السفير

نشّطت ذكرى النكبة السابعة والستون ذاكرة الفلسطينيين في الجنوب بشأن قضيتهم المركزية حيث عمت الاحتفالات والانشطة المتعددة بالمناسبة. ففي صيدا، غصت «قاعه مركز معروف سعد الثقافي» بالحشود خلال احتفال اقامته «حركة فتح». وألقى الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري أسامة سعد كلمة، شدد فيها على أن القضية الفلسطينية ما زالت حية وستبقى حية طالما هناك طفل يرشق الاحتلال بالحجارة. وتطرق أمين سر «فتح» في لبنان فتحي أبو العردات إلى الوضع الداخلي للمخيمات الفلسطينية في لبنان معتبرا أن الوحدة بين الفصائل والقوى الوطنية والاسلامية جنبت المخيمات نكبة جديدة. واختتم الاحتفال بفقرات فولكلورية تراثية قدمتها «فرقة الكوفية» و «فرقة القدس». كما نظم «اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني - اشد» ، يوما مفتوحا تحت شعار «بالبر بالبحر مشيا على الأقدام عائدون الى فلسطين»، تضمن معارض تراث ولوحات فلسطينية بمشاركة فرق فنية فلسطينية، وذلك على الكورنيش البحري لمدينة صيدا. وضمن إطار نشاطات «اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي ـ وفدي»، وبدعوة من «اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني ـ اشد»، و «اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني»، قطاع الشباب والطلاب في «الحزب الشيوعي اللبناني»، و «منظمة الشبيبة الفلسطينية»، و «شبيبة حزب الشعب الفلسطيني»، نظم في مدينة صور مسير بحري وبري للمنظمات المشاركة، انطلق من ميناء الصيادين في صور ونصب شهداء المدينة عند الكورنيش الشمالي، وصولاً إلى ساحة «الجامعة الاسلامية» عند الكورنيش الجنوبي. وأقيم في المنطقة حفل، تحدث فيه باسم «وفدي» محمد مروة، مشدداً على استمرار مسيرة نضال الشعب الفلسطيني وكل القوى الحية حتى تحرير فلسطين واستعادة حرية الأسرى والمعتقلين. وتخلل النشاط حفل غنائي وعروض فلكلورية فلسطينية.

سعدى علوه - السفير

خرجت أميمة الخليل، وخلال عام تقريباً، بعملين جديدين إلى جمهورها في لبنان والعالم العربي: سمفونية «إنشودة المطر» للمؤلف الموسيقي والملحن عبدالله المصري (شعر بدر شاكر السياب) ، و «خطبة الأحد» شعر مروان مخول، وألحان مراد خوري. اليوم، وتحديداً نهاية الأسبوع الجاري (في 16 و17 أيار) تستكمل أميمة إطلالاتها بحلة جديدة عبر عمل «وجد» الذي يتقاسم تأليفه الموسيقي هاني سبليني وباسل رجوب على خشبة مسرح «مونو» في الأشرفية. ولا يمكن الحديث عن «وجد» بمعزل عن «مطر» و «خطبة الأحد» لأن الخليل كرّست في الأعمال الثلاثة، وإن بطريقة مختلفة في كل منها، نقلة نوعية في مسيرتها الفنية. فبرغم أن أميمة كانت تمتلك طبقة «السوبرانو» (وهي طبقة «الأوكتاف» الأعلى بين أصوات النساء) منذ طفولتها، كما يقول عنها عارفوها، إلا أنها لم تظهر إلا في «مطر»، حيث كان المؤلف الموسيقي عبدالله المصري متحمساً للإفادة من «السوبرانو» التي تمتلكها في خدمة العمل. وعليه، تعرّف الجمهور للمرة الأولى على طبقة صوتية لدى أميمة لم يكن قد اعتادها في تجربتها المهمة والطويلة مع الفنان مرسيل خليفة. طبعاً بالإضافة إلى أهمية «مطر» على الصعيد الموسيقي كسيمفونية كلاسيكية عربية متكاملة. أما «خطبة الأحد» وبرغم كلاسيكيتها التي تتشاركها مع «مطر» إلا أن المؤلف الموسيقي الفلسطيني مراد خوري أدخل فيها الطقس الكنائسي وبعض المقامات الكنائسية كالطقس البيزنطي. ولذا نجد أميمة، وانسجاماً مع طبيعة مغناة «خطبة الأحد» ترتّل حيناً ثم تعود إلى الغناء حيناً آخر، وهي تأتي كرسالة والتزام بقضية أكثر مما هي عمل فني غنائي من أجل الغناء فقط. وجد ويبدو «وجد»، الذي تقدّمه أميمة للمرة الأولى يومي السبت والأحد المقبلين على مسرح «مونو»، عملاً عزيزاً على قلبها. يبدو ذلك في الفرح الطفولي الذي يطغى في عينيها خلال الحديث عنه. في «وجد تسع قصائد تناصف تلحينها هاني سبليني وباسل رجوب، في ما جاءت الكلمات من قصائد للشعراء هاني نديم (ثلاث أغنيات) وجرمانوس جرمانوس (أغنيتان) ومروان مخول (أغنية واحدة باسم وجد التي سُمّي العمل باسمها) ونزار الهندي (أغنية واحدة) ووجيه البارودي (أغنية واحدة) من أنطولوجيا الشعر السوري، ورئيف خوري (أغنية واحدة). تقول أميمة إن «طبيعة القصائد وجدانية إجمالاً سواء كانت طبيعتها وطنية أم غزلية أم ملتزمة أم عاطفية»، فالكلام «عن الشام وبيروت وجداني»، وفق أميمة، والغناء عن سوريا وما يحدث فيها «وجداني أيضاً»، وكذلك في أغنية «ظلالنا» (الوحيدة من ألبوم زمن) التي تتحدث عن كل البلاد. ومع تعدد المعنى تأتي الأجواء الموسيقية لـ «وجد» «متنوّعة أفقياً على الأعمال كلها وحتى ضمن العمل الواحد، كما تقول أميمة «ليس هناك شكل موحّد للأنماط التي اشتغل عليها هاني وباسل». أما على صعيد صوت أميمة نفسه، فهي لم يعد لديها وبعد «مطر» «أي حرج من استعمال صوتي بشكل تعبيري جريء يذهب معه إلى أماكن قد لا يتوقعها مني الجمهور، ولكن يجوز أن أذهب إلى أمكنة مختلفة، وسأكون سعيدة أن أهدي المستمعين خيارات متنوعة من الطبقات الصوتية». لم يعد كسر الصورة النمطية عن الصوت الذي اعتاده جمهور أميمة على مدى سنوات طويلة من مسيرتها الفنية يشكل هاجساً لديها «بل أحبّ أن يسمع جمهوري شكلاً آخر من الطبقات الصوتية التي لديّ حشرية لاستعمالها، ضمن خط فني عريض ملتزم» . ومع «وجد» تكمل أميمة مسيرة تقديم أنماط جديدة من الأعمال الفنية. وبعد تعاونها مع المصري وخوري، تقدّم اليوم مجموعة من الأعمال مع سبليني ورجوب ما تعتبره «غنىً شخصياً» لها، و «للمستمع الذي يطلّ عبر هذه الأعمال على أشكال موسيقية غنية ومختلفة». وتبدي أميمة حرصها على إبقاء ناسها الذين يواكبونها ويرافقونها ويعرفونها، وبحكم موقعها كفنانة «على تماس مع أشكال فنية مختلفة تساهم في إغناء الذاكرة الجماعية التي تجمعهم بها». التحدّي للمرة الأولى، وعبر «وجد» تقدّم أميمة عملاً على المسرح مباشرة أمام الجمهور لم يتم تسجيله بعد، لا بل سيتم تسجيله للمرة الأولى خلال حفلتي السبت والأحد المقبلين. وبتسجيل هاتين الحفلتين في حال نجاح التسجيل سيتم إنزال «وجد» إلى الأسواق. وتخوض «أميمة» ومعها سبليني ورجوب تحدياً أساسياً في «وجد» كون الجمهور لم يسمع أو يعرف أياً من أغاني العمل قبل تقديمه على المسرح، لن تكون هناك أغنية يمكن للحاضرين أن يعرفوها من موسيقاها ولحنها، وليس هناك من حفظ بعض الأغاني مسبقاً. فالقادمون إلى الحفل أتوا لسماع أميمة نفسها وجديدها وليس ما سبق واطلعوا عليه». ويبرز التنوّع الموسيقي في «وجد» عبر اتجاه المؤلف الموسيقي هاني سبليني نحو الأسلوب الغربي (لاتين وبيانو) «يعني معي أميمة رح تكون عم تغني أكتر»، بينما نحا باسل رجوب منحى صوفياً عربياً وجدانياً أكثر، «ومعه سترافق أميمة موسيقى تعبيرية تصويرية. وتخطو أميمة عبر تأليفات سبليني الموسيقية خطوة مختلفة عما قدماه معاً من أعمال سابقة «مثلاً دمعتان ملحنة بطريقة غنية بالفلامينكو»، وفق سبليني الذي يقول إنها المرة الأولى التي يشتغل فيها على «مقام حجازي». وتعتبر «دمعتان» مختلفة عن بقية الأغاني وفيها جزء لا بأس به من «الصولو الفوكاليز، يعني أميمة بتقسّم والفرقة بتزنّ لها». ويمكن تسمية «وجد» بالعمل الفني الممسرح يتم تقديمه بشكل ثلاثي «أميمة وسبليني ورجوب»، بحيث لن يكون الأخيران مرافقين لأميمة فقط، بل سيرافقانها وهي تغني وسترافقهما وهما يلعبان موسيقاهما. «وجد» خليط بين قصائد مكتوبة بالفصحى والعامية التي تتجلى في قصائد الشاعر جرمانوس جرمانوس وتراه أميمة «من أجمل مَن يكتبون بالعامية». وستلبس أميمة على مسرح «مونو» من تصميم مصممة الأزياء الفنانة غريس ريحان. ريحان «لا تصمّم لتعرض فساتينها»، كما تقول أميمة، بل تطلع على العمل والموسيقى و «تبدع أزياء تنسجم مع العمل الذي نقدمه وروحيته. وتفعل ذلك بمنتهى البساطة والأناقة»، وفق أميمة نفسها.

عماد الدين رائف - السفير

يتم تداول فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لبرلين في أيار 1945، بعد دخول جيوش الحلفاء إليها. يظهر الشريط الدمار وحركة الناس والجنود في شوارع برلين، التي كان يفترض أنها ستحكم العالم بعد حرب باهظة الأثمان بشرياً واقتصادياً على مستوى أوروبا أولاً والمعمورة بشكل عام. ذلك فيما تقام اليوم احتفالات كبرى في العاصمة الروسية تكرّم قدامى المحاربين. أما في لبنان الذي دفع ثمن الحرب كذلك، والمثقلة ذاكرته بحروب لاحقة، فتقتصر الاحتفالات فيه على زيارات لمدافن قدامى المحاربين في جيوش الحلفاء، وعلى ما درج على تنظيمه متخرجو معاهد وجامعات الاتحاد السوفياتي من فعاليات. العام 1945، كان عاماً استثنائياً في لبنان الواقع تحت الانتداب. كان الإرهاق بلغ مداه، واللبنانيون ينتظرون لحظة سقوط النازية. وكانوا يقدرون آنذاك بمليون ومئة ألف شخص، ويعيشون ضائقة معيشية مع تدهور القيمة الشرائية لليرة. وتظهر الوثائق أن أسعار الجملة ارتفعت بين العامين 1939 و1945 إلى 1019 في المئة، وأسعار المفرق إلى نحو 730، وغلاء المعيشة وصل إلى حدود قياسية حيث تجاوز خمسة أضعاف، 562 في المئة. ذلك فيما كان نحو خمسين ألف شخص يعملون بشكل شبه دائم خلال الحرب، لمدة أربع سنوات، في خدمة الجيوش الحليفة وفي المؤسسات العاملة للمصلحة العسكرية، وكان أهاليهم ينتظرون انتهاء المعارك كي يعودوا سالمين. ذلك العام، شهد من ناحية أخرى مسعى جدياً إلى الاستقلال التام. فمطلع العام 1945 شهد تطبيق تقرير فرنسي سرّي صادر في آب 1944، فرض عقوبات تأديبية بحق ضباط لبنانيين بسبب «مواقفهم الاستقلالية»، وفي 29 كانون الثاني عمّت بيروت تظاهرات مطالبة بتسليم الجيش إلى الدولة اللبنانية. وهتف طلاب لبنان للجيش رمز الاستقلال وسياج الكرامة، داعين الحكومة إلى التحرك بكل الوسائل لتسلّم جيشها. إلا أن التعامل الفوقي للانتداب مع اللبنانيين أرجأ تلك العملية إلى 12 تموز حيث تم الاتفاق في شتورا، على تسليم المنشآت والثكنات في 20 تموز، والوحدات العسكرية في 25 تموز، وتسليم قيادة وإدارة هذه القوات في الأول من آب. الاحتفالات الكبرى التي اجتاحت لبنان بين 25 نيسان وآخر أيار 1945، على عفوية الجماهير فيها، لم تكن عفوية بالنسبة إلى منظميها. فالحركة المناهضة للفاشية في لبنان كانت قد تأسست قبل الحرب بسنوات، منذ مطلع الثلاثينيات. ولعل أول تحرك علني ضد الفاشية، وثقته جريدة «القبس» الدمشقية بخبر لمراسلها في بيروت، في 9 نيسان 1933، حين هاجم بعض الشيوعيين القنصلية الألمانية فنزعوا اللوحة الحاملة لشعار الدولة وداسوها بأرجلهم ثم رموها من فوق سور حديقة القنصلية، وكتبوا على السور: فليسقط الفاشيست والاستعمار...». ذلك الحادث يليه تأسيس «جمعية المساعدة الحمراء»، من أجل جمع الأموال للدفاع عن المعتقلين في السجون النازية. ويبرز الكاتب سليم خياطة في تلك المرحلة كمناهض شرس للفاشية، فيفضحها في كتابه «حميات في الغرب»، المطبوع في بيروت أواخر 1933. في المقابل، تم رصد مظاهر للتأثر بالفاشية في لبنان وسوريا، من تأسيس «الشباب الوطني» صيف 1936 لفرق «القمصان الحديدية» التي تأثرت بالشكل فقط، فكان التنظيم وأخذ التحية مقتبسين عن النازية. وقد ذكر بعضها أنور العشي في كتابه «في طريق الحرية». وأهم ما كتب في هذا المجال دراسة الباحث الألماني غوتز نوردبروخ «النازية في سوريا ولبنان: تناقض الخيار الألماني 1933 ـ 1945». وقد لاقى الكتاب ردوداً من باحثين، لعل أبرزهم المؤرخ الأوسترالي عادل بشارة الذي نشر في مجلة «المشرق» الناطقة بالإنكليزية في كانون الأول 2009، حيث دافع بشارة عن القوميين وفند مزاعم تأثرهم بالنازية، ففتح بذلك سجالاً مع نوردبروخ استمر إلى صيف العام التالي. لكن على كل حال، بالإضافة إلى الماركسيين، شهدت الثلاثينيات تيارات مناهضة للفاشية لمصالح مختلفة، رصدها الباحث عبدالله حنا في كتابه «الحركة المناهضة للفاشية في سوريا ولبنان 1933 ـ 1945»، وهي تتمثل في التيار الإسلامي، والتيار الشرقي الإنساني الوطني، والتيار القومي العربي، إلى جانب المنتفعين من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني. وشهد ذلك العقد صدور جريدة «صوت الشعب» في 15 ايار 1937، ورأس تحريرها نقولا الشاوي، وأخذت على عاتقها مهمة كشف مؤامرات الفاشية والاستعمار ومحاربتهما. كما شهد صدور مجلة «الطليعة» الدمشقية حاملة لواء مناهضة الفاشية، في التاريخ نفسه. ومهدت الصحيفتان والمنشورات والكراريس لمؤتمر مكافحة الفاشية السوري اللبناني الأول في 6 و7 أيار 1939. وذلك بعد اربع سنوات على تأسيس «عصبة مكافحة الفاشستية» التي كان أمين سرها المهندس انطوان ثابت. وعندما اندلعت الحرب في أيلول من العام نفسه، أغلق الفرنسيون «صوت الشعب» وزجوا بالمناهضين للفاشية من المثقفين والعمال في السجون. وبقيت تلك الحركة في صراع يومي مع سلطات الاستعمار حتى دخول الحلفاء إلى لبنان في العام 1941. حينذاك ازدادت الحركة ونشاطها برغم عدم حدوث تغيير على بنيتها المؤلفة أساسا من الحزب الشيوعي اللبناني والتيار الديموقراطي الثوري والمثقفين. وقد انضم الأديب عمر فاخوري إلى الحركة في سني الحرب وبرز كأحد أعلامها، وأسس إلى جانب يوسف يزبك، ورئيف خوري، وكامل عياد، وأنطون ثابت، وقدري قلعجي «لجنة مكافحة النازية والفاشية في سوريا ولبنان»، التي أصدرت في 20 كانون الأول 1941 مجلة «الطريق» الثقافية، وريثة مجلة «الطليعة (1935 ـ 1939). وتوجت «الطريق» عامها الأول بالاجتماع الموسع للعصبة في بيروت، من 18 إلى 20 كانون الأول 1942. وحضره مثقفون من بيروت ودمشق وحمص وطرابلس والشوف وحلب ومنطقة العلويين والبقاع ومرجعيون. وقادهم الاجتماع الموسع إلى نضال سنوات لدحر الفاشية وصولاً إلى النصر الكبير في أيار 1945. في ظل تلك الأجواء، حمل 24 نيسان خبر دخول الجيش الأحمر إلى برلين. وقد عنونت «صوت الشعب» صفحتها المحلية بـ «الاستعدادات الكبرى لسقوط عاصمة ألمانيا ـ تظاهرات الابتهاج والفرح بدخول الجيش الأحمر إلى برلين». ولفتت مقدمة الخبر إلى أن المحرر أخرّ طبع الجريدة (عدد 25 نيسان) والسبب: «بعد أن وضعت الجريدة ليلة أمس على الآلة الطابعة قام مندوبنا بجولة بالسيارة في أحياء العاصمة، وكانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة. ولكن المدينة كانت تبدو في تلك الساعة كأنها في أول ساعة من ساعات الليل. وكانت المظاهر في ساحة البرج وفي ساحات الأحياء وشوارع المدينة تدل على أن المدينة في عيد فريد غير عادي، عيد الفرح الأكبر بانتصار الحرية على الطغيان، وبقرب انتهاء الحرب باندحار موقدي نارها». بعد تلك الليلة، كانت المناطق اللبنانية تعيش الانتصار ساعة تلو أخرى. وحلّ الأول من أيار في تلك الأجواء، حيث أقامت «عصبة مكافحة الفاشية» و «الحزب الشيوعي اللبناني» احتفالاً كبيراً في محلة الدورة. وفي التاسع من أيار 1945، ومع إعلان هزيمة النازيين، ورفع العلم السوفياتي على الرايخستاغ الألماني، دعا «الحزب الشيوعي اللبناني» و «عصبة مكافحة الفاشية» إلى تظاهرة شعبية كبرى في ساحة النجمة في اليوم التالي، في بيروت، احتفالاً بيوم النصر. وأراد من التظاهرة، كما تظهر الدعوة، توجيه «تحية إلى جيوش الأمم المتحدة وشعوبها التي ناضلت وبذلت دماء أبنائها من أجل قضية الحرية، وتحية للمتطوعين اللبنانيين والعرب في الوطن والمهجر جميعاً، الذين حاربوا في جيوش الأمم المتحدة وساهموا في إحراز النصر على الفاشية وعززوا حق أوطانهم في الحرية والاستقلال». وحملت الصحف البيروتية على صفحاتها الأولى خطاب رئيس الجمهورية بشارة الخوري بعنوان «إعلان يوم النصر في لبنان»، لعل اللافت فيه إعلان يوم النصر عيداً لبنانياً وطنياً. ومما جاء فيه: «في هذا اليوم العظيم يطيب لنا أن نحيي جيوش الأمم المتحدة المظفرة، وأن نحيي كذلك جنودنا الذين قاموا، إلى جانب تلك الجيوش بقسطهم من الواجب في سبيل النصر... يسعدنا، نحن رئيس الجمهورية اللبنانية، أن نعلن يوم النصر في أوروبا عيداً وطنياً في هذه البلاد... فيوم النصر الذي نحتفل به بداية تأريخ لعالم خليق بالتضحيات التي بذلتها الشعوب، والآلام التي تحملتها الأمم. عالم سلم تسوده الحرية والأمن والعدالة، نعمل له نحن مع العالمين، لأننا جميعاً مسؤولون عن مصير الإنسانية، أمام الله وأمام التاريخ».

شوكت اشتي- السفير

الاحتفال الأول الذي أقيم بمناسبة عيد العمال، في لبنان والمنطقة العربية، بشكل علني ومنظم، هو الاحتفال الذي أقامه «حزب الشعب اللبناني» في قاعة «سينما الكريستال» في بيروت العام 1925. وبرغم أن لهذا الاحتفال أهمية خاصة في تاريخ الحركة النقابية، فإن له وقعاً خاصاً بالنسبة لـ «الحزب الشيوعي اللبناني»، باعتباره كان نقلة نوعية في مسار تأسيس الحزب. غير ان الفضل في هذا العمل يعود الى النقابي - المناضل فؤاد الشمالي بالدرجة الأولى والاخيرة. قد يكون من الصعوبة تحديد «رقم» هذا الاحتفال الذي أقامه «حزب الشعب» في مسلسل الاحتفالات بعيد العمال. غير ان ما يمكن توضيحه، انه قد يكون الاحتفال الثالث في التراتبية الشكلية، لكنه الأهم في المضمون والأبعاد. اشار محمد دكروب في «جذور السنديانة الحمراء» إلى أن الاحتفالات بعيد العمال في بلادنا كانت عبارة عن مبادرات فردية وسرية وتقام في أماكن «نائية»، خوفاً من رقابة السلطات. وقد يكون أول احتفال على هذا المنوال جرى العام 1907 في محلة الروشة في بيروت، وفي مكان بعيد عن عيون الرقباء، وقد ضم مصطفى الغلاييني (بيروت) وفليكس فارس (صليما) وداود مجاعص (الشوير) وجرجي نقولا باز (بيروت) وخير الله خير الله (جران - البترون) الذي أصبح، بعد ثمانية عشر عاماً أحد خطباء مهرجان «سينما الكريستال» العام 1925. يشير فؤاد الشمالي في كتابه «أساس الحركة الشيوعية في البلاد السورية ـ اللبنانية» (كتابات مجهولة جمع فيها محمد كامل الخطيب بعضاً من كتابات الشمالي)، الى ان اللجنة المركزية لـ «حزب الشعب اللبناني»، الذي كان الشمالي سكرتيره العام، قررت في نيسان من العام 1925 الاحتفال بيوم أول ايار ـ يوم العمال الأممي. وتنفيذاً لهذا القرار قامت تظاهرات في الشوير والخنشارة وبتغرين، وقد تجمع بعض من هذا الحشد في بكفيا، حيث أقيم اجتماع كبير، ومن هناك توجه المحتفلون الى بيروت للمشاركة في احتفال «الكريستال». كما اقيمت تظاهرة في الشياح تنفيذاً لهذا القرار. أهمية احتفال بيروت ليس في كونه الأول كمهرجان شعبي وعلني فقط، بل لاختلافه شكلاً ومضموناً عن غيره من جهة، ولأبعاده السياسية والاجتماعية في مسار الحركة العمالية من جهة اخرى. فقد انتخب المحتفلون في بيروت عشرين شخصاً، وهؤلاء انتخبوا بدورهم سبعة أعضاء، لمقابلة حاكم لبنان (ليون كابلا) وتقديم عريضة بمطالب العمال. وهذا ما حصل ظهر اليوم ذاته. نشرت «جريدة الإنسانية» في عددها الأول يوم الجمعة في 15 أيار العام 1925 نداء «حزب الشعب اللبناني» الى العمال والفلاحين، والمطالب التي رفعتها «لجنة العمال» التي انتدبها مهرجان «الكريستال» الى السلطات الرسمية، وبينت ان الحكومة في حينه وعدت بأنها ستنظر في المطلب الأول في لائحة المطالب، المتعلقة بتحديد أوقات العمل 8 ساعات في اليوم. اما بقية المطالب (تحديد الحد الأدنى للأجور، نظام حماية للعمال، ضمانات للعمال الذين يصابون أثناء العمل، منع الشغل الليلي، إحياء مشاريع اقتصادية) فقد أيدتها الحكومة و «ستدعو فريقاً من العمال للاشتراك في سن قانون يحميهم». وتابعت الجريدة في العدد الثاني (الأحد 24 أيار 1925) في افتتاحيتها الرئيسية للكاتب يوسف ابراهيم يزبك، توضيح مبرر تحديد أوقات العمل وضرورته. فؤاد الشمالي (1894-1939) ابن بلدة السهيلة في كسروان، تلقى دروسه الابتدائية في بيسان بفلسطين. وبعد وفاة والده انتقل مع والدته الى مصر واستقرا بها. وبدأ العمل وهو في العاشرة من العمر. وقد انتسب الى الحركة النقابية في العام 1916. حيث تكونت لدى عمال التبغ والسجائر في مصر تقاليد نضالية عريقة، كما يشير جاك كولان. نذر الشمالي نفسه لقضايا العمال والفلاحين والتزم خطاً سياسياً كان أميناً له وأميناً عليه. ويعرف عن نفسه بأنه عامل منذ نعومة أظافره، تعرض في سبيل التزامه وانتمائه الطبقي الى الكثير من أنواع الضغط والإكراه والعنف والسجن والجوع والبطالة.. ويبدو ان كل هذه المعاناة كانت أرحم مما تعرض له من الحزب الذي أسسه («حزب الشعب اللبناني» الذي اصبح لاحقاً «الحزب الشيوعي»)، فقد تم تهميش دوره ومحاصرة حضوره ثم فُصل من الحزب، وعمدت قيادة الحزب في تلك المرحلة الى تشويه سمعته وصورته. لم يقتصر دور فؤاد الشمالي على هذا المستوى. بل هو من الرواد الأوائل، اذا لم يكن الأول، الذين اهتموا بجدية ومثابرة بتنظيم جهود العمال وحثهم على توحيد طاقاتهم وتشجيعهم على الانخراط في العمل النقابي كإطار تنظيمي لحماية حقوقهم والدفاع عنها. ويبدو ان هذا التوجه في العمل النقابي ترافق مع مجيء الشمالي الى لبنان العام 1923. فسواء كان قدومه الى لبنان نتيجة لتكليفه من قيادة «الحزب الشيوعي المصري» (كان الشمالي مساعد سكرتير الحزب العام) لتأسيس حزب شيوعي في لبنان، أم نتيجة لملاحقته من السلطات البريطانية بسبب نشاطاته السياسية والعمالية وميوله البولشيفية، فإن ما يمكن تأكيده ان استقراره في لبنان أحدث تحولاً نوعياً في مسار الحركة النقابية في لبنان، لدرجة يمكن القول معها إنه أرسى اللبنات الاساسية في العمل النقابي في الدولة الناشئة. لقد اكتسب قبل قدومه الى لبنان الكثير من الخبرات ومر بالعديد من التجارب واستند الى نظرية فكرية متينة، الأمر الذي جعله بحق مناضلاً مميزاً برغم صغر سنه. فقد كان عضواً في «الاتحاد العمالي العام» الذي تأسس في الاسكندرية سنة 1921، وعضواً في «الحزب الشيوعي المصري»، وواحداً من الذين حاولوا في الاسكندرية، تأسيس «الحزب الاشتراكي السوري اللبناني» في نيسان العام 1923. وعند وصوله الى لبنان، أسس في بلدة بكفيا العام 1924 «نقابة عمال التبغ» التي يمكن اعتبارها اول إطار نقابي يستند الى أسس تنظيمية واضحة وخلفية «ايديولوجية» وفكرية محددة. بل يمكن القول إنها اول نقابة مستقلة في لبنان. لم يقتصر دور فؤاد الشمالي على تركيز الاطار التنظيمي للعمل النقابي فقط. بل انه رسخ هذا التوجه من خلال التنظير للفكرة، والكتابة عنها. فقد أصدر العام 1929 كتاباً بعنوان «نقابات العمال» بيَّن فيه وضعية العمال، وكيفية تأسيس النقابات، وكتابة محاضر الاجتماعات، ومهمة السكرتير في النقابة، ومسار العمل التنظيمي، وغاية النقابات، وقانونها، وأهمية اتحاد النقابات العام ومسار قيامه، وضرورة انحسار كل مهنة بنقابة خاصة بها. وفي الإطار ذاته ولخدمة هذه التوجه، ساهم في العمل الصحافي. ووظف كتاباته لإثارة قضايا العمال وحشد طاقاتهم وحمل همومهم وحثهم على الانتظام في الأطر النقابية لتحقيق مطالبهم. من هنا أصدر جريدة «صوت العمال» الاسبوعية التي حصرت اهتمامها بالقضايا النقابية. وبعد توقفها (صدر منها اربعة أعداد)، اتفق مع سجيع الأسمر في 2 تشرين الثاني على ان يعهد اليه بتحرير جريدة «العمال». غير انها لم تستمر طويلا. أهمية فؤاد الشمالي تكمن في انه من أوائل، اذا لم نقل الأول، الذي أكد على اهمية العمل النقابي وضرورته كإطار منظم لنضال العمال، وأعطى للعمل النقابي في بلادنا، إطاره النظري ـ الفكري، وأكد على ضرورة الدعم «الحزبي» للنضال النقابي. إن مسار حياته النضالية لم يزل يجسد نموذجاً للمناضل المتفاني البعيد عن أي مكاسب ذاتية ومصالح خاصة وفئوية. وبالتالي لم تزل تجربته مع حزبه («حزب الشعب اللبناني») الذي اصبح يعرف باسم «الحزب الشيوعي اللبناني» مأساة تقض مضاجع المناضلين. بمعنى ان الاختلاف بالرأي في الإطار التنظيمي الواحد يتحول الى «خلافات» حادة وقاسية ومؤلمة، مما يترك آثاره السلبية على مسار العمل السياسي والنقابي والحزبي. فالآخر في الحزب (رأياً، شخصاً..) لم يزل مرذولاً ومطروداً ومشكوكاً في ولائه ومتهماً في انتمائه. وهذا ما حصل مع فؤاد الشمالي بعد ان أحكم خالد بكداش قبضته الحديدية وصنميته الفكرية على «الحزب الشيوعي»، فأدت الى طرده واتهامه وتبخيس حقه ومحاربته في لقمة عيشه. مات فؤاد الشمالي مريضاً، فقيراً مادياً، كما عاش حياته كلها، يقول البعض إنه لم يكن معه نفقة للعلاج، لكنه كان غنياً بإنجازاته وطموحاته وتفاؤله بغد مشرق وشعب سعيد. قد يكون ومن الضروري إعادة الاعتبار الى مثل هؤلاء الرموز في الحركة النقابية، كما السياسية، بعدما غدت هذه الحركة مطيعة للبعض وسلَّماً للبعض الآخر، وبعدما تصادرت قضايا العمال وغدت قضاياهم شعارات معلبة للمناسبات. فإلى أي مدى تحضر اليوم تجربة فؤاد الشمالي كنموذج في العمل النقابي ـ السياسي؟ وإلى أي مدى يمكن الاقتداء بتجربته لتجديد العمل النقابي وتحريره من قيوده المتمثلة في بعض الذين يدَّعون تمثيل العمال، وفي بعض الأحزاب المستقيلة من دورها والمتنكرة لقواعدها ومبرر وجودها، وفي بعض رموز السلطة الغائبة أو المغيبة عن هموم الناس وشؤونهم كافة؟

احتفل الحزب "الشيوعي اللبناني" اليوم الجمعة بـ "عيد العمال" بمسيرة من البربير إلى ساحة رياض الصلح، شارك فيها وفد قيادي من "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين"، يتقدمه عضو لجنتها المركزية ابو لؤي أركان.وألقى أمين عام الحزب خالد حدادةكلمة في ساحة رياض الصلح، دعا فيها إلى "تكاتف الجهود لحماية حقوق العاملين وحماية التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية من هجمات المحاصصة الطائفية والسياسية" مجددا دعوته إلى "ضرورة إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي هي حق من حقوق الموظفين".ودعا حدادة إلى "عقد مؤتمر تأسيسي لوطن جديد، للبنان جديد، لكي يكون للسنة الذين ينطقون باسمهم زورا وللشيعة والدروز والمسيحيين والعمال والمعلمين، ليكون لهم الحق في نظام يختارونه هم، ولا يفرض عليهم من قبل الهيئات الاقتصادية، وقد رأيناهم بالأمس جميعا يزحفون أمام أحد السفراء ليس لمصلحة الفقراء اللبنانيين، بل لمصلحتهم، لمصلحة من اكتسب 11 مليار دولار من جيوب اللبنانيين ومن تجار العقارات الذين من أجلهم سن قانون الإيجارات الجديد".وشدد حدادة على أن "العيد اليوم ليس فقط عيد العمال بل عيد المعلم والكل وعيد المدرسة الرسمية وعيد المقاومين".من جهته، أكد عضو "هيئة التنسيق النقابية" نقيب معلمي المدارس الخاصة نعمة محفوض، أن "القرار هذا العام هو بإعطاء الشهادة، وأن المعلمين هم المرجع في مسألة إعطاء الشهادة"، مؤكدا أن "هيئة التنسيق النقابية لن تتهاون في مصير الطلاب".واستغرب كلام وزير العمل سجعان قزي في تخفيض أجور العمال، مذكرا بسياسة تدمير الجامعة الوطنية.بدوره، قال رئيس "الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين" كاسترو عبد الله: "يطل علينا هذا العام في ظل وضع سياسي واقتصادي واجتماعي متدهور يهدد حريتنا ولقمة عيشنا وهذه الأزمات تتفاقم دون حلول وخصوصا أن خيارات الدولة في مواجهة هذه التحديات يهدد السلم المجتمعي" مشددا على ضرورة "تضافر الجهود لنواجه هذه المخططات التدميرية للفقراء معا".وإذ هنأ العمال بعيدهم، تمنى عبدالله أن "تحقق هذه المناسبة توسيع الانخراط في النقابات وتوحيد العمل مع جميع القوى والهيئات الشعبية والشبابية والنسائية من أجل عقد اجتماعي يحمي العمال".إلى ذلك، انتقد أمين سر "لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين" زكي ضاهر "التعديلات في قانون الإيجارات الجديد، الذي يساهم في تهجير الفقراء من بيوتهم ويدمر ما تبقى من عيش مشترك في بعض أحياء العاصمة" مشيرا إلى أن "القانون الجديد تجاوز مبادئ الدستور والمساواة"، داعيا إلى سحبه. وختم موجها التحية إلى "كل من يصنع في عيده أملا لا يموت".("موقع السفير"، الوكالة الوطنية للإعلام)

طلال سلمان - السفير

مثقل باسمه ذي التاريخ، بثقافته الواسعة التي أنارت عقله، بالتجربة النضالية التي اغتالتها الخيبات إذ التهمت الطائفية والمذهبية العقائد وشوق الجمهور إلى التغيير، المقاتل ضد اليأس حتى إرهاق القلب بعد العقل، المعاند، المكابر في رفض الخضوع لمنطق الأمر الواقع، المحاصر بمرارة الخيبة وتساقط الرفاق أمام هيمنة ملوك الطوائف، المفجوع بانهيار القيم أمام إغراءات السلطة وشراسة الهزيمة، والصامد عند آخر معاقل الأمل في قلب آلام الجسد الذي أرهقته الأوجاع التي منبعها سياسي وأخطرها الاستسلام للمرض الذي ينهش قدرته على الصمود وإن بقيت روحه متوثبة كراية نضال فوق قمة التحدي. هذه هي عناوين السجل النضالي لهذا «الشيخ» الذي هجر مهنة «المحامي» أو كاد ليتفرغ للعمل السياسي بالفكر والرأي والثقافة والتجربة والإيمان بالشعب متجاوزاً الأعراف والألقاب والتقاليد، قبل أن يغرق في بحر المرارة رافضاً الاستسلام للأمر الواقع والتسليم به قدراً. لعل سليمان تقي الدين قد فوجئ بحفاوتي به، حين التقينا أول مرة في أوائل نيسان 1975. كانت «السفير» قد أتمت في قلب التعب والقلق عامها الأول، وتقدمت لتحتل مكانتها في هذا الوطن الصغير، مشفوعة برصيد معنوي ممتاز على المستوى العربي. تحدث سليمان قليلاً، وأفضت في الحديث عن بعقلين، عن عائلاتها العريقة عموماً، وعن آل تقي الدين بشكل خاص، مع لمحة عن آل حمادة.. وسط دهشة ضيفي. وشرحت له أنني أمضيت بعض سني مراهقتي في بعقلين، التي انتقل إليها والدي الرقيب في الدرك رئيساً لمخفرها الذي كان يعتلي المركز الثقافي القائم الآن بديلاً من السجن، في حين كان الطابق الأول مخصصاً للمحكمة ومخفر الدرك. ثم إن ظروف عملي بعدما اخترت الصحافة مهنة قد أتاحت لي أن أعرف عن قرب عدداً من كبار العائلة العريقة وذات الرصيد السياسي ـ الديني ـ الثقافي المميز أشهرهم القانوني البارع، ثم النائب والوزير بهيج تقي الدين، وشقيقيه منير الإداري والمؤرخ لواحدة من الحقبات المهمة في تاريخ لبنان (ولادة استقلال) ثم السفير خليل تقي الدين وأخيراً الكاتب المبدع قصاً ساخراً والذي اقتحم الحياة السياسية من باب أضيق من أن يتسع لتطلعاته ونكاته وفوضاه الثورية: سعيد تقي الدين. ... وكان لبنان على موعد مع الحرب الأهلية، وكنا نستشعر مقدماتها في الأجواء المتوترة التي تحيط بنا في هذا الوطن الصغير المأزوم بنظامه الطوائفي، والأضيق من أن يتسع لثورة تهدف إلى تحرير فلسطين ضاقت بها الأرض العربية فاستقرت بأثقالها وطموحاتها وتناقضات فصائلها وصراع الأنظمة العربية فيها وعليها، في لبنان الذي يكاد يضيق بأهله المتخوفين من تطور اعتراضهم على نظامهم السياسي إلى فتنة سوف تتحول ـ بالضرورة ـ إلى حرب أهلية ـ عربية ـ دولية بحجم الصراع مع الكيان الإسرائيلي الذي طمح مؤسسوه لأن يكون دولة يهود العالم. ظللنا على تواصل، وكنت أتابع الأنشطة الثقافية متعددة المنابر لهذا المناضل الذي ضاقت به الأحزاب أو ضاق بها، ويأخذني الإعجاب بغزارة إنتاج هذا القلق الباحث عن يقين.. خصوصاً وأنه كتب عن «مقدمات الحرب الأهلية» وعن «العرب والمسألة السياسية»، عن «المسألة الطائفية في لبنان» و»تحولات المجتمع والسياسة». كذلك فقد كتب، وقد تذكر أنه ـ في الأصل ـ محام، عن القضاء في لبنان، وأصول المحاكمات الجزائية، والدين والتنظيم القضائي، والمحاكم الاستثنائية ودورها في لبنان، والقضاء النظامي والقضاء غير النظامي في لبنان، وعن استقلال المحاماة، وعن الطعون الانتخابية أمام المجلس الدستوري، وواقع وآفاق السلطة القضائية في لبنان، و»محامون للألفية الثالثة» والتحديات التي تواجه السلطة القضائية المستقلة في لبنان. وكان لا بد أن يهتم، وهو الشوفي المستنير، بسجل الأحكام المذهبية الذي ألّفه سميّه القاضي سليمان تقي الدين، وحقق في وثائق تاريخ الشوف، وإيضاحات عن الديوان العرفي في عاليه، وعن الأسر في جبل الشوف. إلى أين يذهب المثقف المستنير؟! إلى اليسار حكماً.. ولكن أي يسار وقد ضربت الحرب الأهلية اليسار في لبنان بالطائفية، مستفيدة من التداخل بين المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية التي كان اليسار عمودها الفقري.. قبل أن يستشهد القائد كمال جنبلاط. ولقد خاض سليمان تقي الدين معارك سياسية وفكرية ومواجهات صعبة، عبر منظمة العمل (الشيوعي)، من خلال الكتابة والدعوة، عبر منبر اتحاد الكتاب. نظم وحاضر وثقف. لم ييأس ولم يتوقف عن النضال، مواجهاً السقوط الذريع للأحزاب الوطنية والتقدمية، وسيادة المناخات الطائفية والمذهبية، لا سيما بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 ورحيل المقاومة الفلسطينية من لبنان. كتب وحاضر واقتحم مجالات كانت مغلقة، قاوم سيادة المنطق الطائفي والمذهبي. قاتل ضد «الكانتونات». ضد التهجير. ضد التفريق القسري بين الأخ وأخيه نتيجة الفرز الطائفي الذي أخذ يتمدد ليشمل مختلف المناطق، حيث انزوت كل طائفة في منطقة مشكّلة جيشها، بديلاً من الجيش الوطني، مستولدة مدناً بديلة من المدن التي نهشها التهجير الطائفي والمذهبي. قاتل ضد التعصب بأشكاله كافة وضد المتعصبين لأية طائفة انتموا. لكن الموجة كانت أعلى من قدرة القلة من أمثاله القابضين على جمر علمانيتهم، بما هي الوطنية والعروبة. وقاوم أساساً اليأس: اليأس من الذات، اليأس من الشعب، لكنه اصطدم بجدران لا تخرق، ولم يستسلم ولم يرتد إلى طائفته، ولم يهادن الطائفيين، وظل يعمل ويكتب ويدعو، بالفكر والوعي والحقائق الأصلية، والمصلحة الوطنية، والحرص على حماية المستقبل. ظل متمسكاً بأحلامه التي وعى عليها قريبة من التحقق، حين كانت أعلام الحركة الوطنية ترفرف، في مختلف جنبات البلاد، وحين كان المناضلون يملأون الساحة هتافاً بضرورة التغيير، ولو بإسقاط النظام طالما استحال تغييره. .. وعاد سليمان تقي الدين إلى «السفير» كاتباً لافتتاحياتها. كان يكتب مرتين في الأسبوع متناولاً شؤون الوطن والأمة. كتب في النظام الطائفي الذي كان امتيازاً لبنانياً فكاد يتحول إلى «النموذج» الذي تقلده سائر الأنظمة في المشرق، خصوصاً، حتى بات الشعار الطائفي ـ معلناً أو مضمراً ـ أوضح من أن تغطيه الخطب القومية والاحتفالات الكرنفالية التي تتحدث عن وحدة الأمة، وعن تحرير فلسطين باعتباره الهدف الأساس أو المعبر الأساس إلى توحيد الأمة. لم يتعب سليمان تقي الدين ولم يملّ من نقد النظام الذي كان لبنانياً فصار نموذجاً عربياً. بعد أسابيع قليلة من عودته شنت إسرائيل حربها الجديدة على لبنان (تموز ـ آب 2006).. وكان على سليمان تقي الدين أن يخوض، من موقعه، المواجهة المشرفة لهذه الحرب، وصمود الشعب، لا سيما في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البقاع، والتعاطف العام الذي أظهره «إخوتهم في الوطن» في المناطق الأخرى، في حين قدم مجاهدو المقاومة نموذجاً فذاً في المواجهات جعلت تقدم العدو مكلفاً جداً في بعضها ومستحيلاً في بعضها الآخر.. وكان أن تحقق النصر مؤزراً، واضطر العدو إلى الانسحاب، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ المواجهة مع العدو الشرس الذي كان يتصرف في الحروب ضد الدول العربية وكأن جيشه لا يقهر، وكأن أطول حروبه لن تتجاوز مدتها الأسبوع ثم يكون الاحتفال بالنصر الأكيد. وعلى امتداد تسع سنوات، حتى اليوم، ظل سليمان تقي الدين يطل من افتتاحية «السفير» على قرائه، مرتين في الأسبوع، الثلاثاء والسبت. بل إنه واصل الكتابة حين دهمه المرض. كان يعتبر استمراره في الكتابة مواجهة لعلها الأشرس بين المواجهات التي خاضها ضد الانحراف الفكري والتحجر الحزبي وسيادة المناخ الطائفي أو المذهبي. لم تلتبس الأمور على سليمان تقي الدين في أي يوم: الطائفية والمذهبية، القمع والتحجر الفكري، انفضاض المناضلين يأساً أو سقوطاً في غواية اللعبة السياسية والمنافع والمكاسب الشخصية التي أتاحها النظام عبر أركانه الذين احتكروا العمل السياسي بتبوئهم مواقع القيادة في الدولة، وتطئيف الوظيفة العامة أكثر مما كانت في أي يوم، ليستطيعوا التحكم بمن يدخل إلى نعيمها تائباً منصرفاً عن العمل السياسي، مسلماً بوحدانية القائد أو القيادة المرجعية للطائفة. ولقد واجه سليمان تقي الدين مجموعة من المآزق، وعلى مختلف المستويات.. فالطائفية قد التهمت الأحزاب، وصار لكل طائفة مرجعية واحدة (أو اثنتان متكاملتان في أحسن الأحوال)... وصارت المناصب والمواقع حكراً على من تزكيهم هذه المرجعيات. قاوم اليأس وظل يكتب ويحاضر ويؤلف الكتب ويشارك في الندوات مقدماً دراسات مميزة... لكن السور استمر يرتفع حتى كاد يضيق عليه في مجالات نشاطه. ولعل اليأس هو مصدر المرض، فالمناخ السياسي في لبنان صار ولادة للقهر والإحساس بالعجز. .. وظل يكتب ويكتب، في منازلة غير متكافئة مع المرض الذي هدّ طاقته، مفترضاً أن مقاومته هنا هي امتداد لمقاومته اليأس من الوطن ومن العمل الوطني ومن الدعوة إلى النضال ضد الطائفية والمذهبية التي احتكر أقطابها الدولة والهيمنة بالنفوذ على المصالح بإخضاع أصحابها لقدرتهم على إيذائها أو تنميتها. صارت التبعية للزعامات التي باتت هي القيادات السياسية والمرجعيات في توزيع المنافع والتحكّم بأصحاب المصالح، على حساب أهل الكفاءة والخبرة. وظل سليمان تقي الدين مناضلاً، كاتباً ومحاضراً ومثقفاً لم يضعف ولم يستسلم ولم يتنازل عن إيمانه بمبادئه. ولقد تبدّت صلابته في مقاومته الداء الذي أصابه، فأنهكه وفرض عليه التوقف عن الكتابة ولو إلى حين... لكأنه هنا يتابع مقاومته للنظام الفاسد المفسد، الذي يعتبر الوطنية كما العروبة وأسباب التقدم أخطر أعدائه، فيكافحها بضراوة لا تعرف الحدود. ولسوف يعود قلم سليمان تقي الدين إلى الصفحة الأولى في «السفير» مضيفاً إليها نصاعة الفكر مع جزالة الأسلوب، من دون أن ينصّب نفسه واعظاً أو مبشراً بالجنة. سليمان تقي الدين نموذج لمناضل من بلدي شرَّف قلمه بحماية كرامة الإنسان ومواجهة المحاولات المتكررة لإلحاق الهزيمة به. سليمان تقي الدين علامة مضيئة في حياتنا الفكرية والسـياسية... ونحـن على ثقـة أنه عائد إلينا ليكمل رسالته.

 

جريدة السفير

اجتمع المجلس العام لـ «اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي» (وفدي) في بيروت من 2 إلى 5 نيسان الجاري في بيروت بضيافة «اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني» بمشاركة 76 مشاركاً من 48 منظمة. وتحدّث في حفل الافتتاح كل من رئيس الاتحاد العالمي نيكولاس باباديمتريو، ممثل «اتحاد الشباب الديموقراطي الأردني» ناصر أبو نصار، رئيس «اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني» حسان زيتوني وتلاه حفل فني منوع على مسرح المركز الثقافي الروسي، الخميس الماضي. واختتمت الاجتماعات السياسية والتنظيمية ببيان سياسي وخطة عمل مشتركة للمنظمات المشاركة ومقررات تنظيمية وداخلية. وتخللت اللقاء ندوة حول الوضع الراهن في ليبيا وشمال أفريقيا، وزيارة تضامنية مع الشعب الفلسطيني إلى مخيم عين الحلوة بالتعاون مع «منظمة الشبيبة الفلسطينية».

عطا الله السليم - السفير

أرسى وعد بلفور الشهير دعائم «الدولة الصهيونية». وتعبير بلفور في قوله: «إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي»، اعتراف واضح بأنّ اليهود يشكلون شعباً بلا أرض، وأنهم قومية موحدة في الوقت الذي ينتشرون فيه بالعالم مجموعات على طريقة «الغيتو». كان لتأسيس هذه الاسطورة دور مهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين يهود العالم وجعل اسرائيل - الفكرة تتحول الى اسرائيل - الدولة. في تلك المرحلة، سادت في أدبيات الطبقة الاسرائيلية عبارة «دولة اسرائيل» بدلاً من «دولة اليهود»، علماً أن الاسم الاخير كان قد اقترحه تيودور هرتزل. أمّا السبب الرئيسي في ذلك، فيكمن في رغبة الآباء المؤسسين للكيان الصهيوني بتغليب الطابع العنصري للدولة المزعومة على الطابع الديني، انسجاماً مع الاساطير التي نسجها بعض المؤرخين الصهاينة حول الظلم اللاحق بفئة مجتمعية. أي بمعنى آخر، أراد المؤرخون ابراز طابع اللامساواة والتفرقة العنصرية التي عانى منها اليهود، بدلاً من استخدام العامل الديني. أضف الى ذلك. فقد كان العقل الصهيوني يريد الربط بين اسم الدولة والاسم العبري لفلسطين وهو أرض إسرائيل (إيرتس يسرائيل)، لذلك غاب استخدام عبارة «الدولة اليهودية» لمصلحة عبارة «دولة اسرائيل» عند النخب السياسية والدينية. وفي مرحلة لاحقة من عمر الكيان، برزت اشكالية المواءمة بين يهودية الدولة من جهة وديموقراطية نظامها السياسي من جهة أخرى. اذ إنه ومجرد أن تكون دولة لفئة دينية محددة، يعني هذا أنها لاغية للمساواة في الحقوق المدنية والسياسية للشعب العربي في أراضي الـ48. لذلك لم يستخدم تعبير الدولة اليهودية كثيراً في أدبيات الطبقة السياسية مذاك. ولعّل تعريف وزارة الخارجية الاسرائيلية «دولة إسرائيل» بأنها «دولة يهودية وديموقراطية»، يعني عملياً إصباغ صفة الديموقراطية الى جانب يهودية الدولة في تناقض مفارق.غابت عبارة «الدولة اليهودية» عن المسرح السياسي الدولي طويلاً قبل أن تعود في الاعوام القليلة الماضية. كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود أولمرت أوّل من أعاد لفظ هذه العبارة العام 2007 عشية اعادة انطلاق المباحثات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في أنابوليس. استطاع اللوبي الصهيوني الفاعل ضمن الادارة الاميركية أن يضغط باتجاه طلب الاعتراف بيهودية الدولة مقابل فكرة استئناف المفاوضات، وكانت الادارة الاميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما قد وضعت على رأس أولوياتها اعادة احياء مسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي كانت قد توقفت لسنوات عديدة لاسباب لا مجال لذكرها هنا. بموازاة السعي الاسرائيلي لكسب الدعم الاميركي لفكرة الاعتراف بيهودية الدولة كمدخل لاعادة إحياء ما يسمى بعملية السلام، عمل «الاستبلشمنت» السياسي في اسرائيل على استصدار عدد من القوانين والتشريعات التي تمهّد ليهودية الدولة. وفي هذا السياق، أقدمت حكومة بنيامين نتنياهو في تشرين الاوّل العام 2010 على إجراء تعديلات على «قانون المواطنة» بحيث يتضمن أداء قسم الولاء لـ «الدولة اليهودية» شرطاً لاكتساب الجنسية الإسرائيلية. وزعم نتنياهو أن هذا الطرح «استمرار لما بدأه بن غوريون أي دولة لليهود، لا دولة يعيش فيها مواطنوان من اليهود». وفي أيار 2014، عرض بنيامين نتنياهو تشريعاً جديداً أمام الكنيست من شأنه ترسيخ مكانة إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، قائلا: «إنّ الاعتراض على اعتراف كهذا من شأنه تقويض حق الدولة في الوجود». ومن شأن قانون الأساس الجديد احترام حقوق الأقليات غير اليهودية التي تعيش في إسرائيل، وفقا لإعلان استقلال إسرائيل، بحسب ما قال نتنياهو. وبرغم عدم وجود دستور في اسرائيل، الا أن ما يسمى بقوانين الاساس لديها المكانة نفسها من حيث القوّة الدستورية.على مستوى آخر، نجم عن «الربيع العربي»، من جملة ما نجم عنه، اشتداد العنف الطائفي بين السنّة والشيعة على امتداد العالم العربي. كان فتيل العنف الطائفي قد تفجّر في العراق إبّان الغزو الاميركي العام 2003. وفّرت مناخات «الربيع العربي» المخطوف حالات تفكّك الدول العربية المركزية. فاستنزفت سوريا على مدار ثلاث سنوات ونصف من عمر الازمة فيها، ما مهّد الطريق لبروز جماعات جهادية متطرفة كان أبرزها «جبهة النصرة» في البدء، ثمّ «الدولة الاسلامية في العراق والشام» التي عرفت باسم «داعش». من الصعوبة بمكان اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، حتى ولو صرّح بعض قادتهم تلميحاً بقبولهم هذه الفكرة أو بصرفهم النظر عن حق الشعب الفلسطيني في الشتات بالعودة الى فلسطين. وفي هذه الحالة، تبرز الوقائع السياسية كأحد مرتكزات قيام الدولة اليهودية بعد معركة تثبيت المفهوم في الاعوام الماضية. بدأت ملامح تشكل الدولة المذهبية في المنطقة تتبلور على خلفية العنف الطائفي المفتوح. بدأ الحديث ولو بشكلٍ خافت عن حدود الدولة الشيعية - العلوية، وحدود الدولة الدرزية، والدولة السنية، وعبّر الاكراد صراحةً، عبر ممثليهم السياسيين، عن رغبة اقليمهم بالانفصال نهائياً عن الدولة العراقية. أما مسيحيو الشرق، فبــــدا مصيرهم الخـــروج من هــذه المنطقة إما طوعاً أو بفـــعل المجازر التي ترتكب ضدّهم في سوريا والعراق.إنّ السبيل الأنجع لإرساء الطابع اليهودي للدولة الاسرائيلية يمر حكماً عبر تقسيم الدول المركزية العربية وتحويلها الى كيانات مذهبية صافية. حينما توجد دول للسنّة والشيعة والدروز والاكراد العرب، سيبدو سؤال الاسرائيلي «أين دولتي الدينية أيضاً»؟، سؤالاً واقعياً جداً.

 

صباح جلول  -السفير

وفكّرنا بس بإنّو نعبّر عن نفسنا ببساطة. نحسّ الإشيا، ولازم نقولها.. صرنا نقولها." - عاصي حسناً، لقد سمعنا على امتداد سنوات جميع أنواع التهم الجاهزة لزياد الرحباني حتى الملل. خلال السنتين الأخيرتين، لم يوفّر الرحباني فرصة لإقامة حفلة موسيقية إلا اغتنمها، وضاعف معدّل إطلالاته الإعلامية ومقابلاته مرّات، بعد انقطاع شبه تام. وجد الجميع فرصة لإعادة الرحباني إلى دائرة "الموضوعات الساخنة"، وهو غالباً لم يخرج منها أصلاً. لا يملك أحد موقفاً حيادياً منه، خاصةً بعد الموضوع السوري. الناس الذين يعرفونه، ويعرفون نتاجه الفني وأخباره الشخصية ومواقفه السياسية منقسمون دائماً بشكل حاد. فئة تراه "العبقري" الرحباني السابق لزمانه، وفئة تحاكمه على أنه "خائن" للشعب والثورة، وما بينهما فئات تجتهد أيضاً، فتراه ضحية أو أعجوبة أو ممثّلاً يسعى لدور الضحية. كل هذا معروف، لكنّنا ننتبه الآن إلى أن كلّ هذا غير مهم عندما نقف أمام باب زياد المفتوح بالكامل، والذي تدلف منه موسيقى مارفين غاي المتسائل باستمرار "What's Going On?". حقاً، ما الذي يحدث في عالمنا؟ الآن، ربما نتكلّم قليلاً عن الموسيقى، لا أكثر ولا أقل، إذا سمح لنا قضاة السّلوك والأفكار ومنظّرو التعليب بأن نكون عاطفيين قليلاً تجاه مَن منحنا الكثير في المكتبة الموسيقية والمسرحية، وفي الوعي السياسي والاجتماعي والفكري، والأهم تجاه مَن منحنا الكثير من الفرح والحب والأحلام والرفقة الطيبة في مختلف مراحل حياتنا الممجوجة الشديدة الابتذال في هذه الجمهورية العجيبة. رغم كل التعقيدات الحياتية، وبعيداً عن الفلسفات والإشكاليات، ووسط "عجقة" الأغراض و "السيديهات" والكتب والصور في غرفة صالونه، ثمّة انطباع مُلحّ بأن كلّ الأشياء في عالم زياد الرحباني، بدءاً من لحظة الإبداع الموسيقي ووصولاً إلى الأعمال اليومية العادية كصنع فنجان شاي، هي أكثر بساطة وتلقائية ممّا يعتقد أيّ منا. بساطةٌ تذكّر بقول عاصي أعلاه، بمعنى عفويّة أن نقول ما نشعر، لمجرد أنّنا شعرنا به وأن من حقّنا أن نعبر عنه، كما هو، تاماً، حقيقياً، جارحاً، جميلاً، مزعجاً، مباشراً كما هو. كلّنا نغار من زياد قليلاً، لأنه يقول ما يفكّر فيه من دون مواربة، وهذا ما جعله دائماً عرضة للهجوم والمحاكمة الرخيصة أحياناً، بعيداً عن النقد الصادق المباح. هذه حقيقة أوليّة، والحقيقة الأُخرى هي أنّه لا يشبه أبداً ما يُرسم من صور مكبّرة لرجل يائس أو مهزوم. هذا رجلٌ يحاول، يحاول فعلاً. يقيم الحفلات ويكتب المقالات ويؤلّف الموسيقى ويفتتح موقعاً إلكترونياً ويسعى للسفر من أجل العمل، ويحاول إعادة ترتيب أموره. يحاول مصالحة والدته، والتواصل مع حزب الله ومع المستقبل، ومع الناس، مع الجميع مبدئياً. يعمل من أجل الحزب الشيوعي وللجريدة وفي الأستوديو وفي المسرح وفي البيت، في لبنان وألمانيا وروسيا وأبعد، إن لزم الأمر. اليائس يكفّ عن المحاولة، لكن هذا الرجل يحاول. أكثر منّا جميعاً، يحاول. رغم كل شيء، يبدو أكثر حياةً ممّا نتوقّع نحن، وأكثر جمالاً مما يعتقد هو. المقابلة أدناه محاولة لاستعادة الموسيقي من أسلاك السجالات الشائكة إلى مربّعه الأول: الفن.

- كيفك؟ الحمدلله، بلّشت صير منيح لأنو عارف إنو قلّلو الإيام اللي باقيهن هون. رغم أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيداً لمغادرة بلاده، لكن ما بيكون وضع البلد هيك كذا سنة. أمارس حقّاً مارسه جميع اللبنانيين. أتغرّب وأعود عندما يتوفّر عمل هنا، لأنه لم يعد مقبولاً أن يبقى الإنسان هنا سنة كاملة يعمل خلالها شهراً أو شهرين فقط. هناك الكثير من الوقت الميت. - في أسطوانة "إلى عاصي" كتب منصور عن عاصي: "كان دائم القلق، لا يرتاح إلا حين يستغرق في التأليف، لينسى، ولو مؤقتاً ذلك الهدير الداخلي المتصاعد سؤالاً، إلى أين؟". هل ورثت هذا النوع من القلق الدائم؟ لا أعلم ماذا كان يقصد عمّي، رحمه الله، بكلمة "الهدير"، لكن هذا أمر لم نكن نلاحظه لدى والدي قبل المرض. لم يكن يتوقّف عن العمل أساساً لنلاحظه، لكن بدأ هذا الأمر بعد أن رأى الموت وعاد منه أكثر من مرّة. خضع لعمليات دقيقةٍ جدّاً وخرج منها. ما كان متل الأول، بس ما كنّا متوقعين ولا حدا كان هلقد متأمّل إنو يتحسّن. في الفترة بعد العملية كان يسأل عن الإيمان: في الله؟ ما في الله؟ شغلتو ومشغلتو، وبالفضاء الخارجي شو في؟ يعني صار عاطيه جزء من وقته. يقعد مع ناس مطّلعين بمجالات معيّنة. وكان أحياناً يؤمن وأحياناً يشكّك، وعندما يشكّك يكون ميت رعبة، يقللي "ما هيئتو فيه شي، يعني.. متل ما الله بيريد". - هل تُبقي مسافةً بينك وبين هذه الأسئلة؟ أعتقد أن كل إنسان يصل ليسأل هذه الأسئلة في مرحلة معيّنة من حياته. بس إنو ما كتير تاخد من الوقت. - لديك حاجة دائمة للتأليف؟ بالموسيقى، إي. دون أن يطلب منّي أحد شيئاً. إذا ألّفت، يكون عادةً موسيقى، وليس كلاماً. من 10 أشياء، تكون تسعة موسيقى وواحدة كلمة. لكن بسبب العمل في الصحافة، أكتب، لكن لا يكون الكلام خارجاً بسهولة الموسيقى. - متى يكون التأليف أسهل والإنتاج أغزر، في حالات الحرب أم في حالات السلم؟ وماذا يحصل في مثل حالتنا، عندما تكون الأشياء معلّقة بين الاثنين؟ لا أعرف ما هو السبب، لكنّ معظم ما اشتغلته كان في فترات ذروة التوتّر. ليس من الضروري أن تكون كلّها أشياء جيدة، لكن عندما تكون الأوضاع مائلة نحو "الرواق"، بيصير الواحد متل الوضع. هلأ عم نشتغل. منذ سنة، سنتين، نعمل في ظروف "عاطلة كتير". لكن نعمل على مشاريع صغيرة قدر الإمكان، لا تكون فيها مغامرات. نعزف في أماكن يرتادها 100 شخص، مثلاً. لكن معظم العمل في التأليف. ونلعب موسيقى فقط لنبقى قادرين أن نجمع أربعة أو خمسة موسيقيّين ونجد كل أسبوع أو اثنين مكاناً صغيراً لنعزف فيه، يعرف عنها الناس عبر الـ "sms" أحياناً، لا إعلانات حتى. - في فيلم "همسات" لمارون بغدادي، تقول بأنّ الأشياء في الحرب تكون أوضح، هل تعني الانقسامات، الصح والخطأ؟ مزبوط. الناس يكونون أكثر صراحة أيضاً. يعني عم يعبّروا عن شو حاسّين أكتر من وقت السلم والكذب.

- قمت بتأليف موسيقى تصويرية لأفلام مثل "وقائع العام المقبل"، "نهلة"، "طيارة من ورق"... من أحسن الأفلام كان "وقائع العام المقبل" لسمير ذكرى، لكنّه لم يكن شعبياً، ولم يُعرض في لبنان، لا أعرف لماذا. ليس من السهل إيجاده. فيلم "نهلة"، أقدم فيلم في الحرب. فيه خرجت أغنية "وحدن" لأوّل مرة، كان طولها دقيقة واحدة. رونزا طنب غنّت عن الممثلة. وأغنية "خدني معك يا حب" أيضاً، والتي غنّتها لطيفة لاحقاً. ستكون كل هذه الأمور مرفوعةً على الموقع الرسمي، لأنّ كميّة الأمور المطبوعة لا تشكّل أكثر من ثلاثين في المئة ممّا ألفته. كلّها طلعت أشياء لا تهمّ المنتجين ليطبعوها. موسيقى فيلم "طيارة من ورق" لرندا الشهال، الله يرحمها، وكان قد ربح جوائزاً، لا تهمّ موسيقاه أحداً. وهناك قبله فيلم "متحضّرات" لرندا، عملت على موسيقاه. لكنّه لم يُعرَض أصلاً، لأن جميل السيد منع عرضه بسبب جملة اعتبر أنّها تحوي شتائم "طائفية". عرض للصحافيين، ولم ينزل إلى الصالات. موسيقاه مشغولة بآلات قليلة، لكن بطريقةٍ جيّدة. - هل يختلف تأليف الموسيقى للصورة عن التأليف دون قيود القصة والمشهدية؟ لا يختلف كثيراً بالنسبة لي. ليش ليكذّب الواحد، أحياناً يكون هناك قطع موجودة، يعطونك فيلماً، نسمعهم الموسيقى، هل هي مناسبة؟ بيقولولك إي هيدي فظيعة معمولة ع القدّ. بتكون معمولة مش لوَلا سبب، بس بتزبط، لأنّ الموسيقى مطاطة كثيراً. مثال على ذلك، إذا استمعت إلى قطعة موسيقية اسمها "الخريف"، لكنّك لا تعرفين عنوانها، وقيل لك إنّها "الربيع"، فستعطيك انطباعاً بأنّها الربيع. لا أستطيع أن أثبت لكِ أنّها الخريف، هذا ما أقصده بأن الموسيقى مطاطة. وإذا أتينا بثلاثة أو أربعة موسيقيين وطلبنا منهم التأليف للصورة نفسها، من الممكن أن يخرجوا بنتائج قريبة أو بنتائج مختلفة بعيدة تماماً. - في أسطوانة "كيفك إنتَ" يوجد تراك عبارة عن تسجيل لبروفة الأغنية. في أغنية "سلّملي عليه" تقول فيروز: "أنا عم غنّي المذهب، ولمّا بغنّي ردّوا عليه". هل هذه الإضافات هي إضافات مقصودة، بغرض تقريب فيروز من الناس؟ بروفة "كيفك إنت" أخدت شغل قدّ الأسطوانة كلّها، لأنّ فيروز لا تتكلّم. لم تكن مقصودة كثيراً، لكن ممكن أن نقول ذلك. عم نقول عم نسجّل، وهيدي غنية مش مأساة يعني. لم يكن هناك سبب غير أن يسمع الناس فيروز قليلاً وهي على طبيعتها، لأنّها لا تطل في الإعلام. ليسمعوها تتكلّم. وهي ما معها خبر، سمّعتها ياها بس خلصت، وأخدت معي وقت منيح، كلّها قص وتلزيق لأنّو. كانت تسجّل صوتها على الأغنية، وقمت بأمور عدّة كي لا تنتبه هي، وكي تضطر للتكلّم. أسألها: "كيف سامعة حالك؟"، فتجاوب. جلست كمهندس صوت معها، وقلت لجوزف سمور، رحمه الله، خلّيك أنا بسجّلها اليوم، لأنه كان سيُتفضح، فأبقيت مسجّلة جانباً وغطّيتها. ثمّ صرت أسألها: "منيح هيك؟"، فتقول لي: "إي، إي تمام". أنا لم يكن صوتي مسموعاً في التسجيل، فأعدت تسجيل كلامي لاحقاً، عندما خرجت هي، وألصقته. شو المفاجأة، إنو بس سمّعتا ياهن، ولا كلمة هي، قاعدة، صارت تتبسّم وتجرّب تخبّي.. إنو عجبتها وما بدها تقول، بس خلصت قالت لي: "بتعرف كانت بتطلع أحسن لو عارفة". قلت لها: "والله؟"، وأنا عارفها ما بتحكي كلمة ع الميكروفون. مثلاً تقول "مرّق" مش "مرّق الشريط"، بتصير تختصر. عندها انطباع إنو حتى أنا ممكن سجّلها شي برّاني، ما بتأمّن لحدا يعني. فنفدت فيها هي وقتها. في وقت ما تقول: "في من مجاميعو"، وهي تضحك. لا أحد ولا أنا فهم ما تقصده، لكنه كان عكس صورتها عموماً. حتى قليل ما عندها صورة مبتسمة فيروز. - هذا يعطي صورةً أقرب وأكثر حميميّةً عنها أمام الناس، كأنّها تجلس معهم. نعم، وهذا كان في وقت يوجد حملة على الكلام، وعلى "كيفك إنت" تحديداً. اتّهمونا بأننا أدخلنا كلاماً مسفّاً. كلمة "كيفك إنت" عملوا عليها قصّة. كيف بتقول شي زقاقي لهالدرجة، هيك سمّوه وهيك انكتب بصحف. وبما أنّنا كنّا متهمين في كل الأحوال، اسمعوها كيف تتكلّم أيضاً. كانت هذه ممنوعات، إحدى الجرائد كتبت أنّ الأغنية تشجّع على الخيانة الزوجية. يا خيي قصّة هيدي كلها، غنيّة، وفي غنيّة تانية بتصير ملكة بترا، هي ذاتها. - دائماً ما يُقال بأنّك "مثيرٌ للجدل". بعض الأشخاص يسمعون كلمة ويبدأون بنقلها عن بعض. بدنا نشوف أول واحد قايلها ليه قايلها. جدّ، في ناس بيجي سلف بيقلّك: "إنت مثير للجدل". وين سامعها هيدي؟ - هل يكون الحب بمثالية أغنية مثل "بلا ولا شي" مثلاً، التي يحبها الناس كثيراً؟ أنا بحسّها مزبوطة. لو كانت الحياة بهذه البساطة، لكانت المشاكل أقل. بالنهاية، شخصين بدّن يعيشوا مع بعضن رح يكونوا مع بعض بتكّة، بوضع كتير حميم، رح يكونوا بلا كل شي. غريبة هذه الأغنية، عندما أدّيناها في سوريا، اشتهرت في لبنان. عندما ذهبنا في العام 2008، كانوا قد وضعوا لائحة بأغانٍ يتمنون أن نضمّنها الحفل، وكانت على رأس اللائحة. سألتهم لماذا، فقالوا إنّ هذه الأغنية يطلبها الناس في كلّ الأعراس هناك. هذا في الوقت الذي أتى إليّ أحدهم في لبنان، منذ سنتين فقط، ليقول لي: "السنة أحسن غنيتين عاملهم هنّي سلّملي عليه وبلا ولا شي". شو بدك تقوليله؟ يا ريت ما قلّلي عن هالنوع من الإعجاب. - الجمهور السوري هو الأقرب إلى أعمالك وأعمال فيروز؟ أكيد. الأقرب لشغل الرحابنة. علاقتهم بالموسيقى كلها، يوجد دولة ويوجد معهد. يسمعون فيروز في كل مكان.

 

زياد وبيروت

- قدمت إليها في عمر السابعة عشرة، كما قمت بنقل نفوسي إلى هنا، وانتبهت بعد 30 عاماً أنّني عشت هنا أكثر بكثير من أنطلياس. انتظرت سنتين حتى تمّ نقل النفوس، يدرسون ديموغرافياً التوازن الطائفي، وأنا شخص واحد! يعني زاد واحد روم أرثوذكس على منطقة راس بيروت، بدن يشوفوا كيف بدي أثّر ع التعايش، والله العظيم، شي ما بيتصدق. نعم، متعبة الحياة في بيروت، لكن محيط الحيّ هنا كتير لذيذ، مخلوط كتير، وفي ناس بقيت ما تركت كل الحرب. - قال زياد مرّة: "أنا ما عم جرب غيّر البلد ولا عم جرّب غيّر شي، أنا عم جرّب بس ما خلّي هالبلد يغيرني. هيدي وحدها إذا بتزبط معي يعني انتصار لنفسي أولاً". زياد لا يريد أن تغيّره البلد، ويضيف: استأجرت خارج بيروت، لأنّني شعرت أنّها ممكن أن تغيّر. حسيت إنو رح بلّش صير كذّاب، بتقولي هي الكذبة بتمرقيها، والموبايل بيعوّد عالكذب كمان. تقول هذه كذبة بيضاء، 3-4 كذبات بيض بعدين بيبلّش يغيّر لونهم. استأجرت خارج بيروت، في الجبل، أفضل بكثير. أولاً لا يوجد زحمة ناس كما هنا، ولا يأتون ليطرقوا الباب بلا موعد.

 

الأخلاق والحب

عن التعبير الأمثل عن الأخلاق، يقول الرحباني: آه صعبة، القاعدة الأساس. في الفلسفة يقولون لنا هناك أنا والآخرون. الأخلاق قاعدة الأساس التي لا يختلف عليها الماديون ولا الروحيون ولا غيرهم. وإلا يأكل الناس بعضهم البعض. إذا أردت أن تصفي لبنان لأجنبي، لنخبره شو إشبو البلد، كارثة إنو نخبره عن الوضع، ومن وين بدك تبلّشي، بتقوليله: "الأخلاق". لأنها مشتركة في كل المجالات. المشترك الفاشل هو الأخلاق. ناس متل سليم الحص مثلاً بتلاقيهن بيغيبوا وبيرجعوا، وإذا بدن يحكوا شي، بيبلشوا بهَي. بتحسيهن عم يوعظوا، بس مزبوط. لا يوجد شيء آخر يسبب ما نراه. يعني قليلة السيارة الوحيدة اللي بتوقّفلك إذا طالعة من صفّة هي اللي بدها تصف محلّك؟ ثم عن التعبير الأمثل عن الحبّ، يجيب تلقائياً: والله، ما فيني قلّك شي. كنت أعرف كذا تعبير، طلعوا كلّن ما بيطعموا خبز. لكن الأكيد أن الحياة بتكون أحسن بوجوده. شي بحسّه متل الخبز والمي المفروض يكون، بس أنا الحمد لله ماشي ريجيم. وبيصير ينغرم بالجملة الواحد، للحاجة لأن يحب، بيصير مين ما شاف بيقول آه هيدا هوّي. كل إنسان يعيش الوحدة أو الفراغ في مرحلة ما، يصير يُغرم بأكثر من شخص بالوقت نفسه.

البيانيست زياد الرحباني

 

نذكّر زياد بما قاله للجمهور في حفلة صور، بشيء من الانفعال: "أنا مش فرخ البط عوّام، ولا مسبّع القارات.. بتمنّى بس دقّ ع هالبيانو". عن أمنيته الحقّة، يقول: كان طموحي بداية الحرب أن أصبح "بيانيست"، وليس مؤلفاً. كنا نصيّف في بكفيّا، كان جارنا يعزف بيانو، كلاسيك، اسمه وليد عقل، رحمه الله. وجار آخر، اسمه وليد حوراني، درس في موسكو. فكان حلمي أن أكون مثلهما وأكمل دراستي في الخارج لأكون عازف بيانو. لم أكن أفكّر بالتأليف حينها. وبعدني لهلأ أكتر شغلة بحسّ فيا، أحسن من التأليف وأقل وجع رأس، هي أنك تعزف مع غيرك، ترافق حدا عم بيغنّي، تعزف مع فرقة. هذا الأمر الأكثر سلاسة. من الناحية العملية، جدّ، نياله اللي بيعرف آلة. لأنه مع آلة لا ينتبه المرء للوقت. أتمنى لو يعرف كل مواطن آلة، أكيد الأزمات بتكون أخفّ عليه. لأنّك تكتشفين أن هذا الأمر، الذي لا أحرف فيه، تفهمه كل الشعوب على بعضها البعض، حتى إن لم يفهموا لغوياً. شغلة منّا هينة.

 

 

 

سعدى علوه - السفير

«سأروي حتى أرتوي.. اكتب لأني أظنك تقرأ.. أناديك لأني أظنك تسمع.. أراك في أحلامي وأقبلك.. تعال نغمض أعيننا، نحلق ونحتضن الحياة.. لم نصنع أيامنا بخاطرنا.. لو كانت الأرواح تهدى.. الآلاف مفقودين والآلاف عم يفتقدوهم». وقفت أميمة الخليل، في تسجيل من خمسين دقيقة، على خشبة المسرح، في مقابل مقاعد فارغة، تقرأ دعماً لحق أهالي المفقودين خلال الحرب الأهلية بالمعرفة. هي نفسها.. لم تبدّل تبديلا. حملت لافتة في شارع بدارو، رافعة الصوت لإقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري، إلى جانب الآلاف. قبله، سارت في تظاهرات إلغاء النظام الطائفي، ونادت بحق المرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأسرتها.. وغيرها من القضايا المحقة. أحدث وقفاتها كانت أمس على مسرح «الجمعية المسيحية للشابات»، تشدو تكريماً للمناضلة المخضرمة ليندا مطر. قبل أمس، نادراً ما غابت الفنانة أميمة الخليل عن نشاط مناصر لقضية محقة، أو تكريماً لشخصية تستحق. حفلاتها لدعم إذاعة «صوت الشعب» كثيرة، وغيرها من المؤسسات الخارجة عن الإصطفافات والإستزلام ورأس المال. تناصر هذه القضايا من «القلب، وعن اقتناع وتصميم، لا أحب الظلم». من يراقب نشاطها الملتزم بالقضايا، يرى أنه يشغل من وقتها مساحة أكبر من التي تخصصها للحفلات المدفوعة. «أحاول أن ألبّي جميع هذه الدعوات الهادفة إذا سمحت الظروف». يسعدها أن يراها الناس في هذا المكان «يسرني أن يكون صوتي وفني في خدمة أي قضية». لم تخرج صاحبة ألبوم «أنشودة المطر»، الذي نفدت طبعته الأولى من الأسواق، من المرأة فيها. المرأة التي تشبه النساء العاديات، برغم مسيرة فنية غنية ورائدة فاقت الخمسة وثلاثين عاماً، وبرغم الأضواء والمسارح ودور «الأوبرا» التي وقفت فيها إلى جانب الفنان مرسيل خليفة، أو وحدها، وخصوصاً مؤخراً. ما زالت أميمة، المقاومة، بالعزم نفسه والروح ذاتها والخط المستقيم المتصاعد عينه. والأهم أنها لم تختزل حضورها بالفنانة. لم تجلس في برجها العالي بعيداً من الناس. هي هنا بيننا. تصادفها في الشارع فتدعوك إلى وجبة اليوم: «لبن أمه». تلتقيها في تظاهرة مطلبية فتسألك عن مشاريعك المسائية، لتقبل دعوتك، أو تدعوك إلى جلسة على رصيف أحد مقاهي بيروت، أو لرحلة في الجبل والجرود، وربما نحو الجنوب. المهم، أنها هنا بين الناس، الناس الذين يتابعونها ويحبونها كما هي، حاضرة أبداً، لم تتغرب بعيداً في عالم الشهرة والأضواء. وهناك، في الفضاء الإفتراضي على صفحات «فايسبوك» و «تويتر»، تتابعها فتجدها قد سبقتك ربما، وقد ترسل طلباً لإضافتك إلى لائحة أصدقائها. تعلق، تتفاعل مع «بوستات» الآخرين، وتتنقل أصابعها بـ «اللايك» على ما يعجبها مما هو جميل وهادف ويستحق. وهنا، في العالم الحقيقي، وذاك الافتراضي، ستراها على طبيعتها. امرأة، لا تشبه كثيرات من النساء، النساء اللواتي يخصصن كثيراً من أوقاتهن للاهتمام بالسطحي من الأمور. تراها، على طبيعتها من دون تبرج وابتذال، ولكنها تحرص لدى اعتلائها المسرح على أناقة «السهل الممتنع» ببساطة ساحرة. تضحك من قلبها حين تناقشها بعلاقتها مع التقدم في السن وهاجس نساء كثيرات من التجاعيد، ومعها «بوتكس» التحايل على العمر: «يصبح وجه المرأة مع البوتكس كالشمع، من دون حياة، وتتحول إلى تمثال». يقتصر اهتمامها، بالنسبة إلى الشكل، على هاجس واحد «لا أحب زيادة الوزن». وغير ذلك تحب أن تكبر بـ «هيبة»: «لم تكن أمي تفعل أي شيء، بالكاد كنا نصبغ لها شعرها، وكانت تبدو جميلة». ما يعزيها «أن الجميع سيكبرون، لن يبقى أحد صغيراً». تطمح أميمة المواطنة الى أن «نعمل معاً وطناً حقيقياً». وتريد أميمة المرأة «أن ترى النساء يشغلن مواقع متقدّمة، ربما رئيسة جمهورية، ولكن بكفاءاتهن وليس بالوراثة». وتحب أميمة الفنانة أن تقف وحيدة، متكلة على ما راكمته عبر تجربتها مع خليفة وغيره، «على مسارح وقفت عليها مع مرسيل، كقرطاج وبيت الدين وبعلبك ودور أوبرا عالمية».

ثلاثة أعمال جديدة

تزخر جعبة أميمة الخليل الفنية بمشاريع جديدة تكرّس معها مسيرتها الفردية التي راكمتها مؤخراً، من دون أن تنسى أو تتخلى عن تجربتها مع الفنان مرسيل خليفة: «أنا حاضرة دائماً عندما يرى مرسيل أن صوتي يمكن أن يخدمه ويخدم ما يقوم به». لكنها في الوقت نفسه، ترى أن تفرّدها وانفرادها «يريح مرسيل من مسؤوليتي ومسؤولية صوتي، كما يخدمه ويخدمني في الوقت نفسه». يخدمه، كونها نتاج كل تلك التجربة من العمل معه وبإشرافه. لكنها اليوم تشتغل وحدها «انطلاقاً من مسؤوليتي تجاه نفسي، ومن خلال بحثي وعملي. هكذا صارت هي بالصورة ولم تعد «مختبئة وراء مرسيل». اليوم، تستعد لتقديم عمل ثلاثي بينها وبين هاني سبليني والمؤلف الموسيقي وعازف «الساكسفون» باسل رجوب، في 16 و17 أيار المقبل. يتضمن العمل أغاني قديمة بتوزيع جديد (مثل «بعد يلي بحبو») والبقية جديد. طبعاً، لعملها مع خليفة حصته. إذ تشتغل أميمة على مشروع «صوت» الذي سلمها إياه خليفة منذ العام 2011، وهو عبارة عن مجموعة أغانٍ من دون موسيقى. ستبدأ حالياً بتنفيذ «صوت» مع احتمال أن يشاركها موسيقي مبدع عبر «تصميم الصوت» وليس «توزيع الأغاني، عبر «المؤثرات الصوتية، وهو شغل لم يقدم عندنا، بل قدم في دول غربية». ويصب عملها الثالث في إطار دعمها المقاومة على أنواعها. فعبر تعاونها مع الشاعر الفلسطيني مروان نخول والموسيقي مراد خوري (فلسطيني أيضاً) يحضّر الثلاثة لـ «خطبة الأحد»، وهي مستوحاة من قداس الأحد وخطبة الجمعة. يشكل العمل (8 دقائق) «رسالة فنية أولاً وسياسية ثانياً»، وسينطلق قريباً. ويهدف في السياسة لمناهضة تجنيد المسيحيين في الجيش الإسرائيلي.

سبليني من أسلحتي

تحفظ أميمة الخليل لزوجها المؤلف الموسيقي هاني سبليني «أثراً كبيراً في مسيرتها الفنية». كانت تحب موسيقاه قبل أن تتعرف إليه. وشكلت أعمالهما المشتركة «تقدماً في مسيرتي، وكانت تجربة مختلفة عن تجربتي مع مرسيل خليفة، تجربة أحبها الناس أيضاً، وشكلت انقلاباً سلساً».

 

الأكثر قراءة