يارا خواجة - السفير

يرفع إصبعيه في الهواء. تخاله للوهلة الأولى يرفع شارة النصر. تقترب محاولاً فهم ما يقول بصوت متعب من ألم العملية الجراحية التي أجريت لساقه اليمنى. ترتب أفكاره، في رأسك أنت: هما اثنان، والأصح إبنان كي لا نقع في فخ تحويل الضحايا إلى أرقام. له ابنان في سوريا لم يرهما منذ اضطر إلى مغادرة حمص بعدما دُمر منزله. وله آخر في الأردن وابنتان في لبنان تزورانه متى سنحت لهما الظروف. أصيبت رجله بقذيفة. بقى عشرة أيام تحت القصف المستمر، قبل أن ينجح بالوصول إلى لبنان، ثم إلى المستشفى بعد جهد جهيد. عم محمد رجل سبعيني لا تحتاج إلى أن تسأل عن عمره، فخطوط يديه وتجاعيد وجهه تروي شقاوة صباه، نضج عمره ووجع عمر الحرب. لم يتخيل يوماً هذا الجد الودود أن جمعة أولاده وأحفاده في دارته في حمص ستتشرذم بهذه الطريقة وفي هذه السن. دموعه الهادئة التي تغسل لحيته البيضاء الخفيفة تبوح بملوحة الواقع. شفاهه التي بهتت ما كلت تطلب الموت.. للراحة. في المناسبة، نظارات عم محمد بقيت في حمص، تحت الأنقاض، مثل تفاصيل حياته. تلك التفاصيل التي تمر خفيفة، بلا قيمة، في يومياتنا، فلا ندرك أن فقدانها قد يسلبنا أبسط حقوقنا في رؤية وجه من يكلمنا، من يعالجنا، من نحب. حسنا، نحن في أحد المستشفيات التي تقوم اللجنة الدولية للصيب الأحمر في لبنان بدعمها لمعالجة جرحى الحرب في سوريا. هنا، كل غرفة تخبئ حكاية: هبة طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات، تمسك يد والدتها، فمنذ أُصيبت باتت كل الأصوات بالنسبة إليها.. أصوات قذائف. يوسف يكبر هبة بعامين، تعلق بعنق والدته فور خروجه من غرفة العمليات، بعدما زرع له الأطباء لحما إضافياً ليقوى على مد ساقه من جديد والمشي عليها. سناء سيدة خانها القدر نصف خيانة، فقد استطاعت أن تحمي أولادها الثلاثة من الشظايا التي استقرت في جسدها المكور فوقهم. أما أحمد، لاعب كرة القدم الناشئ، فينتظر بشوق أن تُركب له ساقان صناعيتان كي يعود إلى شغفه. كثيرة هي القصص، كبيرة هي المأساة. يرفع اصبعيه في الهواء، تخاله للوهلة الأولى يرفع شارة النصر، لكن عم محمد لم يحتج إلى نظاراته التي بقيت تحت أنقاض بيته في سوريا، مع ولديه، كي يرى أن الضحية تبقى ضحية.

دعت "الحملة الدولية لإطلاق سراح جورج عبدالله" إلى "أوسع مشاركة في التظاهرة الاحتجاجية أمام السفارة الفرنسية في بيروت يوم الأحد 1 شباط تنديدا بممارسات السلطات الفرنسية التي تستخدم أسلوب المماطلة والتأجيل في قضية الأسير جورج عبدالله". ويأتي ذلك فيما يتوقع أن تلتئم محكمة الاستئناف في باريس بعد غد الخميس للنظر في الاستئناف المقدم من قبل جان شالانسيه محامي جورج عبد الله الذي رفضت محكمة الإفراج المشروط الطلب التاسع للإفراج عنه". يذكر  أن المحكمة نفسها كانت قد أصدرت قرارا بالإفراج عنه عام 2012، وجرى تثبيت قرار الإفراج في محكمة الاستئناف عام 2013، لكن القرارين لم يسلكا طريقهما إلى التنفيذ بحجة أن مانويل فالس وزير الداخلية آنذاك، ورئيس حكومة فرنسا الحالي لم يوقع قرار ترحيله إلى لبنان. وأوضح بيان الحملة "أنها ليست المرة الأولى التي تلجأ فيه الإدارة الفرنسية إلى المماطلة في بت ملف عبد الله، ففي العام 2007 جرى تأجيل البت بطلب الإفراج السابع خمس مرات، وفي العام 2012 ثلاث مرات، وها هي لعبة المماطلة والتسويف تطوي العام 2014 لتستمر على أعتاب بداية العام 2015، ويطوي معها الأسير عبد الله ثلاثين عاما ونيف في السجون الفرنسية". أضاف: "أن أهل الأسير جورج عبد الله، وجميع مكونات الحملة الدولية لإطلاق سراحه، يسألون الحكومة اللبنانية لو ترفع قليلا من منسوب فهمها وإحساسها بالسيادة الوطنية، فتخبر أصدقاءها الفرنسيين أن ثمة مواطنا لبنانيا أفرج القضاء الفرنسي عنه، وأن الاستمرار في احتجازه لا يدخل في باب العلاقات بين دولتين سيدتين، وأنه ليس بالتوسل ولا بالتسول وحدهما تحيا الدول".

 

وسيم ابراهيم - السفير

عيون أوروبا كلها كانت مثبتة على السياسي الشاب أليكسيس تسيبراس، بعدما قاد حزبه «سيريزا» إلى فوز فاق التوقعات في الانتخابات اليونانية أمس الأول. القارة شاهدته وهو يخاطب الشعب اليوناني الذي سلّحه بتفويض واضح، ليعد بإنهاء «خمس سنوات من الإذلال والألم» سببتها سياسات التقشف. بلدان تعاني من تبعات الأزمة عاشت انتخابات اليونان كما لو أنها حدث محلي، على رأسها إسبانيا التي تشهد صعود حزب شقيق لـ «سيريزا» يعد مدريد أيضًا بالتغيير. هناك يرددون أحد شعارات حملته الأساسية: «تغيير اليونان، تغيير أوروبا». لذلك، كان صُنَّاع القرار الأوروبي في بروكسل يراقبون تسيبراس بفضول وقلق، بينما يعبر ردهات القصر الرئاسي ليُعَيَّنَ رئيسًا جديدًا للوزراء. حضر حريصًا على عدم تغيير عاداته: بدلة رسمية من دون ربطة عنق، مع بضعة أعضاء في حزبه يلتزمون بهذا التقليد. أرادوا أن يكرسوا ما قالوه عن أنهم آتون للعمل، وأنهم جاؤوا شكلًا ومضمونًا من خارج الطبقة السياسية التقليدية التي حكمت اليونان لعقود. أظهرت النتائج فوزًا كبيرًا لحزب «سيريزا» (تكتل اليسار الراديكالي)، مع 36.3 في المئة من الأصوات، أعطته 149 مقعدًا في برلمان يضم 300 عضو. الفارق كان معتبرًا مع حزب «الديموقراطية الجديدة»، الذي شكل الحكومة مؤيدًا لشروط الإنقاذ المالي، إذ حصل على 27.8 في المئة من الأصوات أعطته 76 مقعدًا. العار المتمثل بحزب «الفجر الذهبي» (النازيون الجدد) بقي ملتصقًا باليونان، فالغاضبون اليمينيون مَكَّنوه من تحصيل 17 مقعدًا، فاحتفل بذلك زعماؤه من زنزاناتهم وهم ينتظرون محاكمتهم بتهمة تشكيل «عصابة إجرامية». «الحزب الشيوعي» حقق تقدمًا، فدخل البرلمان مع 15 نائبًا. كان «سيريزا» بحاجة إلى مقعدين آخرين فقط، ليحكم اليونان وحده. لذلك كان الخيار السياسي لقيادته الذهاب إلى التحالف مع حزب صغير من اليمين الوسطي، يتفق معه على أولوية رفض التقشف وشروط الإنقاذ ويختلف معه على قضايا أخرى. هكذا تحالف تسيبراس مع يانوس كامينوس، زعيم حزب «اليونانيون المستقلون» الذي فاز بـ13 مقعدًا. هذا التحالف سيمكن «سيريزا» من موقف تفاوضي قوي مع بروكسل وبرلين، من دون أن يعطي للحزب الصغير قدرة تأثير جوهري في السياسات الأخرى. كانت ليلة من الأرق بالنسبة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. مهرجانات الاحتفال بالنصر في شوارع أثينا، حملت شعارات العداء لسياسات برلين، فهناك ينظر إليها كمهندسة لـ «كارثة إنسانية» تتجلى في بطالة تفوق 25 في المئة، وتتجاوز 50 في المئة بالنسبة للشباب. الكابوس بات أمرًا واقعًا بالنسبة إلى حكومة ميركل، فالحزب اليوناني فاز واعدًا بتحقيق أمرَين: رفض الالتزامات التي قطعتها الحكومة السابقة كشروط للانقاذ، ما يعني إلغاء التقشف، والدعوة إلى إقامة «مؤتمر أوروبي للدَّيْن» بهدف شطب نصف الدَّيْن الخارجي الهائل لليونان. زعيم «اليسار الراديكالي» كرّس بعد الفوز هذه الأولويات، قائلًا إن «قرار الشعب اليوناني يُنهي، من دون أدنى شك، دائرة التقشف المفرغة في بلدنا». صور تسيبراس رافعًا قبضة النصر تصدرت الصحف الأوروبية. عكست الصحف الألمانية خيبة أمل ساسة برلين، مع عناوين مرتابة. صحيفة «بيلد» الشعبية، عنونت على صفحتها الأولى: «اليونان انتخبت وحش اليورو». لكن حكومة ميركل تجنبت التصريحات الصدامية، مع تأكيد على خط أحمر بأنها لن تقبل شطب ديون اليونان، وهي التي تملك قسمًا معتبرًا منها. هذا النقاش خيم على اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو أمس في بروكسل. وزير مالية ألمانيا وولفغانغ شوبل، الذي يُعَدُّ العقل المدبر لخطط الإنقاذ وشروطها، قال بإصرار رافضًا أي تفاوض حول الاتفاقات السابقة: «لا أحد يفرض أي شيء على اليونان، التعهدات تبقى سارية المفعول». لكن الخط الأحمر لبرلين كان بمثابة كلمات سحرية تم تعميمها على صانعي القرار الذين يقعون في دائرة نفوذها المباشر. هكذا أكد رئيس منطقة اليورو يارون دايسلبلوم: «لا أعتقد أن هنالك الكثير من الدعم» لفكرة شطب الديون، مهددًا بأنه «إذا أردت أن تبقى في منطقة اليورو، فعليك احترام الالتزامات التي تم التعهد بها». قضية شطب الدين تمثل مسألة بالغة الحساسية لبرلين، ولمجمل حكومات اليورو التي تملك 60 في المئة من ديون اليونان المقدرة بحوالي 319 مليار يورو. صندوق النقد الدولي والمصرف المركزي الأوروبي يملكان 16 في المئة من هذه الديون، ويؤكدان أنه «من المستحيل، من الناحية القانونية»، أن يشطبا أي جزء من حصتهم. لذلك سربت برلين، للضغط على «سيريزا»، أن احتمال خروج اليونان من اليورو لا يزال واردًا، على اعتبار أن التكتل المالي قام بإصلاحات تمكنه من تحمل ذلك. من جهتهم، يرد الفائزون بأنهم يريدون البقاء في اليورو، وأن إخراج اليونان سيعني انهيارًا لكامل تكتل العملة الموحدة. لكن قيادة «سيريزا» تقول إنه «من المستحيل» تسديد الدين وضخ استثمارات يحتاجها الاقتصاد للتعافي، بعدما بلغت نسبة الديون 175 في المئة من الناتج الإجمالي. هذه الخلاصة يؤكدها كوستاس كرسوغونس، النائب الأوروبي عن «سيريزا»، العائد لتوه من احتفالات النصر في أثينا. يقول كرسوغونس في حديث إلى «السفير» إن «على النخبة الأوروبية احترام الديموقراطية وإرادة الشعب اليوناني، ولا يمكنها مطالبتنا بتسديد هذا الجبل من الديون الذي وضعوه على أكتافنا، فذلك سيجعل نمو الاقتصاد أمرًا مستحيلًا». قضية «الالتزامات» التي يكررها الدائنون لا تعنيهم، كما يردد بلهجة منفعلة أن «الحكومات السابقة تَبَنَّت أشياء من المستحيل إنجازها، لذا، علينا التفاوض من جديد حول كل شيء». المسألة الأكثر ضغطًا على برلين هي سياسية صرفة، تجعلها مع بروكسل بين فكي حسابات انتخابية محلية وأوروبية. الذهاب إلى الصدام مع «سيريزا»، وترك الخلافات تنفجر، سيقوي جبهة معارضي القرار الأوروبي المركزي، من اليسار واليمين، في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها. وتأكيدًا على ذلك، تصرف زعيم حزب «بوديموس» بابلو إيغليسياس أمس، كما لو أنه صاحب النصر. حزبه لم يَمْضِ عامٌ على تشكيله، وصعد من قلب الاحتجاجات الشعبية ليتصدر الآن استطلاعات الرأي، في بلد يشهد أيضًا مشكلة بطالة قياسية. قال إيغليسياس معلقًا على النتائج بلهجة خصام مستحكمة: «أخيرًا سيكون لدى اليونانيين حكومة يونانية، لا مندوبٌ عن أنجيلا ميركل».

 

 

عماد الزغبي -السفير

يبدي رئيس «رابطة اساتذة التعليم الثانوي» السابق حنا غريب، تخوفه على مستقبل الرابطة، بعدما تجمعت أحزاب السلطة في لائحةٍ واحدة، معتبراً أن ما جرى كان مخططاً ومعداً مسبقاً لإزاحة التيار النقابي المستقل والتنازل عن حقوق الاساتذة، وهو الذي مثل طيلة ثلاث سنوات من النضال خشبة الخلاص لهذه الفئة من الناس. ويرى في حديث لـ «السفير» أن القوى السياسية المختلفة تجمعت ضده لأنه دافع عن ذوي الدخل المحدود. وقال: «من المؤكد أنه تمت إزاحتي لأني لم أكن عضواً عادياً، ومن يدافع عن حقوق الناس لا يهمه أحد إنما يعمل باستقلالية بعيداً عن حيتان المال والطغاة». تابع غريب: «أبعدوني لأني رفضت البصم على سلسلة رتب ورواتب «مسخ» ودفعت الثمن لأني لم أبصم على ما قاموا به في السلسلة من ضرب لحقوق الناس». ويسأل: «ما قيمة المناصب إذا لم نخدم الناس الذين وضعوا ثقتهم بنا؟». ويبدي تخوفه من أن تقدم هذه القوى التي فازت في الانتخابات، على ضرب الحقوق المكتسبة للمعلمين والموظفين خصوصاً بعد الاملاءات الأخيرة لصندوق النقد الدولي وضرورة إقرار مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب المشوهة، وما تضمنته من بنود باريس ثلاثة المفخخة والتي ستشكل مصيبة كبيرة في ما لو أقرت. يعود غريب إلى عشية اليوم الأخير للمفاوضات في مقر «التيار الوطني الحر» مع مسؤولي المكاتب التربوية الحزبية (الجمعة الماضي)، قارئاً في نتائج الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، ليقول: «الطرح الذي طرحته في المفاوضات مع المكاتب التربوية، لم يأت من فراغ، وله اساس على الأرض، وعندما كنت أشدد على ضرورة إشراك المستقلين في المفاوضات، كنت أجابه بالرفض، وانه لا يوجد مستقلون، غير أن الانتخابات أكدت وجودهم، بدليل أن لائحة «الحفاظ على الحقوق وموقع الأستاذ الثانوي» مؤلفة من 13 مرشحاً، وضمت أربعة مرشحين للحزب الشيوعي وتسعة مستقلين، استطاعوا أن يحصلوا على معدل أصوات بلغ 44 في المئة من عدد الناخبين في مجلس المندوبين المؤلف من 541 مندوباً، وبحساب صغير، يحق لهذه النسبة نيل ثمانية مقاعد من أصل 18، «هؤلاء كنت أطالب بتمثيلهم، إلا أنهم لم يعترفوا بالواقع، وأصرّوا على حصر المفاوضات في ما بينهم». ولفت إلى أن المشكلة كانت في تسمية المستقلين «عندما يسمى حزبٌ مستقلاً لا يعود مستقلاً، لأنه يصبح محسوباً على من سماه، وكان من الأفضل مفاوضة المستقلين للوقوف على رأيهم، احتراماً لهم، غير أنهم رفضوا». تابع: «أدخلوا صيغة اثنين لكل حزب، وطرحت في المقابل المناصفة بين المستقلين والحزبيين فرفضوا، طرحنا توزيع المسؤوليات، ومن يريد الترشح للرئاسة، لكنهم أصرّوا على التوافق الجزئي.. حاولت تخفيف الخسائر، ليتبين أنهم سبق واتفقوا على موضوع الرئاسة، ما أدى إلى تركيب لائحة». ورداً على القول أن مقعداً شاغراً ترك له في اللائحة، يقول غريب: «نسبة الأصوات التي حصلت عليها لائحتنا (44 في المئة من المقترعين)، تدل على أن نبض أساتذة التعليم الثانوي أظهر وجود وعي نقابي.. وأتوجه بالتحية لهم لأنهم، قد أكدوا صحة طرحي». ولجهة الأسباب التي دفعته لطرح نفسه للرئاسة يجيب: «لم يأت الطرح من فراغ، كون المستقلين القوة الناخبة الأولى، وحتى وهي منفردة، وأثبتت الأرض خلاف ما تكلمت عنه الأحزاب، على الرغم من تجمع قوى الثامن والرابع عشر من آذار ومعهم عدد من الأحزاب في لائحة واحدة». وقال: «ما يشرفنا أننا واجهنا القوى السياسية التي لم تدفع حقوقنا، وهذا شرف لي، لأنني رفضت البصم على ضرب الحقوق». ورأى أن الأحزاب فرضت هيمنتها ونقلت موقع الرابطة، من الموقع النقابي المستقل، إلى المهيمن عليها، وما لم يستطيعوا أخذه بالتحرك النضالي في الشارع، سعوا إليه من خلال الانتخابات. واعتبر أن الرابطة أصبحت ممسوكة من قبل السلطة. مبدياً تخوفه على الرابطة، لانتقال قرارها إلى السلطة السياسية. وقال: «ثلاث سنوات ونحن في الشوارع من اجل المحافظة على الموقع الوظيفي للأستاذ الثانوي في مشروع سلسلة الرتب والرواتب كحق مكتسب مكرس بقوانين منذ نصف قرن. وإلغاء المواد القانونية اللاإصلاحية المطروحة مع السلسلة كوقف التوظيف وتطبيق التعاقد الوظيفي وخفض تقديمات نظام التقاعد وخفض المنح بأنواعها ومساهمات الدولة للطبابة والاستشفاء في الصناديق الضامنة وتهميش دور وصلاحيات أجهزة الرقابة. وتعزيز الوحدة النقابية للرابطة. وحماية استقلالية الرابطة وقرارها النقابي المستقل، ولم نترك أي عمل نقابي إلا وقمنا به، وكان الأعضاء يطرحون على أحزابهم المطالب، من دون نتيجة، أما الآن فقد أصبحت الرؤية أوضح». وأكد غريب أنه على الهيئة الجديدة للرابطة متابعة المسيرة، «لأنني لم اسلم رابطة مستسلمة، ولا متخلية عن الحقوق، بل اسلم رابطة هي رأس حربة في المواجهة، وصلت إلى مكان لم تصل إليه في تاريخها النقابي». وأمل أن تتابع القيادة الجديدة المسيرة، انطلاقاً من الموقف الذي وصلنا إليه، أي لا تفريط بموقع الأستاذ الثانوي ولا بحقوقه، وبردم الهوة مع الأستاذ الجامعي، ومواجهة بنود باريس3، حتى لا تأتي سلسلة مشوهة، كما يسعى إليها «البنك الدولي» من خلال إيهام الناس أنهم يريدون إعطاء سلسلة، بعدما ضربت الحقوق فيها، بل من اجل جمع الضرائب وفرضها على الناس».

محفوض: «التنسيق» مستمرة

أكد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمه محفوض أن «العمل النقابي بطبيعته هو عمل معارض وما من عمل نقابي موال، وبمجرد أن تحاول السلطة السياسية وضع يدها على العمل النقابي يسقط هذا العمل، ونصبح كالاتحاد العمالي العام هيكلاً فارغاً لا قيمة له ولا ينطق باسم أحد». وقال: «لا نريد أن يعتقد أحد من السياسيين أن ما حصل من تغيير بالأمس في رابطة التعليم الثانوي سيؤثر على هيئة التنسيق النقابية. أولاً هيئة التنسيق مستمرة في تحركها والسلسلة حق الناس، سلسلة تحفظ حقوق الجميع وسنحصل عليها. والنقطة الثانية أن القرار المستقل لهيئة التنسيق أهم من قرار السلسلة وإذا أعتقد البعض أنه سيسرق قرار الهيئة فهو مخطئ لأنها مستمرة في التحرك وفي قرار مستقل والسلسلة هي العنوان الأساسي الذي سنحصل عليه في الأسابيع المقبلة». وشدد محفوض بعد جمعية عامة للمعلمين في مقر فرع الشمال أن «هيئة التنسيق كسبت ثقة الناس لأنها كانت تنطق بوجعهم، وكانت مستقلة ولم ترضخ لأي ضغط من أي طرف سياسي في البلد». ولفت إلى أن «الجمعيات ستعقد في المحافظات للتشاور في الخطوات المقبلة كي لا تذهب هيئة التنسيق الى خطوات تجهلونها». وأعتبر أنه مع الإيجابية أن يبدأ العام الدراسي بشكل طبيعي و»الإفساح في المجال للسلطة السياسية والتشريعية للتشريع من دون ضغط الشارع، لم نقابل بأي مؤشر إيجابي من السلطة السياسية التي تقول دائماً لا تشريع تحت ضغط الإضرابات، لكن ماذا فعلت هذه السلطة؟ لقد وضعت السلسلة على الرف ومددت لنفسها بخمس دقائق وعالجت موضوع النفايات بخمس جلسات وتركت السلسلة التي تهم مليون لبناني رغم قولهم أنها من حقنا ولم يقرّوها. أمامنا أسبوعان أو ثلاثة أسابيع وسنضع خطة تحرك، ومن هنا نطالب الرئيس نبيه بري بإعادة السلسلة الى اللجان المشتركة لبحثها كي نجنب البلد أي خضة أمنية».

أسئلة

ما إن هدأت «عاصفة» انتخابات «رابطة التعليم الثانوي» حتى بدأت ردود فعل الأساتذة بالظهور، وتحديداً على موقع الرابطة، رداً على تحالف الأحزاب «لإبعاد حنا غريب عن الرابطة». كتبت المعلمة لينا كروم: «وداعاً للعمل النقابي». وسأل مصطفى حمزة: «ماذا يمكن تسمية اللائحة التي قامت على المحاصصة بين الأحزاب، وليس على إرادة المعلمين، لائحة الإرادة الشعبية؟ إنها لا تمثل السلطة بل المغتصبين لها». وسأل عمر ديب: «شو يللي ممكن يوحِّد القومي والكتائب، حزب الله والقوات، الاشتراكي والعوني؟ وأجاب: «أكيد حنا غريب». وعبّر عدد من الأساتذة عن انزعاجهـــــم، وآخـــرين عن استـــيائهم مما وصلت إلــــيه الأمور، وحاول البعض الدفــــــاع غـــير أن الردود عليهم كانت عنيفة.

"الاشتراكي": انتخابات ديموقراطية

حيّت مفوضية التربية والتعليم في "الحزب التقدمي الاشتراكي"، في بيان، الأساتذة الثانويين "لخوضهم معركة انتخابية ديموقراطية أثبتوا من خلالها تحليهم بالمسؤولية الوطنية والمهنية والأخلاقية. وأكدوا أنهم يشكلون مثالاً يحتذى في الممارسة النقابية المسؤولة". ورأت أن "الحفاظ على المكتسبات النقابية التي حصلت في المرحلة السابقة واستكمالها هو مسؤولية تتطلب تضافر الجهود كلها". ودعت إلى "تحقيق التكامل بين المعركة المطلبية المحقة والنضال النقابي من أجل إصلاح حقيقي وشامل في مختلف القطاعات".

 

هيلدا حبش - السفير

سبع سنوات مضت على رحيلك أيها الحكيم يا رفيق الدرب النضالي الطويل. سبع سنوات عجاف مرت علينا وعلى شعبنا وأنت ما زلت تسكن وتشغل القلوب والعقول. نفتقدك اليوم أكثر من أي وقت مضى في هذا الليل الحالك وهذا الزمن الرديء. زمن يتجمد فيه الدم في عروق أطفالنا الذين يموتون قهراً وبرداً وجوعاً، تعصف الرياح العاتية بخيامهم وتجرف معها ما تبقى من نبض للحياة الحرة الكريمة. زمن تُدمّر فيه الأوطان. كل ذلك يجري أمام مرأى ومسمع العالم المتحضر الهش. عالم تجمدت فيه العواطف الإنسانية ومات الضمير واندثرت القيم والمبادئ التي تربينا عليها. عالم تسوده الصراعات الإقليمية والدولية والمصالح الذاتية الضيقة ويتهافت على نهب ثروات وطننا العربي ويبني أمجاده على حساب تدمير حضارة الشعوب ولو تطلب ذلك إبادة جماعية لشعوب بأكملها بتاريخها وحضارتها ومستقبلها ومستقبل أجيالها. عقود من الزمن عشتها إلى جانبك أيها الحكيم عاصفة بالأحداث التاريخية بكل ما حملته من منعطفات خطرة، وكانت تتطلب منا أعلى درجات التضحية والتفاني وإنكار الذات. منذ أن ارتبطت بالدكتور جورج حبش في 30 تموز 1961 والتحقت في صفوف حركة القوميين العرب، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام أحداث كبيرة كانت تعصف بالوطن العربي والأمة العربية. في هذه الذكرى الأليمة سأتحدث عن الجانب الإنساني في حياة الحكيم وعلاقته الوثيقة بعائلته الصغيرة التي انصهرت في أتون الأحداث والمعارك الملتهبة. ورغم مشاغله وهمومه إلا أنه كان ينتزع الوقت ولو لبضع ساعات للجلوس معنا والتحدث إلينا والاستماع إلى مشاكلنا، وكنا نبادله المشاعر الجياشة والمتأججة نفسها، ونعبّر له عن مدى حبنا واشتياقنا له. كان يمثل لنا حالة من النقاء الإنساني والثوري النادر. في تلك المرحلة من عمرنا كنت أدرك تماماً أني ارتبطت بالطبيب الإنسان الثائر على الظلم. الطبيب الذي ربط مصيره بمصير شعبه وانحاز للفقراء والكادحين والمقهورين الذين ذاقوا مرارة النكبة وعاشوا تداعياتها من تهجير وتشريد وظلم وقهر وحرمان. كان رجلاً استثنائياً عاش ومات من أجل شعبه وقضيته العادلة، ووهب حياته وعصارة فكره وعلمه وتجاربه لمحاربة الظلم والاضطهاد. منذ أن تعرفت على هذا الإنسان الكبير تعرفت على السجون ومخافر الشرطة والمخابئ تحت الأرض وحياة المنافي والتنقل بجوازات سفر متعددة وبجنسيات مختلفة وأسماء مستعارة ومحاولات الاغتيال والاختطاف وأحكام الإعدام، والملاحقات الأمنية من قبل الموساد والاستخبارات الأميركية والعديد من القوى المعادية. منذ تلك اللحظة أعلنت حالة الطوارئ والاستنفار وتسلحت بأقصى حدود اليقظة والحذر وتدربت على السلاح. تلك الظروف القاسية انعكست على حياتنا الخاصة وحياة ابنتينا ميساء ولمى، لقد طالهما قسط وفير من التحمل والصبر والتضحية. كانت معاناتنا كبيرة وكان علينا بعد كل عملية فدائية للجبهة أن ننتقل إلى أماكن أكثر أمناً وننقل طفلتينا ليلاً وهما نائمتان حفاظاً على سلامتهما. كنا نلتقي على وقع الأوضاع الأمنية وعلى دوي الانفجارات والصواريخ، وخاصة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت. علاقته بالرفاق في الجبهة الشعبية قامت على الاحترام المتبادل والتواضع والتسامح والاهتمام بشؤونهم الحياتية والعائلية الخاصة. كان الأب الروحي لكل منهم، يحترم حرية الرأي والتعبير، يجسد القيادة الجماعية فكراً وممارسة. لم يكن يوماً ديكتاتوراً بل أرسى قواعد الديموقراطية في صفوف الجبهة الشعبية، اعتمد على أسلوب التوعية والتثقيف الحزبي وإعطائهم الفرص للقيام بدورات فكرية تثقيفية مكثفة. حظي باحترام الجميع لما كان يتمتع به من خلق رفيع وقيم سامية لا يحيد عنها حتى أصبح يطلق عليه لقب «ضمير الثورة» عن جدارة وبامتياز. عمل جاهداً على تحقيق الوحدة الوطنية بين كل القوى الفلسطينية، لم يكن يعرف التعصب الديني أو الطائفي أو الحزبي ولا الأحقاد، بل كان متسامحاً حتى مع خصومه السياسيين. لكن الثوابت الوطنية بالنسبة له خط أحمر لا يمكن التفريط بها. بقي قابضاً على جمر مبادئه طيلة حياته النضالية وهذا ما منحه ثقة الشعب الفلسطيني والعربي وثقة جميع القوى الحرة والصديقة المؤيدة للثورة. بقي الحكيم حتى آخر رمق من حياته صادقاً وفياً لشعبه، منسجماً مع نفسه ومبادئه، يجسد كل كلمة كان يقولها وسيبقى الضمير الحي في تاريخ الثورة الفلسطينية، وستبقى ذكراه حية متوهجة في قلوب جميع محبيه وفي وجدان شعبه وأمته العربية. زوجة المناضل الراحل جورج حبش

إسكندر حبش - السفير

يبدو أنها واحدة من تلك القصص التي لن تنتهي، إذ نجدها تُستعاد كلّ فترة لتصبح من جديد «الحدث» الذي يفرض نفسه علينا: هل مات بابلو نيرودا مقتولا بحقنة سامة، لا من جراء «سرطان البروستات» مثلما أُعلن رسميا يومها؟ ما زال التشيليون إذًا، وبعد أكثر من أربعين سنة، يبحثون عن حقيقة «موت» شاعرهم الأكبر، الذي رحل بعد أيام من الانقلاب الذي قام به الجنرال بينوشيه (مدعوما من الولايات المتحدة الأميركية) ضد الرئيس التشيلي السابق سلفادور ألليندي (في 11 أيلول عام 1973). إذ أُعلن في العاصمة سانتياغو، قبل يومين، (وفقا لبيان من وزارة الداخلية التشيلية)، أنه ستُجرى تحاليل جديدة «تبدأ في الأسبوعَين الأولَين من شهر نيسان المقبل» على رُفات الشاعر لمعرفة «ما إذا كان قد تمّ حقنه فعلا بالسمّ»، وفق أقوال القاضي ماريو كاروزا. تحقيق جديد يضاف إلى التحقيقات والتحاليل السابقة التي اتسعت بشكل كبير بطلب من القضاء منذ العام 2011، لإزالة الغموض والالتباس اللذين لا يزالان يحيطان بموت الشاعر والدبلوماسي (كان سفيرا لبلاده، وحائزا جائزة نوبل للآداب)، على الرغم من أن الرواية الرسمية التي صدرت يومها تؤكد أن السبب الرئيس للوفاة (23 أيلول من العام 1973) هو مرض سرطان البروستات الذي كان يعاني منه. إلا أن بعض الفرضيات المخالفة تؤكد أن السبب هو حقنة سامة. ما هي هذه الفرضيات المخالفة وكيف بدأت؟ البداية كانت بعد وفاة نيرودا، حيث أعلن مانويل أرايا (سائق نيرودا ومساعده الخاص) ذلك الأمر، (ولم يتوقف عن ترداده قبل أن يصمت ويتوارى). لكن نظرا لما كانت تعرفه تشيلي يومها، لم يتحدث أحد بالقضية مجددا، لدرجة أن الجميع «تناسوها»، وإن بقيت حاضرة في أذهان كثيرين، لتعود وتحضر بخفر مع بداية العام 2000. في العام 2011 خرج السائق عن صمته، ليتحدث في مقابلة صحافية عن الساعات الأخيرة من حياة نيرودا، ليتطرق في كلامه إلى هذه المسألة. ربما ما ساعده على الكلام، ما جرى في تلك السنة، من إجراء تحاليل على رفات سلفادور ألليندي، لتبيان ما إذا كان انتحر (كما قالت الرواية الرسمية) أم أنه قُتل بعد أن اقتحمت قوات بينوشيه القصر. وقد أكدّ خبراء طبيون دوليون في نهاية الأمر ما كانت أعلنته الطغمة التي حكمت، بأنه انتحر فعلا. إذًا، أتى كلام مانويل أرايا في تلك السنة، ليعيد إلى الأضواء هذه الفرضية. إذ قال في حديثه الصحافي، إن بابلو نيرودا، لم يمت من جراء مرضه، «بل قُتل بأمر من بينوشيه نفسه، حين كان لا يزال في المستشفى، إذ أعطي حقنة ضد الألم، بيد أني أظن أنها كانت حقنة سامة أودت بحياته». وأضاف أرايا أنه قبل رحيل نيرودا عن عمر 69 سنة، بأيام قليلة، طلب منه (الشاعر) المجيء إلى مستشفى سانتا ماريا في سانتياغو، ليخبره بأنه يشعر بالآم كبيرة في المعدة وحريقا مضرما، بعد أن حقنه أحد الأطباء ببطنه، وإن كان السائق يعترف بأن نيرودا أصيب بالسرطان قبل دخوله المستشفى. لكن على قول أرايا أيضا: «إن دخوله إلى المستشفى لم يكن من جراء المرض، إذ لم يكن يبدو عليه أي آثار للتعب، بل لأنه كان ينتظر وصول الطائرة لتقله إلى مكسيكو»، لأن الرئيس المكسيكي يومها سمح لنيرودا باختيار المنفى، وقد أرسل له طائرة خاصة لتنقله إلى المكسيك، لكن بينوشيه لم يستسغ الفكرة، «كان نيرودا يتمتع بتأثير كبير في العالم. كان يريد أن يطلب من مثقفي العالم وحكامه أن يساعدوا تشيلي في إعادة الديموقراطية، وبما أن الشاعر كان شيوعيا وهو من أخلص محازبي الرئيس، كان يملك كلّ المقومات لكي يصبح زعيم المعارضة في وجه السلطة الجديدة». من هنا، ووفق أرايا، كان (بينوشيه) يخشى في ما لو غادر نيرودا تشيلي أن يقوم بتأليب الرأي العام، عبر مناداته بالديموقراطية». إعادة التحاليل سرعان ما اتسع الخبر يومها وتفاعل، ليصيب «دخان هذه القنبلة» عددا كبيرا من المهتمين وبخاصة أنه يتعلق بواحد من كبار شعراء القرن العشرين، على الرغم ممّا أثار الكثير من الحيرة والتساؤل، وليعيد فتح صفحة جديدة من صفحات الديكتاتورية في تشيلي... وعلى الرغم من نفي مؤسسة بابلو نيرودا لهذا الخبر، وتأكيدها أن الشاعر توفي من جراء مرضه، كما أن ليس هناك أيّ دليل على صحة هذه الإشاعات، إلا أن كلام أرايا أثار الكثير من الالتباسات حول التاريخ وحول الشاعر. ونظرا لتفاعل القضية قررت السلطات التشيلية في بداية العام 2013 إخراج رفات نيرودا من مدفنه في «إيسلا نيغرا» (الجزيرة السوداء) لاجراء فحوص وتحاليل تثبت أن هناك سمّا في جسده. بيد أن الجهاز الطبي الشرعي، الذي تألف من خبراء دوليين، لم يجد أي أثر لسمّ في جسد نيرودا. بعد هذه النتيجة، احتجّ قسم من عائلة نيرودا عليها مطالبا بإعادة إجراء التحقيق. من هنا تأتي هذه التحاليل الجديدة، بعد سنتين تقريبا، لكن هذه المرة تأتي للبحث «عن آثار غير عضوية أو عن بعض المعادن الثقيلة في بقايا رفات الشاعر وعظامه». فوفق ما قاله المحامي رودريغو لييدو (من وزارة الخارجية) إن التحاليل الأولى لم تنجح في تحديد «إن كان هناك سمّ في رفات نيرودا، بسبب الزمن الذي مرّ منذ رحيله. لذلك ستبحث هذه التحاليل الثانية عن إمكانية تحديد عمّا إذا كانت هناك خلايا أو بعض البروتينات التي دمرتها بعض المواد الكيميائية، التي لم نعثر عليها في السابق لأن التحاليل الأولى كانت تتركز على البحث عن آثار لسموم ما»... «هناك حالات سابقة يمكن لها أن تؤكد أن بابلو نيرودا مات مسموما. وإن تبيّن ذلك، فسيكون الأمر بمثابة جريمة ضد الإنسانية»، كما قال فرانشيسكو أوغاس أمين عام برنامج حقوق الإنسان في تشيلي. ثمة كلمة لافتة في كلام أوغاس. «حالات سابقة». ما هي؟ كلّنا يذكر أنه في العام 2009، كشفت تحاليل وتحقيقات بأن سلف الليندي، الرئيس إدواردو فراي مونتالفا، تمّ تسميمه فعلا من قبل «الدينا» (شرطة بينوشيه السريّة) العام 1982، بعد أن كانت الرواية الرسمية تؤكد انه مات من جراء «تسمم بالدم» بعد شهرَين من إجرائه لعملية «فتق بعضلة البطن» في أحد المستشفيات. واللافت إنه المستشفى عينه الذي توفي فيه نيرودا. أضف إلى ذلك أنه في شهادة وفاة الشاعر كتب يومها أنه يعاني، بالاضافة إلى مرضه، من «سوء تغذية». سوء تغذية! مع العلم أن نيرودا كان يزن مئة كلغ حين وفاته. «إنها المرة الأولى التي تشترك فيها إحدى مؤسسات الدولة في عملية البحث عن حقيقة موت بابلو نيرودا، كما قال إبن اخت الشاعر المحامي رودولفو رييس الذي أضاف أن معرفة الحقيقة أمر ضروري، لا لعائلتنا فقط، بل أيضا من أجل تشيلي ومن أجل العالم بأسره.» هو البحث عن الحقيقة إذًا. لكن من منّا يذكر البيت الشعري الذي كتبه نيرودا مرة: «الحقيقة، هي أن لا تكون هناك حقيقة»؟ لننتظر.

 

وسيم ابراهيم - السفير

قاطعت هتافات الحشد أليكسيس تسيبراس وهو يوشك على إنهاء خطابه. وكان تسرّب وراءه من جانب المنصة شاب نحيل بشعر مربوط إلى الخلف. في الأصل كان يوماً عاطفياً لأنصار حزب «سيريزا»، فهم يسمعون زعيمه لآخر مرة في العاصمة قبل الحسم الانتخابي يوم غد الأحد. يتحضّرون للنصر، ويحشدون له. لكنّ المقبل الجديد عزيز على قلوبهم أيضاً. أخذه تسيبراس بالأحضان، ولوّحا معاً للجمهور المبتهِج. قاده إلى المنبر لتحية الناس وقول شيء لهم. لكن الأغنية التي تعلو من المكبرات فرضت نفسها، إذ كان المغنّي يقول حينئذٍ «... ثم نأخذ برلين». ضحك تسيبراس، ثم تقدّم قليلاً وصار يصفق للناس مع إيقاع الأغنية. لحظة ـ وتصمت الموسيقى، فيهمّ الضيف بالكلام. حشد أنصار «سيريزا» يعرفه بالطبع. إنه بابلو إيغليسياس (1978)، الذي يصغر تسيبراس بأربعة أعوام، ويتزعم حزب «بوديموس» الإسباني. كلاهما من معسكر «اليسار الراديكالي»، وصعدا من قلب الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات التقشف. في حين تؤكد الاستطلاعات فوز «سيريزا» في اليونان، فهي تضع أيضاً «بوديموس» في صدارة الأحزاب الإسبانية، برغم أنه تشكل قبل أقلّ من عام. اليونانيون يحفظون شعاراً ابتكره أنصار الحزب الاسباني ابتهاجاً بأخوّة أحزاب ولدت من همومهم. لم يتمكن إيغليسياس من الكلام، فصوت المحتشدين علا بالشعار: «سيريزا بوديموس فين سي ريموس»، مقلّدين تقطيع الإسبان الكلمة الأخيرة لصنع الإيقاع في الهتاف (فينسيريموس بمعنى سننتصر). «شكراً لكم»، قال إيغليسياس ردّاً على تحية الجمهور، مكمّلاً وهو يبتسم: «أولاً نأخذ منهاتن، ثم نأخذ برلين». يشتعل التصفيق والهتاف من جديد. هنا أوروبا أخرى، تلك التي تحلم الآن. هذا المشهد رآه الملايين حول القارة، خصوصاً في دول الجنوب الأوروبي المأزوم، في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا. هناك أيضاً أرهقتهم سياسات التقشف، وجعلت أكثر من نصف الشباب الإسباني واليوناني عاطلاً عن العمل. بهذه الإحصاءات التعيسة يسجلون أرقاماً قياسية وغير مسبوقة. في بروكسل، راقب صناع القرار الأوروبي المشهد بامتعاض. فألمانيا ليست سعيدة أبداً بخيار اليونانيين. «سيريزا» يرفع شعار الخروج من سياسات التقشف المفروضة، والالتفات لحل الأزمة الاجتماعية عبر «إعادة بناء الأمل». الانطلاق من توفير فرص للشباب، استعادة دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، ومساعدة مئات العائلات الفقيرة التي تضررت بشدة. حكومة برلين حذرت علناً بأنها لن تقبل أو تتسامح مع برنامج سياسي كهذا، لكنها تراجعت إلى الصمت لأن كلامها أتى بأثر عكسي. التحذيرات لم ترفع شعبية حزب «الديموقراطية الجديدة»، من عائلة «المسيحيين الديموقراطيين»، وهو حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بل زادت غضب اليونانيين ليدعموا أكثر خصمه. آخر الاستطلاعات واصلت إعطاء «سيريزا» الصدارة، مع 32.5 في المئة، متقدّماً بفارق خمس نقاط على «الديموقراطية الجديدة» الذي شكّل الحكومة المنتهية ولايتها. السؤال الذي يتردّد الآن لم يعُد إن كان «سيريزا» سيفوز، بل بأيّ نسبة وفارق عن خصمه. يحث تسيبراس اليونانيين على التصويت بزخم، علّ المفاجأة تكون أكبر بما أن هناك أكثر من 7 في المئة من الناخبين لم يحسموا أمرهم. إذا فاز حزبه بنسبة 38 في المئة، فيمكنه قيادة الحكومة وحده (يعطيه ذلك 151 مقعداً في برلمان يضم 300 عضو)، من دون الحاجة إلى تشكيل ائتلاف مع حزب آخر. لكن مَن عرضوا الائتلاف مسبقاً هم أحزاب عدة. هذا ما فعله حزب «بوتامي»، الذي يعارض برنامج الإنقاذ وجعلته الاستطلاعات ثالثاً مع 6 في المئة، وهناك «الحزب الشيوعي» الذي يتوقع أن يعزز موقعه مع 5 في المئة. رئيس الوزراء الحالي أنطونيو سامراس يقود حملة حزب «الديموقراطية الجديدة»، ويسوق للجمهور أن التزامه بشروط الدائنين الدوليين بدأ يؤتي ثماراً تحتاج وقتاً كي تنعكس على وضع الناس. من سخرية الأقدار التي تعكس عمق أزمة اليونان، أن زعماء حزب «الفجر الذهبي» (النازييون الجدد) يديرون حملتهم من خلف قضبان السجن. صعد حزبهم أيضاً في السنوات الأخيرة، وحصل على عشرة في المئة في الانتخابات الأوروبية السنة الماضية. قادته ما زالوا يحاكمون بتهمة تشكيل «عصابة إجرامية»، بعد مجموعة حوادث قتل اتهم بها أنصار الحزب. وبرغم انخفاض شعبيتهم، لا تزال الاستطلاعات تعطيهم فرصة للمنافسة على المركز الثالث. كل أنظار أوروبا موجهة الآن إلى «سيريزا»، فانتصاره يجعله أول حزب يصل إلى الحكم في التكتل الأوروبي حاملاً سخط الشعب. شقيقه «بوديموس» سيكون نهاية العام على موعد أيضاً مع حسم انتخابي. هكذا يتعمّق الشرخ بين جنوب أوروبا، وشمالها الذي يشهد اتجاهاً معاكساً مع صعود أحزاب اليمين المتطرف. إنها «لحظة تاريخية» لليسار الأوروبي، كما تقول زعيمة تكتله في البرلمان الأوروبي، النائبة الألمانية غابي زيمار. كانت قبل أيام تشهد بنفسها التغيّر الذي تعيشه شوارع اليونان. خلال حديثها إلى «السفير»، تقول زيمار إن «الأزمة الإنسانية التي تعيشها اليونان عميقة جداً، لذلك سيكون فوز سيريزا لحظة مهمة للتغيير في أوروبا، وهذا يمكنه أن يفتح الباب لسياسة بديلة عن التقشف، ولليسار البديل وللقوى التقدمية». وبالنظر إلى النجاح الذي يحققه «سيريزا»، تقول زيمار إن اليسار الأوروبي يمكنه التعلم منه: «داعمو سيريزا في اليونان ليسوا فقط أنصار اليسار الراديكالي، بل حلف واسع من الناس على الأرض. هذا ما يجب أن نتعلّمه من سيريزا، أن النضال لا يكون فقط على جبهة الأيديولوجيا بل عبر الاندماج بالناس». حينما كانت «السفير» تتجوّل في أثينا قبل أيام لاستطلاع مزاج الشارع، قابلت من يعتبرون تسيبراس غير واقعي. بعض أنصاره لم يكونوا ينزعجون من الوصف، لكن يصححونه «إنّه حالم أكثر مما هو سياسي». يمكن لذلك أن يكون انتقاداً، لكنّ الشاب الذي قاله كان معجباً، «أنا نفسي شخص حالم. ليس بالضرورة أن يُصاب الحالمون بالخيبة، يمكنهم أن ينتصروا أحياناً». حينما صعد ايغليسياس لعناق تسيبراس على منصة أثينا، كان الحشد يلوّح بلافتات كتب عليها: «تغيير اليونان، تغيير أوروبا». أما الأغنية التي تصدح، فكانت للمغنيّ الشهير والشاعر الكندي ليونارد كوين. روحها تحمل طاقة حلم جبّار، ممتلئ بتصميم صاحبه. تقول مقدّمتها الهادئة التي تصدح بالجملة الأخيرة: «حكموا عليّ بعشرين سنة من الضجر، لمحاولتي تغيير النظام من الداخل. أنا آتٍ الآن. آتٍ كي أكافئهم. أولاً نأخذ منهاتن.. ثم نأخذ برلين».

 

 

 

سامي رستم - السفير

بثّت إذاعة «شام أف أم» مقابلة مع زياد الرحباني، يوم الثلاثاء الماضي (23/12). قد يكون هذا الخبر عادياً جداً، لكثرة اللقاءات التي يجريها زياد في الإعلام خلال الفترة الماضية. لكن بالنسبة للكثيرين من مستمعي الإذاعة، كان هذا الحديث إضافة مميزة، بمضمونه الحميمي، إلى أرشيفهم الخاص.«إعادة» تعريفتتكرَّر في أسطوانات زياد الرحباني مع فيروز فكرة «الاستعادة». في «كيفك إنت» (1991) نستمع إلى Reprise لأغنية «مش فرقة معاي»، وفي ألبوم «مشْ كاين هيكْ تكونْ» (1999) تأتي الأغنية السادسة بعنوان «تذكير». من ناحية موسيقية، ربما يُعدّ ذلك وسيلة للوصول إلى نغمةٍ جديدةٍ عن طريق تكرار اللحن ذاته، أو ربما يصل للمستمع احساس جديد من تلك «الاستعادة». نستلهمُ من تلك التقنية «حيلةً»، لتقديم عناصر المقال.سوريا: بلد متوسطي في غرب آسيا، يحده شمالاً تركيا، شرقاً العراق، جنوباً الأردن، غرباً فلسطين ولبنان... والبحر الأبيض المتوسط. يعيش هذا البلد مرحلة صعبة جداً في تاريخه، تتسارع فيه الأحداث مشكلة مأساة إنسانية كبرى تصل تداعياتها إلى الشرق والغرب.زياد رحباني (1956) فنان عربي من لبنان، ألّف مقطوعات موسيقية ساهمت في إثراء المكتبة العربية، كما شارك في مسيرة الفنانة فيروز عبر أربعة عقود. هذا الصوت الذي وصفه حديثاً في مقال صحافي في «الأخبار» (2014) بالتالي: «قَرَطْني «الصوت»... اشتغلت فيه لهلق 40 سنة، وولا مرّة قدرت شفتو... كتير بيشبه الله».إذاعة «شام اف ام» هي وسيلة إعلامية تأسست العام 2007 في دمشق، وكانت منبراً تمايز عن باقي الإذاعات السورية الخاصة في البداية، لنوعية البرامج الفنية والاجتماعية التي تحترم المستمع. في تلك الإذاعة تعمل هيام حموي في غرفة ضيقة جداً، وتحيك من الأصوات والكلمات والألحان عملاً تسمّيه هي: «فناً اذاعياً».زياد في «الحياة المسرحية» والسينماحضر زياد الرحباني إلى دمشق وهو طفل صغير. نعثر في مجلة «الجندي» السورية (1959) على صورة نادرة: يجلس زياد إلى جانب والدته فيروز، وهي تستمع إلى المحامي والناقد الموسيقي نجاة قصاب حسن، وهو يلقي محاضرة عن فنّ الأخوين رحباني، بحضورهما. يختتم عاصي الرحباني تلك المحاضرة بأبيات شعرية تقول: «لا أنا ولا إنتي أنا، لا التقينا ولا منعرف بعض، ع دربكن الورد الله يحرسه، والمفرق الصوب المزارع دربنا».استمرّت الزيارات إلى العاصمة السورية برفقة الرحابنة. في العام 1971، قدّمت فيروز المسرحية الغنائية «ناس من ورق» في دمشق. حضر زياد بين العازفين. كان ذلك قبل أن يقدّم أوّل ألحانه بصوت فيروز العام 1973 «سألوني الناس». في العام 1977، عرضت مسرحية «بترا» في دمشق وافتُتح العمل بمقدمة موسيقية ألفها الرحباني، وهي أولى المرات التي يستمع فيها الجمهور السوري لموسيقى صرفة كتبها صاحب «قديش كان في ناس».خلال الحرب في لبنان، لم يقدّم الرحباني أيّة حفلة في سوريا، على الرغم من شعبيته الواسعة، إلّا أنّ تواصله مع الجمهور السوري لم ينقطع كلياً.في خريف العام 1980، صدر عدد من مجلة «الحياة المسرحية» الفصلية (ترأس تحريرها الكاتب المسرحي سعد الله ونوس) حاملاً على غلافه صوراً من أجواء مسرحية «فيلم أميركي طويل». في داخل العدد نعثر على ندوة موسعة أجريت مع الرحباني والمشاركين في العمل. كانت المجلّة تصدر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي، لكنّ ذلك لم يمنع من إجراء مقابلة مع زياد، على الرغم مواقفه السياسية في تلك الفترة.بعد سنوات قليلة، استمع الجمهور السوري إلى موسيقى زياد، لكن في صالات السينما. على «يوتيوب» نقع على مقتطفات نادرة من فيلم «وقائع العام المقبل» (1986) للمخرج سمير ذكرى. تمّ إنجاز العمل رغم الصعوبات الأمنية وكان الفيلم من انتاج «المؤسسة العامة للسينما»، ويحكي قصة شاب درس الموسيقى في الاتحاد السوفياتي، وعاد حاملاً مشروعاً موسيقياً إلى بلاده إلا أنّه اصطدم بمشاكل البيروقراطية وغيرها. قد تتشابه حياة «نور في شي فاشل» مع تلك الشخصية.زياد في دمشق: الغلاف الأصفرجاء العام 2008 المحطة الأبرز، أولاً لأن فيروز قدمت مسرحية غنائية بعنوان «صح النوم» في دمشق، وقام زياد بتوزيعها موسيقياً وإن لم يذكر اسمه على الملصق (!). وثانياً، لأنّ الرحباني حضر شخصياً وقدّم سلسلة حفلات موسيقّية ضخمة في قلعة دمشق وصفت «بالتاريخيّة».ترافقت رحلة العمل بإطلالة إعلاميّة أولى لزياد على أثير اذاعة «شام أف أم». الحماس الكبير وأجواء التحضير الضاغطة جعلت من هيام حموي التي حاورته تتعثر قليلاً لأسباب خارجة عن ارادتها، وكانت اتصالات الناس المباشرة والصدق في التعبير، حالة نشتاقها اليوم. بالتزامن مع ذلك أجرى زياد حواراً على جزءين مع صحيفة «تشرين»، أجراها حسن م. يوسف.في العام 2009، عاد زياد إلى مسرح القلعة وقدم حفلات بعنوان «منيحة»، وكانت المفاجأة الأحلى هي اسطوانة توثّق لحفلات الصيف الذي سبق، توثيقاً موسيقياً وانسانياً. فنحن نسمع أصوات الجمهور المتصاعدة بالـ «آه». أثناء تلك الزيارة أجرى صاحب «وحدن» مقابلة تلفزيونية مع الممثل السوري بسام كوسا. أهمية المقابلة حينها مراجعة زياد لمواقفه السياسية من سوريا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، على قناة التلفزيون السوري. اتسم اللقاء حينها بالعفوية والصراحة والجرأة... والتطرق السريع إلى إرث الرحابنة.«شو بَدّي بالبلاد»انطلقت شرارة الحرب في سوريا العام 2011. سأل الناس عن موقف الرحباني. بعضهم الآخر سأل عن موقف فيروز أيضاً، علناً أو سراً. تسارعت الأحداث وتداخلت وتعقدت. أدلى الرحباني مع نهاية العام 2012 بتصريحات اعلاميّة كثيرة بخصوص المشهد السياسي العام في المنطقة والعالم. تسبّبت آراؤه حول ما يجري في سوريا بانقسام. بالنسبة للكثيرين هي تغيّر في خط زياد السياسي والإنساني العام، وبالنسبة للبعض الآخر هي فقط تأكيد عليه. ربما الجواب الأصدق يأتي من انفعال القلب وما تبوح به الذاكرة. مكانة الرحباني موسيقياً بقيت محفوظة، وذلك الأهم، لأن محبة الجمهور السوري لمؤلف «إيه في أمل» مبنية على إبداعه الموسيقي ورؤيته المعاصرة لموسيقى الأخوين رحباني، وفيروز.اجتمعت عناصر كثيرة كي يتحقق لقاء هيام حموي بالرحباني بعدما تأخر قرابة العام. تعددت مواضيع الحوار. أهمها عن ظروف العمل والإنتاج الموسيقي في الغرب، وامكانية تسويق موسيقى الشرق في أسواق جديدة، وعن عمله في صحيفة «الأخبار» ضمن زاوية «تبلّيسي». كذلك أوضح الرحباني سبب مغادرته للعمل خارح لبنان: «مشْ هجرة على روسيا. انتقال على المانيا. عم تمم كلّْ شي حتى فلْ، لأن ما بقى فيي اعمل اللي عم أعمله هون. انخرب بيتي أكتر من مرة وما بدي ارجع اتديّن. فيي اعمل مصاري هون بس بطرق غير شرعية». ربطت هيام حموي ذلك بالجانب العاطفي الأسري المتعلق بفيروز، فجاوبها زياد قائلاً: «ممكن. لم أفكر فيها بصراحة. مجموعة عناصر غلّقت (كملت) مجموعة قصص. أي ما عندك شي كتير تخسريه هون. مش قطيعة. ماعم بقدر اتصلْ فيها. يعني ما عم تجاوب».يقول زياد عن جلسته مع الإعلامية هيام حموي بأنّها «مفيدة» لأنّه لا يعرف ماذا يقول إلا من انطباع الآخرين عنه، وختم اللقاء برسالة مؤثرة إلى الشعب السوري. وترك أيضاً رسالة إلى والدته متمنياً منها أن تجاوبه قبل نهاية السنة الحالية، وضحك.قد «تحنْ» فيروز وتردّ على زياد بغمضة العين، وفي ذلك إجابة جزئيّة على تساؤلات كبيرة نطرحها عليها اليوم تخص العمل ومستقبل الأرشيف. وقد تتحقق أمنية زياد للشعب السوري أيضاً بأسرع مما توقع. لكن الأهم، نتمنى أن نستعيد تلك «الضحكة» في المستقبل بعد أن تتحقّق الأغنية التي تقول: «تترك أرض الأجداد، وتجرب غير بلاد، لا تنساني».

 

 

 

 

وليد حسين - السفير

واجهت «هيئة التنسيق النقابية»، في العام الجاري، تحديات كثيرة في عملية «شد الحبال» مع السلطة السياسية. فالأخيرة بقيت «متعنّتة» لجهة عدم إقرار «السلسلة» بالرغم من الإضراب المفتوح في المدارس الرسمية الذي امتد 33 يوماً، وبالرغم من التظاهرات الحاشدة التي نظمتها الهيئة، وصولا إلى مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية الصيف الفائت. إلا ان أبرز التحديات التي شهدتها «الهيئة» كانت داخلية مرتبطة بطبيعة تشكّلها، وهو ما يسميه رئيس «رابطة موظفي الإدارة العامة» محمود حيدر «التحدي البنيوي». فجمهور الهيئة، من نقابيّين ومعلّمين وموظّفين، يتبعون للأحزاب السياسية الموجودة في مجلس النواب، وبالتالي يخضعون لما تقرره جهاتهم الحزبية. لذا، شكّل عدم استقلالية البعض عن الجهات الحزبية في العمل النقابي ارتباكاً كاد يؤدي إلى وقف بعض تحركات الهيئة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الهيئة كانت تصطدم بهذا الجدار كلّما اتخذت قراراً. ووفق حيدر فإنّ هذه التركيبة البنيوية للهيئة جعلتها عاجزة في بعض المحطات عن اتخاذ القرارات المطلوبة. إلى هذا يُضاف تحدي وجود رابطات ونقابات عدة داخل الهيئة، «لكل منها خصوصيّتها ومطالبها الفئوية بالرغم من توحد الجميع على قواسم مشتركة»، يؤكد حيدر. هذا عدا عن التحدي المتعلق بالمساومة الصعبة التي استطاعت الهيئة إيجادها بين مكوّناتها في شأن مسألة «التصنيف والتوصيف الوظيفي». فالاختلافات في هذا الشأن بين الموظفين الإداريين ومعلمي الأساسي والثانوي ليست بسيطة، لكن الهيئة خاضت هذا التحدي وأنتجت الحد الأدنى من المساومة بينهم. خطآن يعترف نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض بأن الهيئة أخطأت في طريقة عملها النقابي، إذ إن الخطاب أخذ أبعاداً سياسية أكثر مما هي نقابية. إذ «لم يقتصر الأمر على المطالبة بتصحيح الأجور المتآكلة جراء التضخم، بل تعداه إلى المطالبة بالإصلاح الشامل وإعادة هيكلة الإدارة العامة والمطالبة بفتح ملفات الفساد». ويقرّ بـ«نعم، البعض أراد فتح معركة سياسية، لكن المسؤولية تقع على عاتق الطبقة السياسية الموغلة في الهدر والفساد وغير العابئة بشؤون البلد والمواطنين». ويُضيف حيدر إلى كلام محفوض أن «حجج عدم وجود الموارد الكافية لإقرار السلسلة، ومماطلة وتهرب السلطة، جعلتهم يفتحون ملفات الفساد والرشوة والسرقات والهدر في المرافق العامة والمطار والمرفأ والحدود البرية والأملاك البحرية والتهرب الضريبي من الشركات الكبرى». أما الخطأ الثاني وفق محفوض، فهو قرار الهيئة الذهاب بعيداً في مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية التي أدت في عملية «شد الحبال» مع السلطة إلى قرار وزارة التربية منح الإفادات لجميع الطلاب. هذه المسألة أدت إلى فقدان الهيئة بعض الصدقية أمام الرأي العام الذي كان بأغلبيته متضامناً مع مطالبها. وهنا يتفق حيدر ومحفوض على أنّ قرار منح الإفادات اتخذ بهدف ضعضعة ثقة الرأي العام بالهيئة. لكن خطورة قرار وزارة التربية تكمن في حرمان المعلمين سلاحهم الناجع في تحصيل بعض الحقوق كما حصل سابقاً لدى التهديد بمقاطعة التصحيح. رفضت السلطة عملية «ليّ ذراعها» وبدت غير عابئة، حتى لو أتى قرارها على حساب تدني المستوى التعليمي. أما الهـــــيئة فقد خسرت، بالرغــــــم من تأكيد محفوض أن وسيلة مقاطعة التصحيح هي إحــــــدى وســــائل الضغط الكثـــــيرة التي يمتلــكونها. الأجور والفساد يقول محفوض إنهم «في البداية لم يطالبوا بإقرار السلسلة، بل بتصحيح أجورهم المتآكلة، لكن الحكومة هي من كان يسعى إلى وضع مشروع سلسلة رتب ورواتب لموظفي القطاع العام فقط». ويعاتب حيدر «بعض الزملاء في التعليم الثانوي» لإثارة «صورة مغلوطة عن موظفي القطاع العام» باعتبارهم في خانة الفساد وعدم الإنتاجية. هذا عدا عن أن لجنة الإدارة والعدل وضعت في البداية مشروعاً أرسلته إلى مجلس الوزراء يحتوي على سلسلة رتب ورواتب لموظفي الإدارة العامة ولم يشمل المعلمين الثانويين الذين قاموا على أثره، بالمطالبة بتصحيح أجورهم اسوة بغيرهم. لكن ببعد المماطلة والتسويف الذي قامت به الحكومة، أثيرت هذه المطالب داخل هيئة التنسيق واتفق الجميع على ضرورة المطالبة بسلسلة رتب ورواتب تشمل جميع القطاعات. إضافة إلى أن وجود الفساد بين بعض موظفي الإدارة يعود في الإساس إلى الأجور المتدنية التي يتقاضاها هؤلاء. وواجهت «هيئة التنسيق النقابية»، في العام الجاري، تحديات عديدة في حراكها النقابي مستخدمة العديد من الوسائل الديموقراطية، بدءا بالتظاهرات والإضراب العام وصولاً إلى مقاطعة تصحيح الامتحانات. وعانت من الاستنزاف على مدى السنوات الثلاث الماضية، إذ إنها لم تستطع تحقيق مطالبها. لكنها في الوقت نفسه ما زالت مصرة على خوض معركة إقرار السلسلة واسترداد الحقوق، وفق محفوض وحيدر. وقد راهنت السلطة على تعب الهيئة وإمكانية شق صفوفها، لكنها لم تفلح. وإذا كانت الشهور الماضية لم تشهد حراكاً للهيئة فهذا مرده إلى الظروف الأمنية التي يمر بها البلد وإلى إعطاء المسؤولين الفرصة الكافية لمعالجة قضية السلسلة. لكن المماطلة والتسويف سيواجهان بحزم العام المقبل والهيئة ذاهبة إلى مزيد من التصعيد وستستخدم جميع الوسائل المتاحة من أجل إقرار السلسلة، كما يؤكّد النقابيّان. لكن الرهان سيكون على حث النقابيين المنضوين في الهيئة على الاستقلال بخياراتهم النقابية عن أحزابهم السياسية، ما يساهم في تدعيم مواقف الهيئة في معاركها. إلى هذا الرهان يضيف حيدر رهان العمل على تشكيل مروحة واسعة من التحالف يضـــــم جميع القوى الســـــياسية المتــــضررة ومؤسسات المجتمع المدني بهدف تشكيل جبهة عريضة موحّدة لخوض معركة السلسلة التي باتت قضية رأي عام.

محطات

31آذار 2014: أعلنت «هيئة التنسيق النقابية» العودة إلى الإضرابات والاعتصامات إلى حين إقرار سلسلة الرتب والرواتب. 2 نيسان: إضراب في الإدارات العامة والمدارس الرسمية تنفيذاً لقرار هيئة التنسيق للمطالبة بإقرار السلسلة. 8 نيسان: إضراب عام دعت إليه هيئة التنسيق احتجاجاً على عدم إقرار السلسلة. 15 نيسان: أجل مجلس النواب إقرار السلسلة 15 يوماً وشكل لجنة مختلطة من الوزراء وبضعة نواب واختصاصيين للتدقيق في صدقية أرقام الواردات والرسوم التي وضعت من أجل تغطية كلفة السلسلة، فردت هيئة التنسيق بإعلان الإضراب العام. 16 نيسان: إضراب. 29 نيسان:إضراب. 7 أيار: هيئة التنسيق تبدأ إضراباً مفتوحاً حتى 14 منه. 14 أيار: جلسة لمجلس النواب لمناقشة السلسلة، لم تصل إلى أي نتيجة. وهيئة التنسيق تنظم تظاهرة. 30 أيار: دعت «رابطة التعليم الأساسي» إلى الإضراب العام ومقاطعة الامتحانات الرسمية في 7 حزيران. 2 حزيران: أعلن وزير التربية والتعليم العالي الياس أبو صعب تأجيل الامتحانات الرسمية. 17 آب: أعلن وزير التربية إعطاء إفادات نجاح (ترشيح) لجميع من تقدم إلى الامتحانات الرسمية بمن فيهم طلاب التعليم المهني والتقني. 1 تشرين الأول: أعلن رئيس مجلس النواب تأجيل الجلسة التشريعية التي عقدت لإقرار سلسلة الرتب والرواتب بسبب الاعتراضات التي رافقت الجلسة خصوصاً قطاعي التعليم الخاص والعسكريين وأحالها على اللجان النيابية. نفذت «نقابة المعلمين في المدارس الخاصة» إضراباً في مختلف المدارس الخاصة واعتصاماً مركزياً في ساحة رياض الصلح احتجاجاً على حرمان القطاع الخاص الدرجات الست والفصل في التشريع بين العام والخاص.

الصفوف والمعارك

تشكّلت هيئة التنسيق النقابية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي وضمت في صفوفها العديد من الرابطات والنقابات بالإضافة إلى مشاركة «الاتحاد العمالي العام». ولاحقا شهدت الهيئة تغيرات هيكلية، إذ خرجت «رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية» من صفوفها ودخلت نقابات أخرى. وفي مطلع العام 2012، نشب خلاف بين الهيئة و«الاتحاد العمالي العام» عندما قبل هذا الأخير بقرار مجلس الوزراء رفع الحد الأدنى للأجور إلى 675 ألف ليرة لبنانية، فاستبعد من دائرة تحركات الهيئة. حالياً، تضم الهيئة خمسة مكوّنات، هي: «نقابة المعلمين»، «رابطة أساتذة التعليم الرسمي الثانوي»، «رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني»، «رابطة معلمي التعليم الأساسي الرسمي»، و»رابطة موظفي الإدارة العامة». أما أبرز المعارك التي خاضتها الهيئة فهي معركة رفع الأجور بنسبة 120% كي تعادل ارتفاع معدل التضخم وارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد منذ العام 1998، تاريخ آخر تعديل للأجور. ومعركة إقرار ما يسمى سلسلة الرتب والرواتب، التي ما زالت مستمرة. وأبرز أنشطة الهيئة كان الإضراب المفتوح الذي استمر 33 يوماً في المدارس الرسمية العام الجاري، بالإضافة إلى التظاهرات والاعتصامات اليومية التي لم يشهد لها لبنان مثيلا منذ سبعينيات القرن المنصرم.

 

كامل جابر -السفير

«من كان بحجم مؤسسة يجب أن تكون له مؤسسة»، عبارة قالها العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله أمام وفد لجنة تكريم الشهيد الدكتور حكمت الأمين منذ ربع قرن، في أعقاب استشهاده ورفاقه، بغارة إسرائيلية استهدفت مقر الحزب الشيوعي اللبناني في الرميلة بتاريخ 29 كانون الأول 1989. أقيم احتفال تكريمي للشهيد الأمين في بلدته كفررمان، بعد سنة على استشهاد «طبيب الفقراء» ثم طويت صفحته. لاحقاً أهمل لأن إقامة احتفال «قد يخلق مشكلة حزبية، أو رد فعل سلبياً من قبل ذوي الشهداء المقاومين»! تبرير مبالغ فيه، لا بل يشعر كثيرون ممن عايشوا حقبة الطبيب الشهيد بجفاء حزبي تجاهه، لم يظهر اليوم فحسب، بل في أعقاب تشكيل لجنة تكريم الشهيد حكمت الأمين التي أعلنت في «نقابة الصحافة» في 29 حزيران 1990، ومن بعدها ثمة من عمل في الحزب على حصر دور اللجنة، ومن ثم فرط عقدها الذي ضم وجوهاً وطنية وجنوبية. ومع فرط عقد اللجنة، ضاعت الأوراق والمستندات والصور التي جمعت لإصدار كتاب يتناول سيرة هذا المناضل الجنوبي الاستثنائي، حتى الشهادة، حتى أن عائلته لا تمتلك اليوم شيئاً من صوره الخاصة التي سلمت إلى لجنة حزبية كلفت إعداد الكتاب وتنفيذه. وضريحه عانى من إهمال قبل أن تأخذ عائلته على عاتقها، منذ سنوات قليلة، ترميمه وتحسينه. بعد وضع نصب تذكاري له في باحة مستشفى «النجدة الشعبية اللبنانية» في النبطية، من تنفيذ الفنان شربل فارس، مرت سنوات طويلة قبل أن يطلق اسم حكمت الأمين عليها، لكن معظم الأوراق والفواتير ما زالت تحمل اسم «مستشفى النبطية». مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده، طُرحت «فكرة» واحدة لإقامة نشاط في المناسبة، في اجتماع فرع «النجدة الشعبية» في النبطية، وسرعان ما طوي البحث في الأمر حتى إشعار آخر! جريدة السفير

 

 

الأكثر قراءة