتة (مع أن هذا كان صحيحاً دائماً وإن بدرجات أقل) وأصبح هناك جنوب في الشمال، وشمال في الجنوب كما أشرت في مقال سابق هنا في الأخبارxii. ما جرى منذ ناصر إلى اليوم أننا بدأنا ندرك أن الخلل هو في المنظومة الرأسمالية العالمية وان المطلوب هو تغييرها. لهذا، لا يمكن الجنوبيون شعوباً وأفراداً وحتى محاور أن يكونوا أحراراً، ولا يمكنهم حتى أن يتخيلوا أنفسهم أحراراً في سياق هذه المنظومة الرأسمالية وهذا العالم الأبيض. يمكنهم ذلك فقط إذا كان هدفهم أساساً تغيير الاسس التي يقوم عليها هذا العالم. لكن سيادة الوهم وتجريد الفقراء والعمال في بلادنا وفي الجنوب من وعيهم الطبقي ووعيهم بذاتهم وأسباب عذابهم وإستمرار ارتباكهم حول العدو والصديق، سيظل يصور لهم دائماً أن التفكير المنطقي والضروري بعالم آخر ممكن جداً وضروري جداً ووجودي جداً هو الجنون، وأن هذا العالم الرأسمالي الأبيض المجنون جداً وغير القابل للاستدامة إلا بالحروب والدماء والقهر والفقر والدمار هو الوحيد الممكن والواقعي. هكذا يظن أيضاً من يظن أن تحرير فلسطين فكرة أكثر جنوناً من جنون فكرة تأسيس الكيان الصهيوني.

غسان ديبة - الاخبار

«إن الحرية لن تكون إلا بإلغاء الدولة» فلاديمير لينين

 

في الاسبوع الماضي اصدر الحزب الشيوعي الصيني تعميماً يمنع اعضاءه من الانخراط في طقوس وعادات تعتبر من «الخرافات الاقطاعية»، منها قراءة الطالع والتنجيم وغيرها، التي اخترقت حتى صفوف الحزب.

 

يأتي هذا التعميم ضمن حملة التشدد الإيديولوجي والالتزام بالماركسية، التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي وصلت الى حد أن الدولة دمّرت تمثالاً ذهبياً ضخماً لمؤسس الدولة الشيوعية ماو تسي تونغ كان بعض الرأسماليين تجرّأوا على بنائه. كان من المفترض ان تقوم الرأسمالية هي بإنهاء المعتقدات الاقطاعية وغيرها من المعتقدات التي تمنع الانسان من رؤية موقعه الحقيقي في العالم، ولكن الرأسمالية لم تفعل ذلك، ففي الولايات المتحدة اليوم يبلغ الايمان بالسحر والتنجيم و»نظريات المؤامرة» حداً عالياً. اكتشف ذلك، عرضاً، الفيزيائي الراحل كارل ساغان، عندما وصل الحديث بينه وبين سائق سيارة اجرة الى امور اعتقد ساغان أنها اصبحت من غياهب الماضي، ما دفعه الى كتابة «العلم كشمعة في الظلام» في 1995، ووثق فيه لسيطرة الفكر الغيبي على اميركا على الرغم كل التقدم العلمي التي شهدته في تاريخها. اكثر من ذلك، فالراسمالية اليوم تنتج اساطيرها الذاتية لتتماهى مع مصالحها. واهم اسطورة تم توليفها في سبعينيات القرن الماضي لبثها في عقول الناس كانت «شيطنة» الدولة من اجل منع تدخلها كأداة لإعادة التوزيع الاقتصادي وكمنظم للعمليات الاقتصادية، ومنها الاسواق. كانت «الاسطورة الرأسمالية» قوية الى درجة انها أنست الناس ماضي الرأسمالية نفسها، فالقليلون يعلمون اليوم السياق التاريخي لتدخل الدولة وكيف ان هذا التدخل أنقذ الرأسمالية من نهاية محتومة في ثلاثينيات القرن الماضي. صحيح انه كان هناك دائماً حفنة من الاقتصاديين المتطرفين «سوقيا» الذين عارضوا أي تدخل للدولة، الا ان اكثرية الرأسماليين والاقتصاديين شجعوا على دور للدولة في الاقتصاد الرأسمالي، لأنه كان هناك تماهٍ لدور الدولة مع ارباح الرأسمال. وانتهى هذا التماهي في اوائل السبعينيات عندما بدأت الكينزية تهدد ارباح رأس المال وسيطرته. اما اليوم فإن الرأسمالية المالية، وإن احتاجت للدولة لتنقذها بعيد ازمة 2008، سرعان ما تخلت عنها لأنها تعلم ان استمرارية ربحها هو بالحفاظ على البطالة والتضخم المنخفض وعدم تدخل الدولة. إن دور الدولة إذاً مرتبط بالسياق التاريخي المحدد، وقد تقوى وتضعف الدولة حسب موازين القوى. فيما رأى لينين حاجة الى نهايتها لتحقيق الحرية الانسانية والعلاقات الاجتماعية الخالية من القهر والعنف.

 

على صعيد آخر، يظن الكثيرون ان التكنولوجيا الحديثة هي من نسج رواد الاعمال المخاطرين والأسواق الحرة وراسماليي المبادرة. هذا صحيح جزئياً، اذ ان احدى خواص الرأسمالية هي قدرتها على تشجيع الخلق والابتكار. المفارقة ان اول من ركز على هذا الدور للراسمالية، لم يكن سميث ولا ريكاردو، ولا أي من آباء الفكر الاقتصادي الرأسمالي، بل كان ماركس نفسه، الذي أراد في النهاية أن يبعث بالراسمالية الى مقبرتها النهائية. ماركس، في فكره الديالكتيكي الرائع، رأى الجانب المضيء للرأسمالية، على الرغم من قباحتها في تلك الفترة حسب وصفه: «الرأسمال يأتي والدم يقطر من كل مسام جسده» . القصة الكاملة للتكنولوجيا يجب ان تتضمن الدولة في فصولها الرئيسية، وهنا لا أتحدث فقط عن تكنولوجيا سبر الفضاء والتكنولوجيا العسكرية أو الطائرات أو حتى الانترنت التي بنتها الحكومة الاميركية (كان اول نموذج للانترنت بنته الحكومة الاشتراكية في التشيلي في اوائل السبعينيات ودمره الفاشيون بعد الانقلاب العسكري)، بل عن السلع التكنولوجية الاستهلاكية. تقول ماريانا مازوكاتو، في كتابها «الدولة الريادية: تفكيك الاساطير حول القطاع العام والقطاع الخاص»، ان اكثر التكنولوجيات الحديثة كانت نتاج تدخل الدولة، ليس فقط من خلال توفير البنى التحتية، وإنما في الابحاث الاساسية والتطبيقية والدعم المالي للمؤسسات الناشئة واختراع أمور كالشاشة اللمسية والـ GPS التي هي اساس تكنولوجيا الهواتف الذكية. في لبنان، يردد البعض ان الدولة لا مكان لها في الاقتصاد الحر. والسؤال، هل هم غافلون عن كل ما تقدم؟ طبعاً فهم لا يقرأون، ولكن الامر اعمق من ذلك، فهو مرتبط بدرجة تطور الرأسمالية اللبنانية ومدى تماهي مصالحها مع تدخل الدولة على الطريقة الكينزية. ان المقولة بالمبدأ تعكس الفكر الذي لا يرى في الاقتصاد الا البيع والشراء والسمسرة في صفقات التبادل التجارية والمالية والعقارية والفوائد والريع، وبالتالي الدولة لا مكان لها في هذه الراسمالية، إلا طبعاً عندما اشتركت ضمن هذه «اللعبة الريعية» عبر تراكم الفوائد من خلال استدانتها من المصارف لدعم نظام التحاصص الطائفي. بالتالي في المضمون، فإن البورجوازية ليس لديها مانع من تدخل الدولة عبر الدين العام لأنها إحدى وسائل انعاشها كطبقة، ما يجعل الدولة الطائفية والراسمالية الريعية وجهان لعملة واحدة. وفي «الاساطير» يمكن ان نسأل أيضاً، هل هي صدفة ان منسوب الايمان بالتنجيم ارتفع في لبنان، حتى عند المتعلمين، مع تجذر الرأسمالية الريعية؟ الجواب: لا ليست صدفة، إذ أن مداخيل رأس المال في لبنان، التي لا تتأتى من التكنولوجيا أو من صنع الأشياء، هي كالسحر او كالخيمياء التي تسعى لتحويل المعادن ذهباً، او كما قال ماركس وكأن «المال يولد المال». بعدما فقد اللبناني بعد الحرب قدرته على التحكم بمصيره، وهو يرى من حوله كيف يولد المال والمتمولون والاغنياء والزعماء من دون عمل، لم يبق له إلا «الخرافات الاقطاعية»، لعله يجد ضالته. إذاً، التنجيم والرأسمالية اللبنانية هما واحد، كما أن الطائفية والرأسمالية اللبنانية هما واحد. هذا الثالوث غير المقدس هو الذي يحكم لبنان وعقوله، مهما علا منسوب التعلم، ومهما بلغت أشكال التطور في السلع المستعرضة وفي الاسواق البراقة وفي ببغاءيات أَلسِنة أبنائه الأجنبية. الرأسمال في لبنان لا يأتي يقطر دماً فقط، بل أيضاً يأتي يقطر جهلاً وتخلفاً من كل مسامه الحية-الميتة.

 

 

غسان ديبة - الاخبار

«اعلموا أيها الرفاق أن على هذا العلم الذي ستحملونه خلال مسيرتكم المنتصرة نحو الشيوعية هناك أيضاً نقاط من دمي» نيكولاي بوخارين

من بين الأشخاص التاريخيين الذين أثاروا ولا يزالون يثيرون الجدل العنيف حولهم، إن كان في كلام سريع حول العشاء أو في اجتماع أكثر جدية، يحتلّ الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين المرتبة الأولى بامتياز.

لماذا يثير ستالين كل هذه العواطف والآراء؟ والتي قد تختلف أيضاً باختلاف الحقبة التاريخية؟ على سبيل المثال، أحبّ الأميركيون «العم جو»، وهو الاسم الذي أطلقه عليه روزفلت وتشرشل خلال الحرب العالمية الثانية. بعد الحرب، أصبح العم جو الشيطان بعينه مع بداية الحرب الباردة التي أطلقها الأميركيون والغرب ضد الاتحاد السوفياتي، لا لسبب بل لامتلاكه السلاح النووي واتساع نفوذه في أوروبا واحساس الغرب بالتململ في المستعمرات والخوف من الاشتراكية هناك. لم يرد ستالين ولا الاتحاد السوفياتي إشعال الحرب الباردة، وحتى إعلان دولة ألمانيا الديمقراطية في 1949 في المناطق الخاضعة للسيطرة السوفياتية لم يكن مخططاً له بل جاء رداً على إعلان جمهورية ألمانيا الفدرالية، إذ نقل الاتحاد السوفياتي قبل ذلك الكثير من الأصول الثابتة الموجودة في مناطق نفوذه إلى الداخل السوفياتي كتعويضات حرب ضد ألمانيا. على المستوى الفكري يحلو لبعض الماركسيين أن ينفي عن ستالين صفة الماركسية وهذا خطأ شائع، إذ أن الستالينية، بكل انحرافاتها، تبقى إحدى تجليات الماركسية على المستويين السياسي والتاريخي. كما يحلو للبعض من أعداء الشيوعية، أن يساوي بين الستالينية والماركسية وهذا أيضاً غير صحيح. في المقلب الآخر، يعظم الكثيرون ستالين وهناك الآن عودة كبيرة للاحتفاء به، إذ أعلن الشيوعيون في مدينة بنزا في روسيا أن عام 2016 هو عام ستالين، وترتفع صوره في أرجاء المناطق التي تخضع لسيطرة المتمردين في أوكرانيا. كما أن هناك حملة لإعادة تسمية فولغوغراد بستالينغراد وهو الاسم الذي استبدل في عام 1961 بعد فترة من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي وخطاب خروتشوف الشهير الذي انتقد عبادة الشخص وفضح الانتهاكات الستالينية. وكان المجلس المحلي للمدينة قد أقر في 2013 أن تتحول مؤقتاً فولغوغراد إلى ستالينغراد 9 مرات سنوياً خلال الأيام التذكارية. كيف صعد ستالين إلى السلطة؟ لقد كانت فترة العشرينيات التي تلت ثورة اكتوبر في 1917 حافلة على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية في الاتحاد السوفياتي. على المستوى الاقتصادي جرى في تلك الفترة ما عُرف بـ»نقاشات التصنيع» التي وقف فيها ستالين إلى جانب نيكولاي بوخارين المنظر الأساسي لفكرة التطور التدريجي نحو الاشتراكية بالتحالف بين العمال والفلاحين. في المقلب الآخر كانت المعارضة اليسارية والتي مثّلها على المستوى الاقتصادي المنظر الأساسي لفكرة «التراكم الاشتراكي الأولي» يفجيني بريوبرجينسكي وكان هذا اليسار يريد التصنيع السريع على حساب الفلاحين عن طريق نقل القيمة من الريف إلى المدن عبر أنظمة أسعار تمتصّ الفائض في الزراعة من أجل استخدامه في عملية التصنيع السريعة. في نفس الوقت، احتدم الصراع السياسي داخل الحزب حول قضايا كثيرة وكان لتسلّم ستالين منصب الأمين العام (كان في تلك الفترة منصباً تنظيمياً لم يرده غيره من القادة البولشفيين التاريخيين) الفرصة التي استخدمها للإمساك بأكثر مفاصل الحزب الأساسية. بعد هزيمة اليسار ونفي تروتسكي وبعد انهيار الانتاج الزراعي في 1927 رأى ستالين أنه لم يعد هناك معوق سياسي للانعطاف إلى اليسار وأنه لا بد من التصنيع السريع لبناء الاشتراكية وتبنّى أفكار بريوبريجينسكي، الذي أطلقه من منفاه في سيبيريا. انقض ستالين بعد ذلك على بوخارين الذي بقي على مواقفه، وأقرّت الخطة الخمسية الأولى في عام 1928 معلنة بدء التخطيط المركزي للاقتصاد الاشتراكي، وتلى ذلك عملية تطهير سياسي داخل الحزب تُوّجت بمحاكمات موسكو الشهيرة وإعدام بوخارين في آذار 1938. هكذا على شفير الحرب العالمية الثانية تمكّن ستالين من إحكام سيطرته على الحزب، والدولة وبذلك الوقت كان أكثر أعضاء الهيئات القيادية التي شاركت في ثورة 1917 قد أعدمت أو نفيت إلى الداخل والخارج. كانت نقاشات التصنيع على مستوى عال من العلم وقد شارك بها ألمع مفكرين في الحزب اللذين كانا كتبا سوية «ألف باء الشيوعية» ولا تزال تحتلّ مركزاً في الفكر الاقتصادي، إذ خصّص لها جوزيف ستيغلتز فصلاً في كتابه «الضرائب وعبء التنمية الاقتصادية» الصادر في 2002. وعلى المستويين التقني والتاريخي كان للتخطيط المركزي الأثر البارز في نقل الاتحاد السوفياتي إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، وكان ذلك السبب الرئيسي في الانتصار على النازية وتحوله إلى قوة عظمى. إلا أن الصراع مع بوخارين أفقد الحزب روحه فقد كان بوخارين أصغر قادته وألمعهم وقد كان حبيب الحزب كله. اعتبره الكثيرون وعلى رأسهم لينين أنه أهم منظري الحزب البلشفي ولقد حمل لواء الماركسية حتى في أحلك الظروف خلال إبعاده عن المكتب السياسي وعن تحرير جريدة الازفستيا وخلال محاكمته القاسية وإعدامه. في عام 1988 بعد 50 سنة، حكمت المحكمة العليا السوفياتية ببراءة بوخارين من جميع التهم التي وجهت إليه. في «عام ستالين» نتذكر ضحايا الستالينية ولكن في نفس الوقت وكما قال أحد مسؤولي جمهورية لوهانسك الشعبية في أوكرانيا لمراسل الاندبندنت البريطانية دفاعاً عن احترامهم لستالين «اقترح أن تقرؤا تاريخكم أنتم- إن الملوك الانكليز هم بعيدون كل البعد عن المثالية». نعم، ستالين لم ولن يكون مثالاً أعلى يُحتذى به، ولكنه جزء كبير من التراث الماركسي في تجليه السياسي. هذا لا يمكن نكرانه كما لا يمكن في نفس الوقت نكران أن ستالين والستالينية ارتكبا اخطاء جسيمة لعبت دوراً كبيراً في أفول ما عُرف بالاشتراكية المحققة في نهاية القرن العشرين. اليوم عام 2016، سيكون في بعض من روسيا عام ستالين، وهذا ربما لجيد في يومنا هذا، ولكن في العالم أجمع نريده عام انبثاق جديد لافكار الاشتراكية والسلام والتقدم.

يعدّ الحراك الشعبي الذي انطلق في تموز الماضي أهم حدث سياسي وإجتماعي لهذا العام. نزل آلاف الناس الى الشوارع والساحات منتفضين على الطبقة الحاكمة التي أغرقتهم بالنفايات، لكن مع انتهاء عام 2015 إنتهى الحراك من دون أن يحقق أي نتائج ملموسة، بل على العكس اختارت السلطة خياراً أسوأ من الذي كان مطروحاً ضاربةً عرض الحائط بمطالب الحراك، إذ قررت ترحيل النفايات والإستعداد لتشغيل المحارق

 

إيفا الشوفي - الاخبار

 

نهاية الحراك الشعبي، الذي انطلق في تموز الماضي، كانت متوقعة منذ أن استعرت الخلافات بين مجموعاته، وقد مثّل فشل لجنة التنسيق الضربة القاضية له. ممّا لا شك فيه أنّ الحراك مثّل بارقة أمل للكثير من المواطنين الذين استرجعوا طموحات التغيير. في 22 آب، لحظة الإنطلاقة الفعلية، أخاف الناس الذين احتلوا وسط بيروت السلطة، فطلب رئيس الوزراء تمام سلام التفاوض مع الناشطين في الحراك وتحديداً مع حملة «طلعت ريحتكم».

كان هذا الإعتراف الأول من السلطة بالقوة التأثيرية التي خلقها الحراك إلا أن الناشطين رفضوا التفاوض. ظهرت المجموعات والحملات المشابهة لـ «طلعت ريحتكم» وبدأت الخلافات بينها، فيما توحّدت قوى السلطة ضد الناس علناً واجتمعت على طاولة الحوار لمواجهة الحراك الذي هزّ النظام القائم. الخلاف الاساسي تمحور على أهداف الحراك: إزالة النفايات من الشارع او اعتبار أزمة النفايات تعبر عن أزمة النظام وبالتالي فرض تغيير طريقة النظام في التعامل مع هذه القضايا عبر فرض حل شفاف وبيئي بعيد عن منطق المحاصصة بين القوى السياسية، أم إجراء انتخابات نيابية وفق قانون نسبي عادل بهدف اختراق هذه السلطة او تحريض ثورة البلديات على السلطة السياسية المركزية. فعلياً لم تصل المجموعات إلى رؤية واضحة وموحدة لهدف الحراك او برنامجه، وعندما حاولت «مجبرة» أن تنسّق مع بعضها بعضا (لا أن تتحد كما يقتضي المسار الطبيعي للأمور) فشلت لأسباب عدّة أبرزها إصرار حملة «طلعت ريحتكم» على الإستئثار بقيادة الشارع الذي لا يمكن انكار أنها كانت المحفّز الأول له. بالرغم من هذه الخلافات حافظ الحراك على قوته في الشارع وبقي قوّة ضاغطة على القوى السياسية التي طرحت للمرة الثانية التفاوض بعد اقرار خطة شهيب، وهذه المرة مع الخبراء البيئيين في الحراك، الا ان مجموعات الحراك طرحت الخطة البديلة من دون ان تحوّلها الى برنامج موحد للعمل السياسي. حتى تلك اللحظة كانت السلطة لا تزال خائفة من الحراك، إلا أن الحراك ما لبث أن غرق في خلافاته فانفرط ضمنياً عقد لجنة التنسيق التي عُرفت بـ «لجنة متابعة تحرك 29 آب» وبدأت المجموعات تغرّد كلّ على موالها. هكذا إذاً خاض الحراك تجربةً عكسية إذ ان سياق الأمور تاريخياً يقضي باتحاد القوى المعارضة واتفاقها على أرضية مشتركة تنطلق منها لمجابهة النظام على أن تنفرط هذه الوحدة بعد تحقيق انتصارات على النظام، إلا أن تجربة هذا العام بدأت بتنازع وتنافس المجموعات في ما بينها قبل تحقيق أي إنجاز. هكذا إذاً تعاملت المجموعات بسذاجة في مجابهة قوى النظام التي توحدت للدفاع عن مصالحها متناسيةً أن هذا النظام قوي ويسيطر على اجهزة الامن والقضاء والإعلام والمؤسسات… في التظاهرة المركزية الأخيرة، في 20 كانون الأول، حاولت المجموعات أن تعيد إحياء الحراك لكنّ الناس لم ينزلوا. أدركت السلطة باكراً أن الحراك انتهى فعادت إلى إنجاز صفقاتها وهذه المرة بطريقة أسوأ من السابق، فأقرّت ترحيل النفايات وتشغيل المحارق بعدما سمحت للمتظاهرين الذين كانوا بالعشرات فقط بالدخول للمرة الأولى إلى أقرب نقطة لهم من مقر مجلس الوزراء غير آبهةٍ بأي هتافات تصدر عنهم. رفضت المجموعات ضمنياً خيار الترحيل لكنها لم تحدد خطواتها اللاحقة ولم يصدر عن الحراك (موحّداً) بيان يستنكر الأمر على الأقل. هكذا، مثّل قرار مجلس الوزراء نعياً رسمياً لما بدأ منذ خمسة أشهر.

كأنها في حرب عصابات

تتمسّك المجموعات بـ»استمرارية الحراك» إلا انها بدأت تتعامل بواقعية مع الأمر مع اعترافها بأن الزخم لم يعد كما كان وأن الإستمرارية تحتاج إلى شروط معينة. في الواقع إعادة إحياء الحراك، أو «ضمان استمرارية» الحراك، تتطلّب مراجعةً نقدية قاسية لتجربة عام 2015 تقوم على نسف جميع الاسس التي قامت عليها والتوحّد في مواجهة النظام عبر بناء قوة سياسية فعلية إضافةً إلى الإبتعاد عن منطق إقصاء كل القوى السياسية وبدء العمل على استقطاب قواعدها. «الاخبار» طرحت مجموعة من الاسئلة على المجموعات الأكثر نشاطا وظهوراً في الحراك، وذلك بهدف استخلاص تقييم اولي من داخلها، الا ان ثلاث مجموعات فقط اجابت على الاسئلة، هي «طلعت ريحتكم»، «الشعب يريد» و«جايي التغيير»، واجوبتها لم تتوافق، إذ اختلف تقييم أخطاء الحراك والمجموعات بشكل جذري بينها، لتتوافق فقط على أهمية الإتحاد لمواجهة السلطة. في حين ان حملة «بدنا نحاسب» اعتذرت عن الاجابة واعلنت انها تحتفظ بتقييمها لنفسها ولا تريد ان تعلنه الآن، ما يعني انها لا تزال تتعاطى بالسرية نفسها التي انتهجتها المجموعات في تحركاتها «المفاجئة» و«المجهولة» طوال الحراك وكأنها في حرب عصابات، ما شكّل عنصراً اساسياًَ في إبعاد الناس عن الحراك، ترى حملة «طلعت ريحتكم» انّ تعدد المطالب وانغماس الحراك في الخطاب التقليدي كانا خطأين وقع فيهما الحراك، في حين تعتبر مجموعة «جايي التغيير» أن خطأ الحراك الأبرز هو الإخفاق في التعامل تكتيكياً مع السلطة السياسية، لتؤكد مجموعة «الشعب يريد» أنّ الحراك فشل في التصرف كقوة سياسية وازنة قادرة على التفاوض وبقي قوة اعتراضية بحت.

الشيطنة

في تقييم الحراك بشكل عام، تعتبر «طلعت ريحتكم» أنّ الحراك وقع في لحظات كثيرة أسير الأمر الواقع ما أضاع البوصلة، فعندما كانت السلطة تعتقل المتظاهرين كان الحراك يتحوّل لأيام بأكمله باتجاه تحرير المعتقلين. كذلك كان يجب على الحراك عدم الإنجرار الى العنف الذي مارسته السلطة إذ انّ الحملة تؤمن «بالأعمال المباشرة اللاعنفية التي نواجه فيها السلطة من دون استخدام العنف وهذا ما فعلناه عندما وصلنا الى اقرب نقطة من ساحة النجمة عبر رفع الأيدي فقط، كذلك في وزارة البيئة». تعلن الحملة بصراحة الإشكالية الأبرز التي واجهت الحراك في هذا المجال، «ما حصل هو أننا كنا أمام سؤال واضح: هل نريد إصلاح النظام أم نريد ثورة؟ الخيار الأول يتطلب الإبتعاد عن العنف أما الخيار الثاني فلا يمكن أن يحدث بطبيعة الحال من دون عنف، إلا أن أحداً لم يجب على هذا السؤال».

 

مجموعة «الشعب يريد» تذهب أعمق في تقييم أخطاء الحراك فتعلن أن هناك أربعة أخطاء أساسية وقع فيها الحراك. أولاً «لم نستطع استغلال الفرص التي سنحت أمامنا حين نجحنا في حشد الكثير من الناس، ففشلنا في التصرف كقوة سياسية وازنة قادرة على التفاوض. عوضًا عن ذلك تصرفنا كقوة اعتراضية بحت وهذا ما منعنا من انتزاع مكاسب أساسية ومفصلية، ورفضنا أي تفاوض جدي مع السلطة». الخطأ الثاني هو وقوع الحراك في فخ تكرار التحركات نفسها فقد «فصلنا أنفسنا عن الأحياء الشعبية والمناطق الأخرى، ولم نستطع التواصل مع الناس بشكل مستمر. كذلك استدرجتنا السلطة ونجحت في عزلنا في الوسط التجاري وتحولنا الى هايد بارك ولم نستطع المحافظة على الزخم». تعتقد المجموعة أن «الاصرار على الدخول الى ساحة النجمة فقد معناه إذ تم إفراغه من معناه السياسي». فشل الحراك برأي «الشعب يريد» في خلق خطاب بديل، «بل على العكس استدرجتنا السلطة الى سرديتها، تحديدا في موضوع العنف وغرقنا في دوامة التبرير عوضا عن فرض خطابنا وسرديتنا. فخسرنا معركة الخطاب بشكل كبير ونجحت السلطة بشيطنة الحراك». أما إجتماعات التنسيق فقد «فشلت بشكل ذريع ببلورة رؤية وتنسيق واضح مبني على أهداف، وكانت طاولة لحل الخلافات عوضا عن التنسيق لخطة متوسطة الأمد. كما أنها أخذت طابعًا اقصائيًا على المستوى العمري، وفشلت بإشراك الناس بالنقاش والقرارات، واختزلت هذه المشاركة الى النزول الى التظاهرات والتفرج على الشاشات، فتحول الناس الى مشاهدين عوضًا عن فاعلين».

وحدة الحراك والتنظيم

من جهتها، تعتبر «جايي التغيير» أنّ «الحراك أخفق في التعامل تكتيكيّاً مع السلطة السياسيّة. ففي الوقت الذي شكّل فيه الحراك حالة ضغط كبيرة على السلطة السياسيّة ووضعها في حالة إرباك كبيرة، وكان هو من يتحكّم بردّات فعل رموز السلطة، انعكس واقع الأمر حين استطاع رموز السلطة بعقلهم المافيوي والأمني أن يقلبوا المعادلة». تؤكد المجموعة أنّ «إمكانيّة الإستمرار بالحراك تخضع لمدى تجاوب كلّ الحملات والقيّمين عليها لمسألة وحدة الحراك ومهمّة تحقيقها» وهو ما توافق عليه «طلعت ريحتكم». أمّا «الشعب يريد» فتؤكد أنّ «التحركات المستقبلية لا يمكن ان تستمر بنفس الاستراتيجيات والمنطق، وعلى كل المجموعات تقديم تقييم واضح للتجربة بنجاحاتها واخفاقاتها وتحديد الأخطاء وكيفية تجنبها». وتعلن أن أحد أهم الدروس التي اكتسبتها هي إدراك «أهمية التنظيم والتكتل على مستويات مختلفة: الأحياء، المصالح، العمل، الطلاب… فلا يمكن إحداث أي تغيير خارج بناء أطر تنظيمية يستطيع الناس من خلالها المطالبة بحقوقهم والضغط». إضافة الى ضرورة «بناء رؤية واضحة وبرنامج واضح وعدم تجزئة القضية فالجميع بحاجة الى الوضوح، والى بناء بديل يتم بلورته مع الناس لا بإقصائهم».

الحراك في أرقام

■ 250 متظاهرا ومتظاهرة جرى اعتقالهم منذ بدء الحراك في شهر تموز من بينهم أكثر من 23 قاصراً. ومساء 8 تشرين الأول 2015 اعتقلت القوى الأمنية 50 متظاهراً. نفذت الاعتقالات استخبارات الجيش وشعبة المعلومات وفرق الاستقصاء وقوى مكافحة الشغب. ■ بين 22 آب و9 أيلول نقل الصليب الأحمر اللبناني 69 مصابا بين صفوف المدنيين مقابل 26 مصابا من جانب العسكريين. كما أقدم المسعفون على معالجة 494 إصابة في مكان التظاهرات. ■ 54 متظاهرا ومتظاهرة هو عدد المدنيين المدعى عليهم أمام القضاء العسكري منذ بدء الحراك. في11 تشرين الثاني أصدر قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا قرارا ظنيا وأحال 15 متظاهراً للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية. المصدر: توثيق المفكرة القانونية، غيدة فرنجية وسارة ونسا

أدهم السيد - الاخبار

 

 

بدأ الحزب الشيوعي اللبناني التحضير لأعمال مؤتمره الوطني الحادي عشر، أو ما يصح تسميته بالمؤتمر «الأول بعد العاشر»، إذ إن هذه التسمية تنبع من الأهمية الاستثنائية لهذا المؤتمر. فالشيوعيون اللبنانيون يثبتون أنه لا تزال هناك مساحة للديمقراطية والنقد والنقاش في بلد أصبح نظامه من شدة عفنه يتاجر بالنفايات، من خلال مجلس وزراء ليس سوى مجلس إدارة شركة لتصدير النفايات واستيراد التبعية.

 

إن الشيوعيين يضعون أنفسهم، في المؤتمر المرتقب، أمام تحد تاريخي، يفرض عليهم معادلة شديدة البساطة والتعقيد في الوقت ذاته، فهذا المؤتمر يحمل لهم ومن خلالهم للفئات الشعبية التي يمثلونها؛ إما حتمية النهوض أو الاندثار. إلّا أننا على قناعةٍ بأنه سيكون مؤتمر النهوض، وحتمية هذه النتيجة نابعة من ضرورة وجود الحزب وأهميته في بلد كهذا. إن للحزب دوراً وظيفياً مهماً (أو فعالاً) عهدناه (أو لعبه) منذ التأسيس ويجب ان يستمر ويتطور، ولا يمكن لأحد أن يلعبه سواه على المستويات كافة، وهذا هو التحدي الحقيقي اليوم أمام المؤتمر. إذ ان تحديد دور الحزب حالياً ليكون فعالاً وفقاً للتطورات والمتغيرات هو ما سيجعل من الأهداف أوضح، وبالتالي المهام حاضرة والفعالية كذلك. فالحزب اليوم، يمكن وصفه بالغائب الحاضر، فموقفه السياسي «صحيح» نظرياً إلا أنه غير قابل للتطبيق عملياً، وبالتالي تسقط صحته النظرية المزعومة ويتحول إلى موقف إنشائي صحيح لغوياً، ما جعل الحزب يفقد المبادرة السياسية في العديد من القضايا التي يتبنى النضال في سبيل تحقيقها. وإشكالية عدم قابلية تطبيق هذا الموقف عملياً، توجب على الشيوعيين ضرورة العمل على إعادة النظر في موقفهم السياسي، فالتحولات السياسية في لبنان والمنطقة والعالم وصلت إلى حدٍ لا يمكن معه التمسك بشعار «الطهارة السياسية»، لأن «الطهارة» تعني عدم الفعل في هذه الظروف، وعدم الفعالية هذه هي مقتل الحزب الشيوعي. إن احدى الميزات التي صبغت الحزب الشيوعي اللبناني تكمن في حفاظه على وحدته التنظيمية، وبالرغم من وجود خلاف سياسي داخله إلّا ان ذلك لم يدفعه نحو الانقسام. ولكن هذا الخلاف الذي برز في بعض الأماكن، نتيجة عدم ممارسة الديمقراطية بشكل صحيح، أوصل الحزب إلى الشلل والتعطيل. لذا الشيوعيون مدعوون إلى تعزيز وحدتهم أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكن هذه الوحدة التي يجب أن تحافظ على الاختلاف لا يجب أن تؤدي إلى تعطيل الحزب. هل هذا ممكن؟ طبعاً، باختصار هذا هو جوهر الديالكتيك الماركسي الذي يتبناه الحزب كمرجع نظري له في ممارسته السياسية. هذا «الاختلاف ضمن الوحدة» يجعل هدف عودة الشيوعيين إلى حزبهم قابلاً للتحقيق، فهو يحفظ للجميع حقهم في إبداء رأيهم والتعبير عنه داخلياً، إلا أنه يضمن في المقابل وحدة تنفيذ أي قرار يُتخذ، كما أن تحديد دور الحزب الوظيفي سيدفعهم إلى العودة، لا بل سيجذب الآلاف من ضحايا النظام السياسي اللبناني للنضال في صفوف الحزب.

فهل يمكن أن يتصور أحد أنه في حال قرّر الحزب بشكل جدي العودة إلى ممارسة العمل المقاوم، أن آلافاً من كوادره التي شاركت في نضالات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) ستقابل الدعوة بالرفض؟ قطعاً لا، فهؤلاء المقاومون لا يجدون أنفسهم إلا داخل صفوف الحزب، إلّا أن الحزب هو من تخلى عنهم عبر تخليه عن دوره، وهم ينظرون إليه كل يوم وينتظرون المبادرة الجدية في هذا المجال. وهل يعتقد أحد داخل الحزب أن من أجبرهم النظام اللبناني على الهجرة أو العمل خارجاً من الحزبيين قد تخلوا عن حزبهم وهمّهم اليومي في تغيير النظام؟ قطعاً لا، فهم مستعدون لأن يقوموا بكل ما يحتاجه الحزب منهم، إن كان دعماً وحضوراً سياسياً كامتداد سياسي للحزب خارج لبنان، أو دعماً مادياً وغيره من أشكال الدعم. وهل هنالك شك في أن شباب وطلاب الحزب لن يكونوا جاهزين لتنفيذ خطة عودة الحزب للعب دوره في المجالات كافة؟ أيضاً وأيضاً الجواب هو لا، فهؤلاء ينشطون في المجالات كافة اليوم، وكما استطاعوا خرق جدار النظام في العديد من المحطات، وأيضاً لبوا كل نداء أطلقه حزبهم، فكيف لهم أن لا يكونوا مستعدين لمرحلة النهوض وهم التواقون لها. إن الحزب يضم في صفوفه وحوله الآلاف من الكوادر القادرة على النهوض به، لا بل التواقة لذلك. لكن عملية النهوض لن تتم إلا بتنظيمها، ووضع خطة لها بإنتاج نهج قيادي داخل الحزب مؤمن بأن النهوض ممكن لا بل ضروري. وهذه هي المهمة الأساس أمام المؤتمر «الأول بعد العاشر» عبر إطلاق هذه العملية بتوكيل مهمة تنسيق «العملية» وقيادتها لنهج يتبناها نظرياً وعملياً ولديه خطة كاملة بعيداً عن الارتجال والعفوية. كل هذه المعطيات تدفعنا للقول إنه مؤتمر «حتمية النهوض»، فالطاقات والقدرات موجودة، والنهج الذي سيستنهضها ويفتح الباب لها من أجل المبادرة جاهز أيضاً والذي سيحافظ على «الاختلاف ضمن الوحدة» من دون تعطيل لعمل الحزب، أي بتنفيذ دقيق لمبدأ المركزية الديمقراطية. أما الكلمة الأخيرة فهي للشيوعيين، فمصير حزبهم بتاريخه وحاضره ومستقبله بين أيدي نقاشاتهم وقراراتهم المؤتمرية، وعليهم أن يكونوا كالمعتاد على مستوى التحدي. * قيادي في قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني

بيار أبي صعب - الاخبار

 

«يجب ألّا تفقد الثقة في الإنسانية، فالانسانية كالمحيط، إذا كانت بعض قطراته وسخة، فإن المحيط لا يصبح وسخاً»: هذا القول المنسوب إلى غاندي، هو من آخر ما «شيّره» غريغوار في الخريف الماضي، أي تشاركه مع «أصدقائه» على فايسبوك، نقلاً عن صفحة «تيار المجتمع المدني».

هذه الحركة السياسيّة المجتمعيّة العلمانيّة «الهادفة إلى بناء مجتمع الإنسان كل إنسان وكل الإنسان»، أسسها المطران عام ألفين، واحتضنت شابات وشباناً استلموا المشعل من أجيال سابقة رافقت رجل الدين المسيحي الملتزم سياسيّاً واجتماعيّاً ووطنيّاً وقوميّاً، منذ إطلاقه «الحركة الاجتماعيّة» أواخر الخمسينيات في بيروت. ولعلّ تلك الحكمة الغانديّة التي تليها تعليقات للأبونا - المناضل، داعمة لـ «الحراك»، وداعية الجيل الجديد إلى «تنظيف البلد من الزبالة»، تختصر مسار غريغوار حداد (1924 ــ 2015) الفكري واللاهوتي والسياسي والميداني لأكثر من نصف قرن، وحتى أيّامه الأخيرة على فراش المرض في «بيت السيّدة»، حيث أغمض عينيه بسلام، على أحلام العدالة والعلمانيّة والاصلاح والتجديد، أوّل من أمس، عشيّة الميلاد. لم يستسلم يوماً لليأس غريغوار حدّاد، ولم يفقد ثقته بالانسان حتّى في أحلك الظروف. حافظ على إيمانه وثقته بخياراته عام 1974، يوم أقصي من أبرشية بيروت للروم الكاثوليك، حيث قام بإصلاحات مهمّة، وطبّق عدداً من المبادئ القائمة على فكرة العدالة والمساواة، متناغماً مع روحيّة «المجمع المسكوني الثاني». دفع يومذاك ثمناً باهظاً لاجتهاداته العقلانيّة والتنويريّة المنشورة في مجلّة «آفاق» الشهيرة التي أصدرها مع الأب بولس الخوري، والأب ميشال سبع، والدكتور جيروم شاهين. وعندما أعيد إليه الاعتبار في الفاتيكان، ليُقصى إلى أبرشية أضنة الافتراضيّة في تركيا، كانت الحرب الأهليّة قد نشبت في لبنان، فاختار الطريق الأصعب لمقاومتها. لم يقبل بسرطان الطائفيّة والحقد الأهلي، بل اختار العمل الاجتماعي الميداني الطويل النفس. لم يعترف بسلطة الميليشيات التي ادعت تمثيل المسيحيين و«الدفاع عنهم». هو الذي لم يتردد ذات يوم في اعلان الشهادة: «أشهد ألا إله إلا الله»، والذي وقف إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة، وانتمى إلى المشروع القومي العربي… لم يكن أمامه في جحيم الحرب إلا أن يرسم طريقاً أخرى، قوامها الوحدة الوطنيّة التي كان نسج خيوطها منذ أواسط الستينيات، ورسّخها مع الإمام موسى الصدر، مع العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، ورموز روحيّة وفكريّة وسياسيّة عدّة. في سنوات الحرب، كنّا كثيرين نؤمّه، ونستمع إليه، ونناقشه، ونناضل إلى جانبه، ونحتمي بهالته داخل أسوار ما سمّي «الغيتو الانعزالي»… في كل الامتحانات اللاحقة التي واجهها «غريغوار» كما يناديه تلامذته ورفاقه، لم يفقد ثقته بالانسان. احتذى بالسيد المسيح وبذل كل ما بالامكان لاعادته إلى الناس، إلى البسطاء، من خلال تطبيق فكرة العدالة الاجتماعيّة. اشتغل على «تحرير المسيح والانسان»، متناغماً مع مدرسة «لاهوت التحرير» التي عرفت أوجها في سبعينيّات أميركا اللاتينيّة. كان يرى أن مشروعه الإيماني، لا يكتمل من دون الانسان، صورة الله على الأرض. «كل ما فعلتموه لهؤلاء إخوتي الصغار، فلي قد فعلتموه» كان يردد مع عيسى الناصري. لذلك كان النضال من أجل العدالة، جزءاً من رسالته. كان العمل مع الناس ـــ أيّاً كان دينهم لونهم اتنيتهم عقيدتهم ـــ والعمل من أجلهم، جزءاً من واجباته كمسيحي وكرجل دين. لذلك كان الإلتزام السياسي والأخلاقي في صلب فهمه لعقيدته وتطبيقه لها، من خارج كل المتاريس والعصبيات والغيتوهات الفئويّة. كان دينه انفتاحاً على الآخر حتى الاندماج به، وإصغاء إلى نبض المجتمع، وعملاً متواصلاً من أجل التقدّم والتغيير. كان يضحك حين نذكّره باللقب الاختزالي الذي أطلقه عليه خصومه: «المطران الأحمر»: «إنا مع الإنسان، حسب تعاليم المسيح، ليس إلا». شبك الدين بالانسان وشرّعه على المستقبل. مسيحيّته المتجذّرة في المكان والمشرّعة على العالم، وجدت مكانها الطبيعي في صلب الهويّة العربيّة لغة وأرضاً وتاريخاً ومعارك سياسية ووطنيّة. ومن منطلق إيماني أيضاً دافع بقوّة عن الزواج المدني… وخاض معاركه من أجل كسر القوالب الدوغامتيّة الجامدة، وتطوير الوعي الديني عبر الفكر والاجتهاد… ووقف ضد التمييز الجنسي بحق المرأة، وضد الظلم بكلّ أشكاله. ومن المنطق نفسه دافع عن العلمانيّة الشاملة التي تنتج انساناً ومواطناً، ولا تتناقض لحظة واحدة مع الإيمان والعقيدة الدينيّة: «النظام الطائفي هو أحد التهديدات الفعليّة للإيمان (…) العلمانيّة الشاملة ليست، كما يتهمها بعضهم، تحرراً وتحريراً من الدين، بل هي اسهام في تحرر الدين والإيمان من كل ما يشوّههما أو يشوبهما من انحرافات. وفي جعل الدين يحرر المؤمنين بدلاً من أن يستعبدهم». هكذا لخّص الأب غريغوار حدّاد دفاعه عن المشروع المركزي في عمارته الفكريّة والفقهيّة والسياسيّة، في كتاب «العلمانيّة الشاملة» (أحد مؤلفاته المرجعيّة التي أعادت نشرها «دار مختارات»، بيروت). وفي ربيع 2002، حين اعتدى عليه شاب مسيحي متطرّف، وهو خارج من «تيلي لوميار»، قامت الدنيا وكتبت الافتتاحيات، ووقّعت العرائض. انتظره كارلوس ع. على مدخل المحطّة الدينية التي كرّست سلسلة حلقات لمسيرته، ليرميه بتلك الصفعة الفظيعة التي أردته أرضاً، على مرأى من كاميرا «المؤسسة اللبنانيّة للإرسال». قام المطران وحمل جسده الثمانيني ومشى. سامح الفاشي الصغير، لأنّه يعرف سرّ الوجع والقهر اللذين يدفعانه إلى العنف. هو الذي اشتغل طوال حياته على نشر ثقافة التنوير والوعي والعقلانية واللاعنف والحوار ومعرفة الآخر، ونبذ الجهل والتعصّب والخوف والانعزال المذهبي والتقوقع الديني. هو الذي أمضى عمره يشتغل على الأرض، من أجل العدالة التي تزيل أسباب التطرّف، كما يطرد النور أضغاث الظلمة. اليوم يرحل غريغوار في واحدة من أحلك اللحظات التي عرفها لبنان، وتعرفها المنطقة العربيّة. يرحل، وبعض المسيحيّين معرّض لمطبات التزمت والأصوليّة واللاتسامح، كردّ فعل على «الكابوس العربي» ومسوخه. يتركنا الأبونا الذي لا نذكره الا باللحية البيضاء، فيما الظلام يزداد كثافة، وجحافل التكفيريين تخترق العقول قبل الحدود، فيما العالم الحرّ متواطئ على مشاريعنا النهضويّة. يتركنا فيما بعض رجال الدين المسيحيين، وبعضهم فقط، يتطاولون على الفضاء المدني، ويحرّضون على الكتب والأفلام والمسرحيّات، ويحنّون إلى القرون الوسطى ومحاكم التفتيش. ماذا نفعل سوى استعادة سيرة غريغوار حدّاد، واعادة قراءته، والتمثّل بشجاعته وصبره، بعزيمته وإيمانه. بـ «تفاؤله الثوري» كدنا نكتب! نعدك أبونا ألا نفقد الثقة بالانسان، ألا نسكت بوجه المطاوعة الذين حاولوا «تكفيرك» يوماً، وهم من كل المذاهب والأيديولوجيات. نعدك، في يوم ولادة الأمل، في مغارة بيت لحم في فلسطين، ألا نفقد بوصلة النهضة والتنوير والعدالة، وأن نعمل على توسيع فضاء الحريّة، بسواعدنا وقلوبنا وعقولنا.

عامر محسن - الاخبار

 

الحديث عن الخسائر الانتخابية المتوالية التي تلقتها أحزاب اليسار في أميركا اللاتينية، وأخرجتها من الحكم في أكثر من بلد، لا يجب أن يقتصر على نتائج هذه التغييرات في أوطانها، بل هي تحمل دروساً ــــ وتحذيرات ــــ لكلّ مشروعٍ يطمح الى الإستقلال عن الهيمنة الغربية في الجنوب العالمي.

من أبرز سمات التجربة التشافيزية في فنزويلا، وهي حالة تكررت وستتكرر مع كلّ نظامٍ مماثل، هي انّك، حين تخطّ طريقاً لا يتوافق مع خطّة "النظام الدولي" في شأن بلدك، فإنّك لن تواجه، فقط، مضايقةً اميركية مستمرة، وحرباً اقتصادية معلنة ومستترة، تشغلك بشكلٍ مستمرّ وتمنعك من النمو والبناء براحة، وشيطنةً في الإعلام والثقافة (ولو لعبت اللعبة الديمقراطية بحذافيرها، كما فعل تشافيز)؛ بل إنّك ستواجه خصماً أكثر شراسةً في الداخل، وطبقات كاملة ــــ ومستحكمة ــــ حصّلت، بفضل موقعها "الكومبرادوري" امتيازاتٍ هائلة وأسلوب حياةٍ لن تتنازل عنه، وهي ستخوض حرباً بلا هوادةٍ ولا خطوط حمر دفاعاً عن هذا الموقع (ولو بأساليب التدمير الذاتي للبلد وتخريب انتاج النفط فيه كما فعلت، حرفياً، النخبة في فنزويلا). هناك فرصةٌ للنقد الذاتي والتساؤل عن سبب عجز هذه الحركات، حين حكمت، عن تقديم نموذجٍ بديلٍ وناجح بعد أكثر من عقدٍ ونصف من صعودها، وهو نقاشٌ لا يستقيم، بالطبع، من دون أخذ العوامل أعلاه في الحسبان (في فنزويلا مثلاً، تقول تقارير إن المواد الغذائية والأساسية، التي كانت مفقودة ونادرة في الأشهر الماضية، ظهرت بشكلٍ "غامض" في المتاجر بعد صدور نتائج الانتخابات). الّا أنّ انتخابات فنزويلا قد أثبتت، قبل كلّ شيء، فرضيتين أساسيتين: أوّلاً، أن الحركة التشافيزية، على عكس ما صوّرها خصومها وصولاً الى الأسبوع الماضي، لا تمثّل "استيلاءً" على الحكم أو ديكتاتورية شعبوية، بل هي حكمت بفضل حاضنةٍ شعبية ناشطة، وحين خسرت تأييدها، أخرجتها الانتخابات من الحكم. ثانياً، أن من اكتسح البرلمان بديلاً ليس حركةً تغييرية جديدة، تتجاوز ــــ في آن ــــ اليمين الفاسد الذي حكم البلاد طويلاً والتجربة التشافيزية "الفاشلة"، بل هو اليمين القديم نفسه، بنخبته وإعلامه وشعاراته ومنظمات "مجتمعه المدني"، قد عاد ليعلن انتصاره في الحرب الأهلية الطويلة. على حد قول الزميل سيف دعنا، أثبتت هذه الانتخابات، من جديد، أن الفقراء في عصر الهيمنة والعولمة لا يملكون نموذجاً يسعون اليه الا النموذج الاستهلاكي للطبقة الوسطى كما عمّمه الغرب، وكما تعيشه النخبة في بلاد الجنوب. هو الشكل الوحيد الذي يرونه ونراه لـ "الحياة الجيدة"، ولم يقنعهم اليسار أو غيره بإمكان نموذجٍ بديلٍ، مختلف، أرقى وأجمل وأكثر عدلاً. أو، حتّى، بأنّ سعيهم لأن يصبحوا "طبقة وسطى"، كما تعدهم الإيديولوجيا الأميركية في بلادنا، هو وهم، فهناك بالفعل طبقة وسطى، طفيلية، موجودة ولن تسمح لهم بأن يشاطروها الريع. تماماً كما إنّ اميركا لن تسمح للعالم بأسره ولمجتمعاته الفقيرة بأن تعيش "الحلم الأميركي"، فثراؤها من فقره ــــ ولو كان من المحتمل أن نصير جميعاً، عبر الانتظام في الهيمنة، ككوريا الجنوبية وتايوان (النماذج التي تسوقها الايديولوجيا الأميركية في تزيين الخضوع)، فيا مرحباً بالهيمنة وبالخضوع، ولكن العالم ــــ والاقتصاد الرأسمالي ــــ لا يعمل هكذا، وهنا أصل المسألة. حتى اذا انتصرنا في حروبنا ضدّ الاستعمار وعملائه، وأسسنا دولاً مستقلة عن الهيمنة، وصعدنا الى مستوى التحديات التي تطرحها المرحلة التاريخية الراهنة (وجلّها اليوم عسكري). فإننا، إن لم نملك نموذجاً غير نموذج الكومبرادور، ويتلخّص طموحنا ــــ على مستوى الفرد والمؤسسات والأنظمة ــــ في استنساخ "الازدهار" و"النجاح" ضمن مفهومه الأميركي (أو الصورة التلفزيونية عنه)، فلن تعني هذه التضحيات الا هزيمة سياسية. ستحكم البلد أساساً، واقتصاده وثقافته واعلامه، طبقة وسطى مصالحها في الغرب وتستنسخ اسلوب حياته، ونمط استهلاكها ــــ الذي يبهر باقي المجتمع ويحثّ على تقليده ــــ لا يناسب الضرورات التنموية في بلادنا وتعميمه قاتل. سيكون لديك، في الوقت نفسه، شرائح شعبية واسعة ــــ بينها فقراء ومحرومون ــــ تستهلك هذا النموذج، وتحلم به وتسعى اليه؛ تنقاد خلف من يعدها به (هناك دائما "رفيق حريري" يحمل الوعود)، وقد تكون مستعدّة لفعل ما هو أكثر من التصويت ضدّ من ترى أنّه يمنعها عنه. كتب الفيلسوف الفرنسي آلان باديو أنّ التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي غالباً ما يتمّ تقييمها بمقاييس خاطئة، كأن يُقارن مستوى النمو والتراكم الرأسمالي بينه وبين الغرب، أو نجاح اوروبا الغربية في تقديم مستوى حياةٍ أعلى لمواطنيها. يقول باديو إنّ المقياس الحقيقي للحكم على التجربة الشيوعية (والمكمن الحقيقي لفشلها) هو في مقدار تحقيقها لوعدها الجوهري، أي تقديم نموذجٍ انسانيّ متحرر من الملكية والرأسمالية، وليس في أدائها الاقتصادي أو الإعلامي أو العسكري مقارنة بخصومها. بالمعنى نفسه، فإنّ ابقاء "الهيمنة الاجتماعية" ــــ حتى نستخدم تعبير الزميل ورد كاسوحة ـــــ في يد هذه الطبقة الوسطى المتغربنة يعني أن نموذجها وجمالياتها، وسياراتها وأموالها، حتى في ظلّ نظام وطني، ستتسرّب الى قياداتك وعائلاتهم، والى نخبتك ومقاتليك، وسيرى الناس اسلوب الحياة هذا على انّه القدوة والمثال ودليل النجاح. أوّل دروس فنزويلا هو عن ضرورة حسم هذه الحرب مع الكومبرادور ونموذجه، ولو بالقوة، وعدم اتاحته ــــ بكّل ما يمثّله ــــ كخيارٍ سياسي للنخب وللجموع، حتى ولو على هيئة احتمالٍ أو وهمٍ أو اعلانٍ على التلفزيون.

كمال ديب - الاخبار

 

لا زلت أذكر وأنا تلميذ جامعي قبل 25 عاماً هنا في كندا كيف سخر بعض الشباب اللبناني من غناء فيروز كما سخروا من الأرزة ومن رموز لبنانية أخرى. ووصلنا اليوم إلى منحدر لا يرى البعض في هذه المرأة العبقرية سوى أنّها «تعاقر الخمر». أمّا أنا فلا أزال أعتبرها أمّي الثانية، فهي السبب الأول والنقي لانتمائي ومحبتي للبنان. هي التي تحوّلت من مشاركِة في كورس الإذاعة اللبنانية في الخمسينيات إلى آلهة الفولكلور والهويّة اللبنانية خلال أقل من عقدين من الزمن.

وهو إنجاز نادر بين الأفراد، لم تستحوذه حتى أم كلثوم في مصر والتي قد تكون كوكب الشرق ولكن الهوية المصرية المعاصرة لم تتأسّس على الفن الكلثومي كما تأسّست إلى حد كبير الهوية اللبنانية على مشروع فيروز والأخوين الرحباني. فقد أعطت فيروز والمؤسّسة الرحبانية لبنان أكثر مما أعطاه عبدالوهاب وأم كلثوم لمصر. وجود فيروز انتشر في كل البلدان كأيقونة وكسفيرة النجوم. ارتبطت أولاً بإذاعة الشرق الأدنى في فلسطين وبالقضية الفلسطينية بعد حرب 1948، وكذلك بإذاعة «صوت العرب من القاهرة» وبإذاعة دمشق لأكثر من 12 عاماً. فقد ذهبت إلى القاهرة بعد زواجها من عاصي عام 1955 بعقد لمدّة ستة أشهر لتقديم أغنيات وأناشيد للقضيّة الفلسطينية ومنها مغناة راجعون وأغنيات عن القدس وفلسطين انتشرت ونجحت بفضل إذاعات مصر ولبنان وسورية، وبقيت كلاسيكيات خالدة وخاصة بعد صعود العمل الفدائي الفلسيطيني في الستينيات. لدرجة أنّ الصحافي في جريدة «النهار» ميشال أبو جودة كتب أنّ فيروز والرحابنة هم «آباء العمل الفدائي». أمّا محمود درويش فقد رأى أنّ فيروز والرحابنة قدّموا للأغنية الفلسطينية أكثر من أي مبدع آخر. وحتى اليوم وعلى مدى نصف قرن لا تزال إذاعات فلسطينية تفتتح برامجها وتختمها بأنشودة «راجعون». وقدّمت فيروز أغاني سيّد درويش فلاقت نجاحاً باهراً، حتى أنّ جمعية سيّد درويش في مصر قدّمت لفيروز عضوية فخريّة لنشر أغاني سيّد درويش وابقائها حيّة في الإذاعات والتسجيلات وبقيت تغني «زوروني كل سنة مرّة» لسيّد درويش في كل حفلة. أمّا في لبنان فقد ارتبط اسم فيروز خاصة بمهرجانات بعلبك الدولية منذ 1957، ومن هناك حقّقت قفزة دراماتيكية وذاع صيتها في الدول العربية وأنحاء العالم، كفنانة لبنانية تقدّم لبنان للخارج، كما كانت فرقة البولشوي وفريق الجيش الأحمر للموسيقى يقدمان روسيا. وكانت الصفحات الثقافية في جرائد بيروت اعتبرت فيروز العمود السابع في قلعة بعلبك العريقة. وكتبت خالدة السعيد أنّ «فيروز هي ظاهرة فريدة من نوعها أصبحت رمزاً لبعلبك وفيروز هي تلك المرّات النادرة التي يتحوّل فيها الفنان رمزاً لأمّته... أصبحت رجاءً للبنان يوتوبي مثالي». لقد تتالت أعمال فيروز الليل والقنديل، هالة والملك، جسر القمر، يعيش يعيش، أيام فخرالدين، جبال الصوان، لولو، المحطة، ناطورة المفاتيح، بترا، سهرة حب، ميس الريم وموسم العز حيث كانت فيروز هي لبنان نفسه، وخاصة خاتمتها عندما يخاطب رجل طاعن فيروز أنّ عليها أن تُنشأ أولادها بالمحبة والإيمان: «قولي لهم إنّو بعد الله لازم يعبدوا لبنان». وهكذا خلال 15 سنة تقريباً، قدّم الرحابنة وفيروز أعمالاً جعلت لبنان بوصلة فنية عربية ومحطة عالمية في الانتاج الموسيقي. كان امتداد صيت فيروز عارماً في فلسطين والأردن، ولكنّه كان سائداً في سورية خاصة التي وجدت في فيروز مطربتها الوطنية الأولى المفضّلة. حتى أنّ أهل دمشق اعتبروا أغنية «نحن والقمر جيران» تخصّهم وكأنّها نشيد ثان لسورية، بعدما بدأت فيروز سلسلة حفلات في معرض دمشق الدولي منذ 1963، كما قدّمت للأردن مسرحية وطنية هي «بترا». وساهمت خلفية فيروز العائلية في امتداد الشعور المشرقي، فقد اختلطت على الناس جذورها العائلية إلى درجة حق فيها للبنانيين والسوريين والفلسطينيين ادّعاء «ملكيتها» لبلادهم. فالبعض يقول إنّ والدها وديع حداد هو من حلب والبعض الآخر أنه فلسطيني من الجليل حلّ في الدبيّة في الشوف وتزوّج ليزا البستاني ابنة إحدى العائلات المارونية الكبيرة. وإذ طغى المضمون اللبناني في كلام أغاني ومسرحيات فيروز، فإنّ كميّة ليست بضئيلة كانت مخصّصة لسورية وفلسطين ولبلدان عربية أخرى.

في عام 1962 قدّمت فيروز «عودة العسكر» رسالة واضحة حول المواطنية اللبنانية والولاء للبنان وتحيّة الجيش ما أضاف إلى مهرجانات بعلبك حول مهمة لبنان الحضارية والتاريخ العريق والتعايش والمحبة والسلام. كما قدّمت الليل والقنديل» في بيروت وعلى مسرح كازينو لبنان، ثم «بياع الخواتم» في مهرجان الأرز عام 1964 حيث حضر 72 ألف شخص خلال ثلاث ليالٍ. بعد ذلك، برز قصر البيكاديلي في بيروت ومعرض دمشق الدولي كمكانين دائمين لأعمالها الجديدة، وأصبحت تقدّم أعمالاً أضخم من سابقتها بأنواع من الغناء والموسيقى وأهمها أيام فخرالدين في بعلبك. وهكذا عام بعد عام ومهرجان تلو مهرجان، ساهمت فيروز في بناء الهويّة اللبنانية، تُبلّغ بأغانيها من لا يعلم داخل لبنان وخارجه ماذا يعني أن يكون المرء لبنانياً وما هو تراثه وما هي ثقافته وتقاليده. ولا غضاضة في ذلك كما يشير أنسي الحاج المُعجب الأول بفيروز. نعم، إنّ الحياة ليست مريحة وجميلة كما في مسرحيات وأغنيات فيروز، ولكن هذا لا يُضعف أعمالها بل يعطي الحياة بُعداً فريداً فيه الخيال والحلم، «ويسمح لنا أن نقارن ما نحن عليه وما يمكن أن نحلم أن نكونه». وأصبحت أعمال فيروز خارقة للطوائف ليس في لبنان فحسب بل في سائر المشرق، ثم في المغرب وتونس والجزائر حيث باتت المطربة المفضّلة لأجيال المغاربة منذ الستينيات والسبعينيات. أمّا المواطن اللبناني العادي الذي – حسب الكاتبين طه الوالي ومحمد أبي سمرا – الذي لم «يسجّل» هويّته الوطنية والثقافية بعفوية كما قد يفعل ابن الجبل – فقد تعلّم مما قدّمته فيروز مع الوقت أن يفعل ذلك وينخرط في الهوية اللبنانية. وهذا برهان على سطوة فيروز والرحابنة في أن يلجأ اللبنانيون إلى الفن لتسجيل «لبنانيتهم». وثمة دلائل عدّة على عفوية الرحابنة الوطنية، إذ أنّ مطلق انسان لا يمكنه أن يتهمّهم بالانعزالية والايديولوجية والجنوح السياسي، بل ارتبطوا في ذهن الناس بالوحدة الوطنية ورمز الوطن، وكانوا الأوائل فنيّاً ووطنياً في سورية وفلسطين ولبنان. وقد يشاهد المرء فيلم سفربرلك ويسرّ به وبأغانيه ومناظر طبيعة لبنان. ولكن مضمونه الإيديولوجي واضح: هي قرية لبنانية مسيحية جبلية تواجه الحصار والاحتلال التركي، فمن هو المنقذ؟ مقاومة لبنانية أتت من بيروت بقيادة المسلم السنيّ «أبو أحمد» (لعب الدور عاصي رحباني) والمسيحي الأرثوذكسي «الحاج نقولا». وأنقذ الجبل من المجاعة مجموعة من السوريين بقيادة «أبو درويش» (لعب الدور رفيق سبيعي «أبو صياح»). وعندما يحار «سالم» (إحسان صادق) خطيب عدلى (فيروز) بين أن يعود إلى خطيبته أو ينضم إلى الثوّار، يشجّعه «أبو أحمد» ليلتحق بهم بقوله: «امشي على ما يقدّر الله - والكاتبُه ربّك بيصير». وعندما طوّق الجيش التركي مجموعة مقاومين لبنانيين، اشتركوا مع مجموعة سورية في القتال ضد الاتراك. فهو فيلم يُبرز تماسك اللبنانيين من كل الطوائف ضد الاحتلال ويُبرز السوريين كأخوة يمدّون المعونة ويقاتلون مع اللبنانيين ضد العدو. لم يكن لبنان لبنانيّاً كما أصبح منذ الستينيات لولا فيروز والرحابنة في خلق هوية وطنية تعوّد عليها اللبنانيون أنّها تاريخهم وفولكلورهم وفنّهم. وهي ظاهرة شهدتها دول أخرى في العصر الحديث، حيث تتمكّن نخبة بفنّها وإبداعها من تكوين هويّة جامعة لشعبها. وهذا ما فعلته فيروز وفعله الرحابنة. ورغم أنّ العمل الرحباني هو صورة فنيّة عن لبنان، مهما بعُد العمل الفنّي عن الحقيقة الاجتماعية والانتربولوجية، فهو اللبنان الذي شاهده العالم في بعلبك وما نشأت عليه أجيال من اللبنانيين، إلى حدّ أنّ علماء اجتماعيين رأوا أنّ العمل الفني والمسرح الغنائي تفوّق على الواقع الاجتماعي واقتنع الناس أنّه هو حقيقتهم ومصيرهم. أم كلثوم كانت أيضاً تشدّد على هويّة بنت البلد في شخصيتها وحضورها وعملها الفني لا ينفصل عن نهضة مصر ويصب في المجهود الوطني الأكبر. هذه إذاً كانت الوصفة الصحيحة التي انطبقت على فيروز والتي برزت في مشروع الرحابنة. فالمرأة بمعناها الرمزي هي خزّان الشرف والكرامة والعَرض في الوطن وهي «الأم وجه الأمة»، وحتى فيروز صرّحت مراراً أنّ ما تقدّمه على المسرح ليس تمثيلاً بل هي أدوار قريبة جدّاً من حياتها الشخصية. وفي مسرحيات الأخوين رحباني الشخصيات النسائية الرئيسية هي الأم أو الابنة أو الحبيبة، وثمّة عامل تضحية ذاتية، فهي ستنجب الأولاد وتربّيهم على عبادة الله ولبنان. ولئن كان دور فيروز هائلاً في صنع الهويّة اللبنانية والأسطورة المكوّنة للأمّة، كان مهماً أن تكون صورتها في حياتها الخاصة، كزوجة وأم، مطابقة لشخصيتها العامة على المسرح وفي المهرجانات. تظهر مع أولادها أو بعد الولادة في المستشفى، وعادةً ما يصف الجمهور فيروز بأنّها «الأم التي تتكلّم باسمنا جميعاً»، أو «عروس الوطن الذي يشعر كل مواطن أنّه عريسها». ولكل هذا فهي أمي... بعد أمي. * أستاذ جامعي

الأكثر قراءة